شبح صفقة شليط يُفشل تهدئة بين بنيت و«حماس»

فلسطينيون يتظاهرون خارج سجن الجلبوع الشهر الماضي دعماً للأسرى الستة الذين فروا منه (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتظاهرون خارج سجن الجلبوع الشهر الماضي دعماً للأسرى الستة الذين فروا منه (أ.ف.ب)
TT

شبح صفقة شليط يُفشل تهدئة بين بنيت و«حماس»

فلسطينيون يتظاهرون خارج سجن الجلبوع الشهر الماضي دعماً للأسرى الستة الذين فروا منه (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتظاهرون خارج سجن الجلبوع الشهر الماضي دعماً للأسرى الستة الذين فروا منه (أ.ف.ب)

في وقت يبدو فيه أن شبح صفقة شليط والثمن الذي دفعته إسرائيل مقابلها، باهظ، رفضت حكومة نفتالي بنيت شرط «حماس» إطلاق سراح 1000 أسير فلسطيني، بينهم الأسرى الذين انتزعوا حريتهم بالفرار من سجن الجلبوع، مقابل الأسرى الإسرائيليين الأربعة.
وقال مصدر مقرب من وفود التفاوض بين الطرفين، إن الجانب الإسرائيلي تقدم بعض الشيء ووافق على إطلاق سراح عدد من الأسرى من ذوي الأحكام الطويلة ومضى عليهم ثلاثون سنة، والنساء والأطفال وعدد غير قليل من أسرى الاعتقال الإداري. لكنه رفض أن يصل عدد الأسرى الذين سيتم إطلاق سراحهم إلى 1000 أسير، كما تطلب «حماس»، ورفض بشدة أن تشمل الصفقة الأسرى الستة الذين فروا من الأسر في 6 سبتمبر (أيلول) الماضي وأُعيد اعتقالهم خلال أسبوعين، أو الخمسة الذين عرفوا بخطة الفرار وساهموا في تنفيذها بنجاح. ولذلك فقد فشلت الجهود المصرية للتوصل إلى اتفاق تهدئة في هذه المرحلة، ولكن الطرفين حرصا على القول للمصريين إنهما يُبقيان الباب مفتوحاً لمواصلة الحوار.
المعروف أن هناك أربعة أسرى إسرائيليين لدى «حماس»، هم: المقدّم هدار غولدين والرقيب أورون شاؤول، وهما مقاتلان تم أسرهما في حرب 2014 وتصر إسرائيل على اعتبارهما قتيلين وترفض «حماس» تأكيد أو نفي ذلك، والمواطنان أبرا منغستو (من أصل إثيوبي) وهشام السيد (عربي من فلسطينيي 48)، وقد دخلا غزة بإرادتهما، لاحقاً. وتتفاوض إسرائيل مع «حماس» بوساطة مصرية وألمانية على صفقة يتم تنفيذها بالتدريج، تبدأ بإطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين مقابل إعطاء معلومات عن وضع الأسرى الإسرائيليين الأربعة، ثم يطلق سراح البقية مع إعادة الأسرى.
ومع أن وسائل الإعلام تنشر تسريبات عديدة من هذه المفاوضات، الجارية منذ حكم بنيامين نتنياهو، إلا أن القسم الأكبر من الاتصالات بين إسرائيل و«حماس» يجري بعيداً عن عيون الجمهور ومِن تحت الرادار وبسرية مطلقة. ويبدو أن الطرفين يستغلان عنصر الوقت للمماطلة في تنفيذ الصفقة؛ «حماس» لأنها تعد الأسرى «ورقة حماية» وتعتقد أن وجود أسرى لديها يُبقيها جهة سلطوية ذات وزن في أي مفاوضات وتمنع إسرائيل من كسر القوالب في العلاقة معها، وإسرائيل التي تفتقر لقائد شجاع يدفع ثمن هذه الصفقة؛ فلا نتنياهو الذي نفّذ صفقة شليط كان معنياً بتنفيذ صفقة أخرى، ولا بنيت الذي يقود ائتلافاً حكومياً هشاً يجرؤ على التقدم نحو صفقة جديدة. وعلى كليهما وكذلك وعلى زرائهما، يخيّم شبح الثمن الباهظ الذي دُفع في صفقة شليط، حيث إن إسرائيل أطلقت سراح 1027 أسيراً وأسيرة عام 2011 مقابل إطلاق «حماس» سراح الجندي الأسير غلعاد شليط بعد خمس سنوات ونيف من اعتقاله.
