النازحون السوريون يسابقون اللبنانيين على الهجرة

الأزمة في لبنان لم تشجعهم على العودة إلى بلادهم إنما على الفرار

صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان
صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان
TT

النازحون السوريون يسابقون اللبنانيين على الهجرة

صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان
صورة من «يونيسيف» لنازحين سوريين في لبنان

خلال تنقلها من منزل إلى آخر للعمل على التنظيف بشكل أسبوعي، تحاول صباح (44 عاما) التقاط أنفاسها لتجري اتصالا سريعا أو ترسل رسالة صوتية للاطمئنان على أولادها وأحفادها الذين يسكنون معها في إحدى الغرف في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت.
صباح التي هربت وعائلتها من مدينة حلب قبل ٩ سنوات إلى لبنان، باتت لهجتها أقرب للبنانية منها للحلبية. فاحتكاكها بشكل يومي مع عدد كبير من اللبنانيين جعلها تتقن مصطلحات لبنانية صرفاً، هي التي نقلت الكثير من العادات الحلبية لجيرانها والعائلات التي تعمل لديها، فبات الكثيرون يتمنون عليها إعداد طبخات حلبية بشكل يومي بعد الانتهاء من الأعمال المنزلية.
السيدة الأربعينية التي اعتنت بعائلتها وحيدة منذ وصولها إلى لبنان بعد أن تركهم زوجها، باتت تتقاضى اليوم عن كل ساعة عمل 30 ألف ليرة لبنانية (ما يعادل 1.7 دولار في السوق) بعدما كانت تتقاضى 7 آلاف ليرة (ما كان يعادل قبل الأزمة 4.6 دولار). هي تشكو الغلاء الفاحش وعدم القدرة على تأمين مصروفها وعائلتها اليومي بعدما ارتفعت تكلفة التنقل بشكل كبير وبلغت الفواتير 4 أضعاف ما كانت عليه قبل عامين. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هربنا من الحرب الدموية في سوريا لنواجه حربا جديدة ومن نوع آخر هنا في لبنان. حرب اقتصادية نفتقد خلالها لكثير من مقومات العيش وبخاصة الدواء... كل الظروف هنا ظروف حرب وكأن هناك لعنة تطاردنا أينما ذهبنا».
ولعل ما يخفف من آلامها اليومية نتيجة العمل المضني الذي تقوم به هو إبلاغها منذ أشهر معدودة أنه تمت الموافقة على طلب الهجرة الذي تقدمت به قبل خمس سنوات. لكن لسوء حظها فهي مضطرة لانتظار فتح أستراليا أبوابها مجددا للمهاجرين باعتبار أن ملفها رسا هناك. وتقول: «هجرة السوريين إلى بلد ثالث نشطت كثيراً في الفترة الماضية وبخاصة في الأشهر الـ3 الماضية. وغادر كثيرون ممن أعرفهم. أما الدول التي يتوجهون إليها فهي بشكل أساسي السويد وألمانيا والنرويج وفرنسا وكندا وبلجيكا». وتضيف: «رغم كل الصعوبات التي نعيشها هنا، فالوضع رغم حراجته يبقى أسهل مما هو عليه في سوريا. بالنسبة لي ولقسم كبير من السوريين الذين يعيشون في لبنان لا مستقبل لنا هنا وبالتأكيد لا مستقبل لنا في سوريا، حيث لا تتوفر مقومات العيش. مستقبلنا في البلدان الغربية التي تفتح أبوابها لاستقبالنا».
- إعادة التوطين ناشطة!
