صالح يعيش مرحلة تخبط.. وأنباء عن نيته الهرب إلى دولة أفريقية وتهريبه لطائرات إلى جيبوتي

مصادر أكدت أن لا مستقبل سياسيًّا له.. وهادي أقال نجله أحمد من منصبه كسفير لدى الإمارات

صورة مأخوذة من اليوتيوب لعلي عبد الله صالح أثناء خطابه المتلفز أخيرا
صورة مأخوذة من اليوتيوب لعلي عبد الله صالح أثناء خطابه المتلفز أخيرا
TT

صالح يعيش مرحلة تخبط.. وأنباء عن نيته الهرب إلى دولة أفريقية وتهريبه لطائرات إلى جيبوتي

صورة مأخوذة من اليوتيوب لعلي عبد الله صالح أثناء خطابه المتلفز أخيرا
صورة مأخوذة من اليوتيوب لعلي عبد الله صالح أثناء خطابه المتلفز أخيرا

ظهر الرئيس السابق علي عبد الله صالح على سطح الأحداث من جديد، في خطاب ملتفز أول من أمس، للمطالبة بوقف عمليات «عاصفة الحزم»، مع مهاجمته لقوات التحالف، وبدا في حالة تخبط وارتباك، مستخدما المتناقضات التي طالما رافقته طوال حكمه لليمن لـ33 سنة.
وفي حين تتوارد أنباء تشير إلى أنه يستعد للهرب إلى إريتريا التي يمتلك فيها عقارات وقصورا اشتراها من أموال الشعب اليمني، أشارت أنباء أخرى إلى أنه ساهم في تهريب 3 طائرات مدنية إلى جيبوتي. وأكدت الإمارات العربية المتحدة أمس نبأ إقالة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لنجل صالح من منصبه كسفير لليمن لدى الإمارات، بالتنسيق التام والعلم المسبق مع الحكومة الإماراتية.
وبحسب مصادر سياسية وناشطين فقد ظهر صالح في خطابه الأخير مرتبكا ومتخبطا، كاشفا عن مرحلة أخيرة يعيشها الرجل الذي ظل يحكم البلاد بعد وقبل خلعه من كرسي الحكم إثر الانتفاضة الشعبية في 2011. وحاول صالح استعطاف أتباعه وخصومه بالحديث عن عزوفه مع أولاده عن كرسي الحكم، وقال في تسجيل متلفز بثته قناة «اليمن اليوم» المملوكة له: «لا أنوي الترشح للرئاسة أو أحد من أفراد عائلتي رغم أنه يحق لهم ذلك قانونيا ودستوريا»، وقبل أيام ظهر صالح مع قيادات حزبه في قناته مرتديا الزي الشعبي، في مكان سرّي، ويجلسون على كراسي داخل غرفة مغلقة يرجح أنها تحت الأرض في مكان سرّي بصنعاء.
وقالت مصادر عسكرية يمنية لـ«الشرق الأوسط» إن 3 طائرات مدنية تتبع لشركة الطيران «اليمنية» تم تهريبها إلى جيبوتي خلال الفترة الماضية، ورجحت المصادر أن يكون الرئيس السابق علي عبد الله صالح وراء ذلك، بعد أن استغل خروج المبعوث الأممي جمال بنعمر من صنعاء. ورجحت المصادر أن يستخدم صالح هذه الطائرات للتنقل بين دول أفريقية يمتلك فيها عشرات القصور والمزارع التي اشتراها أثناء حكمه للبلاد والمقدرة قيمتها بمئات الآلاف من الدولارات.
وقال وزير الخارجية اليمني، رياض ياسين، في شرم الشيخ أمس إن الرئيس السابق علي عبد الله صالح «موجود حاليا في صنعاء ويخطط للفرار منها»، مضيفا: «لدينا معلومات من عدة مصادر أنه يستعد مع عدد من كبار مسؤولية للفرار، وهو يجهز طائرات لأجل ذلك»، موضحا أن «صالح يريد الفرار إلى إريتريا ويملك كثيرا من الممتلكات العقارية والمنازل والأراضي».
وتأتي هذه التطورات مع إقالة نجل صالح السفير لدى الإمارات العربية المتحدة أحمد علي من منصبه، بالتنسيق مع دولة الإمارات العربية المتحدة حسبما أفاد مسؤول إماراتي، الذي استبعد أن يكون صالح جزءا من أي عملية سياسية مقبلة. وقال مسؤول إماراتي إن خطوة إقالة أحمد علي عبد الله صالح من منصبه سفيرا لليمن لدى دولة الإمارات تمت بالتنسيق التام والعلم المسبق مع الحكومة الإماراتية، مشيرا إلى أن «دولة الإمارات واضحة في وقوفها منذ البداية مع الشرعية التي أفرزتها مخرجات المبادرة الخليجية ممثلة في الرئيس عبد ربه منصور هادي، وبالتالي فإن قرار تعيين سفير أو إعفائه من مهامه يعود للسلطات الشرعية المعترف بها».
وعد المصدر «بقاء أحمد علي عبد الله صالح في منصبه سابقا كان رهنا بالإرادة الشرعية اليمنية ومجريات العملية السياسية التي وافق عليها الرئيس اليمني السابق، قبل أن ينقلب عليها وعلى الشرعية في مساومة سياسية غير محسوبة العواقب»، وأكد المصدر نفسه أن «دولة الإمارات ليست مؤيدة فحسب لعملية عاصفة الحزم، بل إنها شريك أساسي فيها، تماما مثلما هي على توافق تام مع المملكة العربية السعودية في المسار السياسي الكفيل بإخراج اليمن من أزمته، والقائم على استسلام الحوثيين للسلطات الشرعية في اليمن، وتسليم السلاح ووقف الارتهان للخارج، مدخلا وحيدا لحوار سياسي مثمر والتوصل إلى تفاهمات تحقق مصلحة الشعب اليمني».
