محمد مشبال: الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة

الأكاديمي المغربي يرى أن قرب بلاده من أوروبا لعب دوراً في تفوقها بالعلوم الإنسانية

محمد مشبال
محمد مشبال
TT

محمد مشبال: الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة

محمد مشبال
محمد مشبال

يستند الناقد الأكاديمي المغربي محمد مشبال في دراساته النقدية إلى تراث البلاغة العربية وتجلياتها في أعمال المبدعين الأول الرواد أمثال الجاحظ وابن جني، ويفسر انجذابه لها بالتقائها مع المناهج النقدية الحديثة في اهتمامها بتقنيات النص الأدبي؛ مضيفا إلى ذلك دافعا آخر هو أن «تفرض الثقافة العربية هويتها - في زحمة المناهج الوافدة من الغرب». ويتركز مشروعه على تفكيك البلاغة العربية القديمة وإعادة تركيبها في سياق معاصر. ومن أبرز مؤلفات مشبال «أسرار النقد الأدبي»، و«مقولات بلاغية في تحليل الشعر»، و«البلاغة والخطاب»، و«خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ». حصل مشبال على عدد من الجوائز الأدبية المهمة منها جائزتا «فيصل العالمية» و«الشيخ زايد للكتاب»... هنا حوار معه حول مؤلفاته ومشروعه النقدي.
* من أول مؤلفاتك «مقولات بلاغية في تحليل الشعر» (1993) حتى كتابك «محاضرات في البلاغة الجديدة» (2021)؛ لماذا تبدو «البلاغة» قاسما مشتركا يتقاطع مع الشعر والرواية والسياسة؟ هل تحولت البلاغة إلى نافذة تطل منها على العالم؟
- تتمثل قيمة البحث العلمي بشكل عام فيما يضيفه الباحثون إلى الحقل الذي يشتغلون فيه، وفي الأسئلة الجديدة التي يثيرونها ويسعون إلى الإجابة عنها. ولقد كان الباحثون المعاصرون في العالم العربي ينظرون إلى البلاغة باعتبارها علما معياريا لا يمتلك سوى قيمة تاريخية ولم يعد قادرا على مواكبة ما يتجدد في الآداب من أساليب ووسائل تعبير جديدة. هذه النظرة التي كان وراءها منظرون غربيون أطلقوا أحكامهم في سياق بحثهم عن بلاغة جديدة أو في سياق انتصارهم لمناهج نقدية جديدة، لم تكن خاطئة كل الخطأ، ولكنها كانت قاسية على البلاغة إذ ألحقت ضررا بالبحث البلاغي العربي؛ فإذا استثنينا التيار التقليدي في البحث البلاغي الذي ظل يسير في طريقه المعتاد غير آبه بما يجري حوله، فإن الممارسة النقدية العربية الحديثة ابتعدت عن البلاغة ابتعادا كليا، ولم تكلف نفسها إعادة النظر في الأحكام الجاهزة التي تلقفتها عن البلاغة من هنا أو هناك. في خضم هذه النظرة الحالكة واليائسة للبلاغة، كتبت كتابي الأول «مقولات بلاغية في تحليل الشعر»؛ وكان كتابا مؤسسا يرسم معالم الطريق الذي ينبغي أن يسلكه البحث البلاغي في ثقافتنا الحديثة، رغم أنني لم أكن أشتغل في سياق ثقافي يساند التصور الذي أسعى إلى تطويره؛ فقد كان سياقا مفتونا بالمناهج النقدية الحديثة التي توالى ظهورها في العالم العربي، ولم يكن ممكنا أن تجد البلاغة موقعا لها في واقع نقدي متعطش لا يريد أن يلتفت إلى الوراء. وكانت لفظة «البلاغة» تختزن كل هذا البغض الذي يكنه المحدثون لما هو قديم وتقليدي. رغم هذا الواقع غير المحفز، أغرتني البلاغة لما كنت ألاحظه من وجوه التلاقي بينها وبين المقاربات النقدية الحديثة التي كانت مهتمة بما هو نصي وشكلي في الأعمال الأدبية، دون أن ألتفت إلى ما كانت تفتقر إليه معظم مؤلفات البلاغة –وخاصة المتأخرة - من أساس نظري كما كان الحال عليه في البدايات مع الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني.
* إذن أين يكمن بالضبط سر انجذابك للبلاغة؟
