رجال دين يقفون ضد دعوات تسليح الدروز ويطالبون بعقد «مؤتمر إنقاذ وطني»

النظام يوزع طلبات انتساب على الشباب للقتال في الفرقة 15 في السويداء

رجال دين يقفون ضد دعوات تسليح الدروز ويطالبون بعقد «مؤتمر إنقاذ وطني»
TT

رجال دين يقفون ضد دعوات تسليح الدروز ويطالبون بعقد «مؤتمر إنقاذ وطني»

رجال دين يقفون ضد دعوات تسليح الدروز ويطالبون بعقد «مؤتمر إنقاذ وطني»

بعد أيام ساد فيها القلق والإرباك الأمني من احتمال نشوب مواجهات مسلحة في جنوب سوريا بين أبناء محافظة السويداء من جهة وأهالي درعا من جهة أخرى، صدر عن مجموعة من رجال الدين الدروز موقف متمايز دعا فيه الشيخ وحيد البلعوس إلى عدم التهويل تجاه ما جرى في بصرى الشام، والاستفادة مما حدث في هذه المنطقة التي سيطرت عليها المعارضة الأسبوع الماضي، في إشارة منه إلى أن اعتماد النظام على الميليشيات الطائفية وبشكل خاص غير السورية، أدى إلى مواجهات بين أبناء المنطقة الواحدة.
وكان لافتا ما دعا إليه البلعوس جميع السوريين أن يحتكموا لصوت العقل والإسراع لعقد مؤتمر وطني تستضيفه السويداء في صرح «شهداء الثورة السورية الكبرى» في بلدة القريا، تحت عنوان «مؤتمر الإنقاذ».
وذكر مصدر من محافظة السويداء لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف رجال الدين بقيادة الشيخ وحيد البلعوس، الذين برزوا كقوة صاعدة تلقى تجاوبا لافتا في المحافظة، كان له أثر بالغ في تخفيف حالة القلق التي سادت السويداء والتي تفاقمت بعد الدعوات التي خرجت عن المكتب الاستشاري والإعلامي للرئاسة الروحية المتمثلة بشيخ العقل حكمت الهجري، والتي طالبت شباب المحافظة بالتسلح والوقوف مع الجيش في خط الدفاع عن السويداء ضد القوى المتطرفة المتربصة بها.
وأكد المصدر المحلي لـ«الشرق الأوسط» أن النظام لا يزال يستمر بمحاولات التجييش وتسليح أبناء المحافظة، وبدأ بتوزيع طلبات انتساب مؤقتة للعمل في صفوف «الجيش العربي السوري» وتحت قيادة الفرقة 15 الموجودة في المحافظة، وهي تصدر عن المكتب الاستشاري والإعلامي للهيئة الروحية في المحافظة، على أن يتعهد المنتسب بـ«استعداده للدفاع عن التراب السوري ومحافظة السويداء ضد العصابات الإرهابية والتكفيرية المسلحة ومؤازرة الجيش السوري في أي عملية عسكرية»، كما يتعهد بشكل كامل بالحفاظ على السلاح المسلم له أصولا وإعادته حين الطلب.
ويوم أمس، حيا رئيس الحزب الاشتراكي النائب وليد جنبلاط المعارضة التي سيطرت على بصرى الشام في درعا وكامل محافظة إدلب.
وكتب على حسابه على «تويتر»: «التحية للثوار السوريين الذين حرروا بصرى الشام من النظام الفاشي وعملائه والتحية للثوار الذين حرروا إدلب»، مضيفا: «بئس تلك الدعوات المشبوهة من بعض رجال الدين المشبوهين الذين يطالبون النظام بالتسلح في مواجهة الشعب السوري، إن هؤلاء يعرضون العرب الدروز السورين للخطر».
وقال الشيخ البلعوس خلال زيارة لضريح شهداء الثورة السورية الكبرى «إن شرفاء حوران أكدوا عدم سماحهم بالتعرض لقرى السويداء، وبأن الوضع في قرى بكا وذيبين المجاورتين لبصرى الشام مطمئن ولم يعتد أحد عليها ولا داعي للتهويل والتجييش بين أبناء السهل والجبل الذين هم يد واحدة، داعيا أهالي تلك القرى إلى التثبت في الأرض وعدم الهلع والنزوح تحت وطأة التهويل المقصود من المنهزمين». كما وطالب أيضا أهالي درعا بعدم السماح للمسيئين في درعا بزرع الفتنة، مؤكدا بوجوب تحرير المخطوفين من أبناء السويداء لإثبات حسن النيات. وتوجه البلعوس لجميع الزعامات الروحية والاجتماعية في المحافظة بالتعاون وتوحيد الكلمة، مؤكدا أن «هذه الحرب ليست معركتنا، فأصحابها أرادوها أن تكون سنية - شيعية، لكننا نتشرف بأن نقاتل أعداء الوطن في الرقة ونستشهد في دير الزور». وجدد الشيخ البلعوس التمسك بالأرض والإخلاص لسوريا، وعدم السماح بالاعتداء على أحد في السويداء، «وكل من تسول له نفسه القتال من مدنيي الجبل خارج المحافظة ليس منا».
وترى أوساط في محافظة السويداء أن البيان الصادر عن المكتب الاستشاري للرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز لا قيمة فعلية له، كونه صادرا عن شيخ واحد (هو حكمت الهجري) من أصل مشايخ العقل الثلاثة، إذ اقتضى العرف الديني في المحافظة بأن تصدر البيانات عن توقيع مصدق منهم جميعا. وتعتبر أوساط اجتماعية ودينية في السويداء أن إنشاء المكتب الاستشاري والإعلامي لرئاسة الطائفة لم يكن سوى محاولة لشق صفوف الهيئة الروحية للطائفة في الجنوب السوري، بربط رئاسة الطائفة بشخص الشيخ حكمت الهجري فقط، وتنحية كل من الشيخ حمود الحناوي والشيخ يوسف جربوع، وبأن ذلك المكتب وضع فيه أشخاص بتكليف من الأجهزة الأمنية، يعملون على تحقيق مصالح النظام.
وكانت الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، التي تعينها السلطات الرسمية، قد طالبت الأسبوع الماضي النظام السوري بتأمين السلاح والدعم اللوجيستي المناسب للشبان الدروز، وطالبت الحكومة السورية بالإشراف المباشر على تدريب معظمهم، على أن تكون هذه القوات المسلحة «خط الدفاع الثاني خلف قوات النظام للدفاع عن بلداتهم ضد أي عدوان محتمل».



