هادي: جئتكم من اليمن الجريح مصممًا على الحضور رغم فقد إخوة ورفاق

الرئيس اليمني يشكر القادة العرب على دعم استقرار بلاده ويدعوهم لاستمرار «عاصفة الحزم»

الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس اليمني لدى وصولهما إلى الرياض أمس قادمين من شرم الشيخ (تصوير: بندر الجلعود)
الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس اليمني لدى وصولهما إلى الرياض أمس قادمين من شرم الشيخ (تصوير: بندر الجلعود)
TT

هادي: جئتكم من اليمن الجريح مصممًا على الحضور رغم فقد إخوة ورفاق

الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس اليمني لدى وصولهما إلى الرياض أمس قادمين من شرم الشيخ (تصوير: بندر الجلعود)
الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس اليمني لدى وصولهما إلى الرياض أمس قادمين من شرم الشيخ (تصوير: بندر الجلعود)

دعا الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي القادة العرب خلال اجتماع القمة العربية الـ26 المنعقد في مدينة شرم الشيخ أمس إلى استمرار عملية «عاصفة الحزم» التي تقود فيها المملكة العربية السعودية تحالفا مكونا من 10 دول إقليمية لمواجهة الانقلاب الحوثي على الشرعية في اليمن، «حتى تعلن العصابة استسلامها»، على حد قوله. ساردا معاناته كرئيس شرعي لليمن في الوصول إلى قمة العرب في شرم الشيخ، وكذلك جرائم «ميليشيا الحوثي» في اليمن، مطالبا إياهم بالعودة إلى رشدهم، مؤكدا إصراره على الحضور في القمة قادما من «اليمن الذبيح» رغم فقده شخصيا «إخوة ورفاقا» جراء تعرضه لأكثر من هجوم أثناء رحلته.
وأكد هادي في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية أن حضوره اجتماعات القمة العربية «هو حضور لليمن بشرعيته الدستورية ومشروعه الوطني الجامع لهذه القمة المهمة، ولإيصال صوت الشعب اليمني لأمته العربية، شعب يحلم أبناؤه بوطن آمن ومستقر ويطمح لغد أجمل وأروع في ظل دولة مدنية اتحادية حديثة، تستلهم أسسها من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي انقلبت عليه ميليشيات الحوثي وحلفاؤها في الداخل والخارج». وقال إن اليمن سلك طريق الحوار، وعقد مؤتمرا وطنيا شاملا في مارس (آذار) عام 2013، بمشاركة كل الأحزاب والمكونات السياسية اليمنية بأطيافها المختلفة، انطلاقا من المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ووصل إلى توافق على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل في يناير (كانون الثاني) عام 2014. وأضاف: «اعتقدنا أننا قد تجاوزنا كثيرا من الصعاب بعد الانتهاء من إعداد مسودة الدستور للدولة اليمنية الجديدة، إلا أن القوى الظلامية عادت مجددا لتجر البلد إلى الخلف، متحدية بذلك الإرادة الشعبية وقرارات الشرعية الدولية، وواجهت كل أبناء الشعب وقواه الحية السلمية بقوة السلاح وعملت على عسكرة العاصمة صنعاء واجتياح كثير من المحافظات ومحاصرة قيادات الدولة العليا وتعطيل عمل المؤسسات الحكومية من خلال السيطرة المسلحة، وبدعم وشراكة وتأييد من أطراف محلية ناقمة وحاقدة وعابثة ومن أطراف إقليمية لا تريد لليمن والمنطقة العربية ككل الأمن والاستقرار». ووجه هادي الشكر إلى مصر على استضافة القمة، وللشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح ولدولة الكويت على ما بذلته من جهود مشكورة وعمل دؤوب خلال ترؤسها للقمة السابقة. وكذلك للأمين العام لجامعة الدول العربية وأمانتها العامة على ما بذلوه ويبذلونه من جهود متواصلة في سبيل النهوض بدور الجامعة وتفعيل العمل العربي المشترك والانطلاق به صوب آفاق واسعة.
