وزير خارجية الجزائر: قوة عربية مشتركة تحتاج إلى وضع ضوابط واضحة للعمل والتدخل السريع

العمامرة رجح لـ {الشرق الأوسط} أن يكون مقر القوة جامعة الدول العربية «لأن رئاسة الأركان لن تنفصل عن القرار السياسي»

وزير الخارجية الجزائرى رمضان العمامرة
وزير الخارجية الجزائرى رمضان العمامرة
TT

وزير خارجية الجزائر: قوة عربية مشتركة تحتاج إلى وضع ضوابط واضحة للعمل والتدخل السريع

وزير الخارجية الجزائرى رمضان العمامرة
وزير الخارجية الجزائرى رمضان العمامرة

كشف وزير الخارجية الجزائري رمضان العمامرة في حوار خاص لـ«الشرق الأوسط» عن تفاصيل الجلسات المغلقة الخاصة بمناقشة إنشاء القوة العربية العسكرية المشتركة لصيانة الأمن القومي العربي.. وأكد أنه ساهم في تقديم الكثير من المقترحات التي أكدت أهمية اعتماد القوة من حيث المبدأ، وتوضيح مهامها ومشاركة من يرغب من الدول.
وقال العمامرة، إن بلاده سوف تساهم بتقديم المساعدات اللوجيستية، كما فعلت من قبل في الصومال.. كما تحدث عن طبيعة المعالجات والتدخلات السياسة لحل أزمات ليبيا واليمن والاحتقان الحالي مع إيران وتدخل الأخيرة في الشأن العربي. وقال إنه «قد يكون التفاهم والتلاقي بداية لإسقاط كل هذه المشكلات».. وإلى نص الحوار..
* بداية، ما هو مفهوم الكلمات التي رددها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال أعمال القمة قائلا: «إما أن نخرج بنتائج مهمة وقرارات تنفذ، أو نظل دولا عاجزة تجتمع لتتحدث عن التاريخ»؟
- دعيني في البداية أقل إنها قمة تسمى «عادية» بمفهوم الجامعة العربية من حيث التنظيم، وإنما هي «غير عادية»، وفي تقديري «استثنائية»، بالنظر إلى التحديات وطموحات الشعوب العربية والإمكانيات المتاحة إذا توفرت الإرادة السياسية لدفع العمل العربي المشترك.
وقد انعقدت القمة والأمة العربية في أزمة، بينما تمتلك الدول العربية من الموارد والإمكانيات والقدرات والكفاءات ما يؤهلها للتغلب على هذه الأزمة، ولفتح آفاق واعدة حقيقية للشعوب العربية، وليست تلك الأوهام التي ارتبطت في الماضي القريب ببعض الأحداث والتحركات السياسية داخل بعض الدول العربية.
* ماذا تقصد بالآفاق الواعدة؟
- أقصد النهضة الحضارية كي تصبح الأمة العربية عنصرا فاعلا على الساحة الدولية، يؤثر ولا يتأثر، مثل في كثير من الحالات.. حتى من الناحية الاقتصادية لو توحدت كلمة الدول العربية مثلا في ما يتعلق بالمجال النفطي، كما حدث في حقبة السبعينات (من القرن الماضي)، لأصبحنا صناع آليات السوق النفطية العالمية.. وكذلك نؤثر على مستوى الأسعار وما إلى ذلك، على الأقل بالتساوي مع غيرنا من الاقتصادات الكبيرة في العالم.
* كيف ترى القمة العربية هذه بعد مرور سبعين عاما من إنشاء الجامعة العربية؟
- الجامعة العربية مرت بسلامة عبر سنوات، وأعتقد أنها نجحت في مساعدة الدول العربية على تحقيق الاستقلال وتثبيت مقومات الهوية والتلاقي في إطار الجامعة العربية وبناء توافق.
وقد حصلت أشياء كثيرة إيجابية، وقد يصعب القول أيضا إنها نجحت ومعها الدول العربية في كل ما كانت تطلع إليه الشعوب، وإنما نجحت إلى درجة كبيرة في جعل الجامعة بوتقة لمشروع قومي عربي معنوي؛ ليس فقط مدفوعا إلى الحنين، وإنما مبني على وقائع والوزن الخاص للعالم العربي، سواء في ما يتعلق بجانب سياسي أو أخلاقي أو اقتصادي.