وتشير ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في لبنان إلى أنه «رغم التحديات التشغيلية التي طرحتها جائحة (كورونا)، فقد حافظت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان على أنشطة معالجة إعادة التوطين طوال عامي 2020 و2021 من خلال إجراء المقابلات مع الراغبين بالانتقال إلى بلد ثالث عن بُعد، فضلاً عن المقابلات الشخصية كلما سمح الوضع بذلك».
وتوضح أبو خالد لـ«الشرق الأوسط» أن أكثر من 8100 لاجئ تقدموا بطلبات لإعادة التوطين في عام 2020، غادر منهم 4600 لاجئ إلى بلدان إعادة التوطين المختلفة. وفي نهاية يوليو (تموز) الماضي تم التقدم بأكثر من 3400 طلب وغادر أكثر من 2000 لاجئ لبنان لبلدان إعادة التوطين.
وبحسب المشرف العام على خطة لبنان للاستجابة للأزمة عاصم أبي علي، فإن الأزمة اللبنانية تركت تداعيات كبيرة على النازحين السوريين وأغلبيتهم الساحقة من الفقراء فيما يرزح 90 في المائة منهم تحت خط الفقر المدقع، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ازدياد نسبة طالبي الهجرة منهم إلى بلدان ثالثة كألمانيا وكندا وأستراليا، مضيفا: «عدد هائل من النازحين في مكاتب المفوضية يقدمون طلبات هجرة مع زيادة الفقر والتنافس على سوق العمل والموارد المحدودة... كل ذلك يؤدي لاحتقان بين السوريين كما بين السوريين واللبنانيين وبين اللبنانيين، ما يعني أن كل عناصر الانفجار الاجتماعي موجودة ووحدها الشرارة غير موجودة، علما بأننا نعتبر أن كل شيء جائز في حال استمر الوضع دون معالجة».
ويقدر عدد اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان بنحو 1.5 مليون لاجئ، بما في ذلك اللاجئون غير المسجلين لدى المفوضية. إذ يبلغ عدد المسجلين حتى نهاية مايو (أيار) 851717 لاجئا موجودين حاليا في لبنان.
- النازحون: نريد المساعدات بالدولار!
ويشكو النازحون السوريون من أن المفوضية لم تقم بأي شيء للتخفيف من تداعيات الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي يرزح تحتها لبنان. وتقول فاطمة (33 عاما) النازحة من الرقة والمقيمة في منطقة البقاع شرق لبنان لـ«الشرق الأوسط» إنه «في وقت تصرف الدول المانحة الأموال بالدولار الأميركي، تصر المفوضية على إعطائنا المساعدات بالليرة اللبنانية. وبعد أن كنا نحصل على مبلع 27 دولارا شهريا للفرد بتنا نحصل على 100 ألف ليرة لبنانية ما يعادل 5 دولارات فقط!».
ويؤكد عاصم أبي علي أن حجم المساعدات للنازحين ازداد بعد موافقة الدولة اللبنانية على اعتماد سعر صرف قريب لسعر السوق، موضحا أنه «منذ اندلاع الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان باتت المساعدات توزع بالليرة اللبنانية حصرا رغم المطالبات الكثيرة من الجهات المانحة بوجوب أن توزع بالدولار كي لا تفقد قيمتها... لكن وزارة الشؤون طالبت بأن تعطى المساعدات أولا للبنانيين بالدولار قبل أي قرار بإعطاء السوريين بعملة غير العملة اللبنانية مراعاة لحساسية النزاع والتوازن بالاستجابة للحالات الإنسانية لتفادي الجنوح للعنف والكراهية بين المجتمعين النازح والمضيف».
