هل توجد فلسفة للشعر الحديث؟

الحرية قد تصبح عبئًا علينا إن لم نعرف كيف نقف بها عند حدود معينة

شارل بودلير و عبد المعطي حجازي
شارل بودلير و عبد المعطي حجازي
TT

هل توجد فلسفة للشعر الحديث؟

شارل بودلير و عبد المعطي حجازي
شارل بودلير و عبد المعطي حجازي

هل للشعر الحديث فلسفة يا ترى؟ أم أنه مجرد انقلاب شكلاني على الشعر القديم بأوزانه وقوافيه؟ ولكن هل يمكن أن يتغير الشكل من دون أن يتغير المضمون؟ حول هذه الأسئلة سوف تدور مقالتنا الحالية. وسوف نعتمد فيها على إضاءات الباحث جون ادوين جاكسون صاحب المؤلفات العديدة حول الموضوع. وهو أستاذ الأدب الفرنسي في جامعة بيرن بسويسرا، وأستاذ الأدب المقارن في جامعة جنيف. ويعد أحد الاختصاصيين المعدودين في مجال الشعر والحداثة الشعرية بشكل عام. وكان قد أصدر سابقا عدة كتب لافتة، نذكر من بينها: «الشعر ونقيضه: مقالة في الحداثة»، «مسألة الأنا: أحد جوانب الحداثة الشعرية الأوروبية»، «هيجانات الذات: دراسة العلاقة بين التحليل النفسي والأدب»، «بول سيلان: الكلام المضاد والمطلق الشعري»، «بودلير إلى ما لا نهاية».. إلخ.
في مقدمة الكتاب الأول يستشهد الناقد المذكور بمقطع للشاعر الألماني بول سيلان يقول فيه: القصيدة تميل نحو الآخر. إنها بحاجة إلى هذا الآخر. إنها تبحث عنه وتهب نفسها له، ما معنى قصيدة من دون متلقٍّ، من دون سامع؟ كل شيء، كل كائن إنساني يصبح بالنسبة للقصيدة التي تميل نحو الآخر شكلا من أشكال هذا الآخر. هل هناك من علاقة بين هذا الكلام وعبارة رامبو الشهيرة: الأنا هي آخر؟ وهل يعني ذلك أن الشاعر منقسم على نفسه بالضرورة؟ ما معنى الشعر من دون الجنون الداخلي والهستيريا الشعرية؟ يمكن أن نكثر من طرح الأسئلة إلى ما لا نهاية. على أي حال يرى الناقد جاكسون أن الغموض ليس سمة من جملة سمات أخرى للشعر الحديث. وإنما هو السمة الأساسية الملازمة له. فلا أحد يستطيع التحدث عن الشعر بعد عام 1800 وحتى اليوم إن لم يأخذ مسألة الغموض بعين الاعتبار. ينبغي أن نفهم ونقبل أن الشاعر، على عكس الآخرين، يأخذ كامل حريته عندما يستخدم اللغة. وعن هذه الحرية المطلقة ينتج الشعر. الشاعر ليس عالم اقتصاد ولا باحثا سياسيا يكتب خطابات آيديولوجية ويستخدم اللغة بشكل نفعي محض. الشاعر شخص مجاني، وعن هذه المجانية ينتج الشعر أيضا. والغموض حظ للغة وليس نقمة أو مصيبة كما يتوهم الجمهور الكريم. لماذا؟ لأن الغموض يتيح للغة أن تعبر عما لا تستطيع التعبير عنه في الحالة العادية. إنه يتيح لها التعبير عن عدة احتمالات معنوية لا احتمال واحد. وبالتالي فلغة الشعر غنية لا فقيرة. إنها إيحائية لا تقريرية.
ثم يضيف الباحث قائلا:
صحيح أن الغموض ليس مقتصرا على الشعر الحديث. يكفي أن نقرأ بعض أشعار شكسبير لكي نتأكد من ذلك (ونحن العرب نقول: يكفي أن نقرأ شعر أبي تمام..). ولكن الفرق بين الشعر الكلاسيكي والشعر الحديث هو أن الغموض أصبح منتشرا بكثرة في هذا الأخير. لقد تحول إلى ظاهرة عامة ولم يعد استثناء كما كان عليه الحال في السابق. ويمكن القول إن جان جاك روسو هو أول من أحدث انقلابا في الآداب الأوروبية. فقد انتقل بها من المرحلة الكلاسيكية إلى المرحلة الرومانطيقية. وجعل من استكشاف الذات الداخلية محور الأدب. وهكذا لغم أساسات الكتابة التقليدية ودشن العصور الأدبية الحديثة. روسو