«هارفارد الإيرانية» تخرّج المتنفذين في الدولة

مواطنون في سوق بوسط العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 أكتوبر الجاري (أ.ف.ب)
مواطنون في سوق بوسط العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 أكتوبر الجاري (أ.ف.ب)
TT

«هارفارد الإيرانية» تخرّج المتنفذين في الدولة

مواطنون في سوق بوسط العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 أكتوبر الجاري (أ.ف.ب)
مواطنون في سوق بوسط العاصمة الإيرانية طهران يوم 3 أكتوبر الجاري (أ.ف.ب)

يقع حرم «جامعة الإمام الصادق» في منطقة راقية بشمال طهران، وقد بنيت وفق أحدث أساليب العمارة الآسرة في العاصمة. وقد صُمم المبنى في الأساس لاحتضان فرع من مركز إيران للدراسات الإدارية بجامعة هارفارد، وكان من المتصور أن يكون ساحة تدريب للأقسام العليا في الاقتصاد الإيراني وتثقيف المديرين بتبني أحدث الأبحاث العلمية والاقتصادية.
غيّرت الثورة الإسلامية عام 1979 تلك الخطط، لكن الجامعة لا تزال تعمل كمنهل للنخبة السياسية الإيرانية، حسب تقرير لمجلة {فورين بوليسي}. وقد أُعيدت تسميتها على اسم الإمام الشيعي السادس، وتأسست جامعة الإمام الصادق في عام 1982، لتصبح أول جامعة إيرانية تفتح بعد الثورة الثقافية التي أغلقت جميع الجامعات وقامت بـ{تطهيرها} من الأساتذة والطلاب الذين عدتهم «مفتونين بالأفكار الغربية المسمومة». تم تخصيص الجامعة بعد ذلك لتدريب «السياسيين والفقهاء الذين يدعون إلى الإسلام» مع التركيز على اللاهوت وعلوم السياسة والقانون. في وقت لاحق، جرت إضافة الاتصالات والإدارة والتمويل كتخصصات. واليوم يتم تمويل عمليات الجامعة عبر قنوات مختلفة، بما في ذلك المصانع التي تم إنشاؤها بمساعدة المتبرعين الأثرياء وكذلك الأموال من مؤسسة «أستان قدس رضوي» الدينية القوية.
ولطالما كانت الشبكات بالغة العمق التي تم إنشاؤها في هذه الجامعة مفتاحاً لفهم الدرجات العليا في السياسة الإيرانية. شغل كثير من خريجي «جامعة الإمام الصادق» مناصب في إيران امتدت إلى تأسيس الدولة، حيث مثلوا آيديولوجياتها المختلفة. لكن نفوذهم وإدراك الجمهور لهذا التأثير لم يكن قوياً، كما هو الآن في ظل الإدارة المحافظة للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، إذ إنه ليس من السهل نيل القبول في «جامعة الإمام الصادق»، حيث يتعين على المرشحين المحتملين اجتياز امتحان القبول، بالإضافة إلى الخضوع لعملية فحص صارمة يتم خلالها إجراء مقابلات معهم حول ميولهم ومعتقداتهم السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية. ويخضع المرشحون أيضاً لفحص الخلفيات لتأكيد ولائهم الراسخ لآيديولوجية المؤسسة الإسلامية. لكن القضايا الدينية على وجه التحديد ليست معياراً حاسماً، حيث تبحث الجامعة بالفعل عن الشباب الأكثر موهبة وذكاء، طالما أنهم على استعداد لخدمة الدولة وفق دستورها الحالي، حسبما جاء في تقرير {فورين بوليسي}.
والجامعة اليوم معروفة بأنها معقل المتشددين وهي تصادق على شهادات صادرة من الحوزة العلمية لتطابق شهادات جامعية. كما أن رئيس مجلس إدارة الجامعة لا تختاره وزارة العلوم إنما يختاره المرشد علي خامنئي، كما يختار أيضاً كل الأعضاء العشرة في مجلس الإدارة. وتعد الجامعة في الواقع نموذجاً لأسلمة العلوم الإنسانية: فهي خليط من الدروس الجامعية الأكاديمية والحوزة العلمية.
وكان من بين طلاب هذه الجامعة على الدوام عدد لا بأس به من أصحاب العقول الإصلاحية. فمن بين الخريجين، على سبيل المثال، عبد الله رمضان زاده، الذي شغل منصب المتحدث الرسمي باسم الرئيس الإيراني الإصلاحي السابق محمد خاتمي، والسياسي السابق مصطفى قواكبيان. كان هذا التنوع يتردد في هيئة التدريس، حيث كان لعدد كبير من الإصلاحيين البارزين وحتى الشخصيات المعارضة ذات يوم مناصب بارزة. كانت سياسة الجامعة تقليدياً هي الترحيب بوجهات النظر السياسية المختلفة لإعداد قادة المستقبل للنظام الإسلامي.
يصر محسن، خريج «جامعة الإمام الصادق»، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، لأنه يعمل حالياً في الحكومة الإيرانية، على أن الطلاب ما زالوا متنوعين نسبياً في وجهات نظرهم، مضيفاً: «عندما ننظر من الخارج، لا نرى سوى الخريجين المحافظين والثوريين من جامعة الإمام الصادق الذين يمثلون ميولاً معينة ويشكلون الأغلبية»، مستدركاً: «لكن هناك أيضاً كثيراً من الخريجين الذين ينتقدون الظروف الحالية وليسوا محافظين على الإطلاق». ومع ذلك، من الواضح أن الجامعة شهدت نقاشاً ضيقاً في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فأعضاء هيئة التدريس ذوو الآراء غير التقليدية تركوا الجامعة بعد أن تم تطهيرها من الأساتذة.
