محمد مشبال: الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة

الأكاديمي المغربي يرى أن قرب بلاده من أوروبا لعب دوراً في تفوقها بالعلوم الإنسانية

محمد مشبال
محمد مشبال
TT

محمد مشبال: الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة

محمد مشبال
محمد مشبال

يستند الناقد الأكاديمي المغربي محمد مشبال في دراساته النقدية إلى تراث البلاغة العربية وتجلياتها في أعمال المبدعين الأول الرواد أمثال الجاحظ وابن جني، ويفسر انجذابه لها بالتقائها مع المناهج النقدية الحديثة في اهتمامها بتقنيات النص الأدبي؛ مضيفا إلى ذلك دافعا آخر هو أن «تفرض الثقافة العربية هويتها - في زحمة المناهج الوافدة من الغرب». ويتركز مشروعه على تفكيك البلاغة العربية القديمة وإعادة تركيبها في سياق معاصر. ومن أبرز مؤلفات مشبال «أسرار النقد الأدبي»، و«مقولات بلاغية في تحليل الشعر»، و«البلاغة والخطاب»، و«خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ». حصل مشبال على عدد من الجوائز الأدبية المهمة منها جائزتا «فيصل العالمية» و«الشيخ زايد للكتاب»... هنا حوار معه حول مؤلفاته ومشروعه النقدي.
* من أول مؤلفاتك «مقولات بلاغية في تحليل الشعر» (1993) حتى كتابك «محاضرات في البلاغة الجديدة» (2021)؛ لماذا تبدو «البلاغة» قاسما مشتركا يتقاطع مع الشعر والرواية والسياسة؟ هل تحولت البلاغة إلى نافذة تطل منها على العالم؟
- تتمثل قيمة البحث العلمي بشكل عام فيما يضيفه الباحثون إلى الحقل الذي يشتغلون فيه، وفي الأسئلة الجديدة التي يثيرونها ويسعون إلى الإجابة عنها. ولقد كان الباحثون المعاصرون في العالم العربي ينظرون إلى البلاغة باعتبارها علما معياريا لا يمتلك سوى قيمة تاريخية ولم يعد قادرا على مواكبة ما يتجدد في الآداب من أساليب ووسائل تعبير جديدة. هذه النظرة التي كان وراءها منظرون غربيون أطلقوا أحكامهم في سياق بحثهم عن بلاغة جديدة أو في سياق انتصارهم لمناهج نقدية جديدة، لم تكن خاطئة كل الخطأ، ولكنها كانت قاسية على البلاغة إذ ألحقت ضررا بالبحث البلاغي العربي؛ فإذا استثنينا التيار التقليدي في البحث البلاغي الذي ظل يسير في طريقه المعتاد غير آبه بما يجري حوله، فإن الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة ابتعادا كليا، ولم تكلف نفسها إعادة النظر في الأحكام الجاهزة التي تلقفتها عن البلاغة من هنا أو هناك. في خضم هذه النظرة الحالكة واليائسة للبلاغة، كتبت كتابي الأول «مقولات بلاغية في تحليل الشعر»؛ وكان كتابا مؤسسا يرسم معالم الطريق الذي ينبغي أن يسلكه البحث البلاغي في ثقافتنا الحديثة، رغم أنني لم أكن أشتغل في سياق ثقافي يساند التصور الذي أسعى إلى تطويره؛ فقد كان سياقا مفتونا بالمناهج النقدية الحديثة التي توالى ظهورها في العالم العربي، ولم يكن ممكنا أن تجد البلاغة موقعا لها في واقع نقدي متعطش لا يريد أن يلتفت إلى الوراء. وكانت لفظة «البلاغة» تختزن كل هذا البغض الذي يكنه المحدثون لما هو قديم وتقليدي. رغم هذا الواقع غير المحفز، أغرتني البلاغة لما كنت ألاحظه من وجوه التلاقي بينها وبين المقاربات النقدية الحديثة التي كانت مهتمة بما هو نصي وشكلي في الأعمال الأدبية، دون أن ألتفت إلى ما كانت تفتقر إليه معظم مؤلفات البلاغة –وخاصة المتأخرة - من أساس نظري كما كان الحال عليه في البدايات مع الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني.
* إذن أين يكمن بالضبط سر انجذابك للبلاغة؟
