ميقاتي يسعى لقطع الطريق على إصابة حكومته بعطل دائم

وزير العدل يتنقل بين المقرات الرئاسية محاولاً تقريب وجهات النظر

TT

ميقاتي يسعى لقطع الطريق على إصابة حكومته بعطل دائم

قال مصدر وزاري إن تعذُّر التوصُّل إلى صيغة لتسوية النزاع حول المسار الذي بلغه التحقيق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت أدى إلى تعليق جلسات مجلس الوزراء إلى حين التفاهم على صيغة لإطفاء الحريق السياسي الذي اندلع بين رئيس الجمهورية ميشال عون وبين وزراء «الثنائي الشيعي» وتيار «المردة»، وكشف لـ«الشرق الأوسط» أن وزير العدل هنري خوري يتولى إعداد صيغة تلو أخرى، لعله يتمكن من تسويق تسوية تحظى بتأييد أطراف النزاع.
ولفت المصدر الوزاري إلى أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يواكب المهمة التي أوكلها إلى وزير العدل الذي يتنقل بين المقرات الرئاسية، في محاولة لتقريب وجهات النظر لإعادة الروح إلى مجلس الوزراء الذي عُلّقت جلساته بعد جلسة أول من أمس التي بودلت فيها التهديدات، واضطر وزراء «الثنائي الشيعي» و«المردة» للانسحاب قبل أن يرفع عون الجلسة، وهذا ما أصروا على تسجيله في محضر الجلسة.
وأكد أن الصيغ الجوّالة التي يتولى وزير العدل تسويقها ما زالت موضع أخذ وردّ، رغم أن ميقاتي يقوم بجهد فوق العادة لقطع الطريق على احتمال إصابة حكومته بعطل دائم لا يمكن مداواته والإبقاء عليه كعطل موقت يؤمن له العلاج السياسي.
لكن في المقابل هناك من يقول، نقلاً عن مرجع سياسي، إن الحريق السياسي الذي التهم جلسة مجلس الوزراء سيترك بصماته على الطاولة بعد أن بلغ الاستنفار ذروته بدخول «حزب الله» من الباب الواسع ولأول مرة على خط الصدام مع حليفه الاستراتيجي رئيس الجمهورية، وهذا ما فاجأ تياره السياسي الذي كان يحاول توظيف التحقيق في انفجار المرفأ للثأر من خصومه، وأبرزهم رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وزعيم تيار «المردة» سليمان فرنجية، لانعدام الكيمياء السياسية بينهما وبين رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل.
ورأى المرجع السياسي - الذي فضّل عدم ذكر اسمه، كما يقول المصدر - أن الحكومة الميقاتية أصيبت بعطل قبل ولادتها عندما سُمح للوزراء المرشحين لتولي حقائب فيها بالتوجُّه إلى دارة باسيل بقصد التعارف عليه بناء على طلب عون وعدم ممانعة ميقاتي، مع أن باسيل يدّعي أن لا علاقة له بالحكومة وأن تياره السياسي ليس ممثلاً فيها وأنه بالنسبة إلى تشكيل الحكومة يقف خلف رئيس الجمهورية، وقال إنه انكشف على حقيقته عندما أصرّ على لقاء الوزراء، وربما هذا ما أراده ميقاتي لحشر عون، وصولاً لإلصاق التهمة بصهره بأنه يقوم مقام رئاسة الجمهورية.
وسأل المرجع السياسي؛ لنفترض أن المحقق العدلي القاضي طارق البيطار انطلق في مسار التحقيق من نقطة تدعو للاستغراب، وهذا الأمر لا جدال فيه، لكن لا يحق لـ«حزب الله» أن يطالب بكفّ يده واستبداله بقاضٍ آخر، مع أن الفرصة كانت متاحة لبيطار لتصويب مسار التحقيقات التي باشر فيها لإبعاد الشبهة عن اتهامه بالاستنسابية والانتقائية.
كما سأل؛ أين كان عون عندما هدّد مسؤول الارتباط والتنسيق في «حزب الله» وفيق صفا القاضي البيطار؟ ولماذا لم يتدخّل للعودة بمسار التحقيق إلى مسلكه الطبيعي والمتوازن، الذي لن يتحقق إلا بمساءلته عن الأسباب التي حالت دون تدخّله للتخلص من نيترات الأمونيوم، بعد أن أُعلم بوجودها قبل أسبوعين من انفجارها، متذرّعاً بعدم صلاحيته بالتدخُّل، رغم أن تدخّله كان وراء تعطيل تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري، ما اضطره للاعتذار عن تشكيلها؟ واعتبر المرجع السياسي أنه ليس في موقع الدفاع عن «حزب الله» أو عون، خصوصاً أن الحزب هو من عطّل انتخابات رئاسة الجمهورية ولم يُفرج عنها إلا بعد أن ضمن انتخاب عون رئيساً، وها هو اليوم يدفع الثمن السياسي برغم أن عون وفّر له الغطاء السياسي ولم يحرّك ساكناً حيال استيراده للمازوت الإيراني عبر خطوط التهريب التي تربط سوريا بلبنان، إضافة إلى أنه كان أول من أخلّ بتعهّده في خطاب القسم بإدراج الاستراتيجية الدفاعية كأول بند على جدول أعماله.