اعتقالات وملاحقات ترافق التمدد الحوثي في غرب اليمن

الأشجار تحولت إلى مأوى للفارين من الأعمال الانتقامية الحوثية (إعلام محلي)
الأشجار تحولت إلى مأوى للفارين من الأعمال الانتقامية الحوثية (إعلام محلي)
TT

اعتقالات وملاحقات ترافق التمدد الحوثي في غرب اليمن

الأشجار تحولت إلى مأوى للفارين من الأعمال الانتقامية الحوثية (إعلام محلي)
الأشجار تحولت إلى مأوى للفارين من الأعمال الانتقامية الحوثية (إعلام محلي)

في لحظات لم تترك للسكان في غرب محافظة تعز وجنوب الحديدة وقتاً للتفكير، وجد آلاف المدنيين أنفسهم أمام خيار الرحيل، بعد حملة مداهمات واعتقالات نفذتها الجماعة الحوثية في القرى والتجمعات السكانية التي دخلتها، وسط مخاوف من أعمال انتقام ونهب طالت السكان وممتلكاتهم.

وسجل سكان مشاهد مؤلمة لفرار آلاف الأسر من قرى ومناطق غرب تعز وجنوب الحديدة، بعضهم سيراً على الأقدام، وآخرون على متن سيارات ودراجات نارية، فيما اصطحب بعضهم ما استطاع إنقاذه من ماشية ومقتنيات.

وقال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن النزوح بالنسبة إلى كثير من الأسر لم يكن قراراً مخططاً له، وإنما هروباً عاجلاً من الخوف، تركوا خلاله منازلهم وأراضيهم ومصادر رزقهم.

أما الذين لم يتمكنوا من المغادرة، فوجدوا أنفسهم عالقين وسط حالة من الذعر والقلق، مع استمرار عمليات المداهمة والاعتقال، إلى جانب إفادات عن نهب وسرقة ممتلكات السكان.

وسط غياب المنظمات الإنسانية نازحون يمنيون نصبوا الخيام على قارعة الطريق (إعلام محلي)

ووفق شهادات سكان محليين، تشهد مناطق الوازعية وحيس والخوخة والزهاري والحيمة ويختل والمخا، والمناطق الممتدة على طول الساحل بين الحيمة والمخا، حالة من الاضطراب والنزوح منذ دخول الجماعة الحوثية إليها.