- يمكنك القول إن أحد الدوافع التي تفسر انجذابي نحو البلاغة هو التقاؤها مع المناهج النقدية الحديثة في اهتمامها بتقنيات النص الأدبي، والدافع الآخر هو رغبة دفينة في أن تفرض الثقافة العربية هويتها - في زحمة المناهج الوافدة من الغرب - بحقل أصيل متجذر في التراث. والدافع الثالث هو اقتناعي بأن التقنيات البلاغية التي رصدها القدماء في الآداب القديمة شعرا ونثرا ما زالت تستعمل من لدن الشعراء والكتاب المعاصرين، ولا يمكن أن تختفي رغم ظهور تقنيات جديدة أفرزتها الأنواع والمنازع الجمالية الجديدة.
وينبغي التنبيه إلى أمر مهم في هذا السياق؛ فبلاغة النصوص لا ينبغي حصرها في التقنيات التي ضبطها علماء البلاغة قديما؛ ما دامت البلاغة تعني من بين ما تعنيه صنعة الكلام سواء أريد بها إحداث المتعة «التخييل» أو إيقاع التصديق «الحجاج»، من المحاججة بفتح الحاء، وهذه الصنعة غير محدودة. ومن ثم كان على الحقل البلاغي أن يوسع من دائرة التقنيات التي ضبطها وحددها، ليصبح حقلا منفتحا على النصوص بدل انغلاقه على تقنيات محددة سلفا.
* هل ثمة بلاغة قديمة وأخرى جديدة؟
- لما كانت البلاغة تعني صنعة الكلام وكانت صنعة الكلام غير محدودة فإن ما يسمى بالبلاغة باعتبارها حقلا علميا يدرس هذه الصنعة، لا يمكن حصره في المنجز البلاغي القديم، فقد رأينا كيف وسع البلاغيون المعاصرون دائرة التقنيات الحجاجية القديمة، وكيف سمحت الصنعات السردية الحديثة بالكشف عن تقنيات بلاغية جديدة. ولا يهم أن هذه التقنيات اكتشفت في حقول أخرى غير البلاغة.
هذا التصور سمح لي بتوسيع مجالات التحليل البلاغي خارج دائرتي الشعر والقرآن اللتين حصر فيهما قديما؛ فإذا كانت البلاغة هي النافذة التي أطل منها على عالم الخطابات، فإن هذه النافذة لم تعد كوة صغيرة كما تصورتها القراءات المتعاقبة للبلاغة، بل نافذة مشرعة ومنفتحة على حقول أخرى.
* لكن ألا ترى أن اهتمامك الشديد بالتنظير جاء على حساب النقد التطبيقي حيث يأخذ عليك كثير من المبدعين عدم الالتفات إلى مؤلفاتهم؟
- يجب أولا التمييز بين وظيفة «البلاغي» من جهة وبين الناقد الأدبي من جهة ثانية؛ فالبلاغي دارس للخطاب يشتغل بالتنظير في المقام الأول ثم يطبق على سبيل تدعيم تصوراته ومفاهيمه، وقد يتحول إلى ناقد أدبي إذا حول ممارسته إلى نقد النصوص الأدبية مبينا أسرارها الجمالية. لست ناقدا أدبيا بهذا المعنى، لأن ذلك يتطلب تفرغا لقراءة الأعمال الأدبية ونشرها في الصحافة، لكن يمكن القول إنني بلاغي ودارس أدبي يحلل النصوص الأدبية والتداولية في ضوء المفاهيم النظرية. وبناء عليه فإن مؤلفاتي مزيج من التنظير والنقد التطبيقي؛ فكتابي «مقولات بلاغية» المشار إليه سابقا لا يخلو من تحليل لنصوص شعرية قديمة وحديثة، وكتبي عن نثر الجاحظ «بلاغة النادرة» و«البلاغة والسرد» و«خطاب الأخلاق والهوية» تطبيقية، وكتابي «في بلاغة الحجاج» يضم تحليلات بلاغية لنصوص مختلفة، وكذلك نجد في كتاب ««البلاغة والرواية» نقدا تطبيقيا للسرد التخييلي والمرجعي. فالحكم الوارد في السؤال على غياب النقد التطبيقي من مؤلفاتي غير دقيق.
* يحتل كتابك «الهوى المصري في خيال المغاربة» موقعا مميزا في سياق تجربتك؛ ترى ما هي أبرز ملامح صورة مصر في انعكاساتها المغربية؟
- الكتاب يرصد صورة مصر في خيال كتاب مغاربة عاشوا فترة من حياتهم في مصر أو عاشت مصر في وجدانهم من خلال تلقيهم للخطابات الأدبية والفنية والسياسية والدينية التي أنتجها المصريون منذ عصر النهضة حتى فترة الثمانينات؛ وهي الفترة التي بدأ فيها تأثير الثقافة المصرية في وجدان المغاربة يتضاءل وتخفت حدته، نتيجة التطور الذي بدأ يحصل في ثقافات البلدان العربية الأخرى ومنها الثقافة المغربية التي لم تعد هامشية تكتفي بالتلقي، بل باتت تفرض هويتها وتستقطب اهتمام الآخر سواء أكان عربيا أم أجنبيا. فصورة مصر في خيال المغاربة هي الصورة التي انطبعت في الوجدان نتيجة القيم الرفيعة التي رسختها الإبداعات المصرية في مختلف المجالات. وتكمن فاعلية هذه الصورة في أنها نجحت في خلق جاذبية نحو هذا البلد بغض النظر عن مطابقة هذه الصورة للواقع أو مجافاتها له.