إذن، أعتقد أن ما آلت إليه هذه القمة من تفهم للأوضاع، ومن إدراج لحجم هذه التحديات، وفي نفس الوقت لقدرة البلدان العربية التغلب على كل هذا.. والعيب ليس في النصوص أو البرامج والخطط التي اعتمدت هذه المرة، أو اجتماعات سابقة، وإنما نقص الإرادة السياسية والاقتناع أن الطريق المؤدي إلى التقدم والازدهار يكمن في العمل الجماعي. وكذلك ربما في احتكار العمل العربي المشترك من طرف الدول، مثل ما يتعلق بالهيئات التنفيذية كحكومات، ولم يفتح المجال بشكل كاف لبقية القوى في عالمنا العربي مثل القوى الوطنية وأرباب العمل والشباب والمرأة؛ كل هذه العناصر مهمة.
* ماذا عن القوى العسكرية المشتركة والميثاق ومجلس الأمن والسلم في تقديركم؟ أليست هذه أدوات يستحقها العالم العربي بعد مرور سبعين عاما من العمل العربي المشترك منذ ميلاد الجامعة العربية؟
- أتفق معكِ.. نحن ومصر الشقيقة وبعض الدول العربية الأفريقية منخرطون في إطارات عمل من هذا النوع في نظام الاتحاد الأفريقي، والذي لا يملك كل الإمكانيات المتوفرة لدى الجامعة العربية – مثل اللغة المشتركة والدين والقدرات الاقتصادية والمادية.. ومع هذا فإن الاتحاد الأفريقي لديه منظومة أمن وسلم متكاملة الجوانب، وتمكن من إنشاء قوات جاهزة، وكذلك قوة للرد الفوري على الأزمات – مثل التحرك والتدخل السريع وكل هذه الأمور.
وبالنسبة للتحرك السريع لمواجهة الأزمات، فإن الانخراط فيها اختياري مثل ما حدث من توافق في قرار إنشاء القوة العسكرية العربية المشتركة في إطار عمل على مستوى الوزراء، ثم القادة، خلال مناقشة بند القوة العربية المشتركة.
* هل وافقت الجزائر على إنشاء هذه القوة ولم تتحفظ على شيء؟
- لا.. لم نتحفظ على شيء. وأستطيع القول إن مداخلة الجزائر على المستوى الوزاري، ثم على مستوى القمة، كانت أساسية في بناء توافق وتفاهم مشترك لهذا الموضوع. وقد اقترحنا عددا من التعديلات على المسودة الأصلية هي التي اعتمدت في النهاية.
* ما هي تعديلات الجزائر في هذا الخصوص؟
- أولا، قبول الفكرة واعتمادها ضمن قرارات القمة من حيث المبدأ، على أن يتبع هذا بدراسة معمقة لعدد من الجوانب الموضوعية، التي تعد الممر الضروري لإنجاح هذا العمل.
* ماذا تقصد بالممر الضروري لإنجاح هذا العمل؟
- أن يكون انضمام الدول لهذه القوة العسكرية العربية المشتركة اختياريا، وهذا يعني إذا تطوعت بعض الدول لتشكيل القوة وامتنع البعض الآخر فهذا لا يعني التمييز بين أعضاء الجامعة العربية، بل كان لكل منهم المساهمة.. ثم بعد الدراسة المعمقة لكل دولة عربية ترغب في المساهمة في تعزيز الأمن القومي العربي إمكانية أن تختار طريقة المساهمة.
ونحن قلنا وبكل صراحة، وهذا معروف كذلك أفريقيا، إن الجزائر لا تساهم بوحدات مقاتلة، وإنما في التكوين والتمويل والتجهيز والنقل الاستراتيجي، لأن التدخل السريع يقتضي سرعة التحرك، خاصة توفير الطائرات التي تنقل الجنود وغيره.. وسبق وأن قامت الجزائر بعمل أساسي في نقل القوات الأوغندية والبوروندية من بلدانهم إلى الصومال مع الخطر آنذاك، وكانت حركة الشباب تسيطر على العواصم والمناطق المجاورة للمطار، ورغم ذلك قامت عشر طائرات شحن جزائرية كبيرة بنقل كل هذه القوات الأفريقية التي غيرت المشهد السياسي والأمني في مقديشو ثم بقية الصومال.