لم يكن مفكرا عظيما فقط، وإنما كان أيضا كاتبا أديبا لا يشق له غبار. حتى فولتير كان يغار منه ويخشاه. وعندما يرخي لقلمه العنان كان يبلغ ذروة الكتابة الأدبية. ويرى البعض أنه كان مصابا بانفصام سيكولوجي داخلي، وإلا لما استطاع أن يجمع بين قمة الشعر وقمة الفكر في آن. فعادة إما أن تنبغ في هذا أو في ذاك، ولكن ليس في الاثنين معا. إنه أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء تماما كما قالوا عن التوحيدي أو المعري. ولكن هذه الأنا الداخلية التي كانت تبدو لروسو قريبة ومفهومة للوهلة الأولى سرعان ما تعكرت وأصبحت غامضة، ضبابية. وبالتالي فأصبح التعبير عنها هو الآخر ضبابيا معتما. فالشكل يساير المضمون. لا شعر جديدا بأثواب قديمة. وروسو نفسه يتحدث عن أعماقه الداخلية وكأنها متاهة. فالأنا، من يعرف الأنا؟ من يستطيع أن يقول إنه يعرف ذاته عن جد؟ من يتجرأ على النزول إلى أعماقه السفلية، اللهم إلا إذا كان بودلير وريلكه ونيتشه وبعض المجانين الآخرين.. من أيام سقراط، وتلك العبارة الشهيرة «اعرف نفسك بنفسك»، ونحن حائرون. نحن لا نعرف من نحن. ذلك أن استكشاف المهاوي السحيقة للذات الداخلية عملية عويصة ومعقدة. وقد تؤدي إلى معانٍ مختلفة لا إلى معنى واضح أحادي الجانب. من هنا سر غموض الأدب الحديث. فبما أنه متركز أساسا على استكشاف الذات وغياهبها ودهاليزها، فإنه لم يعد بإمكانه أن يكون واضحا كما كان عليه الحال أيام الأدب الكلاسيكي القديم.. وهكذا غاب المعنى الواضح أو تبخر في الهواء. وأصبح الشعر الحديث أداة لاستكشاف هذا المعنى الغائب المفقود.. أصبح يجري لاهثا وراء شيء ضاع. وفقد تلك اليقينية المطلقة والمطمئنة التي كان يتمتع بها أيام الشعر الكلاسيكي. من هنا سبب انزعاج الناس من الشعر الحديث. فهم يريدون معنى واضحا يقبضون عليه قبض اليد، ولكنهم لا يجدون شيئا. إنه يفلت من بين أصابعهم. إنهم يجدون أنفسهم أمام احتمالات معنوية عديدة. ضاعت «الطاسة»! وبما أنهم كانوا معتادين على وضوح الشعر الكلاسيكي ويقينيته، فإنهم يشعرون الآن بفقدان الأمان وانعدام الوزن. لهذا السبب تعرض الشعر الحديث في أوائل ظهوره لهجوم عنيف. وهذا ليس فقط في أوروبا. في سوريا كنا أحيانا نشتبك بالأيادي بين أنصار الشعر العمودي وأنصار الشعر الحر، كما يحقد بعضنا على بعض، أو ينظر بعضنا إلى بعض شزرا. فمحل الطمأنينة اليقينية حلت الحيرة والتساؤل والشك كسمة أساسية من سمات الشعر الحديث. وحل الغموض الواضح أو الوضوح الغامض، محل الوضوح الراسخ للمعنى الوحيد. وقد تحدث عن ذلك بشكل لا مباشر وبنوع من الحنين واللوعة الشاعر الكبير جيرار دونيرفال. يقول في بيته الشهير: أنا المعتم، أنا المظلم، أنا الأرمل الذي يستعصي على كل عزاء.. نعم لقد خسر الشاعر الحديث شيئا كبيرا، إذ انتقل من المرحلة الكلاسيكية إلى مرحلة الحداثة. خسر اليقين والطمأنينة والوضوح والعيش الرغيد. ووجد نفسه مقذوفا في خضم الضياع والمتاهات اللانهائية للحداثة. فالحداثة ليست خيرا كلها، أو قل ليست راحة ولا استقرارا. الحداثة ضياع، قلق، توتر، غثيان. لكن ما أعظم طعم الحرية! ما أجمل الخروج من سجن القوافي والأوزان! كم قيدت الإمكانيات التعبيرية للشاعر القديم. كم جعلته مصطنعا أحيانا ومزيفا ومرهقا يئن تحت وطأتها! إلخ، إلخ.. صحيح أن هذه الحرية قد تصبح عبئا علينا إن