ويقول حسين، خريج كلية الحقوق بـ«جامعة الإمام الصادق» الذي تحدث أيضاً شريطة عدم الكشف عن هويته: «شهدت الجامعة أروع سنواتها في عام 1995 وما بعده، لأنها كانت تدعو أكفأ الأساتذة من الجامعات الرائدة من جميع أنحاء البلاد للتدريس. كان الأساتذة مؤهلين تأهيلاً عالياً بينما كان الطلاب يتعرضون لضغط أقل علمياً ودينياً. ويمكن للمرء أن يدعي أنه، في ذلك الوقت، كانت جامعة الإمام الصادق من أفضل الجامعات في إيران».
مع مرور الوقت، سعت الجامعة إلى دمج دورات الحوزة بشكل متزايد في المناهج الأكاديمية. واليوم تستهل أسماء جميع الأقسام الأكاديمية تقريباً في الجامعة بعبارة «التعاليم الإسلامية» كأسماء لتخصصاتها المختلفة. على سبيل المثال، هناك أقسام مثل «قسم الاقتصاد الإسلامي». ولإكمال درجة البكالوريوس، يتعين على الطلاب إظهار الكفاءة في اللغة العربية والإلمام بتعاليم الإسلام، بالإضافة إلى دراسة اللغات الأجنبية الأخرى، مثل الإنجليزية والفرنسية.
من الأمور التي ظلت ثابتة هي الهوية الجماعية التي ترعاها الجامعة والشبكات عميقة الجذور التي تربط الطلاب بالخريجين عبر المؤسسة السياسية. تميل الصداقات التي يطورها المرء في الجامعة إلى أن تكون أكثر أهمية في المستقبل الوظيفي للفرد من المعتقدات الآيديولوجية. في هذا الصدد، قال محسن: «أينما وجدت فرصة عمل، يدعم خريجو جامعة الإمام الصادق بعضهم ويدعون أصدقاء الجامعة للحصول على الوظائف رغم اختلاف الآراء».
إحدى الطرق المفضلة التي اكتسب خريجو جامعة الإمام الصادق من خلالها النفوذ بشكل تقليدي هي محطات الإذاعة والتلفزيون الحكومية، التي تنطوي رسمياً تحت لواء «هيئة الإذاعة بجمهورية إيران الإسلامية». اكتسبت «جامعة الإمام الصادق» موطئ قدم في قسم الأخبار بمؤسسة البث الإذاعي المؤثرة قبل أن تشق طريقها إلى مزيد من وظائف صنع السياسات الثقافية التنفيذية (من بين خريجي هذا الجامعة الشاب بيمان الجبلي، الذي عينه آية الله علي خامنئي مؤخراً كرئيس لـ«هيئة الإذاعة بجمهورية إيران الإسلامية».
ويضيف تقرير {فورين بوليسي} أن هذا لا يعني أن حكمهم دائماً لا تشوبه شائبة، إذ يمكن إرجاع بعض قرارات البرامج الأكثر إثارة للجدل التي تم اتخاذها في السنوات الأخيرة إلى خريجي «الإمام الصادق». وقد لوحظ ذلك في حادثة طرد مقدم برنامج رياضي شهير بعد أن تحدى المتشددين والتعيينات القضائية لخريجي جامعة الإمام الصادق، وكذلك تعرض مشاهير بارزون من خريجي الجامعة نفسها شاركوا في نسخة مقلدة من برنامج «America's GotTalent» للسخرية من الجماهير على نطاق واسع.
حصلت «جامعة الإمام الصادق» على ميزة النفاذ إلى أجهزة الدولة الإيرانية بعد فوز محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية عام 2005، والذي ينسبه حسين في الغالب إلى «حملة شاملة وجيدة التنظيم من قبل طلاب الإمام الصادق في جميع أنحاء البلاد». لذلك فتحت الإدارة الجديدة ذراعيها لخريجي الجامعات ومنحتهم مناصب رئيسية على مختلف المستويات. ومن بين هؤلاء سعيد جليلي، وهو خريج سابق، تم تعيينه سكرتيراً للمجلس الأعلى للأمن القومي وكبير المفاوضين النوويين لأحمدي نجاد.
في عهد أحمدي نجاد، احتل خريجو جامعة الإمام الصادق مناصب حكومية أكثر من أي وقت مضى - على الرغم من إصرار الحسين على أن إدارة أحمدي نجاد ساعدت في «إبراز خريجي الإمام الصادق، ليس لدراستهم هناك فحسب، بل بفضل مؤهلاتهم ومزاياهم العلمية».
بمجرد وصول حسن روحاني إلى السلطة الرئاسية في عام 2013، سعت إدارته بنشاط إلى البحث عن خريجي الجامعات الأجنبية والتكنوقراط غير الآيديولوجيين. لكن هذا لا يعني أنه تجاهل خريجي جامعة الإمام الصادق. على سبيل المثال، عين روحاني حسام الدين أشنا، أستاذ الاتصالات في الإمام الصادق، كمساعد شخصي له، على الرغم من أنه اضطر في النهاية إلى التنحي بسبب الكشف عن فضيحة مقابلة مع وزير الخارجية آنذاك محمد جواد ظريف، انتقد فيها تعمد أشنا الخلط بين الشؤون العسكرية والسياسة.