- يمكنك القول إن أحد الدوافع التي تفسر انجذابي نحو البلاغة هو التقاؤها مع المناهج النقدية الحديثة في اهتمامها بتقنيات النص الأدبي، والدافع الآخر هو رغبة دفينة في أن تفرض الثقافة العربية هويتها - في زحمة المناهج الوافدة من الغرب - بحقل أصيل متجذر في التراث. والدافع الثالث هو اقتناعي بأن التقنيات البلاغية التي رصدها القدماء في الآداب القديمة شعرا ونثرا ما زالت تستعمل من لدن الشعراء والكتاب المعاصرين، ولا يمكن أن تختفي رغم ظهور تقنيات جديدة أفرزتها الأنواع والمنازع الجمالية الجديدة.
وينبغي التنبيه إلى أمر مهم في هذا السياق؛ فبلاغة النصوص لا ينبغي حصرها في التقنيات التي ضبطها علماء البلاغة قديما؛ ما دامت البلاغة تعني من بين ما تعنيه صنعة الكلام سواء أريد بها إحداث المتعة «التخييل» أو إيقاع التصديق «الحجاج»، من المحاججة بفتح الحاء، وهذه الصنعة غير محدودة. ومن ثم كان على الحقل البلاغي أن يوسع من دائرة التقنيات التي ضبطها وحددها، ليصبح حقلا منفتحا على النصوص بدل انغلاقه على تقنيات محددة سلفا.
* هل ثمة بلاغة قديمة وأخرى جديدة؟
- لما كانت البلاغة تعني صنعة الكلام وكانت صنعة الكلام غير محدودة فإن ما يسمى بالبلاغة باعتبارها حقلا علميا يدرس هذه الصنعة، لا يمكن حصره في المنجز البلاغي القديم، فقد رأينا كيف وسع البلاغيون المعاصرون دائرة التقنيات الحجاجية القديمة، وكيف سمحت الصنعات السردية الحديثة بالكشف عن تقنيات بلاغية جديدة. ولا يهم أن هذه التقنيات اكتشفت في حقول أخرى غير البلاغة.
هذا التصور سمح لي بتوسيع مجالات التحليل البلاغي خارج دائرتي الشعر والقرآن اللتين حصر فيهما قديما؛ فإذا كانت البلاغة هي النافذة التي أطل منها على عالم الخطابات، فإن هذه النافذة لم تعد كوة صغيرة كما تصورتها القراءات المتعاقبة للبلاغة، بل نافذة مشرعة ومنفتحة على حقول أخرى.
* لكن ألا ترى أن اهتمامك الشديد بالتنظير جاء على حساب النقد التطبيقي حيث يأخذ عليك كثير من المبدعين عدم الالتفات إلى مؤلفاتهم؟
- يجب أولا التمييز بين وظيفة «البلاغي» من جهة وبين الناقد الأدبي من جهة ثانية؛ فالبلاغي دارس للخطاب يشتغل بالتنظير في المقام الأول ثم يطبق على سبيل تدعيم تصوراته ومفاهيمه، وقد يتحول إلى ناقد أدبي إذا حول ممارسته إلى نقد النصوص الأدبية مبينا أسرارها الجمالية. لست ناقدا أدبيا بهذا المعنى، لأن ذلك يتطلب تفرغا لقراءة الأعمال الأدبية ونشرها في الصحافة، لكن يمكن القول إنني بلاغي ودارس أدبي يحلل النصوص الأدبية والتداولية في ضوء المفاهيم النظرية. وبناء عليه فإن مؤلفاتي مزيج من التنظير والنقد التطبيقي؛ فكتابي «مقولات بلاغية» المشار إليه سابقا لا يخلو من تحليل لنصوص شعرية قديمة وحديثة، وكتبي عن نثر الجاحظ «بلاغة النادرة» و«البلاغة والسرد» و«خطاب الأخلاق والهوية» تطبيقية، وكتابي «في بلاغة الحجاج» يضم تحليلات بلاغية لنصوص مختلفة، وكذلك نجد في كتاب ««البلاغة والرواية» نقدا تطبيقيا للسرد التخييلي والمرجعي. فالحكم الوارد في السؤال على غياب النقد التطبيقي من مؤلفاتي غير دقيق.
* يحتل كتابك «الهوى المصري في خيال المغاربة» موقعا مميزا في سياق تجربتك؛ ترى ما هي أبرز ملامح صورة مصر في انعكاساتها المغربية؟
- الكتاب يرصد صورة مصر في خيال كتاب مغاربة عاشوا فترة من حياتهم في مصر أو عاشت مصر في وجدانهم من خلال تلقيهم للخطابات الأدبية والفنية والسياسية والدينية التي أنتجها المصريون منذ عصر النهضة حتى فترة الثمانينات؛ وهي الفترة التي بدأ فيها تأثير الثقافة المصرية في وجدان المغاربة يتضاءل وتخفت حدته، نتيجة التطور الذي بدأ يحصل في ثقافات البلدان العربية الأخرى ومنها الثقافة المغربية التي لم تعد هامشية تكتفي بالتلقي، بل باتت تفرض هويتها وتستقطب اهتمام الآخر سواء أكان عربيا أم أجنبيا. فصورة مصر في خيال المغاربة هي الصورة التي انطبعت في الوجدان نتيجة القيم الرفيعة التي رسختها الإبداعات المصرية في مختلف المجالات. وتكمن فاعلية هذه الصورة في أنها نجحت في خلق جاذبية نحو هذا البلد بغض النظر عن مطابقة هذه الصورة للواقع أو مجافاتها له.