وهناك عدد كبير من السياسيين والقادة العسكريين والأمنيين يعارضون الإقدام على صفقة شبيهة بدعوى أن غالبية الأسرى الفلسطينيين الذين يتم إطلاق سراحهم يعودون إلى النشاط العسكري وفي مقدمتهم يحيى السنوار، الذي أصبح قائداً لحركة «حماس» في قطاع غزة، وأن هذه الصفقات تشجّع الشباب الفلسطيني على ممارسة أعمال المقاومة ضد إسرائيل. بيد أن مؤيدي تنفيذ صفقة جديدة يرون أن السنوات العشر الماضية منذ إطلاق سراح شليط كانت خالية تقريباً من العمليات المسلحة النوعية في المدن الإسرائيلية.
ويتضح من إحصائيات الجيش الإسرائيلي والمخابرات والنيابة العسكرية أن العمليات المسلحة التي نفّذها فلسطينيون من الأسرى المحررين في صفقة شليط تسببت في مقتل 10 إسرائيليين وجرح 18 شخصاً، وهو عدد قليل نسبياً. وأضاف الجيش، في تقرير اضطر لنشره في أعقاب توجه جمعية «موسري» لحرية المعرفة والمعلومات، أن 100 أسير ممن جرى تحريرهم في صفقة شليط ارتكبوا مخالفات أمنية وتمّ اعتقالهم مِن جديد ومحاكمتهم. وهناك 56 أسيراً إضافياً خالفوا شروط تحريرهم ومثلوا أمام لجنة تحقيق وأعيد 53 منهم لقضاء مدة الحكم المفروضة عليهم. ويعني هذا أن 15% فقط مِن الذين جرى تحريرهم في الصفقة عادوا إلى طبعهم وتمّ سجنهم مِن جديد.
ويقول اللواء المتقاعد يعقوب عميدرور، الذي شغل منصب رئيس مجلس الأمن القومي في حكومة نتنياهو، وكان أحد أشد المعارضين لصفقة شليط، إن 90% من القرارات التي يتم اتخاذها في هذا المجال ليست مهنية، وإنما هي سياسية حزبية ومتعلقة باعتبارات متخِذها، وإن الاعتبارات المهنية ثانوية جداً وليست هي التي تقرّر، «ولو كانت المبادئ والدوافع المهنية والمصلحة الاستراتيجية لإسرائيل هي التي تحكم القرارات الحكومية عندنا، لما كنا انزلقنا وانحدرنا إلى وضع فهمت فيه منظمات الإرهاب في الطرف الثاني، أنه لا توجد نهاية لدى إسرائيل للثمن التي هي على استعداد لدفعه مقابل جندي مخطوف. هذا غير جيّد للمكانة الاستراتيجية لدولة إسرائيل في صراعها الذي لا ينتهي مع منظمات الإرهاب. ومِن الواضح أن وضعنا اليوم متأثر بمستوى توقعات وتطلعات الطرف الثاني، بناءً على ما أعطيناه في الماضي في عدة صفقات. من جهتي ممنوع أن نتبلبل. عندما نقول إننا سنفعل كل شيء في سبيل تحرير أبنائنا الأسرى، علينا القيام بحملة لتحرير الجندي، حتى لو كان مستوى الخطر على جنود الحملة عالياً جداً. ولكنّ هذا لا يعني أن نسقط على رُكبنا».
لكن مسؤولاً أمنياً كبيراً من المطّلعين على تفاصيل صفقة شليط وينصحون الحكومة بإبرام صفقة أخرى، يقول إنه «منذ المراحل الأولى لها كان مِن الواضح لإسرائيل أنها تتعامل مع قنبلة موقوتة، وتؤجل بلا عذر جدي، فما مِن أحد ضمنَ عصراً ذهبياً بعد صفقة شليط، ومع ذلك فإن الوضع الأمني لم يُصبح أكثر سوءاً بعد عشر سنوات على الصفقة. وصحيح أن النتائج الآن ليست على ما يُرام و(حماس) ما زالت هي (حماس)، لكن هل يعاني مواطنو إسرائيل أكثر الآن بسبب الذين جرى تحريرهم في صفقة شليط؟ حسب رأيي لا. هل زاد الاحتمال لهذا؟ نعم زاد، ولكن هل ينجحون؟ لا».
وذكّر بأن صفقة شليط الأولى، تمت عام 2008 في زمن حكومة إيهود أولمرت، وطلبت «حماس» تحرير 450 أسيراً. وبعد مدة طويلة مِن المفاوضات وافقت إسرائيل على تحرير 315 فرداً مِن بين الأسماء، ولكن تفجّرت المفاوضات بسبب عدم الموافقة على تحرير الباقين، وتوقفت الاتصالات لمدة طويلة. وعندما وافقت إسرائيل أصبح الثمن 1027 أسيراً. وتساءل: «هل هذا هو ما يرمي إليه السياسيون اليوم؟».