سفن مرتبطة بإيران تحوم فوق كابلات الإنترنت في بحر عُمان

سفن تعبر مضيق هرمز كما تبدو من شبه جزيرة مسندم العُمانية 3 نوفمبر 2026 (رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز كما تبدو من شبه جزيرة مسندم العُمانية 3 نوفمبر 2026 (رويترز)
TT

سفن مرتبطة بإيران تحوم فوق كابلات الإنترنت في بحر عُمان

سفن تعبر مضيق هرمز كما تبدو من شبه جزيرة مسندم العُمانية 3 نوفمبر 2026 (رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز كما تبدو من شبه جزيرة مسندم العُمانية 3 نوفمبر 2026 (رويترز)

رُصدت أربع سفن مرتبطة بإيران على الأقل وهي تسلك مسارات غير مألوفة وتتباطأ فوق كابلات اتصالات بحرية في بحر عُمان، بحسب صحيفة «فايننشال تايمز».

وتلت هذه التحركات تهديدات إيرانية بضرب كابلات الإنترنت ومراكز البيانات إذا استؤنفت الضربات الأميركية والإسرائيلية.

ونقلت الصحيفة عن شركة «ويندوارد» لتحليلات الملاحة البحرية أن ثلاثاً من السفن ناقلات خاضعة للعقوبات الأميركية، والرابعة قارب صيد إيراني صغير حام فوق كابلين في الأسبوع الأخير من أكتوبر (تشرين الأول).

نمط مريب

وقالت الشركة إن السفن كانت تبحر بصورة اعتيادية، ثم تبطئ أو تستدير أو تتوقف أو توقف إرسال بيانات مواقعها عند بلوغها ممرات الكابلات تحديداً. وأضافت أن هذا السلوك لا يشبه سلوك الناقلات المنتظرة لتحميل النفط في المنطقة، ولا تفسره أعمال نقل الشحنات.

ورأت أن النمط «يتطابق مع رسم مسارات الكابلات، أو وضع عبوات أو ألغام عليها في أثناء تعطيل أنظمة التتبع».

ودارت إحدى الناقلات ساعات حول أحد الكابلات قبل أن توقف إرسال موقعها، وبقيت أخرى أياماً في المياه الإيرانية قرب أربعة كابلات، وفق بيانات الشركة. وكانت اثنتان من الناقلات فارغتين.

ورأى الخبير في الحرب البحرية بـ«المعهد الملكي للخدمات المتحدة» سيد كوشال، أن المناورات قد تكون مصادفة. لكنه قال إن «إيران ربما تحاول إظهار قدرتها على إلحاق الضرر بالبنية التحتية البحرية إذا اندلعت حرب».

وقال الأدميرال المتقاعد في البحرية البريطانية جون بنتريث إن السلوك المريب قد تكون له «أسباب شتى»، لكنه أشار إلى أن أي سفينة تقريباً يمكن تعديلها لزرع الألغام.

تهديدات «الحرس»

وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي قد هدد، في أكتوبر، بتدمير «مراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي».

وقال المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي، في 19 أكتوبر، إن «سبعة كابلات إنترنت بحرية رئيسية» تمر عبر مضيق هرمز، وإن «أهدافاً جديدة وأسلحة جديدة ستُكشف».