* تتلمذت على يد الدكتور سيد البحراوي... ما الذي يتبقى من علاقتك بهذا الناقد المصري الراحل؟
- سيد البحراوي كان أستاذي بالمعنى الحقيقي، وكان صديقا فتح لي بيته الذي كنت أزوره فيه سواء لمناقشة بعض ما كنت أكتبه من مقالات في بداياتي الأولى في مجال النشر أو مناقشة رسالتي للماجستير أو حضور صالونه الثقافي الذي كان يقيمه مع زوجته المرحومة أمينة رشيد يستضيفان فيه شخصيات ثقافية متنوعة. بعد عودتي للمغرب انقطعت علاقتي بمصر لفترة طويلة ثم عاودني الحنين عندما شعرت برغبة جارفة للسفر إلى القاهرة والمشاركة في أجوائها العلمية التي كانت تستقطب مثقفي العالم العربي بأسره. في 2006 وجهت له باسم فرقة البلاغة واتحاد كتاب المغرب دعوة لزيارة تطوان في نشاطين ثقافيين أولهما إلقاء محاضرة في الكلية ومناقشة أعماله الإبداعية. ثانيا إلقاء محاضرة باعتباره ضيف شرف إحدى دورات عيد الكتاب. وابتداء من هذه السنة تجددت علاقتنا حتى رحيله رحمه الله.
* ما السر وراء التفوق المغربي في السنوات الأخيرة بمجال النقد والتنظير حتى إن قوائم الفائزين في الجوائز الكبرى لا تكاد تخلو من اسم مغربي؟
- استفادت الجامعة المغربية من جيل الرواد من الجامعيين المغاربة الذين تتلمذوا على أساتذة مرموقين درسوا بالمغرب سواء أكانوا وافدين من المشرق أم من أوروبا، كما استفادت من متابعة عديد من طلابها دراساتهم بفرنسا. وقد كان لقرب المغرب من أوروبا دور في هذا التفوق في مجال العلوم الإنسانية. فمعظم الباحثين المغاربة حريصون على مواكبة ما ينتج في الغرب في حقول علوم اللغة والخطاب والنقد. لذلك ثمة فرق بين الدراسات النقدية واللغوية في المغرب وتونس وبين غيرهما في البلاد العربية.
* ما الذي يعنيه لك فوزك بجائزتي «فيصل العالمية» و«الشيخ زايد للكتاب»؟
- لقد ساعدتني هذه الجوائز في التعريف بتصوري ومشروعي على نطاق واسع، كما منحت لطلابي جرعات إضافية من التحفيز لمواصلة الطريق. والأهم من كل ذلك أن انحيازي إلى البلاغة في بدايات حياتي العلمية، لم يكن مجرد رد فعل عاطفي ضد سطوة المناهج الغربية، بل كان اختيارا علميا صائبا.
* كانت مفاجأة لي أنك تبدو منحازا لما يمكن تسميته «النقد الانطباعي» الذي يقدم قراءات ومراجعات للأعمال الإبداعية في الصحف ووسائل الإعلام ولا تبدو متحمسا للنقد الأكاديمي المنهجي المتخصص الذي يفترض أنك تنتمي إليه؟ لأن ما يطلق عليه «النقد الصحافي» متهم دوما بالتعجل والتبسيط الشديد حتى الإخلال بالمعنى بسبب مخاطبته القارئ غير المتخصص؟
- ما أعنيه هنا، أنني كنت أنتقد الممارسة النقدية التي يضطلع بها بعض «النقاد» الذين يفتقدون الموهبة والثقافة والخبرة التي تؤهلهم لمحاورة الأعمال الأدبية؛ فيكتفون بترديد المقولات النظرية على أعتاب هذه الأعمال التي تظل أبوابها موصدة في وجوههم. فالدراسات الأدبية لها مكانها في البحث العلمي والجامعي وهي تتوجه إلى متلق متخصص، وأما الممارسة النقدية الأدبية فهي جزء من الحياة الثقافية وتتوجه إلى القارئ العام. وهي ممارسة مبنية على خبرة وليست انطباعية. نقد الأعمال الأدبية ممارسة خاصة تقتضي كفاية وموهبة وخبرة جمالية عميقة ولأجل ذلك لم يعد هذا الناقد موجودا في حياتنا الثقافية، واستبدلناه من خلال ناقد مشوه؛ لا هو بالدارس المتخصص ولا هو بالناقد المثقف القادر على الإمساك بمكامن الجمال في العمل المنقود.
ما أتطلع إليه الآن هو تعميق مشروعي البلاغي بالرجوع إلى التراث الذي وضعت به أولى خطواتي على طريق البحث العلمي برسالة الماجستير عن «نظرية ابن جني في لغة الشعر» بإشراف المرحوم الناقد المصري القدير الدكتور عبد المنعم تليمة.



