كيف نقلل مخاطر «المواد الكيميائية الأبدية» على الصحة؟

«دقائق البلاستيك» تتسرب إلى الإنسان والبيئة

كيف نقلل مخاطر «المواد الكيميائية الأبدية» على الصحة؟
TT

كيف نقلل مخاطر «المواد الكيميائية الأبدية» على الصحة؟

كيف نقلل مخاطر «المواد الكيميائية الأبدية» على الصحة؟

تحمل المركبات الكيميائية الموجودة في كل شيء... من القدور والمقالي ذات السطح غير اللاصق، إلى منتجات الرذاذ الحامي للقماش، نوعاً من الضرر لصحتكم، ولكن بعض التغييرات البسيطة في أسلوب حياتكم قد تساعد في حمايتكم، وفقا لتقرير من جامعة هارفارد الأميركية نشرته كيلي بيلودو في دورية «مراقبة صحة النساء» لشهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
كيميائيات أبدية
تُعرف المنتجات المسماة الفاعلات بالسطح الفلوري
Per - and polyfluoroalkyl substances (PFAS) على أنها مجموعة من آلاف المواد الكيميائية التي صنعها الإنسان وتُستخدم على نطاقٍ واسع لصد المياه والشحم والزيت، فضلاً عن أنها مقاومة للحرارة، ما يجعلها ممتازة للاستخدام في مجموعة متنوعة من المنتجات أبرزها مقالي الطهي غير اللاصقة ومغلفات المواد الغذائية ومعدات التخييم ومستحضرات التجميل ومواد إزالة البقع عن السجاد والقماش. وهي مركبات كيميائية فلورية عضوية فيها ذرات فلور متعددة. استخدمت هذه المركبات للمرة الأولى في المنتجات الصناعية والاستهلاكية في الخمسينات ولم يتوسع استخدامها إلا في السنوات القليلة الماضية حتى أصبحت منتشرة وموجودة في كل شيء من مستحضرات ظلال العينين إلى الطلاء المعدني.
ولكن العلماء الذين يدرسون الصحة البشرية يرون في «الفاعلات بالسطح الفلوري» جانبا مظلماً. وتقول إلسي ساندرلاند، أستاذة العلوم البيئية والهندسة في جامعة هارفارد إنها «لا تستطيع قول أي شيء إيجابي عنها من المنظور الصحي. إذ تمثل هذه المركبات كابوساً حقيقياً لأنها مرتبطة بعددٍ كبير من التأثيرات الصحية المخيفة». ولكن المشكلة الأبرز في هذه الفاعلات هي أن مصدر ضررها هو نفسه مصدر فاعليتها العالية، أي عدم قابليتها للتفكك، ولهذا السبب يُشار إليها غالباً على أنها «البلاستيك الأبدي». وتقول ساندرلاند إن «هذه الصلابة تبدو رائعة حتى تدخل هذه المادة الكيميائية إلى الجسم البشري أو تستقر في البيئة».
تأثيرات صحية
صحيحٌ أن المواد الكيميائية التي تسبب المشاكل الصحية كثيرة، ولكن يبدو أن الفاعلات بالسطح الفلوري خطيرة بدرجة غير مألوفة نظراً لثقل تأثيرها على الجسم البشري. فقد كشفت ساندرلاند أن خبراء الصحة لاحظوا تأثيرات مرتبطة بهذه الفاعلات على جميع الأعضاء الأساسية في الجسم.
تؤدي الفاعلات بالسطح الفلوري مثلاً إلى اضطراب عملية التمثيل الغذائي وتسبب مشاكل صحية أخرى كالسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والسمنة، وقد تقف عائقاً أمام خسارة الوزن والرضاعة الطبيعية. كما رُبط التعرض للفاعلات بالسطح الفلوري بمرض الغدة الدرقية وتضرر الكبد والكلى وبعض السرطانات. وتنبه ساندرلاند إلى أن هذه المركبات الكيميائية يمكن أن تؤذي الجهاز المناعي وقد تكون عنصراً مساهماً في تزايد أمراض المناعة الذاتية، بالإضافة إلى الربو واضطرابات الحساسية.
تزداد جدية هذه السمية المناعية لدى الأطفال أكثر من البالغين لأن الجهاز المناعي يشهد برمجة مهمة خلال الطفولة خصوصا أن كبت الجهاز المناعي يمكن أن يثبط استجابة الأطفال للقاحات الروتينية أو يزيد هشاشتهم أمام الفيروسات.
مياه ملوثة