كما شكر القادة العرب على تعاطفهم مع شعب اليمن ودعمهم لشرعيته وأمنه واستقراره ووحدته، قائلا: «لقد أتيت إليكم اليوم من اليمن الجريح مشاركا في القمة العربية، ولو تعلمون ما واجهته من صعاب وتحديات حتى أحضر معكم، ومن فقدتهم شخصيا من إخوة ورفاق جراء تعرضي لأكثر من هجوم أثناء رحلتي إليكم.. إلا أنني كنت مصمما على الحضور، ليس للحضور الشخصي ولكن لحضور اليمن بشرعيته الدستورية ومشروعه الوطني الجامع لهذه القمة المهمة ولإيصال صوت الشعب اليمني لأمته العربية. حضرت إليكم وقلبي يعتصر ألما وحسرة على وطني وشعبنا العظيم الذي يحلم أبناؤه بوطن آمن ومستقر ويطمح لغد أجمل وأروع في ظل دولة مدنية اتحادية حديثة تستلهم أسسها من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي انقلبت عليه ميليشيات الحوثي وحلفاؤها في الداخل والخارج». وأكد هادي: «اعتقدنا أننا قد تجاوزنا كثيرا من الصعاب بعد الانتهاء من إعداد مسودة الدستور للدولة اليمنية الجديدة، إلا أن القوى الظلامية عادت مجددا لتجر البلد إلى الخلف، متحدية بذلك الإرادة الشعبية وقرارات الشرعية الدولية، وواجهت كل أبناء الشعب وقواه الحية السلمية بقوة السلاح، وعملت على عسكرة العاصمة صنعاء واجتياح كثير من المحافظات ومحاصرة قيادات الدولة العليا وتعطيل عمل المؤسسات الحكومية من خلال السيطرة المسلحة وبدعم وشراكة وتأييد من أطراف محلية ناقمة وحاقدة وعابثة ومن أطراف إقليمية لا تريد لليمن والمنطقة العربية ككل الأمن والاستقرار».
وتابع: «ونتيجة لتلك الأوضاع التي شهدتها العاصمة صنعاء، وبعد حصارنا شخصيا لقرابة الشهرين، وبتوفيق من الله وعونه وتعاون الشرفاء من أبناء شعبنا استطعنا الخروج من صنعاء والوصول إلى مدينة عدن الباسلة ومارسنا منها سلطاتنا الشرعية كرئيس للجمهورية لتجنيب اليمن الخراب والدمار وويلات الحروب. وقد قررنا نقل العاصمة السياسية مؤقتا إلى العاصمة الاقتصادية والتجارية عدن لممارسة مؤسسات الدولة وظائفها بشكل طبيعي. وكنت قد عقدت العزم على مواصلة مهامي كرئيس للدولة لإنجاز ما تبقى من المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني وصولا إلى إقرار الدستور وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مدة زمنية محددة، حتى يتمكن شعبنا من تجاوز الأزمة والانتقال إلى بناء الدولة الاتحادية الحديثة، وهي مهمة تاريخية ومفصلية يطمح شعبنا إلى تحقيقها. وفي سبيل ذلك فقد وجهنا الدعوة في الـ21 من شهر مارس الحالي لكل القوى والمكونات السياسية بما في ذلك منفذو الانقلاب على الشرعية الدستورية، لحضور مؤتمر في مقر مجلس التعاون الخليجي بالرياض، صاحب المبادرة الخليجية، والهدف الرئيسي لذلك المؤتمر هو الاتفاق على خارطة طريق لتنفيذ ما سبق أن اتفق عليه».
وأوضح الرئيس اليمني: «إلا أن تلك الميليشيات وحلفاءها بالداخل المصابين بهوس السلطة والاستبداد، وحلفاءهم في الخارج الذين يريدون استخدام اليمن لإقلاق المنطقة والأمن والسلم الدوليين، قد أدمنت العنف الدمار واجتياح المحافظات، فقادت حربا دموية لاجتياح محافظات تعز ولحج والضالع، وقبلها صعدة وعمران والبيضاء ومأرب، وأخيرا مدينة عدن، فسفكت الدماء وأزهقت الأرواح وعبثت بالمؤسسات والمنشآت وأوجدت فوضى عارمة استهدفت أمن واستقرار وسكينة أبناء الشعب في معظم محافظات الجمهورية، وفي تحدٍّ واضح لكل أبناء شعبنا في الجنوب وقبله في الشمال.. إلا أن أبناء شعبنا العظيم بشبابه ورجاله ونسائه جابهوا ذلك العدوان والانقلاب في كل الأقاليم والمحافظات».