وتتحدث ليزا أبو خالد عن «خيارات صعبة يتخذها النازحون للبقاء على قيد الحياة، بما في ذلك تخطي وجبات الطعام، عدم التماس العلاج الطبي العاجل وإرسال الأطفال إلى العمل». وتشير إلى أنه «من خلال التمويل المتاح حالياً للمساعدات الإنسانية، تستطيع المفوضية الوصول إلى 57 في المائة (اعتباراً من يوليو 2021) أي 171100 أسرة لاجئة سورية بمساعدة نقدية شهرية بقيمة 400 ألف ليرة لبنانية لكل أسرة. وتضيف: «إجمالاً، جنباً إلى جنب مع برامج المساعدات النقدية والغذائية الشهرية لبرنامج الأغذية العالمي، يمكن للمفوضية وبرنامج الأغذية الوصول إلى 80 في المائة (اعتباراً من يوليو 2021) من إجمالي عدد اللاجئين السوريين في لبنان من خلال المساعدات النقدية والغذائية الشهرية».
وتوضح أنه «تم اتخاذ قرار تزويد العائلات اللاجئة بمبلغ 400 ألف ليرة لبنانية بالتشاور مع السلطات اللبنانية وبرنامج الأغذية العالمي لضمان التوافق مع برامج المساعدة الاجتماعية للأسر اللبنانية الفقيرة، مع مراعاة حساسية النزاع».
وكما مع قسم كبير من اللبنانيين تدفع المعاناة بالنازحين لاتخاذ قرارات صعبة نتيجة الوضع المأساوي الذي يرزحون تحته. إذ حاولت نازحة سورية (26 عاماً) مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الحالي إحراق نفسها أمام مركز الأمم المتحدة للاجئين في مدينة طرابلس شمال لبنان، بعدما سكبت مادة البنزين على جسدها. وروى شهود عيان أنه إثر تبلغ الشابة التي تعاني وعائلتها من أوضاع اقتصادية صعبة جدا، أن طلبها للهجرة لا يزال عالقاً، قامت بمحاولة إحراق نفسها.
- لا عودة إلى سوريا
ولم تعد العودة إلى سوريا خيارا لمعظم النازحين السوريين في لبنان رغم تأكيد مفوضية اللاجئين مرارا أن النسبة الأكبر منهم تعرب عن نيتها العودة إذا توفرت ظروف العيش الكريم.
وبحسب ليزا أبو خالد فقد عاد منذ عام 2016 ما يزيد قليلاً على 69 ألف لاجئ سوري إلى سوريا. وفي العام 2021 وحتى نهاية أغسطس (آب)، تحققت المفوضية من عودة 2255 لاجئاً سورياً إلى سوريا. وأكملت المفوضية أحدث مسح لنوايا العودة في مارس (آذار) 2021 أظهر أن معظم اللاجئين السوريين ما زالوا يأملون في العودة إلى سوريا، إلا أن اتخاذ قرارهم يعتمد على تقييم مجموعة متنوعة من العوامل أبرزها السلامة والأمن، السكن، الوصول إلى الخدمات الأساسية وسبل العيش في سوريا.
ويؤكد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أنه «رغم تدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل دراماتيكي في لبنان فإنه لم تسجل عودة للاجئين إلى الأراضي السورية وكل محاولات الدفع في هذا الاتجاه باءت بالفشل»، كاشفا أن «أشخاصا من سوريا ما زالوا يفرون إلى لبنان وهم يدفعون بين ألف وألفي دولار أميركي لعبور الحدود اللبنانية للانطلاق إلى أوروبا».
وبعد أعوام من الخلاف السياسي بين القوى اللبنانية حول وضع خطة لإعادة النازحين السوريين أقر مجلس الوزراء عام 2020 «ورقة السياسة العامة لعودة النازحين»، وهي أشبه بخطة لإطلاق عملية جماعية لإعادتهم تم حصرها بوزارة الشؤون الاجتماعية بعدما تم تسجيل عمليات لإعادة النازحين رعاها أكثر من طرف في السنوات الماضية ولم تحقق عودة إلا بضعة مئات منهم.