«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
TT

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، كما جرت العادة، «النادي الثقافي العربي». لكن هذه المرة، النادي وبعد سنوات من الانقسامات، يعود للتعاون مع «نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين»، وينضم إليهما «المعهد الفرنسي» ببرنامج وازن، وتشاركها «الجامعة الأميركية» في بيروت، التي كانت قد شهدت في حرمها انعقاد أول معرض لبناني في أبريل (نيسان) عام 1956، بل كان أول معرض عربي للكتاب، حقق نجاحات مشجعة. من يومها صارت المناسبة سنوية، وانطلقت في منطقتنا معارض الكتب. لهذا استحق لقب: «عميد معارض الكتب العربية».

بعد خلافات وسجالات طوال، ها هي بيروت تنعم بمعرض موحد للكتاب، يجتمع فيه المختلفون، على مشاربهم، بمبادرة من وزير الثقافة غسان سلامة. هؤلاء فرقتهم قضايا كثيرة لكن الكتاب جمعهم تحت سقف «سيسايد أرينا» على الواجهة البحرية للعاصمة، وذلك من التاسع حتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

يتضمن برنامج المعرض أكثر من 95 ندوة وجلسة حوارية بمشاركة 280 شخصية فكرية وأدبية، ويحتفي بشخصيات مثل كمال جنبلاط، وأحمد قعبور، وصبحي الصالح، وغسان تويني، وشوشو، وآخرين. تخصص مساحات للشباب، والرسم وفن الغرافيتي، والموسيقى التي تعود إلى رحابه. من بين أبرز المشاركين العرب في المعرض: الروائي واسيني الأعرج الذي يوقع «الريميتي... أناشيد الجمر والنار»، ورشيد الضعيف، ونجوى بركات توقّع «غيبة مي»، وتتحدث عن «كيف تكتب الرواية؟»، والحبيب السالمي يوقّع «أيتها القبرّة».

بالتزامن مع انعقاد المعرض فإن عشرات المؤلفات ابصرت النور، وستشهد الأجنحة حفلات توقيع بالجملة، في أجواء احتفالية جامعة، حيث تنشط كل دار، لتنظيم برنامجها الخاص، بالتوازي مع البرنامج العام للمعرض.