لم نعرف كيف نقف بها عند حدود معينة. فالحرية أيضا مسؤولية، وكذلك الشعر. لا تستطيع أن تقول كل شيء اللهم إلا إذا مارست الكتابة الأوتوماتيكية للسرياليين. فالشعر إذ يفقد المعنى الوحيد الموثوق يصبح مفتوحا على كل المعاني. وقد يضيع في متاهات اللامعاني.. من هنا ظهور نظريات العبث واللامعقول والعدمية والمجازات المستحيلة الشاذة التي يمتلئ بها الشعر الحديث. وقبل نيرفال احترق شاعر آخر بسبب فقدان الوحدة المعنوية هو: هولدرلين. واحترق شعراء آخرون ليس أقلهم بودلير، أو رامبو، أو فيرلين، أو مالارميه. وعن هذا الاحتراق نتج الشعر كأعظم ما يكون.
لكن لنوسع الإشكالية أكثر؛ لا يمكن أن نفهم ظاهرة الشعر الحديث في الغرب إلا إذا ربطناها بالمتغيرات الانقلابية التي طرأت على المجتمعات الأوروبية التقليدية بدءا من القرن التاسع عشر. فالمجتمع الصناعي الحديث وضع الفرد في حالة صعبة أو تناقضية. صحيح أن الحداثة حررت الفرد من قيود الماضي وأثقاله، ولكنها أدت إلى اغترابه واستلابه في عصر الصناعة والآلات التي تسحق الأنا والذاتية. لقد انتهى المجتمع الزراعي الفلاحي الجميل. انتهت البراءات الأولى والطبيعة البكر والمناظر الريفية التي لم يسحقها بعد بلدوزر التكنولوجيا. وهكذا حصل الطلاق بين الحلم الرائع للشعراء، والواقع المادي الخارجي التكنولوجي الذي لا يعبأ بهم ولا بمشاعرهم. ما علاقة التكنولوجيا والبلدوزرات بالمشاعر؟ إنها تسحقها. كم تألم بودلير بسبب ذلك؟ أو قل إن أحلامهم تكسرت على رصيف واقع مادي، بارد، لا يرحم. وربما لهذا السبب جن معظمهم، بل وانتحروا. فجيرار دو نيرفال شنق نفسه في ليلة ليلاء على عمود في ساحة الشاتليه وسط باريس. وبودلير مات في عز الشباب بحالة غير طبيعية (46 سنة). وهولدرلين جن تماما لمدة 40 سنة تقريبا. انظروا قصائد الجنون لهولدرلين: من أجمل ما يكون! كتبها قبل أن ينطفئ كليا عندما كان لا يزال في مرحلة مترجرجة بين العقل والجنون. وفيرلين غاص في الكحول حتى التقطوه من شارع السان ميشيل في الحي اللاتيني.. كلهم دفعوا ثمن الحداثة أو مغامرة الحداثة باهظا.
ينبغي أن نعترف بالحقيقة: لقد حصل تناقض مروع أو قاتل بين الأحلام الشعرية الوردية التي كانت تسكنهم والحضارة التكنولوجية الصاعدة التي لا تعبأ بالعواطف والمشاعر. حقا إنها حضارة معادية للشعر والحلم. ألم يتحدث أحمد عبد المعطي حجازي عن «مدينة بلا قلب»؟ ماذا يستطيع أن يفعل الشعر أمام الآلات الزاحفة؟ ألم يتحدث هيدغر عن انحسار براءات الريفية أمام هجمة التكنولوجيا؟ عالم بأسره يموت وينقرض أمام أعيننا عالم المراعي والأغنام وأشجار اللوز والبرتقال.. هذا ناهيك عن السواقي والأنهار والليالي المقمرة وقصص الغرام.. كل هذا انتهى بعد القرن التاسع عشر. وهكذا تحول الشاعر إلى شخص مستلب أو غريب وسط ضوضاء هذه الحضارة الصناعية والتكنولوجية وصخبها.. ألم يتحدثوا عندئذ عن موت الشعر؟ لقد أصبح الشاعر مقتلعا من جذوره، غريبا عن نفسه، عاجزا عن التصالح مع ذاته ومع العالم الخارجي في آن معا.. فماذا يفعل إذن؟ يكتب الشعر، يستمر في كتابة الشعر.. لماذا؟ للشهادة على هذا الانهيار: انهيار عالم بأسره وصعود عالم جديد على أنقاضه. هذه هي الحالة المثالية لكتابة الشعر. ما أجمل أن تكون متصادما مع العالم وعاجزا عن التصالح مع ذاتك. عندئذ ينفجر الشعر من تلقاء ذاته.