وأكدت الشهادات أن عناصر الجماعة نفذوا عمليات مداهمة واعتقال طالت عدداً من السكان، إلى جانب تعرض ممتلكات للنهب والسرقة. وتحدثت إفادات أخرى عن احتجاز أسر رهائن، والضغط عليها لإجبار أقارب لها من المقاتلين على العودة وتسليم أنفسهم وأسلحتهم.

وحسب المصادر، ينفذ الحوثيون أعمالاً انتقامية بحق سكان في مديرية المخا التابعة لمحافظة تعز ومدينة الخوخة التابعة لمحافظة الحديدة، بدعوى تأييدهم الحكومة المعترف بها دولياً، أو استناداً إلى وشايات من عناصر حوثية تسعى إلى تصفية حسابات قديمة مع بعض المستهدفين بالحملة.

وتشير المصادر إلى أن عبد الله الفضلي وعلاء العميسي، وهما من مسؤولي الأمن والمخابرات الحوثية في المنطقة، يقودان جانباً من هذه الحملات.

هرباً إلى المجهول

وفي مديرية الوازعية، أفاد سكان بأن آلاف الأشخاص نزحوا مع دخول الجماعة الحوثية إلى المديرية، هرباً مما وصفوه ببطش الجماعة والاعتقالات، في ظروف إنسانية صعبة، بينما لا تزال حركة النزوح مستمرة من المديرية ومناطق أخرى.

ويروي عبد الجبار علي هادي، أحد سكان المنطقة، أن الأحداث وقعت بصورة مفاجئة، ولم تمنح السكان وقتاً كافياً لاستيعاب التطورات.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد استوعب ماذا حدث، غير أنه في لحظات قامت القيامة في المديرية، والجميع يريد النزوح».

ويصف عبد الجبار مشهداً اختلطت فيه مشاعر الخوف بالفوضى. فبينما حاول بعض السكان إنقاذ أطفالهم، سعى آخرون إلى اصطحاب ماشيتهم، في حين كانت النساء يبكين والجميع يبحث عن وسيلة للخروج. ويضيف أن من لم يجد سيارة اضطر إلى المغادرة سيراً على الأقدام، مرتدياً الملابس التي كان يرتديها فقط.

أعداد محدودة جداً من النازحين اليمنيين حصلوا على بعض المساعدات (إعلام محلي)

وكان عبد الجبار من بين الذين غادروا المنطقة بحثاً عن مكان آمن، لكنه لم يتمكن في البداية من اصطحاب أسرته. ويقول إنه وصل إلى مكان آمن بالملابس التي كان يرتديها، بعدما أصرت والدته على عدم المغادرة من دون أغنامها.

واضطرت والدته إلى السير على قدميها برفقة أغنامها، حتى حل المساء في منطقة الصابرية، حيث قضت ليلتها هناك. وفي العاشرة مساءً، استقل عبد الجبار دراجة نارية للبحث عنها، وبعد أن عثر عليها عاد إلى مكانه، قبل أن تواصل الأسرة رحلتها في صباح اليوم التالي.

ويصف الرجل تلك اللحظات بأنها كانت محملة بالحزن، قائلاً إن الرحيل ترك وراءه «أوجاعاً وذكرى وحياة وأرضاً عشقنا ترابها ومنازل وأدوات وعشقاً وولاء».

وفي الطريق، شاهد سيارات نزوح تتحرك بلا توقف، ودراجات نارية، ومئات النازحين يسيرون على الأقدام، إلى جانب الأغنام والأبقار والجمال والحمير، في مشهد يعكس حجم الفوضى والمعاناة التي رافقت عملية الفرار.

أطفال تائهون ونازحون بلا مأوى

بعد اتصال عبد الجبار بأسرته، أُبلغ بأن الوقود أصبح شحيحاً في الوازعية، ما أثار مخاوفه بشأن قدرتهم على مواصلة الرحلة. واضطر إلى استئجار دراجة نارية من منطقة بعيدة، وأرسل معها صفيحة من الوقود إلى أسرته. وبعد وصولها، تمكن أفراد الأسرة من التحرك في رحلة استمرت ساعات عبر طرق وعرة، قبل أن يصلوا إلى مكان آمن.

ولم تقتصر المخاطر التي رافقت النزوح على فقدان الممتلكات. ويذكر عبد الجبار أن طفلة لم يتجاوز عمرها خمس سنوات فقدت من أسرتها أثناء الرحلة. وبعد الإعلان عن فقدانها عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، عاش أهلها ساعات من القلق والبحث عنها، قبل أن تعود إليهم في اليوم التالي.