وتوعد نائب قائد «الحرس الثوري» للشؤون السياسية يدالله جواني بإلحاق الضرر بأصول بينها كابلات الإنترنت، رداً على أي هجوم على البنية التحتية الإيرانية.

وصدرت هذه التهديدات بعد تلويح ترمب ومسؤولين أميركيين كبار بشن هجمات جديدة على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، بحسب الصحيفة.

وتمر ستة كابلات عبر مضيق هرمز، وثلاثة أخرى قيد الإنشاء، بحسب بيانات شركة «تيليجيوغرافي». ويعتمد العراق والكويت والبحرين وقطر بالكامل على هذه الكابلات في اتصالاتها بالإنترنت.

وقالت الباحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ماشا كوتكين إن أي ضرر سيؤدي إلى «إبطاء الإنترنت والمعاملات المالية»، ويعطل التجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية. وأشارت إلى أن التهديدات أوقفت العمل في عدة مشاريع كابلات، وأن الاتصال الرقمي جزء أساسي من مساعي دول الخليج لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط والغاز.

وتتزامن هذه التحركات مع تعزيز الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة. وقال مسؤول أميركي لموقع «أكسيوس» إن حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» ستمضي أياماً في سنغافورة، ولن تبلغ منطقة عمليات القيادة المركزية قبل منتصف نوفمبر (تشرين الثاني).


ترمب أمام قرار إيران... هزيمة انتخابية تضيّق الخيارات

قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران 24 أكتوبر (أ.ب)
قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران 24 أكتوبر (أ.ب)
TT

ترمب أمام قرار إيران... هزيمة انتخابية تضيّق الخيارات

قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران 24 أكتوبر (أ.ب)
قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران 24 أكتوبر (أ.ب)

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضع المواجهة مع إيران أمام احتمال التصعيد، بإعلانه، عقب اجتماع مع فريقه للأمن القومي الخميس، أنه سيتخذ قراراً «قريباً» بشأن استئناف الحرب الواسعة. وقال إنه يفضّل عدم تدمير ما تبقى من البلاد، لكنه قد يضطر إلى ذلك، رابطاً الضربات المحتملة بضمان عدم استعادة البرنامج النووي الإيراني قدراته.

وجاءت تصريحاته بعد خسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية، التي غيّرت البيئة السياسية لقراره، من دون أن تسحب منه أدوات القوة.

وبينما تسعى طهران إلى تقديم النتيجة باعتبارها انتصاراً لها، فإن معاقبة الناخب الأميركي حزب الرئيس لا تعني هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً. لكنها تضع ترمب أمام معضلة أشد؛ كيف ينهي مواجهة أضعفته داخلياً، من دون أن يبدو متراجعاً أمام خصمه؟

ويرى خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن نتائج الانتخابات قد تدفع المواجهة في اتجاهين متعاكسين؛ فتح نافذة لتسوية بين طرفين أنهكهما النزاع، أو تحفيز ترمب على التصعيد لمنع إيران من إعلان الانتصار.

3 خيارات

ترمب وبجانبه وزير الحرب بيت هيغسيث (رويترز)

بحسب موقع «أكسيوس»، يبحث ترمب 3 مسارات؛ شن ضربات جديدة، أو مواصلة خنق النظام الإيراني اقتصادياً، أو التوصل إلى اتفاق يتضمن تنازلات أميركية مهمة. وتجتمع هذه الخيارات عند مشكلة واحدة؛ امتلاك القدرة على إيلام إيران لا يضمن انتزاع النهاية السياسية التي يريدها البيت الأبيض.

فالضربات قد تدمر مزيداً من القدرات، لكنها لا تحسم وحدها مصير مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، أو تضمن تعاون طهران مع المفتشين. واستمرار الحصار يبقي الضغط قائماً، لكنه يمدد أيضاً مخاطر الردّ الإيراني واضطراب الملاحة. أما الاتفاق، فيتطلب خطوات يستطيع الطرفان تسويقها داخلياً، بعدما رفع كل منهما سقف شروطه وخطابه.

ويفيد «أكسيوس» بأن القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) تستكمل استعدادات محتملة لاستئناف عمليات كبرى، لكنها لم تتلقَّ توجيهاً جديداً. وقد يشكل وصول مجموعة حاملة طائرات ثالثة مؤشراً إضافياً. غير أن الحاملة «ثيودور روزفلت»، التي تزور سنغافورة، لن تبلغ المنطقة قبل منتصف نوفمبر (تشرين الثاني). وهذا مؤشر استعداد، وليس موعداً مؤكداً للهجوم أو شرطاً لازماً لوقوعه.

ويرجّح مايكل روبين، الباحث في منتدى الشرق الأوسط، استمرار العمل العسكري. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن الاعتقاد بأن ترمب سيلتزم بأي قرار يتخذه هو «حماقة»، لكنه يرى أن إرثه سيكون بالغ السوء إذا بدت إيران منتصرة، ولذلك «سيضاعف اندفاعه».

