غريغ أبوت... حاكم تكساس وأحد أبرز المساهمين في صعود اليمين الأميركي

انحيازه لترمب يساهم في إعادة تشكيل صورة الحزب الجمهوري

غريغ أبوت... حاكم تكساس وأحد أبرز المساهمين في صعود اليمين الأميركي
TT

غريغ أبوت... حاكم تكساس وأحد أبرز المساهمين في صعود اليمين الأميركي

غريغ أبوت... حاكم تكساس وأحد أبرز المساهمين في صعود اليمين الأميركي

بعد المعركة الديموغرافية التي فتحها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، مدعوماً باليمين الأميركي المتشدد، تحت شعار «العودة إلى أميركا العظيمة مجدداً» عام 2016، اندرجت بضعة عناوين عريضة وعميقة التأثير. وبالفعل، استنهض ترمب بنجاح مخاوف الناخب الأميركي الأبيض المسيحي من موجة الهجرة، والتزايد السكاني السريع للاتينيين والسود والآسيويين وغير المسيحيين، بينما كان مقربون منه يقولون صراحة ما معناه إنه «ما لم يتوقف مد الهجرة والتجنيس خلال سنوات قليلة ستفوت فرصة إنقاذ أميركا كما عرفناها».
وهكذا طوال عهد ترمب اعتُمد تضييق كبير على الهجرة، وحق غير البيض بالتصويت وتهميش أصوات هؤلاء أو إلغاؤها. وتبنى تياره المسيطر على الحزب الجمهوري هذه الاستراتيجية طوال السنوات الأربع من حكمه، ولا يزال يتبناها قادته وحكام الولايات المنتمون إليه، بما في ذلك إعادة رسم خرائط الدوائر الانتخابية لنسف إمكانية تأثير الصوت الأسود أو اللاتيني أو المهاجر على هيمنة الجمهوريين. ومن أبرز الحكام الذين ينفذون هذه الاستراتيجية بعناد حاكما أكبر ولايتين جمهوريتين... غريغ أبوت حاكم تكساس ورون دي سانتيس حاكم فلوريدا.

من غير المرجح أن يكون غريغ واين أبوت، حاكم ولاية تكساس الأميركية، من بين الجمهوريين الطامحين لتولي منصب الرئاسة الأميركية، في المعركة الطاحنة التي يعد لها عام 2024. إلا أن إعاقته الجسدية وخطابه المحافظ، تظهرانه أمام جمهوره شخصاً جديراً بالثقة، وقد تكونان بين العوامل التي ساعدت في صعوده السياسي. بل يرى مراقبون أنهما تساعدانه على التقدم نحو الرئاسة، على ما يشاع، في حال أحجم دونالد ترمب عن الترشح.
أبوت هو أول حاكم لتكساس وثالث حاكم لولاية أميركية يستخدم كرسياً متحركاً، بعد فرانكلن روزفلت حاكم ولاية نيويورك ورئيس الولايات المتحدة فيما بعد، وجورج والاس حاكم ألاباما وزعيمها المثير للجدل.
والقصة أنه عندما كان في الـ26 من عمره، تعرض لحادث سقوط شجرة على عموده الفقري أثناء هربه من عاصفة، ما تسبب في شلل في نصفه الأسفل. وخضع لإعادة تأهيل مكثف بعدما زرع له قضيبان صلبان في عموده الفقري، وأخذ يستخدم كرسياً متحركاً منذ ذلك الحين. ثم إنه رفع دعوى قضائية ضد صاحب المنزل وشركة خدمات الأشجار، ما أدى إلى تسوية تأمينية توفر له مدفوعات مقطوعة كل ثلاث سنوات حتى عام 2022، إلى جانب مدفوعات شهرية مدى الحياة. بل وبجري تصحيح قيمة تلك المدفوعات بشكل دائم، «لمواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة». واعتباراً من أغسطس (آب) 2013، كان مبلغ الدفعة الشهرية 14 ألف دولار. وقال أبوت توضيحاً إنه يعتمد على هذه الدفعات لمساعدته في دفع نفقات طبية وأخرى ذات صلة لما يقرب من ثلاثة عقود.