وترتكز خطة الحكومة على 8 مبادئ ومعطيات ميدانية أساسية أبرزها، التمسك بحق النازح السوري بالعودة ورفض التوطين وأي شكلٍ من أشكال الإدماج أو الاندماج في المجتمع اللبناني وفق ما نص عليه الدستور اللبناني، عدم الإعادة القسرية وعدم ربط عودة النازحين بالعملية السياسية في سوريا. كما تؤكد الخطة ترحيب الدولة السورية بعودة كافة السوريين واستعدادها لبذل ما يلزم من جهود لتبسيط وتسهيل إجراءات هذه العودة من خلال ترميم آلاف المدارس والعمل على إعادة المؤسسات والخدمات وتأهيل البنى التحتية وتأمين متطلبات مواطنيها كما إحداث مراكز إيواء مؤقتة وتقديم مستلزمات العيش الكريم.
- إحصاء النازحين معلق؟
ومنذ ذلك الحين لم يتم تفعيل هذه الخطة أو وضع آلية عمل لها. وتقول مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» إن العملية مرتبطة بعملية إحصاء النازحين التي تم توكيل وزارة الداخلية بإجرائها لتحديد من أين نزحوا لتفعيل مبدأ العودة الطوعية. ولا يبدو أن الداخلية انطلقت بعد بهذه العملية. وليس لدى الدولة اللبنانية منذ 10 سنوات أي إحصاء للنازحين والأماكن التي نزحوا منها وإليها، وحدها المفوضية تمتلك داتا لـ940 ألف نازح تقريبا علما بأن هذا ليس العدد الإجمالي للذين يعيشون في لبنان. وبعد الانتهاء من هذا الإحصاء يفترض على كل نازح سوري على الأراضي اللبنانية أن يحصل على بطاقة تعريف، باعتبار أنه وبحسب إحصاءات المفوضية يمتلك فقط 20 في المائة من النازحين أوراقا نظامية في لبنان، في وقت يمكن الحديث عن 73 في المائة من ولادات النازحين غير المسجلة.
ويهزأ عماد النازح من درعا من ربط العودة بإحصاء مماثل، ويتساءل ماذا سيقدم هذا الإحصاء؟ هل سيعيد إعمار منازلنا المهدمة؟ هل سيؤمن لنا ظروفا لائقة للعيش والعمل ومدارس لتعليم أولادنا؟ ويقول عماد لـ«الشرق الأوسط»: «العودة إلى سوريا لن تحصل والكل يدرك ذلك ويرفض الإقرار به، لذلك تم مؤخرا تفعيل عملية نقل النازحين إلى بلدان جديدة... من ستسنح له الفرصة سيغادر فورا أما البقية فستبقى في لبنان رغم التحديات الكبيرة التي نواجهها على المستويات كافة».
ويشكل الخوف من تعرض قوات النظام السوري بالأذى خاصة لمن كانوا يؤيدون المعارضة، عنصرا أساسيا يحول دون عودة عشرات الآلاف رغم تأكيدات النظام المتكررة ومقربين منه أنه لا يتم التعرض لأحد.
ووثقت منظمة العفو الدولية مطلع شهر سبتمبر الحالي في تقرير بعنوان «أنت ذاهب إلى الموت» وفاة خمسة أشخاص خلال احتجازهم، و14 حالة عنف جنسي ارتكبتها قوات الأمن، ضمنها سبع حالات اغتصاب لخمس نساء ومراهق وطفلة في الخامسة من عمرها. ونددت منظمة العفو الدولية الثلاثاء بتعرض العشرات من اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا لأشكال عدة من الانتهاكات على أيدي قوات الأمن، بينها الاعتقال التعسفي والتعذيب وحتى الاغتصاب. ويستند التقرير إلى مقابلات مع 41 امرأة ورجلا سوريا، بمن فيهم العائدون والأقارب. وناشدت المنظمة الدول الغربية التي تستضيف لاجئين سوريين ألا تفرض عليهم العودة «القسرية» إلى بلدهم، منبهة إلى أن سوريا ليست مكاناً آمناً لترحيل اللاجئين إليها.