«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري
TT

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

تزاوج رواية «القالوفة: عشرية عبد القادر صابونة»، للروائي الجزائري الشاب عبد الباسط باني، بين اللعب الفني والجمالي، والنقد السياسي والاجتماعي الحاد والجذري من جهة أخرى، متكئة على كثير من حس السخرية المتغلغلة في نسيج البناء السردي، لكنها كثيراً ما تكون سخرية سوداء، مرة ومفعمة بالأسى، إذ تراوح الأحداث كثيراً بين المأساة والملهاة. ويتبدى هذا اللعب منذ العنوان «القالوفة»، كلمة دارجة في الجزائر معناها (القفص الذي توضع به الكلاب الضالة عقب التقاطها من الشوارع)، فالعنوان الجانبي الشارح، «عشرية عبد القادر صابونة»، يظل معلق الدلالة، إذ يمكن أن يشير إلى العشرية السوداء في التسعينيات، والتي انضم فيها (عبد القادر) إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، حين كان يقتل باسم الدين، كما يشير من جانب آخر، وعبر دوال نصية كثيرة، إلى عشرية جديدة، عقب المصالحة الوطنية في مطلع الألفية، وصعود (صابونة) الراديكالي التائب سُلّم السلطة، ليمارس انتقامه من المجتمع، لكن عبر بوابة الدولة كمسؤول كبير فيها، وباسم القانون وحماية الوطن هذه المرة، مدشنا عشريته الخاصة، المليئة بالفساد والنهب الممنهج.

الرواية صدرت في القاهرة عن «منشورات الربيع»، وبدأت بمشهد صادم وقاسٍ يعود إلى بدايات العشرية السوداء، في مدينة «مليانة»، حيث تقتحم جماعة تنتمي لتنظيم إسلامي منزل (رشيد)، الصحافي المستنير الذي يهاجمهم في مقالاته، فيقتلونه، ويقتلون ابنته (بديعة)، ويختطفون (فتيحة) زوجته الحبلى معهم إلى الجبل، في حين ينجو ابنه (محمد)، بسبب دفاع كلبه عنه بقوة، وعقر الملثمين، فيموت الكلب فداءً لصديقه الطفل ويتلقى الرصاصة نيابة عنه. وتتضاعف القسوة عندما يرى رشيد قبل مقتله شقيقه الأصغر (منصوري) بين الملثمين، بعد أن انزلق إلى هوة العنف، جاء معهم وفق مبدأ السمع والطاعة، والولاء والبراء، ليشارك في قتل أخيه الذي تعتبره جماعة الجبل «كافراً»، لمجرد أنه يحب الفنون والغناء، ويدافع عن الحرية، لكن منصوري لم يقوَ نفسياً على تنفيذ أمر أمير الجماعة بأن يقتل شقيقه بنفسه، فيكون مصيره القتل هو الآخر، بدعوى أن إيمانه منقوص ورخو.

هذا المشهد الافتتاحي الدموي، يبدو مرجعاً لكثير من الأحداث التي تتأسس عليها الرواية بعد ذلك، ثم ينفتح السرد، بدءاً من الفصل التالي على مساحات من التخييل، عبر تبئير شخصية (محمد)، الناجي الوحيد من مذبحة أسرته، فقد «ضاقت به مليانة، فغادرها نحو عين الدفلي، يجر خلفه قافلة الكلاب التي صارت أسرته الجديدة»، فقد أسماه الناس (الملياني)، نسبة إلى بلدته، وأصبح يعيش مشرداً، لا يأمن سوى للكلاب، يصاحبها، ويأتنس بها، ويحنو عليها، حتى عثر على الكلب (النيطوش)، البائس المشرد مثله، ويصطفيه صديقه المقرب، ونبدأ في رؤية العالم بعيون (الملياني) و(النيطوش)، بوصفهما ممثلين للهامش المقموع، الصوت المسكوت عنه، المطارد، لكنه يرى ويعرف حقيقة مجتمع المدينة، ومثالبه، ورموزه المصطنعة، فالاثنان في حالة تعارض مع شخصية «عبد القادر صابونة». الملياني وهو طفل كان ضحية (صابونة) وجماعته في سنوات العشرية السوداء، وبعد المصالحة ظل أيضاً ضحية (صابونة) نفسه في عشريته الجديدة.

