«المحفوظات العربية»... هل تسهم في استمرار الوعي البشري؟

العرب يحتفون باستحياء باليوم العالمي للتراث

شعار اليوم العالمي للتراث السمعي والبصري
شعار اليوم العالمي للتراث السمعي والبصري
TT

«المحفوظات العربية»... هل تسهم في استمرار الوعي البشري؟

شعار اليوم العالمي للتراث السمعي والبصري
شعار اليوم العالمي للتراث السمعي والبصري

اعتمد المؤتمر العام لـ«اليونيسكو» في دورته الثالثة والثلاثين سنة 2005 بباريس يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) يوماً عالمياً للتراث السمعي والبصري، وذلك احتفالاً باعتماد المؤتمر العام في دورته الحادية والعشرين سنة 1980 التوصية الخاصة بحماية الصور المتحركة.
لكن أظهرت السنوات الماضية أن العرب يحتفون كل عام بهذا اليوم باستحياء. وفي كل سنة تطلق أمنيات وتمنيات بأن يكون الاحتفال العربي في العام المقبل أعمّ وأشمل وأكثر مبادرات وحملات لإظهار ما لدى الدول العربية من تراث مرئي ومسموع في تلفزيوناتها وإذاعاتها التي يزيد عمر بعضها على 70 عاماً ويختزن كثيراً من الفكر والتاريخ والصور التي توثق المراحل السياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية في كل بلد عربي.
لا شك أن حفاظنا على الموروث هو الحفاظ على شهادات وأحداث ومعارف وأفكار وشواهد ترسخ مسيرة الشعوب والدول في التلاقح والتطور، ويسهل لمن بعدهم آليات التفاهم والبناء. فالتراث يربط الأمس بالحاضر إلى المستقبل. والمحفوظات السمعية والبصرية تروي قصصاً عن حياة المجتمعات وتحولاتها وتغير أوضاعها وانتقالاتها وثقافاتها المتراكمة التي تطورت مع الوقت، وتالياً، هي تُمثل تراثاً لا يقدر بثمن يرسخ تاريخنا في وجدان الحياة ويجمع ذاكرتنا عبر مراحل مختلفة من التاريخ، ويُبرز التنوع الثقافي والاجتماعي واللغوي للمجتمعات.
لكن دولنا لم تحذُ بعد حذو الدول المتقدمة التي اعتنت بما لديها من أرشيـف مرئي ومسموع، وجعلته في منصة التراث العالمي وأتاحت للأجيال فرص الاطلاع عليه، ليس فقط في بلدانهم إنما في أرجاء الكوكب الفسيح كافة. «هذه هدية من عالم صغير بعيد، وتذكار من أصواتنا ومعلوماتنا، من صورنا وموسيقانا، ومن فكرنا وأحاسيسنا. إننا نحاول البقاء لعلنا نعيش بعض الوقت من الزمان ونعاصركم...».، مقطعٌ من الرسالة التي قدمها رئيس الولايات المتحدة الرئيس جيمي كارتر على قرص فونوغراف ذهبي وأرسلت إلى الفضاء ضمن بعثة «فوياجر»، أملاً في الاحتكاك مع أناس عاقلين خارج كوكب الأرض. كما تضمن القرص تحية صوتية من كورت فالدهايم، الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت من عام 1977، فضلاً عن تحيات سُجلت بـ55 لغة من لغات الأرض كان منها باللغة العربية «تحياتنا للأصدقاء في النجوم، يا ليت يجمعنا الزمان»، تليها أصوات رياح وأمواج وحيوانات من كوكبنا ومن ثم 90 دقيقة من التسجيلات الموسيقية، من بينها ألحان شعبية ومقطوعات من يوهان سباستيان باخ وبيتهوفن، وصور لجسم الإنسان وأعضائه. إضافة إلى ذلك احتوى القرص الذهبي على صور لحيوانات وحشرات ونباتات ومناظر طبيعية وتضاريس الأرض.
كانت تلك هي المحاولة الرسمية الأولى للتعرف على الآخر من خارج الكوكب. ومن شأن البعثة الفضائية إظهار كوكبنا كعائلة واحدة رغم الاختلافات والخلافات بين أفرادها، من خلال صور وأصوات تختصر هوية الكرة الأرضية. وكانت الرسالة تعبر عن التنوع والفرادة بعيداً عن العرقية، وتشير إلى أن الاختلاف معطى كوني يجعلنا نتصل بما قبلنا وبما بعدنا، وأن مجرد وجودنا هو انتماء ذاتي لبنية الكون.