ويضيف أنه لا يواجه انتخابات أخرى، متسائلاً عما يستطيع الكونغرس فعله عملياً، حتى إذا اعتبر تحركاته غير قانونية.

وتلتقط قراءة روبين حافزاً مهماً؛ الهزيمة قد تدفع الرئيس إلى البحث عن إنجاز خارجي يعوض خسارته، بدلاً من الانكفاء. لكنها تبقى توقعاً لسلوكه، وليست دليلاً على حسم القرار.

قيود بلا شلل

سفن تجارية في مياه مضيق هرمز الممر الحيوي لتجارة الطاقة (رويترز)

لا تحوّل الانتخابات الرئيس تلقائياً إلى قائد عاجز. كما أن الكونغرس المنتخب لا يتسلم صلاحياته فور إعلان النتائج، إذ تبدأ ولايته الجديدة في 3 يناير (كانون الثاني) المقبل. لذلك، يبقى هناك فاصل بين الأثر السياسي المباشر للهزيمة وترجمته إلى أدوات رقابية وتشريعية بيد الأكثرية الجديدة.

ومع ذلك، لا يصح اختزال دور الكونغرس في الاعتراض الكلامي. فهو يمتلك سلطة الاعتمادات المالية، وأدوات الرقابة والمساءلة والتشريع المتعلق باستخدام القوة. لكن تحويلها إلى قيود نافذة يتطلب توافقات وإجراءات، وقد يصطدم بفيتو رئاسي. وعليه، لا تمنع النتائج وحدها توجيه ضربة جديدة، لكنها قد تجعل تمويل مواجهة ممتدة وتوفير الغطاء السياسي لها أكثر صعوبة.

والقيد الأقرب على ترمب سياسي أيضاً، بعدما قدّم نائبه جي دي فانس تفسيراً للخسارة يركز على تجاهل مدى افتقار الحرب إلى الشعبية. وإذا أعاد التصعيد رفع تكاليف الطاقة أو وسّع الخسائر، فقد يعمّق الانقسام داخل الحزب، ويضعف قدرة الإدارة على تمرير أولوياتها الأخرى.

من هنا، يحتاج ترمب إلى تحديد ما يستطيع تقديمه بوصفه نتيجة قابلة للدفاع عنها؛ تقييد نووي قابل للتحقق، أو استعادة الملاحة، أو إنهاء الحرب بشروط أفضل. أما الاكتفاء بمزيد من التدمير، فقد يعيد طرح السؤال الذي سبق الانتخابات؛ كيف تتحول المكاسب العسكرية إلى تسوية مستقرة؟

نافذة تفاوض

صورة نشرها المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني من لقاء سابق لمحسن رضائي وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران

يرى أليكس فاتنكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، أن «هذا المشهد تكرر من قبل»، وأن ترمب أخفق مراراً في إنهاء النزاع، ولم يحدد بعد شكل الانتصار. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس يستطيع إعلان النصر وإنهاء الحرب الأميركية غداً، «لكن لإيران أيضاً كلمتها»، وهذا مصدر عدم اليقين. ومع ذلك، يعتبر فاتنكا أن النتائج قد تفتح باب الدبلوماسية؛ ترمب أضعف سياسياً، والديمقراطيون سيواجهونه بشأن إدارته للحرب، وإيران تعاني بشدة. ولذلك، «بات لدى الطرفين أسباب وجيهة للتوصل إلى اتفاق سياسي».

وتوجد حركة تفاوضية تدعم هذا الاحتمال، بعدما أرسلت طهران مقترحاً نووياً إلى واشنطن عبر قطر، مع تمسكها بتنفيذ مطالبها قبل التفاوض، بحسب «رويترز». ووفقاً لـ«أكسيوس»، يناقش الوسطاء ترتيباً من يومين: رفع الحصار والإفراج عن أموال مجمدة مقابل دعوة المفتشين إلى المواقع التي تعرضت للقصف، ثم إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المحادثات النووية. وهي صيغة مقترحة، وليست اتفاقاً منجزاً.

وهنا يظهر الفارق بين انتكاسة ترمب وانتصار إيران. فالنتيجة الانتخابية تمنح طهران مادة دعائية، لكنها لا ترفع الحصار ولا تعيد بناء قدراتها. والمبالغة في استثمار ضعف الرئيس قد تدفعه إلى التصعيد الذي يتوقعه روبين، بينما استثماره تفاوضياً قد يفتح المخرج الذي يراه فاتنكا. لقد غيّرت الانتخابات تكلفة الخيارات، لكنها لم تحسم أيّها سيختاره ترمب، ولا قدرة الطرفين على تحويل إنهاكهما إلى نهاية للحرب.