تمتد الرواية زمنياً على مدار ثلاثين عاماً، ويتراوح فضاؤها المكاني بين مدينتي مليانة وعين الدفلي، وترتكز على التوثيق عبر إيراد أخبار صحافية ومقالات وأغاني لمطربين جزائريين معروفين. كما تعتمد بشكل رئيس على تقنية تعدد الأصوات، وهو ما يبدو من عنوان الفصول السردية، ليس فقط صوت الهامش ممثلاً في (الملياني)، وصوت المركز ممثلاً في (عبد القادر)، لكن الطريف هو منح مساحات كبرى لأصوات الحيوانات التي تقدم خطابها وصوتها، سواء ضد السلطة التي تطاردها وتقمعها، وتضعها في القالوفة، أو ضد سلطة الإنسان وتجبّره على الحيوانات بشكل عام، كما يقول أحد القرود: «من المفترض أن تكون هناك حدائق للبشر، بدل حدائق الحيوانات، ونحن من نزورهم ونطعمهم، كل حيوان يربي بشرياً. قد لا نجيد فعل ذلك، لكن على أسوأ تقدير لن نبصق عليهم ونهينهم مثلما يفعلون».

فالفصل الثاني من الرواية يأتي على لسان (حمو)، وهو كلب يروي معاناته مع (مبارك) السادي الذي يهوى تعذيبه، وكذلك صوت القط (مخطار)، فضلاً عن أصوات كثير من الحيوانات من الكلاب والحمير والدجاج والقرود والغربان وغيرها، ويتسع حضور الحيوانات في المتن السردي، حتى تأخذ مركز البطولة مع تنامي السرد، بل تقوم بثورة على تسلط البلدية، وتملأ الشوارع والميادين، بعد فشل الحراك الشعبي في الجزائر إبان الربيع العربي، فتنهض الحيوانات في حراك بديل، ضد العسف والقمع والتجويع الذي يطالها يومياً.

تحفل الرواية بحالة من الكرنفالية، بالمفهوم الباختيني، فالفضاء الروائي يتحول إلى سيرك، ويجري تبادل الأدوار، فالحيوانات تصبح أكثر إنسانية من الإنسان، وتثور على السلطة بمعانيها كافة، وتجريد الإنسان من مركزيته، كما يجنح السرد، وفق هذا المفهوم الكرنفالي، إلى نزع هيبة رجال السلطة ممثلة في (عبد القادر)، ويسلبه قوته وفتوته المزعومة، ويمنحه الاسم الساخر (صابونة)، الذي التصق به منذ كان متمرداً راديكالياً مختبئاً في الجبل، وحاول إفراغ شهوته في كلبة، لكنها عقرته، وانتزعت عضوه الذكري، وتركت مكانه مستوياً وناعماً، مثل الصابونة، بلا أي نتوءات، لذا أصبح له ثأر مع الكلاب، يفرح بقتلها بعد المصالحة وعمله في البلدية، كما كان يفرح بقتل البشر عندما كان «جهادياً»، ولم يكتفِ السارد بنزع ذكورته، بل أضفى عليه صفات أنثوية، ليحوله إلى أضحوكة، وينزع عنه كل هيبة. كما تتبدى الكرنفالية أيضاً في سخرية (مبارك)، الروائي السادي، من الناقد الذي ينقد أعماله، فيذبح كلبه (حمو)، ويطبخ كبده كوجبة للناقد، في محاولة للسخرية من سلطته. فالرواية، إجمالاً، كرنفال ساخر، يفكك كل سلطة، وينزع القداسة عن كل مدعٍ، معيداً إنتاج ثنائية المركز والهامش، مانحاً البطولة لكل مقموع.

تبدو كل شخصيات الرواية معاقة ومشوهة، جسدياً أو نفسياً، بدءاً بعبد القادر، مروراً بـ«مبارك» الذي فقد قدمه ويعيش بقدم بلاستيكية، كما يعاني نفسياً من معرفته أن أمه كانت غانية، ووضعته في كيس قمامة أسود على باب إحدى المؤسسات، و(الملياني) المشرد المسكون بمشهد مقتل أسرته أمام عينيه، و(ليندا) التي تكتشف أنها ابنة (رشيد) و(فتيحة)، فعندما اختطف الملثمون أمها كانت حبلى فيها، وماتت بعد ولادتها، وهربت بها إحدى النساء من الجبل، ووضعتها أيضاً على باب إحدى المؤسسات.