وتشهد هذه الدورة مشاركة واسعة تتجاوز مائة وثلاثة وستين دارَ نشرٍ، بينها ثلاث وعشرون داراً عربيةً. وهي المرة الأولى منذ عدة سنوات التي يجتمع فيها الكتاب الفرنسي مع العربي في معرض واحد.

الناشرة رشا الأمير صاحبة «دار الجديد» التي لا تزال تجد أن الاشتراك في معرض بيروت مكلف نسبةً إلى المبيع المحتمل، وجدت الحل الأنسب بالاشتراك مع مكتبة صديقة هي «الحلبي»، للتخفيف من الأعباء. وهي ليست الوحيدة التي لجأت إلى هذه الوسيلة.

وتقول الأمير إنها سعيدة بتأمين رعاة لهذا المعرض، وإن كل الجهات اتفقت أخيراً واجتمعت في معرض واحد. وتضيف: «نحن منذ زمن بعيد ندعو لمعرض يتحاور فيه المختلفون، وتتمثل فيه إلى جانب العربية، كل اللغات، الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والكردية، ولغات أخرى». بالنسبة لصاحبة «دار الجديد» حين يكون البلد متعدداً يجب أن يكون معرض الكتاب على مثاله. «كنا ذات يوم قد دعونا كل الأطراف المنظمة لمعارض الكتب إلى ما سميناه (المقرأ). وهو اجتماع طالبنا خلاله بمعرض مختلف عن كل المعارض الأخرى، لأن بيروت لديها إمكانات كبرى وتعددية في اللغات والنشر والطباعة والصحافة. هذا هو دور بيروت الفعلي، لأنها منفتحة على العالم وفيها حرية. ما يتحقق الآن، هو جزء مما حلمنا به».

وتختم: «جيد أن يكون هناك معرض واحد له صدى وتأثير، بدل معارض ضعيفة. وهناك ندوات وأغانٍ، وموسيقى. أما المشهد العام فهو (كوكتيل) مفتوح، يلتقي فيه الناس. هذا شيء مفيد بحد ذاته، وربما اشترى الرواد بهذه المناسبة كتباً يقرأونها أو لا، لسنا ندري».

برنامج المعرض حافل، فيه الموسيقى، حيث تغني في حفل الافتتاح ريما خشيش، يرافقها على البيانو خوان رودريغيز. وفي اليوم التالي تُعقد ندوة عن «الرؤيوي كمال جنبلاط» بمشاركة نخبة من الباحثين، إلى جانب ندوات عن «شغف» للموسيقار عابد عازرية بحوار مع الإعلامي زاهي وهبي، وعن كتاب «رئيس الجمهورية اللبنانية: الموقع والدور»، و«عن الكتابة الإبداعية وأدب الغد» مع الكاتب عبد الرحمن جاسم. ويضم اليوم كذلك لقاءً بالفرنسية حول كتاب عن غزة.

وضمن البرنامج جلسة حول «ثلاثية رشيد الضعيف الأخيرة وإعادة تشكيل الأسطورة»، وندوة عن «رؤية موريس الجميل وتنميته»، وجلسة مع الروائي واسيني الأعرج بعنوان «التاريخ والحكاية»، وأخرى عن مذكرات مروان حمادة «لبنان عسل ودم... رحلتي في الصحافة والسياسة». وثمة محاضرة للدكتور جورج حداد عنوانها «الطب يقرأ الفن: جولة طبيب في قاعات المتاحف»، وحوار مع الفنان عادل كرم. وتُطرح أسئلة عن الجوائز وأثرها في الأدب بمشاركة واسيني الأعرج وجلال برجس. وتُستحضر ذاكرة بيروت عبر «مقهى الهورس شو» في شارع الحمراء، وجلسة عن تاريخ «دار الآداب» تتحدث فيها رنا إدريس بوصفها ناشرة، بمناسبة مرور 70 سنة على تأسيسها. وضمن البرنامج أمسيات شعرية عديدة. وميزة البرنامج أنه متنوع؛ يطول الطب والموسيقى والسير والتاريخ والنشر، كما الرواية والسياسة والاقتصاد.