* تتلمذت على يد الدكتور سيد البحراوي... ما الذي يتبقى من علاقتك بهذا الناقد المصري الراحل؟
- سيد البحراوي كان أستاذي بالمعنى الحقيقي، وكان صديقا فتح لي بيته الذي كنت أزوره فيه سواء لمناقشة بعض ما كنت أكتبه من مقالات في بداياتي الأولى في مجال النشر أو مناقشة رسالتي للماجستير أو حضور صالونه الثقافي الذي كان يقيمه مع زوجته المرحومة أمينة رشيد يستضيفان فيه شخصيات ثقافية متنوعة. بعد عودتي للمغرب انقطعت علاقتي بمصر لفترة طويلة ثم عاودني الحنين عندما شعرت برغبة جارفة للسفر إلى القاهرة والمشاركة في أجوائها العلمية التي كانت تستقطب مثقفي العالم العربي بأسره. في 2006 وجهت له باسم فرقة البلاغة واتحاد كتاب المغرب دعوة لزيارة تطوان في نشاطين ثقافيين أولهما إلقاء محاضرة في الكلية ومناقشة أعماله الإبداعية. ثانيا إلقاء محاضرة باعتباره ضيف شرف إحدى دورات عيد الكتاب. وابتداء من هذه السنة تجددت علاقتنا حتى رحيله رحمه الله.
* ما السر وراء التفوق المغربي في السنوات الأخيرة بمجال النقد والتنظير حتى إن قوائم الفائزين في الجوائز الكبرى لا تكاد تخلو من اسم مغربي؟
- استفادت الجامعة المغربية من جيل الرواد من الجامعيين المغاربة الذين تتلمذوا على أساتذة مرموقين درسوا بالمغرب سواء أكانوا وافدين من المشرق أم من أوروبا، كما استفادت من متابعة عديد من طلابها دراساتهم بفرنسا. وقد كان لقرب المغرب من أوروبا دور في هذا التفوق في مجال العلوم الإنسانية. فمعظم الباحثين المغاربة حريصون على مواكبة ما ينتج في الغرب في حقول علوم اللغة والخطاب والنقد. لذلك ثمة فرق بين الدراسات النقدية واللغوية في المغرب وتونس وبين غيرهما في البلاد العربية.
* ما الذي يعنيه لك فوزك بجائزتي «فيصل العالمية» و«الشيخ زايد للكتاب»؟
- لقد ساعدتني هذه الجوائز في التعريف بتصوري ومشروعي على نطاق واسع، كما منحت لطلابي جرعات إضافية من التحفيز لمواصلة الطريق. والأهم من كل ذلك أن انحيازي إلى البلاغة في بدايات حياتي العلمية، لم يكن مجرد رد فعل عاطفي ضد سطوة المناهج الغربية، بل كان اختيارا علميا صائبا.
* كانت مفاجأة لي أنك تبدو منحازا لما يمكن تسميته «النقد الانطباعي» الذي يقدم قراءات ومراجعات للأعمال الإبداعية في الصحف ووسائل الإعلام ولا تبدو متحمسا للنقد الأكاديمي المنهجي المتخصص الذي يفترض أنك تنتمي إليه؟ لأن ما يطلق عليه «النقد الصحافي» متهم دوما بالتعجل والتبسيط الشديد حتى الإخلال بالمعنى بسبب مخاطبته القارئ غير المتخصص؟
- ما أعنيه هنا، أنني كنت أنتقد الممارسة النقدية التي يضطلع بها بعض «النقاد» الذين يفتقدون الموهبة والثقافة والخبرة التي تؤهلهم لمحاورة الأعمال الأدبية؛ فيكتفون بترديد المقولات النظرية على أعتاب هذه الأعمال التي تظل أبوابها موصدة في وجوههم. فالدراسات الأدبية لها مكانها في البحث العلمي والجامعي وهي تتوجه إلى متلق متخصص، وأما الممارسة النقدية الأدبية فهي جزء من الحياة الثقافية وتتوجه إلى القارئ العام. وهي ممارسة مبنية على خبرة وليست انطباعية. نقد الأعمال الأدبية ممارسة خاصة تقتضي كفاية وموهبة وخبرة جمالية عميقة ولأجل ذلك لم يعد هذا الناقد موجودا في حياتنا الثقافية، واستبدلناه من خلال ناقد مشوه؛ لا هو بالدارس المتخصص ولا هو بالناقد المثقف القادر على الإمساك بمكامن الجمال في العمل المنقود.
ما أتطلع إليه الآن هو تعميق مشروعي البلاغي بالرجوع إلى التراث الذي وضعت به أولى خطواتي على طريق البحث العلمي برسالة الماجستير عن «نظرية ابن جني في لغة الشعر» بإشراف المرحوم الناقد المصري القدير الدكتور عبد المنعم تليمة.



ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».