هذه الشخصيات الممزقة جسدياً ونفسياً، في عام 2019، حيث تدور الوقائع الرئيسة للرواية، وقت ثورة الحيوانات، كلها شخصيات منحدرة من فترة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، فما يحدث في الواقع اليوم، هو نتاج ذلك التاريخ الذي يبدو بعيداً، لكنه يظل مطموراً وفاعلاً في نفوس الشخوص، تاركاً ندوبه العميقة في نفوسهم، بل في أجسادهم أيضاً، لذا يراوح السرد في حركة بندولية بين الحاضر والماضي، كأنه يفكك الحاضر، ويحفر في الماضي بحثاً عن الجذور المؤسسة لهذا الواقع وهذه الشخوص الشائهة، وما قاله الصحافي رشيد قديماً: «لم يعد أمامي سوى أن أموت كاتباً أو أعيش صامتاً. اخترت أن أرحل. ليال كثيرة قضيتها في التفكير. العاصمة صارت مصيدة، كل ركن فيها له عين أو فوهة بندقية» لا يختلف كثيراً عما يقوله ابنه (الملياني) المشرد بعد ما يقارب ثلاثين عاماً: «اعلموا أن البلاد صارت مقبرة كبيرة، بل قالوفة كبيرة، تبتلع في أقفاصها كل صوت رافض للقمع والإذلال والجوع والتطرف». ومن ثم، لا فارق بين «مصيدة» العشرية السوداء و«قالوفة» عشرية عبد القادر صابونة.


تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش
TT

تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش

يركز الباحث رامي مصطفى هلال في كتابه «ملامح السرد في الخطاب الشعري عند محمود درويش»، الصادر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، على «تجليات البيت» في قصيدة الشاعر الفلسطيني الأشهر، باعتباره رمزاً يختصر الوطن ويفيض بالحميمية والعذوبة.

ويشير إلى أن البيت وُظّف سردياً في شعر درويش؛ فهو ليس بيتا ذا أبعاد هندسية، لكنه يحمل ذاكرة الوطن المستلب في الخروج والعودة، ويظل مفتاحه الدائم في أيدي الفلسطينيين تاريخاً وشاهداً على الحق الثابت، وأملاً في العودة إليه مرة أخرى.

يسرد درويش في حوارية مع الأب، في سهل من سهول فلسطين، في قصيدة «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» سيرته الذاتية إبان النكبة، حين الخروج القسري من بيته ووطنه، ربما تكون قرية «البروة» التي وُلد فيها نابتة في حضن هذا السهل. ومن خلال راوٍ عليم، كليّ المعرفة، وشخصَيْن يقوم عليهما السرد والحوار، هما الأب والابن، تتوالى سردية ذات شحنة درامية مؤثرة إنسانياً.

يقول درويش في افتتاحية سينمائية لقصيدته يتشابك في فضائها فعلُ الحدث والكشف عن نفوس الشخصيات من خلال الاستفهام البريء للطفل واستحضار صيغة الاستفهام المكاني الذي يقوم عليه فعل السرد في القصيدة كلها:

«إلى أين تأخذني يا أبي؟

إلى جهة الريح يا ولدي»

يتوقف الحدث عند الحوار الكاشف الذي وهب المتلقي في ومضة واحدة شخصيتَي «الأب والابن»، والحدث الغامض «إلى جهة الريح»، والحوار المنتمي إلى روح اللحظة التاريخية وكثافتها وموقع الراوي وبنية الدراما السردية داخل القصيدة، ثم يصف الراوي لحظة الخروج فيقول:

«وهما يخرجانِ من السهلِ حيثُ

أقام جنودُ بونابرت تلّاً لرصد

الظلال على سور عكا القديم

يقول أب لابنِهِ: لا تَخَفْ لا تَخَفْ

من أزيز الرصاصِ التصِقْ بالترابِ لتنجو

سننجو ونعلو على جبل في الشمال

ونرجع حين

يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد»

يعيد التاريخ نفسه على الأرض؛ فمثلما رحل الغرباء من قبل، فإن سيرة الأرض تؤكد أن الغرباء الجدد راحلون أيضاً، والوصف يعمّق النص، ويضيف إلى القصيدة أبعاداً جديدة تسهم في تشكيل فضائها المضموني، وتساعد على تصوُّر الأحداث، حيث السرد في جوهره تقطيع لبنية الحكاية وإعادة تشكيلها من خلال التغيير في بنية الزمان والمكان.

إنه اليقين التاريخي الذي ينقله الأب إلى الابن من خلال الحوار، مستدعياً جنود بونابرت الذين كانوا يرصدون الظلال، ولذا فإن الشاعر – الراوي - يطلعنا على يقين الأب، وهو الشخصية المحورية في سَرْد درويش، وهو يؤكد بـ«سين المستقبل»: «سننجو ونعلو ونرجع»، وأن عودة الجنود القادمين من البعيد حتمية، هذا ما تقوله الأرض والتراب عندما يلتصق به الفلسطينيون:

«ومن يسكن البيت في بعدنا

يا أبي؟

سيبقى على حاله مثلما كان

يا ولدي».