ولذلك، فإن شعور الجزائر بالأمن القومي العربي يجعلها تقدم عددا من العوامل التي تثري هذا التوجه، وتجعل دولة عربية في أريحية تحدد لنفسها طبيعة المشاركة في هذه القوة العسكرية العربية، على أن تكون مشاركة تنصب في نفس البوتقة وتساهم في تحقيق نفس الخطة.
* هل تمت مناقشة مقر هذه القوة؟
- فكرة القوات الجاهزة هي أن تكون مرتبطة مع بعضها من حيث التكوين والتجهيز والقيادة والسيطرة، وبالتالي المقر من المؤكد سيكون من داخل جامعة الدول العربية، لأن القوة لا يمكن أن تنفصل عن الجوانب السياسية والدبلوماسية.
* تقصد أن يكون مقر قيادة القوة العربية العسكرية المشتركة داخل الجامعة العربية؟
- أكيد، لأن القوة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما الجوانب السياسية هي التي تحكم هذه القوة، وستكون جزءا من منظومة العمل العربي المشترك. وأعني إذا اجتمع الرؤساء أو الوزراء أو حتى المندوبون الدائمون بتكليف من حكوماتهم لاتخاذ قرار معين بنشر وحدة معينة، فلا بد أن يكون جهاز الأركان حاضرا، ويستعد لوضع الخطة التي تعكس الرغبات السياسية التي تتبلور من خلال المناقشات بين المؤهلين لهذا العمل.
* إذن، ستكون قوات هذه القوة موجودة في دولهم ويقوم رئيس الأركان بالتنسيق للقيام بمهمة التدخل والردع السريع؟
- بكل تأكيد لم يقرر هذا الموضوع بعد، وأعني التفاصيل الفنية، وإنما هذا هو المعمول به في الإطار الأفريقي.
* هل هذا العمل الخاص بالقوة العربية المشتركة يحتاج لصندوق تمويل؟
- هذه النقطة كذلك جزء من التحضير الذي سيجري بعد أسابيع، وأستطيع القول إن العنصر الضعيف في المنظومة الأفريقية هو التمويل.
* الحديث يدور حول مكافحة الإرهاب والعناصر الإرهابية التي بدأت تمتلك أسلحة تقترب من سلاح الجيوش النظامية.. كيف ترى دور هذه القوات العربية المشتركة؟
- مكافحة الإرهاب تعني هل اتفقنا على ما هو الإرهاب.. وهو عنصر آخر لأن التدقيق ضروري. ثم الإرهاب أنواع، مثلا هناك مكافحة لإرهاب تطلب عن طريق الأجهزة الشرطية، وهو نوع من الإرهاب التقليدي ضيق النطاق، وهناك إرهاب «داعش» ولديهم جيوش.
* وهنا ندخل في قصة الميثاق وتعديله؟
- أكيد، لا بد من ذلك لأن اتخاذ القرار أساسي ولا يمكن أن ينفرد عضو أو اثنان أو الأمانة العامة باتخاذ القرار في مواضيع بهذه الحساسية، والتي أعتبرها شروطا أساسية لإنجاح المشروع برمته، وإلا ستبقى أداة مشكلة.
وكما أسلفت، كل العناصر متوفرة. أما إذا فشلنا في الجوانب التنظيمية والسياسية والقانونية لاتخاذ القرار يصبح المشروع من دون جدوى. وهنا أقول إنه في الإطار الأفريقي هناك هذه التدخلات العسكرية التي ليست مبنية على طلب سيادي من الدولة المعنية، كما حدث في الصومال. إذا يتخذ القرار من طرف القمة بأغلبية الثلثين، وعندما يتعلق بتنفيذ خطة تسوية داخلية، وأعني أطرافا تفاوضت داخليا من خلال وسيط الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة أو الجامعة العربية، وتوصلت إلى بعض الحلول.
وهذا ما نتمناه في ما يتعلق بليبيا مثلا، أن يصل الفرقاء الليبيون إلى خطة متماسكة. وهناك جوانب سياسية مؤسساتية وأمنية وعسكرية، والجيش الوطني.. كيف يتم تشكيلها وتسليحها، وهناك جوانب اقتصادية مرتبطة بالنفط؟ وعندما تكون هذه الأمور متكاملة آنذاك، قد يكون من بين آليات التنفيذ نشر قوات حفظ سلام، للمساعدة على التنفيذ والتدريب للقوات الليبية لجعلها في بوتقة مشروع وطني كجيش متماسك. وهذا أسهل في الحل لأن الكل سوف يبارك الوصول إلى تحقيق التوافق، ثم يلتزم الجميع بالمساعدة بما في ذلك بناء مؤسسات الدولة.