السعودية ومصر لتطوير مسارات النقل البحري وسط اضطرابات الملاحة الدولية

ميناء دمياط المصري (وزارة النقل المصرية)
ميناء دمياط المصري (وزارة النقل المصرية)
TT

السعودية ومصر لتطوير مسارات النقل البحري وسط اضطرابات الملاحة الدولية

ميناء دمياط المصري (وزارة النقل المصرية)
ميناء دمياط المصري (وزارة النقل المصرية)

أكّدت السعودية ومصر تطوير مسارات النقل البحري وتدعيم التعاون المشترك في مختلف مجالات النقل، وسط اضطرابات الملاحة الدولية وتأثيراتها السلبية على سلاسل الإمداد الدولية.

وبحث وزير النقل والخدمات اللوجستية، السعودي صالح الجاسر، مع نظيره المصري كامل الوزير، سُبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في مجالات النقل واللوجستيات والربط البحري، خلال مشاركتهما في معرض ومؤتمر «إينو ترانس» المنعقد حالياً في العاصمة الألمانية برلين، ويستمر حتى الخميس، وفق بيان صادر عن وزارة النقل المصرية، الأربعاء.

وناقش الجانبان «أهمية العمل المشترك لتعزيز التكامل بين مصر والسعودية في مجال الممرات الدولية، إلى جانب أهمية تعزيز الربط بين الموانئ السعودية والمصرية، بما يدعم حركة التجارة بين البلدين، ومنها إلى دول الخليج العربي».

وأكد الجانبان «أهمية ممر التجارة العربي الجنوبي، الذي يربط أوروبا ودول الخليج العربي عبر مصر، من خلال استغلال (خط الرورو) المصري الإيطالي بين ميناءي دمياط وتريستا، والممرات اللوجستية الدولية المتكاملة حتى ميناء سفاجا، ومنه إلى ميناء نيوم (ضبا سابقاً) بالمملكة العربية السعودية، عبر أساطيل الشركات المصرية الوطنية، ثم إلى باقي دول الخليج»، حسب البيان المصري.

وشدد وزير النقل السعودي على «عمق العلاقات المصرية السعودية، وأهمية تعزيز وتدعيم التعاون المشترك في مختلف مجالات النقل، خصوصاً في ظل التطور الكبير الذي يشهده قطاع النقل والبنية التحتية في مصر والمملكة العربية السعودية».

جانب من لقاء وزير النقل السعودي ونظيره المصري في ألمانيا (وزارة النقل المصرية)

وقبل نحو أسبوع، أكدت القاهرة والرياض أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي إلى القاهرة، ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفق بيان صادر عن «الرئاسة المصرية» آنذاك.

وقبلها بأيام، دعا السيسي، في قمة مجموعة «بريكس» بالهند، إلى الحفاظ على حرية الملاحة في الممرات الدولية، في ظل التطورات الراهنة، ولا سيما مع مرور حجم كبير من حركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

وأكد وزيرا النقل السعودي والمصري «أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة البناء على ما تحقق من تعاون بين البلدين، وفتح آفاق أوسع للشراكة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وتعظيم الاستفادة من الإمكانات والمقومات المتاحة لدى الجانبين».

كما شددا على «أهمية زيادة حجم التعاون والمشروعات المشتركة، بما يعزز المصالح المتبادلة للشعبين، وعلى أهمية الدور الذي يقوم به مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، باعتباره إطاراً مؤسسياً لتنسيق الجهود ودفع التعاون الثنائي إلى مستويات تلبي تطلعات البلدين».

وخلال اللقاء الأخير، أكد وزير النقل المصري كامل الوزير أن وزارته «قامت بالتخطيط لإنشاء 8 ممرات لوجستية متكاملة لربط مناطق الإنتاج الصناعي والزراعي والتعديني بالموانئ البحرية، أو ربط الموانئ البحرية على البحر الأحمر بالموانئ البحرية على البحر المتوسط».