ترى ساندرلاند أن الشركات تستمر في استخدام الفاعلات بالسطح الفلوري لأنها فعالة ومربحة رغم أن العديد من الدعاوى القضائية قدمت أدلة تثبت أن هذه الشركات اكتشفت المضار الصحية لهذه المركبات منذ عقود، وحتى قبل أن يبدأ الباحثون الأكاديميون بدراستها.
وتقول الباحثة من جامعة هارفارد إن المياه الملوثة بالفاعلات بالسطح الفلوري هي المصدر الرئيسي لتسربها إلى أجسام الناس الذين يعيشون في مناطق غنية بمصادر هذه المركبات. تتعدد المصادر الكبيرة لهذه الفاعلات وأبرزها المطارات والقواعد العسكرية ومواقع الصناعات الكيميائية والمصانع التي تستخدمها في عملياتها الإنتاجية.
وتلفت ساندرلاند إلى أن «الفاعلات بالسطح الفلوري قد تتسرب إلى البيئة المحيطة كالمياه أو التربة ويمكن أن تتطاير وتنبعث من المداخن إلى الجو وتتخزن في مياه الأمطار لتعود وتنتشر على نطاقٍ واسع في المناطق المحيطة».
في ورقة بحثية نُشرت عام 2020 كشفت مجموعة «إنفايرونمنتل ووركينغ غروب» (مجموعة العمل البيئي) غير الربحية أن ما بين 18 و80 مليون شخص معرضون لشرب مياه ملوثة بنسبة عالية من الفاعلات بالسطح الفلوري تزيد على 10 أجزاء في التريليون، وهي الحد الأقصى للملوثات الذي تعاني منه ولايات أميركية كثيرة. وفي دراسة أخرى، وجد باحثون من المجموعة نفسها أن الفاعلات بالسطح الفلوري رُصدت في 43 من أصل 44 عينة مأخوذة من 31 ولاية بالإضافة إلى العاصمة واشنطن، ووجدوا أن مستويات الفاعلات تتراوح بين جزء واحد و186 جزءا بالتريليون في مناطق مدنية عدة منها ميامي وفيلادلفيا ونيو أورلينز وبوسطن وإحدى ضواحي نيويورك. وكشفت ساندرلاند أن باحثي هارفارد اقترحوا اعتماد الجزء الواحد بالتريليون كحد الأقصى للفاعلات لأنه المستوى الذي قد يسبب السمية المناعية لدى الأطفال.
عندما تدخل هذه المركبات إلى النظام المائي، تجد طريقها إلى المحيط وتلوث الحياة البحرية وما يعيش فيها من أسماك.
تسرب نحو الغذاء
كشفت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية أن الوكالات التنظيمية الأوروبية رصدت تلوثاً بالفاعلات بالسطح الفلوري في أنواع غذاء عدة أبرزها السمك والفواكه والبيض. ولكن هل يواجه الغذاء في الولايات المتحدة الخطر نفسه؟
تقول إدارة الغذاء والدواء الأميركية إن خطر هذا التلوث منخفض حسب نتائج الاختبارات التي أجريت حتى اليوم. وكانت الإدارة قد رصدت أثراً للفاعلات في عينات سمكية مختلفة كالقد والبلطي، ولكنها جزمت أنه لا يوجد دليل علمي يدعم إصدار توصية للمستهلكين بتجنب تناول أنواع محددة من الأطعمة.
في المقابل، تعتبر ساندرلاند أن وسائل الفحص المعتمدة حالياً قد تكون قاصرة وأن عدد المنتجات التي فحصتها الإدارة قليل، فضلاً عن عدم وضوح آليات اختيار هذه المواد ومصدرها. وتأمل الباحثة وخبراء آخرون أن يُصار إلى توسيع الاختبارات وإجراء تقييمات منهجية لتحديد نسبة تعرض الناس في الولايات المتحدة لهذه المركبات لتكوين صورة أوضح للخطر العام.
التغيير ضروري
لا تُعنى الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة اليوم بتنظيم مستويات الفاعلات بالسطح الفلوري في مياه الشرب. وفي ظل غياب القوانين الفيدرالية المرتبطة بهذه الفاعلات، سعت بعض الولايات على المستوى الفردي إلى فرض قوانينها الخاصة للسيطرة على هذه المركبات. ففي يوليو (تموز) 2021 عمدت ولاية مَيْن إلى تبني إجراء طوارئ يحظر استخدام الفاعلات بالسطح الفلوري في جميع المنتجات المبيعة فيها بحلول 2030 مع استثناءات قليلة. وتبنت ولايات أخرى أيضاً