- بطاقة شخصية
لكن رغم الإعاقة، تمكن أبوت من بناء مسيرة شخصية ومهنية وسياسية لافتة، أوصلته إلى تولي منصب حاكم واحدة من أكبر الولايات الأميركية وأهمها. وصار بلا أدنى شك، أحد أبرز الشخصيات الإشكالية التي تلعب دوراً أساسياً في دفع الحزب الجمهوري أكثر فأكثر نحو أفكار ترمب وسياساته اليمينية المتشددة.
أبوت الذي يوصف بأنه «أحد أبرز المؤيدين المتحمسين لترمب»، كان قد دفع بأجندته السياسية المحافظة في العديد من الملفات الخلافية، على رأسها قضايا مواجهة الهجرة، والإجهاض، وحق التصويت، وحمل الأسلحة وخفض تمويل الشرطة. وهو ما دعا صحيفة «نيويورك تايمز» إلى وصفه ونائبه دان باتريك بأنهما «القوة الدافعة وراء واحدة من أصعب المنعطفات اليمينية في تاريخ ولاية تكساس الحديث»، ولا سيما بعد الجلسة التشريعية التي عقدها مجلس نواب الولاية في دورته الأخيرة، لإقرار قانوني الإجهاض (الأكثر تشدداً في أميركا) وتقييد حق التصويت.
ولد أبوت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1957 في ويتشيتا فولز بولاية تكساس، وكان والده سمساراً في البورصة ووكيل تأمين، ووالدته ربة منزل. وعندما كان لا يزال تلميذا في المدرسة الثانوية، توفي والده بشكل مأساوي بنوبة قلبية. التحق أبوت بمدرسة دنكانفيل الثانوية، وحصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال في العلوم المالية من جامعة تكساس في مدينة أوستن عاصمة الولاية عام 1981، ثم على الإجازة في القانون عام 1984 من كلية الحقوق بجامعة فاندربيلت المرموقة في ولاية تينيسي.
دينياً، أبوت كاثوليكي، وهو متزوج من سيسيليا فالين أبوت، المعلمة ومديرة المدرسة السابقة، حفيدة أحد المهاجرين المكسيكيين. ولقد تزوج غريغ وسيسيليا في مدينة سان أنطونيو بتكساس عام 1981، لتصبح زوجته بعد انتخابه حاكما لولاية تكساس، أول سيدة أولى للولاية من أصول لاتينية منذ انضمام تكساس إلى الاتحاد الأميركي. ولديهما ابنة واحدة بالتبني تدعى أودري.

- مسيرة مهنية وسياسية
أبوت هو الحاكم الـ48 لتكساس، بدأ حياته المهنية والسياسية في وظائف فيدرالية، إذ عمل قاضياً ومدعياً عاماً في الولاية لمدة 3 سنوات، قبل أن يعينه الحاكم (آنذاك) جورج دبليو بوش، قاضياً في المحكمة العليا في تكساس من عام 1996 وحتى العام 2001، حين استقال ليعود إلى العمل في شركة خاصة، وأستاذاً مساعدا في كلية الحقوق بجامعة تكساس.
في العام 2002 تولى أبوت منصب النائب العام الخمسين للولاية حتى 5 يناير (كانون الثاني) 2015، عندما تولى منصب حاكم تكساس. وفي خطاب ألقاه عام 2013 أمام زملائه الجمهوريين، عندما سئل عما تستلزمه وظيفته كمدع عام، قال أبوت: «أذهب إلى المكتب في الصباح، وأقاضي باراك أوباما، ثم أعود إلى المنزل». وحقاً، رفع أبوت 31 دعوى قضائية ضد إدارة أوباما، بما فيها الدعاوى المرفوعة ضد وكالة حماية البيئة ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، وقانون الرعاية الميسرة «أوباما كير»، ووزارة التعليم وغيرها من الوزارات. ووفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال»، فقد رفع أبوت منذ توليه منصب المدعي العام في تكساس وحتى ولايته الأولى كحاكم لها، 44 دعوى قضائية ضد إدارة أوباما على الأقل، أكثر من أي ولاية أخرى خلال الفترة نفسها. وتضمنت الطعون القضائية معايير انبعاثات الكربون، وإصلاح الرعاية الصحية، وحقوق المتحولين جنسياً، وغيرها.
من جهة أخرى، بينما تشير كل الدراسات والإحصاءات السكانية إلى أن ولاية تكساس هي في طريقها نحو اليسار، في ظل التغييرات الديموغرافية التي تشهدها مع تزايد عدد السكان من غير البيض، تشدد تشريعاتها وقوانينها وتتجه نحو أقصى اليمين. ويعود السبب في ذلك لمشرعيها الذين يشكل الجمهوريون غالبيتهم، وإلى أبوت نفسه، الذي تمكن منذ توليه مناصب قيادية، من فرض أجندة يمينية متشددة، وإقرار قوانين بآليات معقدة لرفعها، لم يسبق لها مثيل. وكان آخر ما فعله، موافقته على إعادة التدقيق بأصوات بعض الدوائر الانتخابية في الولاية، تلبية لرغبة ترمب وادعاءاته بحصول تزوير، رغم عمليات تدقيق سابقة أجرتها الولاية ولم تفض إلى شيء، والسعي إلى إعادة رسم الدوائر الانتخابية في الولاية لضمان فوز الجمهوريين في أي انتخابات مقبلة.