إسرائيل تعلن استهداف مسؤول مالي في «حماس»

عناصر إطفاء فلسطينيون يخمدون النيران في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بخان يونس (رويترز)
عناصر إطفاء فلسطينيون يخمدون النيران في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بخان يونس (رويترز)
TT

إسرائيل تعلن استهداف مسؤول مالي في «حماس»

عناصر إطفاء فلسطينيون يخمدون النيران في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بخان يونس (رويترز)
عناصر إطفاء فلسطينيون يخمدون النيران في سيارة استهدفتها غارة إسرائيلية بخان يونس (رويترز)

قال مسؤولون بالمجال الصحي في غزة إن فلسطينيَّين اثنين على الأقل قُتلا بغارة جوية شنتها إسرائيل على القطاع اليوم (الأربعاء)، فيما قالت إسرائيل إن الغارة استهدفت مسؤولاً مالياً في حركة «حماس».

وذكر مسعفون أن الرجلين، وهما أسامة أبو خاطر ومحمد أبو علوان، قُتلا عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية مركبة في غرب خان يونس جنوب القطاع. وأضافوا أن شخصين آخرين أُصيبا، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، في بيان مشترك، أن الجيش الإسرائيلي قتل محمد أبو علوان في خان يونس، ووصفاه بأنه مسؤول مالي كبير في «حماس».

وجاء في البيان المشترك: «لن نسمح لـ(حماس) باستعادة قوتها، ولن نتوقف حتى تزول (حماس) من غزة».

ولم تدلِ الحركة الفلسطينية بأي تعليق حتى الآن.

وذكرت السلطات الفلسطينية أن أكثر من 73 ألف شخص قُتلوا في الحملة العسكرية التي شنتها إسرائيل على غزة، رداً على الهجوم الذي قادته حركة «حماس» عليها في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وينص وقف إطلاق النار الذي تسنَّى التوصل إليه العام الماضي بوساطة أميركية، على إعادة إعمار القطاع في نهاية المطاف، لكن لم يُحرز سوى تقدم ضئيل مع إخفاق المفاوضين في التوصل إلى اتفاق على شروط نزع سلاح «حماس» وانسحاب إسرائيل، التي لا تزال تواصل غاراتها الجوية.

وقال مسؤولو الصحة في القطاع إن 1400 فلسطيني على الأقل، معظمهم من المدنيين، قُتلوا في غزة منذ سريان وقف إطلاق النار، بينما يقول الجيش الإسرائيلي إن أربعة من جنوده قُتلوا في الفترة نفسها.

وتتبادل إسرائيل و«حماس» الاتهامات بشأن المسؤولية عن انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار.


آلاف اليمنيين يدفعون ثمن التصعيد الحوثي العسكري

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في مدينة ذمار (إعلام حوثي)
جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في مدينة ذمار (إعلام حوثي)
TT

آلاف اليمنيين يدفعون ثمن التصعيد الحوثي العسكري

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في مدينة ذمار (إعلام حوثي)
جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في مدينة ذمار (إعلام حوثي)

​كشفت أحدث المعطيات الصحية والميدانية في اليمن عن ارتفاع حاد في الخسائر البشرية الناجمة عن التصعيد العسكري الذي بدأه الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة، مع تسجيل آلاف القتلى والجرحى، بالتزامن مع تدفق أعداد كبيرة من الجثامين إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، ولا سيما محافظة ذمار؛ حيث تجاوزت أعداد القتلى قدرة المرافق الصحية على استيعابها.

وقالت منظمة الصحة العالمية إنها سجلت 3672 قتيلاً وجريحاً في اليمن خلال الفترة من 6 أغسطس (آب) إلى 18 سبتمبر (أيلول)، بينهم 674 قتيلاً و2998 مصاباً، في وقت حذَّرت فيه من استمرار ارتفاع وتيرة الخسائر البشرية، مع استمرار القتال في عدد من الجبهات.

وأوضحت المنظمة أنه خلال الفترة بين 13 و18 سبتمبر فقط، جرى تسجيل 680 ضحية جديدة، بينهم 164 قتيلاً و516 مصاباً، مشيرة إلى أن أعداد الضحايا اليومية تراوحت خلال تلك الفترة بين 78 و195 شخصاً، بما يعادل في أعلى مستوياتها نحو 194 ضحية في اليوم.