واشنطن وطهران... صراع الشروط وحسابات القوة

صورة وزعتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإحدى قطعها البحرية في المنطقة يوم 30 أكتوبر 2026
صورة وزعتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإحدى قطعها البحرية في المنطقة يوم 30 أكتوبر 2026
TT

واشنطن وطهران... صراع الشروط وحسابات القوة

صورة وزعتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإحدى قطعها البحرية في المنطقة يوم 30 أكتوبر 2026
صورة وزعتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإحدى قطعها البحرية في المنطقة يوم 30 أكتوبر 2026

تكثفت التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية لاحتواء التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع تجدد المواجهة العسكرية التي تهدد بتوسيع دائرة الحرب في الشرق الأوسط، بينما تتبادل كل من واشنطن وطهران التصريحات وسط صرع لفرض الشروط وحسابات القوة.

في وقت تتزامن فيه المساعي السياسية مع تطورات ميدانية في مضيق هرمز، حيث تحدثت تقارير عن اندلاع حرائق في ناقلتي نفط، ووقوع انفجار قرب سفينة تجارية، وإعلان «الحرس الثوري» الإيراني إسقاط طائرة مسيرة أميركية.

وتتحدث واشنطن عن تقدم محتمل في المفاوضات، بينما تتحدث طهران استعداداً للنظر في الحل الدبلوماسي؛ إذ قال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن رسالة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس تعبر عن «تغيير في اللهجة»، ووصفها بأنها «مؤشر جيد»، لكن طهران تتمسك في الوقت نفسه بضرورة استجابة الولايات المتحدة لمطالبها قبل العودة إلى طاولة الحوار؛ ما يعكس استمرار الهوة بين الطرفين رغم تكثيف جهود الوساطة.

وفي هذا السياق، شدد علي باقري كني، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على أن بلاده لن تكتفي بما وصفه بـ«الالتزامات النظرية»، مؤكداً ضرورة أن تقدم الولايات المتحدة خطوات عملية قبل الشروع في أي جهود دبلوماسية جديدة.

ويعكس هذا الموقف تمسك إيران بالحصول على ضمانات وإجراءات ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بتعهدات سياسية قد لا تترجم إلى خطوات تنفيذية على الأرض.

اتصال بين تميم وترمب

الشيخ تميم بن حمد أمير قطر والرئيس الأميركي دونالد ترمب (الديوان الأميري)

وفي أحدث التحركات الدبلوماسية، بحث أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خلال اتصال هاتفي تلقاه، يوم الجمعة، من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مستجدات الجهود الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة.

وأفاد الديوان الأميري القطري بأن الاتصال تناول الجهود الدولية، لا سيما المساعي التي تبذلها الدوحة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، ودعم المسار التفاوضي، بما يمهد للتوصل إلى اتفاق شامل ينهي الأزمة، ويحقق الأمن والاستقرار في المنطقة.

وأكد أمير قطر أهمية مواصلة الحوار، واعتماد الوسائل الدبلوماسية لتسوية الخلافات، وتجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد، مشدداً كذلك على ضرورة ضمان حرية الملاحة البحرية وأمن إمدادات الطاقة، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وما يشهده من اضطرابات متزايدة.

وتبرز قطر في هذه المرحلة بوصفها الوسيط الرئيسي في الاتصالات بين واشنطن وطهران؛ إذ زار وفد من الوسطاء القطريين العاصمة الإيرانية طهران، مساء الاثنين الماضي، لاستئناف المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إمكان التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع المستمر منذ أشهر.

وتكتسب هذه الوساطة أهمية خاصة في ظل صعوبة استئناف الاتصالات المباشرة بين الطرفين، واشتراط كل منهما تقديم تنازلات ملموسة قبل الدخول في مفاوضات جديدة.

طهران تطلب ضمانات عملية

وفي موازاة التحرك القطري، كثفت إيران اتصالاتها مع دول المنطقة في محاولة لتفادي عودة العمليات العسكرية. وأجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم الجمعة، اتصالاً هاتفياً بنظيره الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، تناول آخر التطورات الإقليمية والجهود الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار.

وجاء الاتصال بعد سلسلة مباحثات أجراها عراقجي، يوم الخميس، مع وزراء خارجية السعودية وقطر وعُمان والكويت وتركيا والأردن، في مؤشر على اتساع نطاق التحرك الإيراني باتجاه العواصم الإقليمية المعنية بالأزمة.

