لبنان: اشتباك سياسي يحاصر قانون الانتخاب ويهدد الاستحقاق النيابي

الحكومة أولى ضحايا «العاصفة الدموية» في الطيونة

من إحدى جلسات مجلس النواب اللبناني برئاسة نبيه بري (رويترز)
من إحدى جلسات مجلس النواب اللبناني برئاسة نبيه بري (رويترز)
TT

لبنان: اشتباك سياسي يحاصر قانون الانتخاب ويهدد الاستحقاق النيابي

من إحدى جلسات مجلس النواب اللبناني برئاسة نبيه بري (رويترز)
من إحدى جلسات مجلس النواب اللبناني برئاسة نبيه بري (رويترز)

تتخوف مصادر سياسية بارزة من أن يتحول البرلمان إلى ساحة مفتوحة للاشتباك السياسي بدعوة رئيسه نبيه بري، اللجان النيابية المشتركة للاجتماع غداً (الثلاثاء)، للنظر في رد رئيس الجمهورية ميشال عون، لقانون التعديلات على قانون الانتخاب الذي أقرّته هيئته العامة في جلستها التشريعية الأسبوع الماضي وتبنى فيه حرفياً مضامين الاعتراضات التي سجّلها وريثه السياسي رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، على التعديلات في مداخلته الاعتراضية في الجلسة من دون أن يحظى بتأييد الغالبية النيابية باستثناء حليفه «حزب الله»، وإن كان تمايز عنه بتأييده إجراء الانتخابات النيابية في 27 مارس (آذار) 2022 في مقابل تناغمه معه بتخصيص دائرة انتخابية للمقيمين في بلاد الاغتراب لانتخاب 6 نواب، ما يرفع عدد أعضاء البرلمان إلى 134 نائباً.
وتلفت المصادر السياسية لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الخلاف حول التعديلات التي أقرتها الهيئة العامة بغالبيتها النيابية أوجد مواد مشتعلة ستطغى على اجتماع اللجان المشتركة بعد أن مهّد لها «التيار الوطني» بهجوم سياسي صاعق استهدف حركة «أمل» برئاسة بري، ما اضطرها إلى الرد عليه بهجوم مماثل غير مسبوق لم يقتصر على باسيل وإنما انسحب مباشرةً على الرئيس عون وفريقه السياسي بتركيزه على «الغرفة السوداء» التي يديرها الوزير السابق سليم جريصاتي من خلال المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار.
وتؤكد أن انعقاد اجتماع اللجان النيابية في ظل الأجواء المكهربة المسيطرة على الوضع السياسي العام والتي ستكون حاضرة بامتياز في مداخلات النواب حول التعديلات في ضوء امتناع عون عن التوقيع عليها، يتزامن هذه المرة مع استمرار تعطيل جلسات مجلس الوزراء على خلفية مطالبة «الثنائي الشيعي» بتنحية القاضي البيطار وكف يده عن مواصلة التحقيق في ملف انفجار مرفأ بيروت، فيما لم يتوصل مجلس القضاء الأعلى إلى ابتداع تسوية لإعادة الروح إلى الحكومة المعطّلة في ضوء إصرار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، على عدم التدخُّل تقيُّداً منه بمبدأ الفصل بين السلطات.
وتنقل المصادر عن مصدر نيابي بارز قوله إن الحكومة الميقاتية هي من أولى ضحايا «العاصفة الدموية» التي أصابت منطقة الطيونة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وتقول إن المحاولات جارية لإخراجها من دوامة التعطيل بعد أن كادت تتحول قبل بلوغها الشهر الأول من ولادتها إلى حكومة تصريف أعمال، وهذا ما دعت إليه كتلة «الوفاء للمقاومة» - «حزب الله» في اجتماعها الأخير بدعوة الوزراء إلى تفعيل إنتاجيتهم، لكن كيف ومتى وهذا ما بقي عالقاً؟
وترى -حسب المصدر النيابي- أن قول وزير الثقافة القاضي محمد مرتضى باسم الثنائي إنه وزملاءه على استعداد لمعاودة حضور جلسات مجلس الوزراء في حال قرر ميقاتي توجيه الدعوة لاستئناف جلساته، لا يُصرف في مكان لأنه يدرك جيداً وسلفاً أنه لن يغامر بدعوته لئلا ينقل الاشتباك السياسي إلى داخل جلساته، وبالتالي لا يزال يلتزم بتدوير الزوايا لعله يدفع باتجاه إنقاذ حكومته من التعطيل، خصوصاً أنها تُعد من «أسرع» الحكومات في تاريخ لبنان التي تنصرف خلال مهلة زمنية قصيرة إلى تصريف الأعمال في الوقت الذي يأمل منها الجميع وبدعم دولي أن تعدّ ما التزمت به لجهة العمل على إنقاذ البلد وانتشاله من الانهيار بدلاً من أن يتدحرج نحو الانحدار.
وترى المصادر السياسية أن ارتفاع منسوب الاشتباكات السياسية والأمنية والقضائية في ظل الانكماش الاقتصادي والمعيشي الذي يحاصر اللبنانيين الذين لا يجدون من حلول لمشكلاتهم وأزماتهم المتراكمة، لم يكن قائماً لو أن الرئيس عون بادر منذ انتخابه رئيساً للجمهورية إلى التموضع في منتصف الطريق بين القوى السياسية بدلاً من أن يتصرف على أنه لا يزال في موقعه قبل انتخابه رئيساً لـ«التيار الوطني»، ما أفقده وبملء إرادته دوره التوفيقي الذي يتيح له الجمع بين اللبنانيين والتواصل معهم لئلا يبقى كما هو حاصل الآن بمنأى عن التواصل مع خصومه الذين هم في نفس الوقت على خلاف مع وريثه السياسي الذي نصّب نفسه رئيساً للظل بموافقة عمه والفريق السياسي المحيط به الذي لا يحرّك ساكناً ما لم يتلقّ الضوء الأخضر من باسيل.