مدنيون في غرب تعز يفرون من قمع الحوثيين إلى المجهول (إعلام محلي)

وكانت قصة الطفلة واحدة من صور الخوف التي عاشتها الأسر، في وقت أصبح فيه الحفاظ على أفراد العائلة والوصول بهم إلى مكان آمن أولوية تتقدم على كل شيء آخر.

ويختصر عبد الجبار تجربة النزوح بكلمات تعكس حجم ما فقده النازحون خلال ساعات قليلة. ويقول إنهم غادروا من دون مال أو زاد أو ملابس إضافية، ولم يحملوا معهم سوى ما يصفه بـ«همة الإنسان وجلادته وصبره وأنفته».

ويضيف أنهم مستعدون للصبر على كل شيء، حتى لو اضطروا إلى العيش تحت الأشجار، لكن أكثر ما يؤلمه، بحسب شهادته، رؤية دموع كبار السن و«قهر الرجال».

ولا تختصر رحلة النزوح في الانتقال من مكان إلى آخر؛ فهي بالنسبة إلى الأسر التي اضطرت إلى المغادرة اقتلاع مفاجئ من حياة كاملة، بما فيها منازل وذكريات ومصادر رزق وممتلكات، واستبدالها بطريق مجهول محفوف بالخوف والحاجة.

حاجة ملحة

مع استمرار النزوح، تبقى الأسر التي غادرت مناطقها بحاجة إلى الأمان والمأوى والغذاء والمياه والوقود، إلى جانب الحماية ولمّ شمل الأسر التي تفرقت أثناء رحلة الفرار، خصوصاً الأطفال وكبار السن.

وفي خلفية هذه المعاناة، يظل المشهد الأشد قسوة أن كثيراً من المدنيين لم يغادروا بحثاً عن حياة أفضل، وإنما لأن البقاء لم يعد، بالنسبة إليهم، خياراً آمناً.

وفي سياق متصل، أصدرت السلطات المحلية في العاصمة المؤقتة عدن ومحافظتي أبين ولحج بياناً مشتركاً أكدت فيه أن القوات المسلحة تجاوزت حالة الصدمة والإرباك واستعادت توازنها، وأصبحت في جهوزية كاملة لمواجهة أي تحديات، في ظل ما وصفته بالتفاف شعبي وزخم مجتمعي لمواجهة الحوثيين وكسر طموحات «المشروع الإيراني في المنطقة».

آلاف اليمنيين في الساحل الغربي باتوا بلا مأوى في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة (أ.ف.ب)

وأكد البيان استمرار متابعة الأوضاع الأمنية والخدمية، ومواصلة مؤسسات الدولة أداء مهامها، والتصدي للمخاطر الإرهابية، وحماية المواطنين والممتلكات، والحفاظ على الأمن والاستقرار بالتنسيق مع الجهات الحكومية والأمنية والعسكرية المختصة.

ودعت السلطات السكان إلى التحلي بالهدوء واليقظة، وعدم الالتفات إلى الشائعات، واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، والتعاون مع الأجهزة المختصة، والإبلاغ عن أي تحركات أو أنشطة مشبوهة.

وتعهدت بأن يكون أمن المواطنين واستقرارهم أولوية قصوى، مؤكدة مواصلة أداء واجباتها ومسؤولياتها بما يحفظ أمن العاصمة عدن ومحافظتي أبين ولحج، ويضمن استمرار مؤسسات الدولة في أداء مهامها.


مصر تؤكد وقوفها بجانب السعودية في كل ما يهدد أمنها

موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافقها (الشركة)
موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافقها (الشركة)
TT

مصر تؤكد وقوفها بجانب السعودية في كل ما يهدد أمنها

موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافقها (الشركة)
موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافقها (الشركة)

أدانت مصر، السبت، بأشد العبارات، الهجمات التي استهدفت خط أنابيب «شرق - غرب» في منطقتي الرياض والمدينة المنورة بالسعودية، مؤكدة تضامنها الكامل مع المملكة في مواجهة كل ما يهدد أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان لها، إن الهجمات تمثل «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتقوض أمن المنطقة واستقرارها».

وأكدت مصر «تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، ووقوفها إلى جانبها في مواجهة كل ما يهدد أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها».