وعبر التناوب بين ضمائر السرد في القصيدة؛ من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وهما يخرجان، وكذلك التناوب بين تقنية الوصف والحوار، تتوتر القصيدة درامياً، وتتنقل لتخلق سرديتها الخاصة الممزوجة بوعي تاريخي. هنا تبرز مفردة «البيت» لتضارع الوطن؛ فهو البيت الكبير، ومَن يسكن البيت فإنه يسكن الوطن، ويأتي صوت الأب الواثق من العودة، فيطمئن الابن على الوطن.

وهذه اللغة الشعرية الدرامية تعطي الجمهور أو القارئ شعوراً بأن الفكرة تتكوَّن؛ إذ تتكلم الشخصية تحت ضغط الوضع الذي تجد نفسها فيه، ويُبرِز الاستفهام ملمحاً أسلوبياً في القصيدة يعبر به السارد عن مأساة الحاضر من خلال الماضي، ويدل على صدق الشخصيات وقربها من السرد الواقعي:

«تحسس مفتاحه مثلما يتحسس

أعضاءه واطمأن»

في سؤال آخر يسأل الطفل أباه قائلاً:

«لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟

لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها»

يعبر السارد، من خلال فعل التحسُّس المفاجئ عن مفتاح البيت كعضو من أعضاء الجسد، عن قيمة البيت وتداخله في الجسد الفلسطيني؛ فالتراب ينبت داخله كأعضاء جديدة، وكرد فعل على الغياب، فالبيت مكان يؤطر لفعل الحدث، ويصبح بطلاً في السرد، بل شخصية أثيرة من شخصيات السرد داخل القصيدة، يأبى لها الأب أن تموت في الغياب، فيترك له الحصان كي يؤنس وحدته.

يأبى السارد أن يتحول البيت إلى أطلال مهجورة، لذا فالبيت الفلسطيني لم يتحول في سردية درويش إلى أطلال تستحق الرثاء، ولكنه يظهر في الرؤية السردية كائناً حياً يقاوم فعل الزمن والأحداث، ويستعصي على المحو والتذويب، وقد جعله الشاعر السارد عضواً حياً في الجسد الفلسطيني، يستمدّ حياته من روح هذا الجسد، ووعيه وذاكرته الحية التي لا تغيب.

هكذا ظل البيت «في تجربة محمود درويش الشعرية حالة وجودية تتجاوز الحيز الجغرافي أو الجدران الإسمنتية، لتتحول إلى استعارة كبرى للهوية والذاكرة والمنفى، كما تجاوز فكرة المأوى، ليصبح نوعاً من (الفردوس المفقود) والصراع الجدلي المستمر بين الحضور والغياب».

جاء ذلك بمثابة تطوُّر لافت، بعد أن ارتبط في البدايات الأولى بمسقط الرأس في قرية البروة، حيث رُسمت ملامحه من خلال تفاصيل حسية بسيطة: رائحة القهوة وخبز الأم، وشجر الزيتون، ليكون البيت هنا متطابقاً مع «الوطن» في صيغته الرومانسية المباشرة، حيث تسود علاقة عضوية بين الشاعر والأرض.

ومع نضج تجربة الشاعر وتعمق مأساة الاقتلاع من الأرض، خضع مفهوم البيت لتحوُّل جذري ليُعرّف بضده، أي بالمنفى، أي أنه لا يتحقق ولا يُدرك إلا من خلال فقدانه، وهو ما يسميه النقاد بـ«شعرية الفقد».

إنه ليس ذلك الحيز الذي نسكن فيه، بل هو الذي يسكن فينا كجرح أو كحلم. يظهر البيت أحياناً كفضاء مثير للجدل والمشاعر المتناقضة، على نحو يجمع بين الألفة والوحشة؛ فالمبنى الذي استولى عليه «الآخر» لم يعد بيتاً، بل صار مكاناً غريباً، ما خلق حالة من «الاغتراب في المكان» تستدعي استحضار الأدوات المنزلية البسيطة وتحويلها إلى رمز لمقاومة النسيان، كالمزهريات والشبابيك، والمفاتيح الصدئة، وغيرها من عناصر تعيد بناء الذاكرة في مواجهة محاولات المحو.

في المراحل الأخيرة من أعمال درويش، اتسع مفهوم البيت ليشمل البُعد الكوني والأسطوري، ليتجاوز كل فلسطين وتتقاطع صورته مع القبر والرحم والمطلق. إنه يمثل «العودة الأبدية» إلى الذات، والتصالح مع فكرة أنه قد يكون «قصيدة» أو «إيقاعاً». كما يظهر البيت في هذه المرحلة وكأنه يجسد حالة من «الخفة»، بعد التخلص من «ثقل» الطين، حيث تصالح درويش مع فكرة «الشتات الوجودي»، معتبراً أن الاستقرار الحقيقي يكمن في النص لا في المكان.