باكستان تعلن مقتل 3 من موطنيها في هجوم حوثي قرب باب المندب

سفينة الشحن «تهامة» بعد تعرضها لهجوم في مضيق باب المندب قبالة الساحل اليمني (رويترز)
سفينة الشحن «تهامة» بعد تعرضها لهجوم في مضيق باب المندب قبالة الساحل اليمني (رويترز)
TT

باكستان تعلن مقتل 3 من موطنيها في هجوم حوثي قرب باب المندب

سفينة الشحن «تهامة» بعد تعرضها لهجوم في مضيق باب المندب قبالة الساحل اليمني (رويترز)
سفينة الشحن «تهامة» بعد تعرضها لهجوم في مضيق باب المندب قبالة الساحل اليمني (رويترز)

أعلنت باكستان، الأربعاء، مقتل 3 من مواطنيها وإصابة آخر في هجوم شنه الحوثيون على سفينة تجارية في البحر الأحمر أمس (الثلاثاء).

وقال نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، في منشور على منصة «إكس»، إن «ثلاثة مواطنين باكستانيين لقوا حتفهم وأُصيب واحد» جراء الهجوم، مؤكداً أن بلاده تتابع الحادث مع الجهات المعنية.

وأعلنت السلطات اليمنية في وقت سابق، مقتل 6 أشخاص، إثر استهداف سفينة شحن قرب مضيق باب المندب قبالة الساحل الجنوبي الغربي لليمن، الثلاثاء. وذكرت مصادر يمنية في وقت سابق أن القتلى شملوا 4 من أفراد طاقم السفينة، بينهم 3 باكستانيين وإندونيسي، إلى جانب اثنين من أفراد القوات اليمنية المشاركين في عملية إنقاذ وإجلاء الطاقم.

وحسب المعلومات المتداولة فإن السفينة «تهامة» تعرضت للهجوم أثناء إبحارها في منطقة باب المندب. وأفادت مصادر بأن أفراد الطاقم فقدوا السيطرة على السفينة عقب الهجوم، قبل أن تتوجه عناصر يمنية للمساعدة في إنقاذ الموجودين على متنها؛ حيث تعرضت القوة التي شاركت في العملية لإطلاق نار، ما أدى إلى مقتل اثنين من أفرادها.

ويأتي الهجوم في وقت عادت فيه المخاطر التي تهدد الملاحة في البحر الأحمر إلى الواجهة، بعد فترة من تراجع الهجمات الحوثية على السفن التجارية. وكانت الولايات المتحدة قد أبقت -في تحذير ملاحي صادر في مارس (آذار) 2026- على تحذيرها من هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، مشيرة إلى استمرار المخاطر التي تواجه السفن والعاملين في قطاع النقل البحري في المنطقة.

تحذير أممي من استهداف الملاحة

ويعيد الهجوم إلى الواجهة ملف الهجمات الحوثية على السفن التجارية، الذي دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار القرار 2722 في يناير (كانون الثاني) 2024، مطالباً الحوثيين بالوقف الفوري للهجمات على السفن التجارية وسفن الشحن في البحر الأحمر، والتأكيد على أهمية احترام حرية الملاحة والتجارة الدولية.

وفي يوليو (تموز) الماضي، مدَّد مجلس الأمن مرة جديدة آلية الإبلاغ عن الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر لمدة 6 أشهر إضافية، حتى 15 يناير 2027، في مؤشر على استمرار اعتبار تهديد الملاحة في المنطقة قضية أمنية دولية.

وتشير التحذيرات البحرية الأميركية إلى أن منطقة البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن لا تزال تشهد مستوى مرتفعاً من المخاطر المرتبطة بالهجمات الحوثية على السفن التجارية، بينما تعد المنطقة ممراً رئيسياً لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.

إسلام آباد حذَّرت من استهداف سفنها

ويكتسب الهجوم أهمية إضافية بالنسبة إلى إسلام آباد، التي كانت قد حذَّرت قبل أسابيع من أن تهديد السفن التجارية في البحر الأحمر يمثل خطراً على أمن الملاحة والتجارة العالمية.