من جهته قال عبده الجندي، الناطق باسم حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه صالح، إن خطاب «الرئيس صالح ناتج عن استشعاره للمسؤولية تجاه شعبه الذي يتعرض لعدوان جوي». وأضاف: «إنهم يستهدفون الحوثي وأنصار الله، لكنهم في الحقيقة يستهدفون رجال القوات المسلحة والأمن أو ما تبقى منها، ولعلهم بذلك يقدمون أكبر خدمة لأنصار الله، لأن العقبة الوحيدة التي ما زالت أمام أنصار الله هي الجيش والمعسكرات، وعندما يتعرضون لمثل هذه الضربات فإن الوريث لهم، بالتأكيد، هو أنصار الله».
وحول الخطاب الذي ألقاه صالح إلى القادة العرب بمناسبة انعقاد القمة العربية، قال الجندي لـ«الشرق الأوسط» إن «الرئيس صالح ليس مع أنصار الله وليس مع الرئيس عبد ربه منصور هادي، وهو يقول إن اليمن يحتاج إلى رئيس ولا يضع نفسه كبديل، وأنا على ثقة أن العالم كله يدرك أن عبد ربه منصور هادي هو أفشل رئيس تقلد هذا المنصب في اليمن، إذ وجدت له السلطات والتأييد والثقة وتوفرت له الإمكانيات التي لم تتوفر لرئيس قبله، فإذا به يقود اليمن من بلد شبه متماسك إلى بلد يكتوي بالحروب والنزاعات، إذ إنه دمر الثقة بين القوى السياسية والثقة بينه وبين الشعب»، حسب تعبيره.
وردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول وجهة صالح بعد بدء الضربات في صنعاء إثر المعلومات التي أكدت مغادرته المدينة، يقول الجندي إن «صالح هو رجل اليمن القوي، كان وما زال، بدليل هذه الضجة العالمية حوله وحول تحركاته، ولا يمكن لعلي عبد الله صالح أن يموت وهو راكع، هو سيموت واقفا في منزله ولن تهزه التهديدات أو الضربات، وهو رجل قوي كما أعرفه، وهو مقتنع بالعيش في اليمن ومن أجل اليمن».
وتجنب الجندي الإجابة على سؤال آخر حول مكان وجود صالح تحديدا، وقال إنه التقى به أمس (أول من أمس)، وأضاف أنه «رجل يمكن أن يتلقي بأصحابه تحت شجرة أو في أي جبل، هو ابن الشعب ولم يأتِ من طبقة برجوازية أو حاكمة»، وردا على سؤال حول عدم دعوة صالح أنصاره في الجيش إلى عدم قتال الحوثيين، يرد الناطق الرسمي باسم حزب المؤتمر والمقرب من الرئيس اليمني السابق بالقول لـ«الشرق الأوسط» إن «علي عبد الله صالح لا يمكن أن يكون داعية للاستسلام، هناك فرق بين التفاوض الذي يفضي إلى حوار سياسي وكل الحروب تنتهي إلى حوارات سياسية، لكنّ حوارا ينتهي إلى إملاء المنتصر شروطه فهذا ما لا يمكن أن يقبل به علي عبد الله صالح أو أن يدعو أنصاره إلى الاستسلام، والآن ليس أمامه خيار سوى أن يصمد إلى نهاية المطاف، فإما حياة تسرّ الصديق وإما ممات يفيد العدو»، حسب تعبيره.
وكانت «الشرق الأوسط» نشرت تقريرا، أول من أمس، كشفت فيه مصادر خاصة عن مكان وجود صالح، حيث يحتمي بقبائل خولان في منطقة حريب القراميش، وهي منطقة تتبع محافظة مأرب إداريا. وذكرت تلك المصادر أن صالح يحاول اللجوء إلى إحدى الدول الخليجية بعد أن يتمكن من الوصول إلى محافظة المهرة في أقصى جنوب شرقي اليمن والدخول منها إلى سلطنة عمان المجاورة، وذكرت مصادر قبلية موثوقة في جنوب صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن صالح بات يتنقل بين عدد من المناطق القبلية ولم يعد مستقرا في مكان معين، إلا أنه لا يغادر تلك المناطق المحيطة بصنعاء بعيدا، كي لا يتم تحديد موقعه بصورة دقيقة بسبب موكبه الكبير وحاشيته التي يتحرك بها، إذ ترافقه سيارات مصفحة وآليات عسكرية وترتيبات أمنية وإعلامية متكاملة، تجعل من أي ظهور له وكأنه في صنعاء.
وغادر صالح صنعاء فور بدء العمليات الجوية لقوات التحالف التي استهدفت مواقع الجيش اليمني التي يسيطر عليها الحوثيون والقوات الموالية لصالح. وفي هذه الأثناء، ذكرت مصادر أن صالح بات الآن معزولا من الحوثيين، ومن اليمنيين، وهو الآن يخسر كل شيء، إلا أنه لا يزال وأقرباؤه يحتفظون بإمبراطوريتهم المالية والعسكرية في صنعاء وغيرها من المحافظات ويواليهم كثير من القادة العسكريين في الجيش اليمني وقوات الأمن، لأن المسلحين الحوثيين لم يتعرضوا لقصور صالح أو أنجاله أو أشقائه وأبنائهم وبقية المسؤولين المحسوبين عليه، سواء بالإقامة الجبرية أو الاعتقال أو مصادرة المنازل والأموال، كما جرى مع كثير من خصوم الحوثيين في صنعاء وغيرها من المحافظات.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.