والجديد هذه السنة هو انضمام «المعهد الثقافي الفرنسي» إلى معرض الكتاب العربي واضعاً إمكانات كبيرة، من أجل إنجاح المناسبة. وتحل المكتبات بدل دور النشر الفرنسية التي لم تعد تحضر إلى بيروت، كما كان الحال سابقاً. إنما تحاول المكتبات أن تعرض أحدث الإنتاجات وأهمها.

وعمل «المعهد الفرنسي» على تنظيم برنامج ثري واستقدم أدباء وفنانين ضمن برنامجه الذي كان يحتفي فيه إما في معرض خاص أو بما سماه، منذ أربع سنوات بعد تغيير الصيغة، «بيروت كتب»، حيث يحاول أن يجعل أنشطته موزعة في مناطق عدة. وتذهب الكتب والأنشطة إلى القراء حيث هم، من خلال شبكة فروع المعهد الفرنسي في لبنان. وتنظم هذه السنة لقاءات وورش عمل في جونية ودير القمر وطرابلس وزحلة إضافةً إلى بيروت.

ويحتل الشباب مكانة أساسية على امتداد الأيام العشرة، من خلال ورش للكتابة والرسم، وقراءات تفاعلية، ولقاءات مع الكتّاب والرسامين، وأنشطة حول القصص المصوّرة، وألعاب ومواعيد صُمّمت خصيصاً للقرّاء. ويشكّل الجناح المشترك للمعهد الفرنسي في لبنان والمعهد الفرنسي للشرق الأدنى، مساحة نابضة باللقاءات والنقاشات وحفلات توقيع الكتب.

يتضمن برنامج المعرض أكثر من 95 ندوة وجلسة حوارية بمشاركة 280 شخصية فكرية وأدبية

يستضيف البرنامج الفرنسي أكثر من 40 كاتباً ورسّاماً وفناناً من تسعة بلدان، بينهم ريوكو سيكيغوشي وجمانة حداد ودومينيك إدّه وشارل بيربيريان، في لقاءات وطاولات مستديرة وحفلات توقيع وأمسيات شعرية وعروض موسيقية، بالفرنسية والعربية والإنجليزية. وتأتي الدورة بروح متوسطية، ضمن «موسم المتوسط» الذي تنظّمه فرنسا خلال عام 2026.

في الثامن من أكتوبر صباحاً، تُخصص «ربع ساعة وطنية للقراءة» في مختلف أنحاء لبنان بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم العالي تمهيداً للمعرض. ويوم الافتتاح عرض بعنوان «الاسم الضائع» (موسيقى وشعر وسرد) مع ديالا لطيف، وفريد نيفشيه، في المكتبة الشرقية بجامعة القديس يوسف، ويقام النشاط نفسه في طرابلس في معرض رشيد كرامي الدولي في اليوم التالي. وهناك أمسية شعرية مفتوحة بعنوان «حالات النفس» في مقهى-مكتبة «كافيبرايري» في بيروت، بمشاركة ريما عبد المالك وريتا باسيل وغراسيا بجاني وباميلا شرابيه وجمانة حداد ومالينا قاضي وبلانديان رينكل ومحمود وهبة. وفي البرنامج، لقاء حول الترجمة الفرنسية لكتاب «أنا حرّيتي» لناصر أبو سرور، مع رنا إدريس وستيفاني دوجول، بالشراكة مع «المنظمة الدولية للفرنكوفونية» و«مكتبة ستيفان»، في جناح المعهد الفرنسي داخل المعرض. وكذلك يُعرض عمل تركيبي فوتوغرافي بعنوان «أطوي الأرض» للفنانة كاترين كاتاروتسا، يترافق مع قراءة لريوكو سيكيغوشي، في بيت بيروت، وسط العاصمة. «ماذا يستطيع الأدب؟»، عنوان أمسية أدبية وفنية في متحف سرسق، وهناك لقاء مع ألكسندر لينو، الفائز بجائزة القارات الخمس للفرنكوفونية 2026، في المعرض. أما حفل الختام، فموسيقي-تشكيلي بعنوان «وأنت، كيف حالك؟» مع شارل بيربيريان وميشيل ستاندجوفسكي وموسيقى شيفو كيفو، في مدرّج مونتين بالمعهد الفرنسي في بيروت.


الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية
TT

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية؛ إذ تجاوزت مبيعاته 160 ألف نسخة في ظرف 3 أسابيع، وفق أرقام نشرتها مصادر صحافية. غير أن نجاح كنّافو، مهما بدا لافتاً، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حالة منفردة. فخلال الأشهر الأخيرة، غزت واجهات المكتبات الفرنسية مجموعة من المؤلفات السياسية التي وقّعتها شخصيات تنتمي إلى اليمين المتطرف أو تتحرك في مداره الآيديولوجي، محققة أرقام مبيعات لا تُستهان بها في سوق الكتاب، التي تشهد تنافساً محتدماً.

ولفهم دلالة هذه الظاهرة، لا بد من استحضار المسار التاريخي للكتاب السياسي اليميني. فقد كان في نشأته الأولى أقرب إلى المنشور السياسي الموجه إلى النخبة، يُكتب بلغة رصينة، ويُطبع في نسخ محدودة، ويهدف إلى إقناع قارئ مثقف أو إلى تبرير موقف سياسي أمام دائرة ضيقة من المتلقين. لكن مع تحول المشهد الثقافي والإعلامي، وازدياد تأثير وسائل الاتصال الجماهيري، خضع الكتاب السياسي لتحولات عميقة، جعلته ينتقل من كونه أداة إقناع نخبوية إلى كونه منتجاً ثقافياً يُصمَّم بعناية، ويُسوَّق بمنهجية، ويُوزَّع عبر شبكات تجارية واسعة. ويرى باحثون أن هذه التحولات لم تعد تنتمي إلى الزمن الأدبي الطويل، بل إلى إيقاع صحافي سريع؛ فالكتاب السياسي أصبح «يُكتب ويُنشر ويُسوَّق في أسابيع قليلة»، ثم تتعاقب عليه العناوين الجديدة، فلا يبقى منه إلا أثر عابر في الذاكرة الثقافية. فرانسوا أنييك، المسؤول في الاتحاد المهني للناشرين والكتاب، ذهب إلى أبعد من ذلك، واصفاً إياه بأنه «كتاب ذو استهلاك سريع، غالباً ما يكتبه آخرون، ويختفي بعد 6 أشهر».

وفي صدارة هذه الشخصيات التي تسجل كتبها إقبالاً جماهيرياً يأتي جوردان بارديلا، رئيس التجمع الوطني، الذي حقق كتاباه نحو 320 ألف نسخة مجتمعين. فكتابه الأول «ما أبحث عنه» تجاوز 200 ألف نسخة، فيما اقترب كتابه الثاني «ما يريده الفرنسيون» من 100 ألف نسخة في أسابيع قليلة من صدوره. أما فيليب دو فيلييه، مؤسس حزب «الحركة من أجل فرنسا»، وأحد أبرز وجوه اليمين السيادي والمحافظ في فرنسا، فقد واصل ترسيخ حضوره في سوق الكتاب السياسي؛ إذ تجاوزت مبيعات كتابيه الأخيرين «إبادة الشعب» و«إبادة الذاكرة» 400 ألف نسخة مجتمعين، وفق تقديرات «منصة إدستات» لإحصاءات النشر. ولا يغيب إريك زيمور، الزعيم الحالي لحزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، عن هذه الصورة، فكتابه الأخير «القدّاس لم ينته بعد» حقّق نحو 70 ألف نسخة. وعلى الرغم من أن نيكولا ساركوزي لا ينتمي رسمياً إلى اليمين المتطرف، فإن مواقفه الأخيرة قاربته من خطاب اليمين المتشّدد. وكتابه «يوميات سجين»، الذي صدر في خريف 2025، حقق مبيعات تجاوزت 140 ألف نسخة.