وقالت وزارة الخارجية الباكستانية في 22 يوليو الماضي، إن إسلام آباد تدين «بشكل قاطع» تهديدات الحوثيين للسعودية وللملاحة التجارية في البحر الأحمر، معتبرة أن هذه الأعمال تهدد الأمن الإقليمي وحرية الملاحة والتجارة العالمية. كما أكدت أن أي عمل عدائي يستهدف سفناً ترفع العلم الباكستاني أو المصالح البحرية الباكستانية سيعد «تهديداً خطيراً» للأمن القومي الباكستاني، مع احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن مصالحها البحرية وفقاً للقانون الدولي.

تصاعد الدخان من سفينة الشحن «تهامة» بعد تعرضها لهجوم في مضيق باب المندب (رويترز)

ويأتي مقتل المواطنين الباكستانيين بعد أسابيع من هذا التحذير، وفي ظل تصاعد التوتر الإقليمي واتساع نطاق المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في البحر الأحمر والممرات البحرية المتصلة به.

باب المندب... نقطة اختناق للتجارة العالمية

ويَفصِل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما يمنحه أهمية استراتيجية لحركة السفن التي تربط الأسواق الآسيوية والأوروبية. وأدى تصاعد الهجمات الحوثية على السفن التجارية خلال السنوات الماضية إلى دفع شركات شحن دولية إلى تغيير مساراتها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، في رحلات أطول وأكثر تكلفة.

وكانت الهجمات قد تصاعدت منذ أواخر 2023 على خلفية الحرب في غزة، قبل أن تتسع لاحقاً لتصبح أحد أبرز مصادر المخاطر التي تهدد حرية الملاحة الدولية في البحر الأحمر. ووثَّقت المنظمة البحرية الدولية والأمم المتحدة على مدى السنوات الماضية تداعيات الهجمات على سلامة البحارة وحركة التجارة الدولية، بينما وصف مجلس الأمن استهداف السفن التجارية بأنه تهديد للسلام والأمن الدوليين.

سفن حاويات راسية قرب مضيق باب المندب قبالة الساحل اليمني في خليج عدن (أ.ف.ب)

ومع سقوط 6 قتلى في الهجوم الأخير، من بينهم 4 من أفراد طاقم السفينة التجارية، يعود ملف سلامة البحارة إلى صدارة المخاوف المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر، في وقت تواجه فيه المنطقة أصلاً تداعيات التوترات العسكرية المتصاعدة في الشرق الأوسط.

​عاد البحر الأحمر إلى واجهة المخاوف على أمن الملاحة الدولية، بعد مقتل 6 أشخاص في هجوم حوثي استهدف سفينة تجارية أثناء عبورها مضيق باب المندب، أمس (الثلاثاء). ويعيد الهجوم المخاطر التي تواجهها السفن وطواقمها في أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة انعكست على حركة التجارة البحرية.


هجوم بمسيّرات على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان

أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)
أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)
TT

هجوم بمسيّرات على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان

أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)
أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)

وقع هجوم بمسيّرات، فجر اليوم الأربعاء، على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان، وفق مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» وشهود، في هجوم منسّق، على ما يبدو، بعد هدوء استمر عدة أشهر في العاصمة.

ووقع الهجوم بمسيّرة، قرابة الساعة 5:00 (3:00 بتوقيت غرينتش) على الخرطوم، وسُمع دويّ مضادات جوية مصدرها قاعدة عسكرية في شمال أم درمان، في حين أشار شهود، للوكالة، في مدينتيْ عطبرة والدامر، اللتين يسيطر عليهما الجيش أيضاً، إلى رؤية مسيّرات وسماع دويّ انفجارات.


16 قتيلاً ومصاباً بهجوم حوثي على سفينة في باب المندب

سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)
سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)
TT

16 قتيلاً ومصاباً بهجوم حوثي على سفينة في باب المندب

سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)
سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)

وسّعت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران نطاق تصعيدها العسكري في اليمن، الثلاثاء، باستهداف سفينة تجارية في أثناء إبحارها في مضيق باب المندب، في هجوم متكرر بالصواريخ أسفر، وفق الحصيلة الأولية لمصلحة خفر السواحل اليمنية، عن مقتل ستة أشخاص وإصابة 10 آخرين من أفراد طاقم السفينة وعدد من العسكريين، بالتزامن مع استمرار القصف لمدينة المخا ومينائها وأحياء سكنية في مأرب، وهجمات أخرى في تعز.