وتؤكد أن عون هو من أوقع رئاسة الجمهورية في عزلة عن خصومه، وقرر أن يبتعد عنهم ولم يعد من همٍّ له سوى إعادة تعويم باسيل، وتسأل: لماذا لا يتدخل وأين تكمن مصلحته في ترك الأمور على غاربها؟ وتقول إن كل هذه الأزمات لا يمكن أن تتراكم لو أنه أخذ على عاتقه التصرف بحيادية بدلاً من أن يطلق يد صهره بعد أن منحه صلاحية مطلقة في تعطيل جلسات مجلس الوزراء سابقاً وأخيراً في تفويضه لتسمية وزرائه في الحكومة الميقاتية الذين أُخضعوا قبلها لامتحانات كشرط لدخولهم فيها.
وتلفت إلى أن عون يتحمل مسؤولية أولى في أخذ البلد إلى مزيد من التأزّم بعد أن هدم الجسور السياسية للتلاقي مع أبرز المكوّنات في البلد ما أدى إلى تحويل مبنى «التيار الوطني» في سنتر ميرنا شالوحي إلى غرفة عمليات تدير الشؤون السياسية والرئاسية في آن معاً.
لذلك فإن الاشتباك السياسي يحاصر اجتماع اللجان النيابية غداً في ظل غياب أي محاولة لتطويق جر البلد إلى أزمة مستعصية مع تنامي الشكوك بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها في ضوء إقحام البرلمان في انقسام أين منه الانقسامات السابقة وعدم الرهان على الضغط الدولي لإنجازها في موعدها بعد أن تبيّن للقاصي والداني أن إصرار الاتحاد الأوروبي على التلويح بفرض عقوبات على من اتهمه بعرقلة تشكيل الحكومة ولاحقاً بتعطيل الاستحقاق النيابي ما هو إلا قنبلة صوتية لا مفاعيل سياسية لها.
وفي هذا السياق، وفي غياب أي محاولة للوصول إلى تسوية لتفادي الاشتباك السياسي داخل اللجان النيابية، فإن عدم تشغيل المحركات حتى الساعة لإنقاذ الموقف يعني حكماً أن الاصطفاف السياسي داخل البرلمان الذي كان وراء إدخال التعديلات على قانون الانتخاب الذي لا يزال نافذاً، سيبقى على حاله ولن يبدّل في ميزان القوى للرهان على تفاهم يؤدي إلى تعديل في التعديلات المقترحة على القانون.
ويبقى السؤال بلسان المصادر السياسية عن السيناريو الذي يمكن أن يشهده اجتماع اللجان، وهل سينتهي إلى تأكيد المؤكد في الإبقاء عليها كما أقرتها الهيئة العامة في البرلمان في حال تقرر دعوتها لاجتماع يُعقد الخميس المقبل لعدم المساس بالمهل القانونية لإجراء الانتخابات في 27 مارس وبموافقة نصف عدد النواب زائد واحد، أي 65 نائباً؟ أم أن هناك مداخلات ليست مرئية ستفتح الباب أمام الوصول إلى تسوية بالتوافق على نسخة جديدة من التعديلات، وهذا يتطلب موافقة نصف عدد حضور الجلسة زائد واحد شرط أن يتأمن النصاب لانعقادها؟
إلا أن كل هذه التوقعات ما هي إلا تكهّنات -كما تقول المصادر لـ«الشرق الأوسط»- لما لديها من مخاوف من أن تشهد جلسة اللجان نقاشاً حاداً يمهّد لدخول «التيار الوطني» في معركة كسر عظم تتجاوز بري إلى الأكثرية النيابية، خصوصاً أن باسيل كان في غنى عن استدراج «أمل» إلى اشتباك صاروخي لو أنه يريد من وجهة نظر خصومه إجراء الانتخابات في موعدها بدلاً من أن يُشعل التحضير لجلسة اللجان بمواد مشتعلة لا يمكن أن تنتهي إلا بطغيان فريق على آخر فيما تقف الحكومة الميقاتية على الحياد بينما يسعى «حزب الله» إلى مراعاة باسيل وإنما من دون أي صخب سياسي يمكن أن يهز علاقته بحليفه الاستراتيجي الرئيس بري أو يهددها.
وعليه فإن باسيل اختار «أمل» ليصوّب نيرانه السياسية على بري بعد أن أدرك -كما تقول المصادر- أنه في حاجة إلى استحضار خصم للتحريض عليه في الشارع المسيحي كبديل عن «القوات» لتفادي الإحراج مسيحياً كونه يتعرض إلى «حرب إلغاء» من «حزب الله» وأيضاً عن تيار «المردة» في ضوء الخطوط الحمر التي رسمها له أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله ليس بتنويهه بدوره فحسب، وإنما بمنعه المساس به.
ويبقى السؤال: كيف سيكون عليه الإطار العام لقانون الانتخاب في حال أن الهيئة العامة في البرلمان تمسّكت بحرفية التعديلات؟ وهل يلجأ باسيل بعد أن يصبح القانون نافذاً إلى الطعن فيه؟ وما الضمانة من أن ينسحب الخلاف على المجلس الدستوري في حال انعقاده للنظر فيه أو تعذر اجتماعه لتفادي إقحامه في انقسام طائفي ومذهبي؟



الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.


اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.