كوكب الأرض، بيتنا في هذه الحياة، يتهدده الكثير من الكوارث والطوارئ. وتشير غير دراسة إلى أن نحو ثلاثمائة لغة في العالم من بين ستمائة، معرضة للانقراض. ولكون اللغات تمثل حضارات أمم وتراثها الثقافي والاجتماعي والمعيشي، شنّت «يونيسكو» أكبر حملة دولية للحفاظ على هذا التراث البشري من الضياع والزوال، علماً بأنه خلال القرون الثلاثة الماضية توارت عشرات اللغات. وبموت الموروث تموت أمة ويطويها النسيان.
وتلبية لحاجات حفظ الذاكرة الجماعية، أنشأت «يونيسكو» لجنة «ذاكرة العالم» في 1992. وواكبت هذا التطور مع تكريسها سنوياً، منذ 2005، السابع والعشرين من أكتوبر يوماً عالمياً للتراث السمعي والبصري، بغية إنقاذ الموجودات السمعية البصرية الثمينة من أحداث أو حروب عرضتها للتلف أو للضياع أو للنهب أو للاتجار غير المشروع. وذلك من خلال حفظها في ظروف تقنية سليمة ومستدامة.
ويأتي دور الحكومات والمؤسسات والمهتمين في زيادة الوعي العام بأهمية أرشفة وحفظ التراث وما يتضمنه من سمعيات وبصريات، من خلال رقمنتها لتيسير الوصول إليها، مستفيدة من التجارب الناجحة في مؤسسات وجامعات كثيرة، كجامعة فندربلت مستودع الأرشيف الأميركي لأخبار التلفزيون.
عربياً، الأرشيف الرقمي لهيئة الإذاعة والتلفزيون السعودي يحتوي على مليون مادة، وقد انضم إلى المجلس الدولي للأرشيف وانضمت أيضاً دارة الملك عبد العزيز التي أولت أهمية كبرى للمحافظة على التراث السمعي البصري في السعودية، فأنشأت عدداً من قواعد بيانات ومعلومات في الدارة، منها ما هو مخصص للمخطوطات الوطنية، معلومات التاريخ الشفوي، والصور التاريخية، والوثائق التاريخية. وأطلقت مشاريع لأرشفة التراث وحفظه ورقمنته. وفي مبادرة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، أطلق الأرشيف الوطني في الإمارات وجامعة نيويورك أبوظبي عملية رقمنة ضخمة للمواد التاريخية باللغة العربية، ستتاح للجمهور محلياً وعالمياً عبر مكتبة رقمية تسمى «المجموعات العربية على الإنترنت». بمشاركة جامعات كولومبيا وكورنيل وبرنستون والجامعتين الأميركيتين في بيروت والقاهرة.
وبالمثل، تبذل وزارة الإعلام البحرينية جهودها في تنفيذ مشروع المعالجة الرقمية للمواد الإعلامية الإذاعية والتلفزيونية والمصورة، الشاهدة على تاريخ البحرين الحديث، وتراثها الفكري والحضاري، عبر إنجاز الأرشفة الرقمية لأكثر من 104 آلاف ساعة تلفزيونية و80 ألف ساعة إذاعية لحفظ التراث الوطني.
كل تلك المبادرات لم تنتشل اللغة العربية من منزلتها الخفيضة كأقل اللغات الحية استفادة من تراثها البصري والسمعي، على الرغم من ضخامة المحتوى الذي تحتضنه المؤسسات الثقافية والأفراد من المهتمين والمتخصصين. ومن أبسط المؤشرات التي تدل على ذلك أنه إلى لحظة كتابة هذا المقال لا توجد منظمة أو موقع عربي يعنى بهذا الموروث وحتى إنك لن تجد صفحة في موقع ويكيبيديا لليوم العالمي للتراث السمعي والبصري.
ولذا، فإن صَون هذا التراث الفكري وضمان إتاحته لنا حاضراً وللأجيال المقبلة يُعد هدفاً حيوياً لكل الشعوب، فعلى قول خايمي توريس بودِت (1902 - 1974) المدير العام لـ«يونيسكو» بين 1948 و1952: «المحفوظات ليست مقابر ضخمة للموروثات، بل واحات مضيئة لاستمرار الوعي البشري».

* كاتب سعودي



حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.