- قضية الهجرة
قضية الهجرة هي إحدى أبرز القضايا التي يقاتل من أجلها أبوت، المعروف بمواقفه المناهضة لها وللمهاجرين غير الشرعيين. وتشكل مواقفه علامة فارقة في المواجهة المفتوحة مع الديمقراطيين. كيف لا، وولايته الحدودية نقطة تماس أساسية بين حرس الحدود وقوافل المهاجرين.
خلال نوفمبر 2015، أعلن أبوت أن تكساس سترفض اللاجئين السوريين في أعقاب «هجوم باريس» الإرهابي الذي وقع في وقت سابق من ذلك الشهر. وفي الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن، أنه ستجرى معاقبة «راكبي الجياد»، على معاملتهم للمهاجرين الهايتيين، وعدهم أبوت هؤلاء وظائف في الولاية. بل وأرسل أسطولاً من المركبات المملوكة من الولاية، ليصطف لأميال كحاجز على طول الحدود مع المكسيك. وقال لشبكة «فوكس نيوز» يوم الثلاثاء «ما فعلناه، هو أننا وضعنا المئات من سيارات إدارة السلامة العامة في تكساس، وأنشأنا جداراً فولاذياً، لمنع أي شخص من عبور ذلك السد... لقد استعدنا بشكل فعال السيطرة على الحدود».
وفي وقت سابق من هذا العام، وصف أبوت دخول المهاجرين غير الشرعيين الذين يعبرون الحدود على أنه «غزو». وقال في تغريدة على «تويتر»، إن «المئات منهم مصابون بفيروس كوفيد - 19، وقد دخلوا إلى تكساس». لكن تدقيقاً لاحقا أظهر أن الذين أفرج عنهم كانوا من طالبي اللجوء ولديهم حق قانوني في البقاء في الولايات المتحدة، وأن عددهم هو 108 أشخاص فقط وليس «المئات».
وفي يونيو (حزيران) الماضي، رداً على قرار إدارة بايدن وقف تمويل الجدار الحدودي مع المكسيك الذي أقرته إدارة ترمب، مستخدمة بشكل جزئي أموالا تعود لوزارة الدفاع، أعلن أبوت عن خطط لبناء الجدار في ولايته، قائلاً إن الولاية ستقدم 250 مليون دولار.