وكان خط أنابيب «شرق - غرب» قد تعرَّض لهجمات إرهابية بمسيَّرات قادمة من العراق، مساء الجمعة، نتجت عنها إصابات بشرية وبعض الأضرار التي تمت معالجتها، حسب بيان صادر عن الخارجية السعودية.


سقوط المخا يخلف مأساة إنسانية مفتوحة ويهدد البحر

التصعيد الحوثي أجبر آلاف الأسر اليمنية على النزوح في مناطق مختلفة من البلاد (أ.ف.ب)
التصعيد الحوثي أجبر آلاف الأسر اليمنية على النزوح في مناطق مختلفة من البلاد (أ.ف.ب)
TT

سقوط المخا يخلف مأساة إنسانية مفتوحة ويهدد البحر

التصعيد الحوثي أجبر آلاف الأسر اليمنية على النزوح في مناطق مختلفة من البلاد (أ.ف.ب)
التصعيد الحوثي أجبر آلاف الأسر اليمنية على النزوح في مناطق مختلفة من البلاد (أ.ف.ب)

استيقظ من لم يغادر مدينة المخا الساحلية (جنوب غربي اليمن)، الخميس، على واقع ميداني وإنساني بالغ القتامة، بعد إحكام الجماعة الحوثية سيطرتها الكاملة على المدينة، ومينائها الاستراتيجي، وتمدد نفوذها باتجاه مضيق باب المندب، ومع تسارع التطورات العسكرية المهددة للملاحة الدولية، تتفاقم المأساة الإنسانية بإضافة عشرات الآلاف من المدنيين إلى حافة الهاوية.

وعاشت المخا ليلة كاملة من الهلع عندما أُبلغ السكان والجرحى من المقاتلين بضرورة إخلاء منازلهم، والنزوح بعد إعلان سيطرة الجماعة الحوثية على معسكر خالد، وجبل النار (شرق المدينة)، واستمرار تقدم قواتها في مديرية موزع المحاذية للشريط الساحلي من جهة الشرق، حتى بات تطويق المدينة من مختلف الجهات مسألة وقت.

وتسبب الإعلان عبر مكبرات الصوت وأجهزة اللاسلكي في موجة فزع شملت المدينة خلال الساعات الأولى من الليل، واستمرت حتى الصباح.

جنود في الجيش اليمني يضربون بالمدفعية مواقع الحوثيين غربي تعز (أ.ف.ب)

وذكرت أمينة محمد، وهي ناشطة حقوقية، لـ«الشرق الأوسط» أنها كانت تعدّ العشاء لعائلتها عندما علموا بإنذارات الإخلاء من المدينة، ما تسبب في إرباك جميع من في المنزل، وبرغم عدم تصديقهم، فإنّهم اضطروا للخروج إلى الشوارع للتأكد، ففوجئوا بحالة هلع، ومئات السكان من كل الأعمار يركضون باتجاه الجنوب. وعلى الفور عادت أمينة وعائلتها إلى المنزل لجمع ما تيسر من أغراضهم، واللحاق بالنازحين، ولم تشرق الشمس إلا وقد وصلوا إلى العاصمة المؤقتة عدن التي شهدت الطريق بينها وبين المخا حركة سير مزدحمة استمرت حتى نهاية مغيب الخميس.

وكشفت مصادر طبية غادرت المدينة بعد سيطرة الجماعة عليها أن المسلحين الحوثيين اقتحموا المستشفيات، والمرافق الصحية بمجرد سيطرتهم على المدينة، واعتقلوا الجرحى، وباشروا التحقيق معهم باعتبارهم مقاتلين، سعياً للحصول على معلومات عسكرية، إلى جانب تفتيش السجلات، والوثائق، وإلزام الموظفين الإداريين بالإفصاح عن كافة المعلومات الطبية للنزلاء.

غالبية النازحين من الساحل الغربي اليمني في مواجهة مع أوضاع معيشية معقدة (أ.ف.ب)

ووفقاً لما أوردته المصادر في شهاداتها لـ«الشرق الأوسط»، فقد شملت عمليات الاعتقال والتحقيق الأطباء، والممرضين، والعاملين في المستشفيات، ما دفع عدداً كبيراً ممن لم يكونوا في مناوباتهم خلال عمليات الاقتحام إلى الهرب من المدينة. وبدأت الجماعة حملة اعتقالات من الشوارع، والمنازل، والمحال التجارية، والمرافق العامة، ما تسبب في التزام غالبية السكان منازلهم.