وتشير هذه الأرقام إلى حجم الضغط المتزايد على المنظومة الصحية اليمنية، في وقت تتسع فيه رقعة المواجهات في غرب تعز ولحج، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية في مأرب ومناطق أخرى، وما يرافق ذلك من تدفق متواصل للقتلى والجرحى إلى المرافق الصحية.

حوثيون في صنعاء يشيِّعون أحد قادتهم بعد مقتله خلال المواجهات مع الجيش اليمني (أ.ف.ب)

وحسب منظمة الصحة العالمية، تصدرت محافظة لحج قائمة المناطق الأكثر تسجيلاً للضحايا خلال الأيام الستة الأخيرة من الفترة التي شملها التقرير؛ إذ أُبلغ في مديرية المضاربة ورأس العارة عن 284 ضحية، بينهم 58 قتيلاً و226 مصاباً.

وحلت مأرب في المرتبة الثانية بـ277 ضحية، بينما سجلت تعز 103 ضحايا، إضافة إلى سقوط ضحايا في محافظات الجوف وشبوة والضالع.

نزف حوثي

تتزامن هذه الخسائر مع اشتداد المواجهات في المناطق الغربية من تعز وجبهة كهبوب الاستراتيجية في لحج؛ حيث تدور معارك عنيفة في مناطق جبلية مطلة على محيط باب المندب.

ووفق مصادر عسكرية يمنية، شهدت جبهات غرب تعز ولحج استنزافاً متواصلاً في صفوف الحوثيين، مع سقوط أعداد كبيرة من عناصر الجماعة خلال المواجهات اليومية، بينهم قيادات ميدانية وأمنية دفعت بها الجماعة إلى الخطوط الأمامية خلال التصعيد الأخير.

وتقول المصادر إن من بين القتلى أخيراً القيادي الحوثي محمد العوير، المعروف باسم «أبو مالك»، الذي يحمل رتبة عقيد، وكان يشغل منصب مدير أمن مديرية العدين في محافظة إب، قبل نقله إلى جبهات غرب تعز ولحج.

قيادي حوثي بارز لقي مصرعه على يد الجيش اليمني (إعلام محلي)

وأوضحت أن العوير ينحدر من محافظة صعدة، وسبق أن تولى عدداً من المهام الأمنية والميدانية لدى الجماعة، وشارك في القتال في جبهات مأرب وتعز والضالع، قبل مقتله خلال المواجهات في محيط جبل جرداد بمديرية الشمايتين.

وجاء مقتله -وفق المصادر ذاتها- بعد يوم من مقتل القيادي الحوثي صدام غلاب، المكنى «أبو عطان»، في جبهة كهبوب بأطراف محافظة لحج. وكان غلاب قد شغل مناصب أمنية عدة، آخرها مدير أمن مديريتَي حوث وبني صريم في محافظة عمران.

كما سبقه بيومين مقتل القيادي الحوثي فراق العصار، المعروف باسم «أبو صقر القفر»، الذي كان يقود أحد ألوية النخبة التابعة للجماعة، خلال المواجهات في جبهة كهبوب، إلى جانب عدد من عناصره.

وتأتي هذه الخسائر في ظل محاولات حوثية للضغط على المواقع العسكرية في المناطق الجبلية المطلة على باب المندب، بينما تستمر القوات الحكومية في التصدي للهجمات، وسط سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.

مائة جثة إلى ذمار

في مؤشر آخر على حجم الخسائر في صفوف الحوثيين، شهدت محافظة ذمار (مائة كيلومتر جنوب صنعاء) خلال اليومين الماضيين وصول أكثر من مائة جثة إلى عدد من المستشفيات الحكومية، وفق مصادر طبية ومحلية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن القتلى سقطوا في المواجهات الدائرة في جبهات بمحافظات الضالع وتعز والبيضاء، مشيرة إلى أن من بين الجثامين قيادات عسكرية وميدانية، إلى جانب أطفال قالت المصادر إنهم جُنِّدوا للقتال، وأُرسلوا إلى مناطق المواجهات.

وتزامن وصول الجثامين مع تدفق المصابين، الأمر الذي فرض ضغوطاً إضافية على المرافق الصحية في المحافظة، التي تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات والموارد.

الحوثيون يشيِّعون يومياً عشرات القتلى خلال المواجهات مع القوات الحكومية (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر أن مستشفى ذمار العام استقبل العدد الأكبر من الجثامين، وأن ثلاجة حفظ الموتى امتلأت بعشرات الجثامين، بينها 6 لقيادات عسكرية وميدانية، إضافة إلى 12 قتيلاً قالت المصادر إن أعمارهم لم تتجاوز 18 عاماً.