وتعكس هذه الاتصالات إدراك طهران حساسية المرحلة الحالية، خصوصاً مع تصاعد التهديدات الأميركية باستئناف الضربات العسكرية، واحتمال أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

وفي سياق التحركات الدولية المحيطة بالأزمة، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين محسن رضائي، حيث بحث الجانبان التطورات في الخليج والشرق الأوسط. وأفاد الكرملين بأن اللقاء تناول حالة التعاون الثنائي وآفاق تطويره، في إطار معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وإيران، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

مقترح نووي إيراني عبر الدوحة

وفي تطور قد يفتح نافذة جديدة أمام المسار التفاوضي، أفاد مسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز» بأن طهران أرسلت إلى الولايات المتحدة مقترحاً يتعلق ببرنامجها النووي عبر قطر، مشيراً إلى أن واشنطن تدرس المقترح حالياً.

لكن المسؤول أوضح أن مناقشة المقترح لن تبدأ قبل استجابة الولايات المتحدة لسبعة مطالب إيرانية؛ ما يعكس تمسك طهران بربط استئناف المفاوضات النووية بتسوية مجموعة من الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وكان محسن رضائي قد أعلن خلال زيارته إلى روسيا أن بلاده أبلغت الولايات المتحدة بسبعة شروط تتعلق بالمسار الدبلوماسي، محذراً من أن عدم تنفيذها سيحول دون الدخول في مفاوضات، ومؤكداً أن إيران لن تسمح بفتح مضيق هرمز في ظل عدم الاستجابة لمطالبها.

وتشمل المطالب الإيرانية، وفق المعلومات المتاحة، رفع العقوبات الأميركية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، ورفع القيود المفروضة على الموانئ، ووقف الحرب على مختلف الجبهات، إلى جانب الحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران، وسحب التعزيزات العسكرية الأميركية من محيطها.

وفي المقابل، تتمسك إدارة ترمب بإدراج الملف النووي ضمن أي تسوية أولية، مع مطالبة طهران بتقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي، وضمان فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

إذابة اليورانيوم عالي التخصيب

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

وكانت تقارير إعلامية قد تحدثت مؤخراً عن تلقي إيران مقترحاً من الوسطاء بشأن الملف النووي وقيامها بدراسته، وتشير التطورات اللاحقة إلى أن طهران قدمت بدورها مقترحاً خاصاً إلى واشنطن عبر الدوحة، وإن كانت تفاصيل المقترحين وشروطهما لم تتضح بعد.

لكن بعض التقارير تحدثت عن أن المقترح الأميركي تضمن طلباً بإذابة كميات اليورانيوم عالي التخصيب التي توجد في الداخل الإيراني، والتي رفض مسؤولون إيرانيون سابقاً نقلها إلى دولة ثالثة.

وكشف مسؤولون مطلعون أن إيران تدرس مقترحات قدمها الوسطاء بشأن برنامجها النووي، ورأوا أن استعداد طهران للنظر في هذه المقترحات يشير إلى إحراز تقدم في الوساطة التي تقودها قطر، وإن لم يصدر حتى الآن قرار إيراني نهائي بشأنها، حسبما أفادت صحيفة «نيويورك تايمز».

كما أفادت معلومات متداولة بأن المقترح الأميركي يتضمن طلباً بالتخلص من كميات اليورانيوم عالي التخصيب الموجودة داخل إيران، وهو مطلب سبق أن رفض مسؤولون إيرانيون الاستجابة له، خصوصاً فيما يتعلق بنقل هذه الكميات إلى دولة ثالثة.

من جهته، قال ترمب، الخميس، إن إيران لا تستطيع اتخاذ أي خطوات تتعلق ببرنامجها النووي من دون موافقة الولايات المتحدة، مضيفاً، رداً على سؤال بشأن المقترحات المطروحة: «إنهم لا يفعلون شيئاً دون موافقتنا». ويعكس هذا التصريح تشدداً أميركياً في التعامل مع الملف النووي، وعدم استعداد واشنطن لمنح طهران حرية التصرف في برنامجها بمعزل عن أي اتفاق سياسي.

ترمب يلوح بالقوة وسط تقدم المفاوضات

وعلى الرغم من الإشارات الأميركية إلى إحراز تقدم في الاتصالات، فلا تزال واشنطن تلوح بالخيار العسكري في حال تعثر المفاوضات. وأكد ترمب أن خسائر حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس لن تؤثر في خططه المتعلقة بإيران، مشدداً على أن القوات الأميركية في حالة استعداد كامل.

وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي إن الولايات المتحدة تنتج حالياً أسلحة للقوات المسلحة بمعدلات غير مسبوقة، مضيفاً: «إذا اضطُررنا إلى متابعة التعامل مع إيران، فنحن مستعدون تماماً».

وكان الرئيس الأميركي قد هدد خلال الأسابيع الماضية بالعودة إلى تنفيذ ضربات واسعة النطاق ضد إيران بعد انتهاء الانتخابات، إذا لم تتوصل طهران إلى تسوية بالشروط التي تقبلها واشنطن.