وقال إنه يخشى من أن يذهب التحقيق في انفجار المرفأ ضحية صراع بين عون وحليفه «حزب الله»، وأن يكون الثمن استبدال القاضي البيطار بقاضٍ آخر، مع أنه كان في وسعه أن يتبع التوازن في ادعائه على فريق سياسي، قد يكون من لون واحد دون فريق آخر، فيما التيار السياسي المحسوب على عون يبدي استعداده للدخول في عمليات مقايضة لرفع العقوبات الأميركية عن باسيل لإعادة تعويمه سياسياً ليكون في عداد المرشحين لرئاسة الجمهورية.
وفي هذا السياق، يسأل مصدر سياسي إذا كان موسم تبادل المنافع السياسية بين عون - باسيل وحليفهما «حزب الله» قد انتهى على مشارف دخول الولاية الرئاسية في سنتها الأخيرة، وهذا ما بدا واضحاً من خلال ما خلصت إليه الخلوة التي عقدها «التيار الوطني» بمناسبة حلول ذكرى 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1990 التي كانت وراء إخراج عون من قصر بعبدا، وتحديداً لجهة دعوته إلى إعادة النظر في تحالفاته مع القوى السياسية، وما إذا كان يُدرج اسم حليفه الوحيد أي «حزب الله» على لائحة من يستهدفهم بدعوته للنظر في تحالفاته.
ويقول المصدر إن ملف التحقيق في انفجار المرفأ أُدخل في بازار الانتخابات النيابية وبات يهدد الحكومة الميقاتية من الداخل بعد أن تلقّت صفعة فاجأتها من «أهل البيت» وتحديداً عون و «حزب الله»، استدعت ترحيل الجلسة بعد أن توزّعت على خطوط تماس سياسية، رغم أن ميقاتي سعى لتبريد الأجواء، لكن النار السياسية كانت أسرع اشتعالاً في نقل الاشتباك إلى الشارع الذي انقسم إلى شارعين أو أكثر.
ويتوقف المصدر نفسه أمام المهادنة القائمة بين عون وبين حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب» اللذين يحصران حملاتهما السياسية بفريق معين دون انتقاد لعون وتياره السياسي، كما كان يحصل في السابق، ويقول إنهما قررا التعاطي مع ملف التحقيق، من زاوية قطع الطريق على باسيل ليزايد عليهما شعبوياً في الشارع المسيحي مع دخول البلد في حمى التحضير لخوض الانتخابات النيابية. لذلك - كما يقول المصدر - فإن التحالفات السياسية على مشارف بدء الموسم الانتخابي ستكون خاضعة لإعادة خلط الأوراق، بشكل يتجاوز التقديرات التي كانت قائمة قبل الانفجار السياسي على طاولة مجلس الوزراء، خصوصاً أنه أدى إلى نشوب خلاف بين «حزب الله» وعون، وهذا هو الجديد الذي سيدفع بهما إلى إعادة النظر في حساباتهما السياسية، لأن خلاف عون مع بري ليس بجديد ويفوق عمره السنوات الخمس التي أمضاها عون في سدة الرئاسة الأولى.
ويبقى الغموض يحاصر التحالفات السياسية، خصوصاً أن تيار «المستقبل» يتجنّب الكشف عن أوراقه التحالفية، فيما يصرّ الحزب «التقدمي الاشتراكي» على تأكيد تحالفه مع الحريري، واصفاً إياه - كما تقول مصادره - إن التحالف محسوم، برغم أن التواصل بين «التقدمي» و «المستقبل» يمر حالياً في تقنين لم يسبق أن بلغه.
ويعتقد المصدر السياسي أن «التقدمي» يحاول التمايز حيال الخلاف الذي انفجر داخل مجلس الوزراء، ويؤكد أن علاقته بـ«حزب الله» يغلب عليها الفتور، وتتخللها تغريدات لجنبلاط، يغمز فيها من قناته، وصولاً إلى إيران، فيما الأفق مسدود أمام قيام أي تعاون بين «المستقبل» و«حزب الله».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».