ودعا هادي «كل أبناء الشعب للالتفاف حول الشرعية الدستورية ومؤسساتها الرسمية، ولمقاومة تلك الميليشيات بشجاعة وإباء، والخروج إلى الشوارع والساحات للتعبير في مظاهرات سلمية تعبر عن إرادة اليمنيين الحرة»، مؤكدا أن إرادة الشعب اليمني «هي التي دفعتني، وفي إطار مسؤوليتي الدستورية والشرعية، إلى توجيه رسالة إلى إخواني الأعزاء ملوك وأمراء ورؤساء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وجامعة الدول العربية ومجلس الأمن الدولي لتقديم المساعدة الفورية بكل الوسائل والتدابير اللازمة، بما في ذلك التدخل العسكري لحماية اليمن وشعبه من العدوان الحوثي المدمر، وذلك استنادا إلى ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك والمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.. وهو الأمر الذي تم الاستجابة له فورا من قبل أشقائنا وأصدقائنا من خلال عملية (عاصفة الحزم)، وهي تطبيق عملي للدعوة الجادة بتشكيل قوة عربية مشتركة تسهم في المحافظة على أمننا القومي العربي».
وأكد الرئيس اليمني أن «عاصفة الحزم» عملية هدفها الرئيسي والوحيد حماية الشعب اليمني من عدوان غاشم يستهدف هويته العربية وقيمه الإسلامية وتراثه المجتمعي القائم على التعايش والتسامح مع نفسه ومع محيطه العربي والإسلامي طوال تاريخه، وقال: «لأولئك الذين يدغدغون مشاعر شعبنا بالحديث عن انتهاك السيادة، فإن من انتهك السيادة هم من فجّر دور العبادة ودور تحفيظ القرآن ومن نهب المعسكرات والمؤسسات المدنية ومن احتل المدن والمحافظات ومن حاصر رئيس الدولة الشرعي، بل وتجرأ على ضرب القصر الجمهوري في عدن بالطيران الحربي، أوَليس ذلك صورة صارخة لانتهاك السيادة وتدمير للدولة اليمنية؟.. قلنا مرارا وتكرارا إنها جماعة لا عهد لها ولا ذمة، فقد تنكرت لكل الاتفاقات التي أبرمتها مع شركاء العمل السياسي، وأمعنت في تمردها، متعاملة مع صبر اليمنيين وحلمهم على أنه ضعف وهوان، لكن المسؤولية العظيمة التي حملناها فرضت علينا الصبر على مرارته، فالصبر شيمة لا يتمتع بها إلا الحريصون على وطنهم، والتهور من طباع الحمقى وعديمي المسؤولية والمتهربين من تعهداتهم وواجباتهم الوطنية».
ووجه هادي حديثه إلى الانقلابين قائلا: «وعليه أقول لدمية إيران وألعوبتها ومن معه، أنت من دمر اليمن بمراهقتك السياسية وافتعالك للأزمات الداخلية والإقليمية، ومن يعتقد أنه بالزعيق والخطابة يمكن أن تبنى الأوطان فهو مخطئ ألف مرة، فأنت من انتهك السيادة وأنت من يتحمل مسؤولية كل ما جرى وكل ما سيجري إذا استمررت بمراهقتك السياسية وأحلامك الضيقة، فعد إلى رشدك أنت وحلفاؤك، (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين). صدق الله العظيم».
ثم خاطب القادة العرب قائلا: «إنني أدعو إلى استمرار عملية (عاصفة الحزم) حتى تعلن هذه العصابة استسلامها، وترحل من جميع المناطق التي احتلتها في مختلف المحافظات، وأن تغادر مؤسسات الدولة ومعسكراتها وتسلم كل الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، سواء التي نهبتها من معسكرات ومخازن الدولة، أو التي سبق أن أمدتها بها إيران للحرب على الدولة والشعب اليمني على مدار الأعوام السابقة. وحتى يسلم قادة هذه العصابة أنفسهم للعدالة، الذين سبق أن تقدمنا بقائمة أسمائهم لإدراجهم على قوائم مجرمي وزعماء الإرهاب الدولي، وعدم السماح لهم بمواصلة جرائمهم ضد الأمن والسلم الدوليين، وكذلك حلفاؤهم الآخرون العابثون بأمن وسيادة واستقلال اليمن وكبح طموحهم لإخضاع اليمن لرغباتهم وتعقبهم وتجفيف مصادر تمويلهم، حتى يتوقفوا عن التآمر جهرا وسرا مع إيران ضد اليمن وجمهوريته ووحدته واستقراره، وإعلان تخليهم عن إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والمناطقية».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.