* تقصد أن يكون من بين مهام القوة المشتركة دراسة الأوضاع في العالم العربي وفق الحالة التي تحدث في كل دولة على حدة من الدول التي تعاني أزمات، مثل سوريا واليمن وليبيا؟
- صحيح، كل دولة يكون الحل وفق نوعيتها – واليوم في المنظمات الإقليمية تنتشر بعثة المساندة والمساعدة في الجوانب المختلفة.. الجانب العسكري قد يكون مهما لاستتباب الأمن، ولكن في حاجة إلى جمارك في الموانئ وإلى قضاة يساعدون على إعادة بناء مؤسسة القضاء.. وهذا كله يقتضي أن تضم البعثة مكونا عسكريا وشرطيا ومدنيا، وكل هذه المكونات.
ونحن نرى أن إيجاد الحلول المتوازنة تكون منبثقة من تجارب غيرنا، لأن هناك تجارب قامت بها الأمم المتحدة وأخرى أفريقية وأوروبية، إذا استفدنا منها ووضعنا يدنا على مواطن الضعف وحاولنا إيجاد الحلول لهذه النقائص الموجودة في تجربة غيرنا ستكون الصورة متكاملة، وتسهل في اتخاذ القرار السياسي والمضي قدما نحو مرحلة نوعية جديدة في العمل العربي المشترك.
* إذن الجزائر حاولت إيضاح المواقف، وليس من قبيل التحفظ على القرارات الخاصة بإنشاء القوة أو حتى «عاصفة الحزم»؟
- الجزائر قدمت توضيحات خلال المناقشات، وليس من باب التحفظ.. وأنا أكرر: نحن ومصر منخرطان الآن في المنظومة الأفريقية، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نلتزم في المنظومة العربية - ونحن نحاول أن نفعل الأشياء - بالجدية حتى يكتب لها النجاح.
* علاقة الجزائر منفتحة مع إيران.. لماذا لا تساهم في تخفيف الاحتقان العربي الإيراني بسبب تدخلها في الشأن العربي في اليمن وسوريا ولبنان واحتلال جزر الإمارات؟
- نحن نريد انتهاء أي احتقان بين الدول العربية وأي من الدول الإقليمية، ونتأسف ونشعر بألم شديد أن نشاهد تمزق العالم الإسلامي، وهذا الشرخ الذي أصبح مع الأسف عميقا بين السنة والشيعة. ونحن لا نعرف هذا في أوطاننا، ونعتبر أن المسلمين كلهم إخوة، والرابط الروحي أقوى من الخلافات السياسية. ثم إن التوافق في الأمور السياسية التي يواجهها العالم الإسلامي اليوم يوجب أن نصل مع كل الدول الكبيرة المؤثرة في الساحة العربية والإسلامية إلى تفاهم ومستويات معقولة من التعاون من أجل إنجاز أعمال مشتركة.. إذن نحن نرى أن تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإيران سوف ينتج عنه خير لكل الأطراف. والجزائر لها علاقات طيبة مع كل الدول الشقيقة على الساحة العربية، ولها تاريخيا كذلك علاقات ثقة ومودة وإخاء مع إيران، وبالتالي نحن في حوار مع الكل، ونقول دائما نفس الكلام لكل الأصدقاء والأشقاء الذين نعالج معهم هذه المسائل، ونعتقد أن هذا التفاهم والتلاقي بين إيران والدول العربية سوف يساعد كثيرا في تحسين الأجواء عامة وتعزيز قدرتنا التفاوضية كعرب على الساحة الدولية، وحتى في ما يتعلق بالنسبة لتحقيق السلام في الملف الفلسطيني؛ لأن الأمور في مأزق ولا توجد خيارات أمامنا سوى استرجاع المبادرة على كل الأصعدة، والدفع بعجلة العمل الدولي دعما لما تقرره القيادة الفلسطينية، ومناصرة الحق الفلسطيني.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.