صدمة إنسانية

كان محمد الزغروري يودع مدير محله التجاري الجديد الذي افتتحه منذ أسابيع قليلة لبيع قطع غيار الدراجات النارية، ويستعد للذهاب إلى سهرة مع بعض أصدقائه الجدد الذين تعرف عليهم منذ قدومه إلى المخا، بينما سيعود مدير المحل إلى المنزل للمبيت مع عائلته، وفجأة غيرا وجهتهما باتجاه عدن.

مقاتل في الجيش اليمني يواجه المقاتلين الحوثيين في منطقة الكدحة غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

يقول الزغروري لـ«الشرق الأوسط» إنه ومدير المحل فوجئا بحركة السكان الخائفين، وركضهم في الشوارع، وخلال ثوانٍ أدركا ضرورة أن يكونا ضمن النازحين، فعادا راكضين إلى المحل لحمل ما يمكن حمله من مبالغ نقدية، وأشياء ثمينة وخفيفة، وخلال ساعات كان في سيارته برفقة المدير وعائلته يغادرون المدينة بالحسرة على جهودٍ وأموالٍ ذهبت سدى.

ولم يكن سقوط المدينة مجرّد تحول عسكري، بل شكّل صدمة إنسانية عنيفة عكستها البيانات الأممية الفورية، فوفقاً لـصندوق الأمم المتحدة للسكان، أدت الأعمال القتالية المتصاعدة في تعز والساحل الغربي إلى نزوح نحو 40 ألف شخص، بينما أكدت منظمة الهجرة الدولية أن وتيرة التصعيد الحاد أجبرت أكثر من 18500 شخص على الفرار في غضون أيام قليلة، مع تزايد الأعداد ساعةً بعد ساعة.

وحذرت المنظمة من «نزوح ثانوي» خطير يطول عائلات كانت قد استقرت سابقاً في مخيمات بمديريات مثل (حيس وموزع) قبل أن تلاحقها النيران مجدداً.

وتشير تقارير حقوقية ميدانية إلى أن الفارين يواجهون ظروفاً شديدة القسوة؛ حيث اضطرت أكثر من 100 أسرة للمبيت في الجروف الصخرية، والمناطق الجبلية الوعرة في ريف تعز الغربي دون أدنى مقومات الحياة.

وتزامن ذلك مع فرض الحوثيين قيوداً مشددة منعت بعض السكان في مناطق المواجهات من المغادرة، وسط اتهامات باستخدامهم كدروع بشرية.

تعميق الأزمات

يزيد من عمق الأزمة قيام مسلحي الجماعة بـمصادرة 8 مركبات تابعة للأمم المتحدة من المركز الإنساني الأممي في مدينة المخا فور دخولها، مما دفع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى التعبير عن قلقه العميق، مؤكداً أن «آخر ما يحتاجه الشعب اليمني هو المزيد من القتال، والنزوح».

حافلة تقل نازحين من المخا إلى عدن هرباً من الحوثيين (إعلام محلي)

وتعاني مناطق واسعة من الساحل الغربي من شلل تام في الشرايين الحيوية منذ بدء التصعيد الحوثي الذي استهدف المنشآت الحيوية، وأدى إلى تعليق العمليات التجارية والبحرية تماماً إثر تعرض الميناء التاريخي لأكثر من 25 صاروخاً حوثياً، ومسيّرة مفخخة، مما تسبب في أضرار في البنية التحتية والمرافق وُصفت خسائرها المادية بنحو 16 مليون دولار.

وتقدر مصادر محلية ورسمية أن الإغلاق والتصعيد العسكري تسببا مباشرةً في فقدان نحو 1000 عامل وصياد لمصادر رزقهم، مع احتمال مضاعفة هذا التأثير عقب سيطرة الجماعة على المدينة، مما ينذر بفقدان مئات العائلات لمصادر الدخل، وعدم قدرتها على توفير الغذاء، في ظل أزمة تمويل أممية خانقة، وإجراءات حوثية تعسفية تطول المنظمات الإغاثية.

ويرى خبراء عسكريون أن الحوثيين يسعون لنقل استراتيجية «حرب المسيرات والقوارب المفخخة» من عمق البحر إلى السيطرة البرية المباشرة على الشواطئ، والمنافذ، مما يمنحهم أوراق ضغط جيوسياسية هائلة لابتزاز المجتمع الدولي، واشتراط ملفات سياسية واقتصادية مقابل أمن الملاحة، وتوسيع المواجهة الإقليمية من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر بأوامر إيرانية.