وأعلنت مصلحة خفر السواحل اليمنية أن الهجوم استهدف السفينة التجارية «تهامة» في أثناء إبحارها في باب المندب، موضحة أن القتلى الستة بينهم أربعة من أفراد الطاقم، ثلاثة باكستانيين وإندونيسي، إضافة إلى اثنين من منتسبي القوات المسلحة.

وأضافت أن المصابين العشرة بينهم سبعة من أفراد طاقم السفينة، واثنان من منتسبي خفر السواحل، وأحد منتسبي اللواء الثاني بحري.

وقالت المصلحة اليمنية إن السفينة، التي كان على متنها 11 بحاراً من الجنسيتين الباكستانية والإندونيسية، تعرضت لهجوم متكرر بصواريخ حوثية أدى إلى اندلاع حريق على متنها وإلحاق أضرار جسيمة بها.

أضرار بالغة تعرض لها ميناء المخا اليمني جراء الهجمات الحوثية (أ.ف.ب)

وبحسب مصلحة خفر السواحل، تحركت فرقها، بالتعاون مع فرق الإنقاذ التابعة للقوات المسلحة، فور وقوع الهجوم إلى موقع السفينة لإجلاء القتلى والمصابين وإنقاذ أفراد الطاقم.

لكن الجماعة الحوثية عاودت استهداف السفينة بصاروخ آخر في أثناء مباشرة عمليات الإنقاذ، ما طال موقع الاستجابة، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشاركة في عمليات الإجلاء، وفق رواية المصلحة.

وبعد نحو ثلاث ساعات من الهجوم، بحسب خفر السواحل اليمني، رصدت القوات زورقاً مفخخاً مسيّراً تابعاً للحوثيين يحاول الاقتراب من موقع السفينة من جهة البحر، قبل أن تعترضه القوات المسلحة وخفر السواحل وتدمره قبل وصوله إلى هدفه.

واعتبرت مصلحة خفر السواحل اليمنية الهجوم الحوثي تصعيداً خطيراً وتهديداً مباشراً لأمن وسلامة الملاحة البحرية وحياة البحارة وفرق الإنقاذ في مضيق باب المندب، مؤكدة استمرارها في الاستجابة لنداءات الاستغاثة وحماية الملاحة والتعامل مع التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية.

تصعيد في كل الجبهات

جاء الهجوم الحوثي في وقت واصلت فيه الجماعة استهداف مدينة المخا ومينائها على الساحل الغربي، بعد هجوم واسع تعرضت له المدينة والمنشآت التابعة للميناء خلال اليومين الماضيين.

وأعلنت قوات المقاومة الوطنية اليمنية في الساحل الغربي أن الحوثيين استهدفوا المخا بخمسة صواريخ باليستية وعدد من الطائرات المسيّرة، بينما أفادت مصادر محلية بأن ثلاث ضربات صاروخية طالت المدينة، أصابت إحداها الميناء.

ويأتي ذلك بعد الهجوم الحوثي الواسع السابق على المخا، الذي أسفر، وفق الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية، عن مقتل أربعة عسكريين وثلاثة مدنيين وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الدفاعات إسقاط 11 طائرة مسيّرة شاركت في الهجوم.

من آثار الهجمات الحوثية على مدينة المخا اليمنية (أ.ف.ب)

وفي مأرب (شرق صنعاء)، قال الجيش اليمني إن الحوثيين استهدفوا أحياء سكنية في المدينة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في وقت تحدث فيه سكان عن سماع انفجارات داخل المدينة، قالت مصادر إنها ناجمة عن تصدي الدفاعات الجوية لهجمات مسيّرة.