- حقوق التصويت
من جهة ثانية، جعل أبوت ذريعة «نزاهة الانتخابات» أولوية تشريعية بعد محاولات ترمب الفاشلة لإلغاء نتائج انتخابات 2020 الرئاسية. فخلال عام 2018 ضغط من أجل شطب ما يقرب من 100 ألف ناخب مسجل من قوائم الناخبين في تكساس. وادعى مسؤولو تكساس في البداية أن الناخبين المرشحين لشطبهم ليسوا مواطنين أميركيين. لكن الأمر ألغي في أبريل (نيسان) بعدما طعنت جماعات حقوق التصويت في الشطب المقترح. واعترف المسؤولون في مكتب وزير خارجية تكساس، بأن عشرات الآلاف من الناخبين الشرعيين (المواطنون المتجنسون) وضعت علامة خاطئة عليهم لإبعادهم. أبوت زعم أنه لم يلعب أي دور في شطب الناخبين، لكن رسائل البريد الإلكتروني الصادرة في يونيو 2019، أظهرت أنه كان القوة الدافعة وراء ذلك. وفي سبتمبر (أيلول) 2020، في إطار التضييق على حق التصويت أصدر أبوت إعلاناً ينص على أنه لا يمكن أن يكون لكل مقاطعة في تكساس سوى موقع واحد حيث يمكن للناخبين إسقاط بطاقات اقتراعهم المبكر. وبرر ذلك بذريعة منع «التصويت غير القانوني» لكنه لم يذكر أي أمثلة على تزوير الناخبين.

- جائحة «كوفيد ـ 19»
وإبان جائحة كوفيد - 19، أصدر أبوت أمراً بالبقاء في المنزل لمدة شهر تنتهي في الأول من مايو (أيار) 2020. وكان هذا من أقصر أوامر البقاء في المنزل التي نفذها أي حاكم. ومنذ إعادة فتح الولاية، انتشر الفيروس وحطمت تكساس رقمها القياسي من حيث عدد حالات الإصابة في يوم واحد. ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، كان تصدي أبوت للجائحة متناقضاً. إذ قال إن على السكان البقاء في منازلهم بينما تكساس مفتوحة للعمل. وقال إن ارتداء أقنعة الوجه ضروري، لكنه رفض إصدار تفويض ملزم على مستوى الولاية. ومع تصاعد عدد الإصابات، تعرض للانتقادات من الحزبين، لكنه واصل سياساته المتناقضة فأصدر قرارات بفتح المطاعم والمحال بشكل كامل، ومنع الحكومات المحلية من استخدام أقنعة الوجه. وفي أبريل الماضي، وقع أمرا تنفيذيا يمنع إدارات الولاية والشركات التي تحصل على تمويل عام من المطالبة بإثبات التطعيم ضد الفيروس. كما وقع في وقت لاحق على مشروع قانون لمعاقبة الشركات التي تطلب من العملاء الحصول على دليل على التلقيح ومنعها من الحصول على الخدمات. وبعد شهر، أصدر أمراً تنفيذياً يحظر فرض الأقنعة في المدارس العامة والهيئات الحكومية، مع غرامة تصل إلى ألف دولار لمن لا يلتزم. وفي 17 أغسطس (آب) الماضي، أعلن مكتب أبوت أنه أصيب بالفيروس رغم تطعيمه بالكامل منذ ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، لكنه «بصحة جيدة ولا يعاني من أي أعراض».
وخلال العاصفة الشتوية التي ضربت ولاية تكساس هذا العام وتسببت في انقطاع التيار الكهربائي عن ملايين السكان، وجه أبوت انتقادات لـ«الطاقة الخضراء»، التي تعتمد على الطاقة الشمسية والرياح، لمصلحة استخدام الوقود الأحفوري. لكن وزارة الطاقة في الولاية ردت بشكل فوري على ادعاءاته قائلة، إن «معظم الأعطال جاءت من الفشل في تجهيز أنظمة توليد الطاقة في فصل الشتاء، بما في ذلك الأنابيب التي تنقل الوقود الأحفوري. وأوضحت أن «تكساس تعمل بالغاز، بينما توفر مولدات الرياح والطاقة الشمسية حوالي 10 في المائة فقط خلال أشهر الشتاء». واتهم أبوت بمحاباة شركات النفط العملاقة في ولاية تكساس، التي تعتبر مهد صناعة النفط العالمية، وساهمت عطاءاتها في انتخابه مرات عدة.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.