ضوابط محدودة، كماساتشوستس مثلاً التي وضعت في أكتوبر 2020 سقفاً للكمية المستخدمة من ستة أنواعٍ مختلفة من الفاعلات التي رُصدت في مياه الشرب. يتلخص الوضع حالياً فيما يلي: عندما تعمد إحدى الولايات إلى مراقبة مادة كيميائية مريبة، تتحايل الشركات وتستخدم مادة أخرى من نفس النوع قد تؤدي إلى المخاطر الصحية نفسها ولكن دون أن نعلم. وتنبه ساندرلاند إلى أن الاعتماد على مركبات جديدة يصعب عمل العلماء في رصدها في المنتجات لأنهم ببساطة لا يعلمون عن ماذا يبحثون.
خطوات تقليل المخاطر
بانتظار عثور الجهات التنظيمية على الحلول الفعالة لهذه المشكلة، توجد بعض التغييرات التي يمكن للأفراد إدخالها على أسلوب حياتهم لحماية أنفسهم. وتقول ساندرلاند: «أحاولُ أن أقلل تعرضي لهذه المركبات من خلال تغييرات طفيفة قد تكون فعالة».
إليكم فيما يلي بعض الخطوات التي يمكنكم تطبيقها:
- تصفية مياه الشرب: قد لا يستطيع الجميع تحمل تكلفة شراء مرشحٍ للمياه، ولكن أبسط هذه الأدوات وأقلها تكلفة يعطي نتائج مذهلة في تنظيف مياه الشرب من الفاعلات بالسطح الفلوري. لذا لا تترددوا في تصفية مياهكم إذا استطعتم.
- تقبل القليل من الفوضى: تُستخدم هذه المركبات بكثرة في منتجات حماية السجاد والأثاث، لذا من الأفضل تفاديها. حاولوا قدر الإمكان إبعاد أثاثكم وسجادكم عن هذه المواد ولو اضطررتم إلى تقبل وجود بعض البقع لأن صحتكم أهم على المدى البعيد.
- تنظيف الغبار وشفطه بانتظام: إذا كنتم تملكون منتجات كأثاث وأقمشة أو سجاد تحتوي على الفاعلات بالسطح الفلوري في المنزل، فيمكن للغبار الذي يتطاير منها أن يعرضكم لاستنشاق هذه المركبات. لهذا السبب يجب أن تواظبوا على تنظيف وشفط الغبار لأنه يساعدكم في تقليص هذه الملوثات.
- البحث عن منتجات أكثر أماناً: يعمد الكثير من الصناعيين اليوم إلى الترويج لمنتجات خالية من هذه المركبات في إعلاناتهم نزولاً عند رغبة المستهلكين. عند تبضع منتجات تحتوي غالباً على الفاعلات بالسطح الفوري كمعدات التخييم ومواد التنظيف ومنتجات العناية الشخصية، ابحثوا عن تلك الخالية من هذه المركبات الخطرة منها. تقدم مجموعة «إنفايرونمنتل ووركينغ غروب» أدوات على موقعها الإلكتروني لمساعدة المستهلكين على الاطلاع على المواد الكيميائية المستخدمة في الكثير من منتجات العناية الشخصية واختيار المناسب والصحي منها.
- تخفيف الاستهلاك: يساهم تقليل عدد المنتجات التي تستخدمونها، ولا سيما مستحضرات التجميل، في تخفيف تعرضكم لهذه المركبات. حددوا المنتجات الأكثر أهمية وتوقفوا عن استخدام الأخرى الثانوية.
- اختيار الأطعمة الطبيعية القليلة التغليف: تحتوي أجسام الأشخاص الذين يستهلكون كميات كبيرة من الأطعمة الصناعية والمأكولات السريعة على نسبٍ مرتفعة من الفاعلات بالسطح الفوري، بحسب ساندرلاند. تحتوي الأغلفة والعلب غالباً على هذه المركبات، لذا فإن اختيار سلعٍ غير معلبة وطبيعية غير صناعية يمكن أن يساعد. على سبيل المثال، يمكنكم استبدال أكياس الفشار الورقية المخصصة للميكروويف بواسطة حبوب الذرة الكاملة وطهيها في مقلاة.


مقالات ذات صلة

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)

«غوغل» تطلق ميزة جديدة لتنظيم الاشتراكات البريدية في «جيميل»

ميزة إدارة الاشتراكات في «جيميل» تهدف لتنظيم الرسائل الترويجية وجمعها في صفحة واحدة مع إلغاء مباشر للاشتراك وتحسين الأمان والإنتاجية للمستخدمين يومياً.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».