ومع تجاوز أعداد الجثامين الطاقة الاستيعابية المتاحة، لجأت الجهات المسيطرة على المستشفى إلى ترتيبات استثنائية لحفظ الموتى، من بينها الاستعانة بثلاث حاويات تبريد وُضعت في باحة المرفق الطبي.

وقال مصدر طبي في مستشفى ذمار العام، طلب عدم الكشف عن هويته خشية تعرضه للعقوبة الحوثية، إن أعداد الجثامين التي وصلت خلال اليومين الماضيين تجاوزت قدرة ثلاجة حفظ الموتى على الاستيعاب.

وأضاف أن العاملين في المستشفى يواجهون ضغوطاً متزايدة بسبب وصول الجثامين على دفعات متتالية، بالتزامن مع استمرار استقبال المصابين القادمين من مناطق القتال.

تكتم على الخسائر

تزامن تدفق الجثامين إلى ذمار مع تشديد الإجراءات الأمنية في محيط المستشفى، وسط قيود على حركة وسائل الإعلام ومنع الوصول إلى بعض مرافقه، وفق المصادر.

وقالت المصادر إن الإجراءات الأمنية هدفت إلى الحد من الوصول إلى معلومات تتعلق بأعداد القتلى والجرحى وبياناتهم، بما في ذلك أسماؤهم وأعمارهم ومناطق انحدارهم والجبهات التي قتلوا فيها.

وحسب المصادر، استُدعيت أُسَر بعض القتلى إلى المستشفى لتسلم جثامين ذويها، تمهيداً لتشييعهم ودفنهم، في محاولة لإخلاء مساحة داخل مرافق حفظ الموتى لاستيعاب جثامين أخرى وصلت تباعاً.

الحوثيون شيَّعوا قبل أيام في محافظة ذمار عشرات من قتلاهم في الجبهات (إعلام حوثي)

وأشارت المصادر إلى أن بعض الأُسَر تلقت بلاغات بمقتل ذويها بعد وصول الجثامين إلى المستشفى، في حين لم تحصل عائلات أخرى على معلومات تفصيلية بشأن ظروف مقتل أقاربها، أو المناطق التي قُتلوا فيها قبل نقل جثامينهم إلى ذمار.

وقال أحد أقارب القتلى إن أسرته أُبلغت بمقتل أحد أفرادها في إحدى الجبهات، وطُلب منها الحضور إلى المستشفى لتسلم الجثمان، واستكمال إجراءات التشييع والدفن.

كما أفاد أحد سكان المنطقة بأن محيط المستشفى شهد حركة غير معتادة لسيارات الإسعاف والمركبات التي تنقل الجثامين، بالتزامن مع تشديد الإجراءات الأمنية، ومنع الاقتراب من أجزاء من المرفق.

فجوة تمويلية

في مواجهة ارتفاع الاحتياجات الطبية، أعلنت منظمة الصحة العالمية استمرار دعم المرافق الصحية التي تستقبل الحالات الناجمة عن النزاع.

وقالت المنظمة إنها أنهت تسليم شحنتها الطبية الثالثة، التي تضمنت مستلزمات جراحية وأدوية ومضادات حيوية، إلى مستشفى «الجمهورية التعليمي» وكذلك «22 مايو» في عدن، إضافة إلى مستشفى كرى ومستشفى مأرب العام في محافظة مأرب.

طفل يمني يتلقى العلاج في أحد مستشفيات العاصمة المؤقتة عدن (أ.ب)

كما تعمل المنظمة -وفق تقريرها- على شراء 17 ألف كيس دم للبالغين، و3 آلاف كيس دم للأطفال، بتكلفة تقديرية تبلغ 32 ألف دولار، بهدف تعزيز مخزونات الدم في المرافق الصحية التي تستقبل أعداداً متزايدة من المصابين.

وأكدت المنظمة أنها تنسق مع وزارة الصحة في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وشركائها، للاستجابة للاحتياجات الصحية المتزايدة الناجمة عن تصاعد النزاع.

لكن الاستجابة الإنسانية تواجه في المقابل فجوة تمويلية واسعة؛ إذ تقدِّر منظمة الصحة العالمية حجم التمويل غير المتوفر بنحو 78 في المائة من إجمالي المبلغ المطلوب.