«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية
TT

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

تعد رواية «لم يتبق غيرها» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة للكاتب الأميركي رايلي ساجر، ترجمة عبد الرحيم يوسف، بمثابة نص نموذجي للقارئ الباحث عن حبكة درامية تمزج الإثارة بالرعب، من خلال سرد تشويقي متصاعد ومفاجآت لا تنتهي، ونهاية صادمة غير متوقَّعة، لكاتب مشهور بقدرته على حبس أنفاس القارئ حتى اللحظة الأخيرة، وتُرجمت أعماله إلى أكثر من 35 لغة حول العالم.

تحكي أحداث الرواية كيف أنه في ليلة دامية عام 1929 هزَّت الجريمة المروعة لقتل عائلة هوب ساحل ولاية مين، فيما يعتقد الجميع أن الابنة لينورا ذات الأعوام السبعة عشر هي الفاعلة، ولكن الشرطة لم تتمكن من إثبات ذلك قط، ومنذ ذلك الحين لم تنبس الفتاة بكلمة عن تلك الليلة، ولم تغادر القصر المنعزل حيث وقعت المأساة.

في عام 1983، بعد أربعة وخمسين عاماً تصل كيت مقدمةُ الرعاية الصحية الجديدة إلى القصر لرعاية لينورا، التي باتت عاجزة ومقيَّدة إلى كرسي متحرك، بعد سلسلة من السكتات الدماغية التي أفقدتها صوتها، ولم يعد بمقدورها التواصل إلا عبر آلة كاتبة قديمة.

وذات ليلة، تنقر لينورا مفاتيح تلك الآلة برسالة لم تكن تتوقعها كيت:« أريد أن أخبرك بكل شيء... لم تكن أنا»، هكذا أقسمَتْ، لكنها الوحيدة التي لم تَمُت. وبينما تساعد «كيت» العجوز المقعدة في سرد الأحداث التي سبقت الجريمة المروعة، وتتكشف أسرار دفينة، يبدو أن الحقيقة أكثر غموضاً مما يعتقده الجميع، حتى تبدأ كيت في الشك: هل لينورا العاجزة ضحية حقّاً، أم أنها تخفي وجهاً آخر أكثر خطورة؟

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«أول ما أتذكره، الشيء الذي ما زالت تنتابني الكوابيس حوله، هو عندما انتهى كل شيء. أتذكر هدير الريح وأنا أخطو على الشرفة، كانت تهب من المحيط في زوابع عاوية تحتكّ بالمنحدر، قبل أن تصفعني مباشرة وأنا أهتزّ واقفة على كعبي شاعرةً كأن حشداً جامداً غير مرئي يدفعني للوراء نحو المنزل.

آخر مكان أردتُ أن أكون فيه!

استعدتُ توازني مزمجرةً، وبدأت أشقّ طريقي عبر الشرفة التي صارت أرضيتُها زلقةً بفعل المطر المنهمر. كانت تُمطِر بغزارة وحبات المطر شديدة البرودة كأن كل قطرة منها وخزة إبرة، وبسرعة شديدة وجدت نفسي وقد أفقت من حالة الذهول التي كنت فيها، وانتبهت فجأة، وبدأت ألاحظ الأشياء، قميص نومي ملطخ بالأحمر، ويداي دافئتان ولزجتان بالدم.

السكين ما زالت في قبضتي، كانت هي أيضاً ملوثةً بالدم، لكن المطر البارد طفق ينظفها بسرعة. الآن ظللت أتقدّم مخترقةً الريح التي كانت تدفعني إلى الوراء، وأنا ألهث مع كل قطرة مطر حادة، وأمامي كان المحيط وقد أهاجته العاصفة بسياطها، وصارت أمواجه تتحطم على سفح المنحدر تحتي بخمسين قدماً، لا يفصلني عن هوة البحر المظلمة إلا السياج الرخامي القصير الممتد بطول الشرفة. عندما بلغتُ السياج أصدرتُ صوتاً غريباً مخبولاً مخنوقاً نصف ضحكة ونصف نشيج.

استدرت عائدة إلى المنزل، كل نافذة في كل غرفة كانت مضاءة متوهجة مثل الشموع التي زينت كعكة عيد ميلادي متعددة الطوابق قبل ثمانية أشهر، لكني كنت أعرف أن المظاهر خادعة، وأنه حتى السجون قد تبدو جميلة لو أضيئت على نحو صحيح».