وتشير هذه التصريحات إلى أن الإدارة الأميركية تحاول الجمع بين الضغط العسكري والتحرك الدبلوماسي، بما يتيح لها دفع إيران نحو تقديم تنازلات من دون استبعاد خيار القوة، كما أن استمرار التهديدات العسكرية يضع جهود الوساطة أمام اختبار صعب، خصوصاً في ظل غياب اتفاق واضح بشأن ترتيب الأولويات وشروط بدء المفاوضات.

مضيق هرمز... جبهة مفتوحة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

وعلى الأرض، لا تبدو المؤشرات الميدانية متوافقة مع فرص التهدئة السياسية؛ إذ شهد مضيق هرمز سلسلة حوادث بحرية متلاحقة، وسط تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عنها.

وأعلنت وكالة الأمن البحري البريطانية «يو كي إم تي أو» أنها تلقت بلاغاً عن وقوع انفجار قرب سفينة على بعد نحو 16 ميلاً بحرياً شرق خصب، قبالة السواحل العُمانية، في أثناء خروج السفينة من مضيق هرمز. وأوضحت أن طاقم السفينة بخير، وأن الناقلة واصلت رحلتها.

وفي تطور آخر، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني اندلاع حريق في ناقلتي نفط داخل المضيق وشرقه، زاعماً أن الناقلتين حاولتا العبور من مسار غير مسموح به، وأنهما اصطدمتا بلغم بحري أدى إلى اندلاع النيران وتوقفهما في المياه.

وقال «الحرس الثوري» إن الناقلتين عطّلتا أنظمة الملاحة والتعريف الخاصة بهما، قبل محاولتهما الخروج عن المسار المحدد، الأمر الذي أدى، وفق روايته، إلى اصطدامهما بالألغام.

كما أعلن «الحرس الثوري» إسقاط طائرة مسيرة أميركية من طراز «إم كيو-1» فوق جزيرة قشم في مضيق هرمز، من دون صدور تأكيد أميركي بشأن هذه الواقعة حتى الآن.

وكانت طهران قد أعلنت، يوم الخميس، اندلاع حرائق في 5 ناقلات نفط وقاطرة بحرية خلال عبورها المضيق ليلاً، متهمة السفن بمحاولة المرور من دون الحصول على إذن منها، عبر مسارات بمحاذاة السواحل العُمانية.

وأكدت شركة «فيلوس تانكرز» اليونانية المشغلة لإحدى ناقلات المنتجات النفطية مقتل أحد البحارة في انفجار وقع، الخميس، مرجحة أن تكون الناقلة قد تعرضت لصاروخ مجهول المصدر.

وتكمن خطورة هذه التطورات في أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم؛ إذ كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية. ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، أدت التهديدات الإيرانية للسفن التجارية، وما رافقها من قيود وتحذيرات أمنية، إلى تعطيل حركة الملاحة بصورة كبيرة.

وتحاول بعض السفن مواصلة العبور بمحاذاة السواحل العُمانية من دون الحصول على إذن من طهران، بينما تعد إيران ذلك مخالفة للقواعد التي أعلنتها، وتهدد باتخاذ إجراءات بحق السفن المخالفة، الأمر الذي يرفع مخاطر الاحتكاك البحري، ويزيد الضغوط على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

بين فرص التسوية ومخاطر الانفجار

وتكشف التطورات المتزامنة عن مشهد إقليمي يتسم بتناقض واضح بين مسارين؛ أولهما دبلوماسي تقوده قطر بدعم من اتصالات إقليمية ودولية، في محاولة للتوصل إلى تفاهم بشأن البرنامج النووي وإنهاء الحرب، وثانيهما ميداني يتسم باستمرار التهديدات العسكرية والحوادث البحرية والتصعيد حول مضيق هرمز.

ورغم أن تبادل المقترحات عبر الوساطة القطرية قد يشكل مدخلاً لاستئناف المفاوضات، فإن اشتراط طهران تنفيذ مطالبها السبعة، مقابل إصرار واشنطن على تقديم تنازلات نووية وضمان حرية الملاحة، يضع الطرفين أمام مفاوضات معقدة.

وفي ظل استمرار التهديد الأميركي بالعودة إلى الضربات العسكرية، وتمسُّك إيران بأوراق الضغط التي تمتلكها، وفي مقدمتها مضيق هرمز، تبقى فرص التوصل إلى اتفاق مرتبطة بمدى استعداد الطرفين للانتقال من تبادل الشروط والتهديدات إلى تقديم تنازلات متبادلة.

وبينما تتحرك الدوحة وموسكو والعواصم الإقليمية لاحتواء الأزمة، تظل التطورات في المضيق الاختبار الأكثر حساسية لجهود التهدئة؛ إذ إن أي حادث بحري كبير أو مواجهة عسكرية جديدة قد يبدد فرص التفاوض، ويدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.