وفي تعز (جنوب غرب)، أعلن الجيش إحباط محاولة تسلل حوثية في جبهة الكريفات شرق المدينة، مؤكداً أسْر عدد من عناصر الجماعة، من دون تحديد عددهم أو تقديم تفاصيل إضافية عن العملية.

كما استمرت الهجمات الحوثية على المناطق المدنية في المحافظة؛ إذ قصفت الجماعة الأعيان المدنية وممتلكات المواطنين في منطقة الشقب جنوب شرقي تعز بقذائف المدفعية الثقيلة، ما أدى إلى أضرار مادية في عدد من الممتلكات، وفق مصادر محلية.

وتأتي هذه الهجمات بعد تصعيد حوثي متزامن خلال الأيام الماضية، شمل جبهتَي مأرب وشبوة، حيث قُتل جنديان من قوات دفاع شبوة وأصيب تسعة آخرون في هجوم بطائرة مسيّرة على مواقع عسكرية في جبهة حريب، بعد أيام من مقتل اثنين من أفراد القوات نفسها في هجوم آخر على مديرية حريب.

تهديد محلي ودولي

في عدن، حيث العاصمة المؤقتة، عقد مجلس الوزراء اليمني اجتماعاً برئاسة رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، لمناقشة التصعيد الحوثي وتداعياته الأمنية والاقتصادية والإنسانية.

واعتبر المجلس أن الهجمات الأخيرة، بما فيها استهداف ميناء المخا والمنشآت المدنية والنازحين في حضرموت ومأرب وتعز والضالع والسفن التجارية، تمثل نمطاً متزامناً لتوسيع دائرة التوتر، معتبراً أن الجماعة أصبحت أداة لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.

وشدد المجلس على أن الحكومة لن تتعامل مع التصعيد باعتباره أمراً واقعاً، مؤكداً مواصلة حماية المواطنين والمنشآت الحيوية والمصالح الوطنية، ورفع مستوى الجاهزية في القطاعات العسكرية والأمنية والخدمية والاقتصادية.

مسيرة حوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (رويترز)

ودعا مجلس الوزراء المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في طريقة تعامله مع التصعيد الحوثي، وعدم الاكتفاء بإدارة نتائجه أو احتوائه مؤقتاً، مطالباً بالتعامل مع مصادر القوة التي تمكّن الجماعة من مواصلة هجماتها، وفي مقدمتها الدعم الإيراني.

كما شدد على أهمية حماية سلاسل الإمداد وحركة المواطنين والسلع، وتأمين المنشآت الحيوية، في ظل اتساع رقعة الهجمات.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية إن الهجوم على السفينة «تهامة» يمثل تصعيداً جديداً في اعتداءات الحوثيين على المصالح اليمنية والمنشآت والموانئ وشرايين الإمداد الحيوية، وتهديداً مباشراً للملاحة البحرية والتجارة الدولية.

وأكدت الوزارة أن السفينة كانت مرتبطة بحركة التجارة والإمدادات الغذائية للشعب اليمني، معتبرة أن استهدافها، بعد يومين فقط من الاعتداء على ميناء المخا ومنشآته المدنية والاقتصادية، يقدم، بحسب قولها، دليلاً على استهداف الجماعة للموانئ والسفن وشرايين الإمداد.

وربطت الخارجية اليمنية بين الهجوم على سفينة «تهامة» والهجمات التي استهدفت مأرب والمخا، معتبرة أنها تمثل نمط تهديد واحداً يمتد من الداخل اليمني إلى دول الجوار والممرات البحرية.

ودعت الوزارة مجلس الأمن والدول المعنية بأمن الملاحة إلى الانتقال من الإدانة إلى إجراءات رادعة وملموسة، تشمل التنفيذ الصارم لقرارات مجلس الأمن ونظام العقوبات وحظر السلاح، وتجفيف مصادر تمويل وتسليح الحوثيين، بالتوازي مع تعزيز قدرات خفر السواحل والقوات البحرية وأمن الموانئ.