ولعل أحد أسرار الإقبال على هذه الكتب يكمن في قدرتها على تحويل الحجّة السياسية إلى حكاية إنسانية قابلة للتداول. فالعناوين نفسها تؤدي وظيفة درامية واضحة: «نهب القرن»، «إبادة الشعب»، «إبادة الذاكرة»، «يوميات سجين». كلها عناوين لا تقدم فكرة بقدر ما تفتح مشهداً صراعياً، ففي هذه الكتب هناك ظالم وضحية، ومتهمون، ومحكمة، وشعب مهدد بالاختفاء. وفي حالة سارة كنّافو، لا يُقدّم الكتاب برنامجاً اقتصادياً تقنياً، بل تحقيقاً قضائياً في نهب الدولة للمواطن. فالراتب، والضرائب، والتقاعد، وأوروبا، تتحول جميعاً إلى عناصر في ملف اتهام. وتزداد فاعلية هذا الأسلوب حين تُترجم الأرقام المجردة إلى شخصية روائية، حيث نجد في فصول الكتاب شخصية «نيكولا»، الموظف المتوسط الذي يُقال إنه خسر أكثر من مليون يورو على امتداد مساره المهني. وهذه الشخصية الوهمية تمنح الحجّة الاقتصادية جسداً ووجهاً وسيرة.

لكن ما يمنح هذه الكتب وحدتها الثقافية ليست العناوين فقط، بل المعجم الذي تبنيه، والموضوعات التي تتكرر فيها عبر الحدود الوطنية. فإذا أمعنا النظر في قاموس هذه المؤلفات، وجدنا أنها تدور حول مفردات قليلة، لكنها تتميز بكثافة عاطفية شديدة: الشعب، الخيانة، الذاكرة، الحدود، الغزو، النهضة، الانحطاط، الاستعادة. كلمة «الشعب» لا تُستعمل هنا باعتبارها مفهوماً اجتماعياً متنوعاً، بل بوصفها كتلة أخلاقية متجانسة تُقابل بـ«النخبة» أو «الطبقة الحاكمة». و«الذاكرة» لا تشير إلى التاريخ فقط، بل تتحول إلى سلاح ضد الحاضر، كما في كتاب فيليب دو فيلييه «إبادة الذاكرة»، الذي يصوّر فرنسا بوصفها أمة فقدت جذورها. أما «النهب» و«الخيانة» فتضفيان على الخلاف السياسي طابعاً قضائياً وأخلاقياً، بحيث يتحول الخصم من منافس فكري إلى متهم، ويتحول القارئ من متلقٍ إلى شاهد أو ضحية.

تتقاطع هذه المفردات مع موضوعات متكررة تجعل من هذه الكتب نصوصاً ثقافية أكثر منها برامج سياسية. فأولاً، ثمة هوس بالضرائب والإنفاق العام، كما في كتاب كنّافو الذي يحول الدولة إلى جهاز جشع يستنزف جهد المواطن. ثانياً، الهجرة والهوية والحدود، التي تظهر في كتاب رونو كامو «الاستبدال العظيم» وإريك زيمور «الانتحار الفرنسي». ثم الذاكرة الوطنية والخوف من محو التاريخ، وهو موضوع يجمع دو فيلييه وبارديلا في تصويرهما لفرنسا كأمة مهدّدة بالذوبان. وهناك أيضاً الهجوم على النخب والمؤسسات. ثم التركيز على فقدان الأمن وانتشار الجريمة، اللذين يتحولان إلى علامات على فقدان السيطرة والدفاع عن الأسرة التقليدية والقيم المحافظة. وأخيراً بناء صورة الزعيم بوصفه ضحية أو منقذاً، كما في «يوميات سجين» لساركوزي، أو في صورة بارديلا الشاب الذي يستعد حسب كتاباته لإنقاذ الأمة.

بهذا المعنى، لا تعمل اللغة في هذه الكتب بوصفها وسيلة نقل للأفكار فقط، بل بوصفها جهازاً لتكوين جماعة ثقافية تتقاسم الإحساس بالخطر والحنين إلى ماضٍ متخيل. فالقارئ لا يشتري نصاً سياسياً فحسب، بل ينخرط في عالم رمزي كامل: تاريخ وطني مهدد، شعب مسلوب، نخبة خائنة، زعيم مضطهد، عودة موعودة إلى زمن يُقدَّم باعتباره أكثر صفاءً واستقراراً.

ولا يمكن فهم هذه المبيعات الاستثنائية رغم أزمة قطاع النشر من دون النظر إلى البنية الاقتصادية والإعلامية التي تحملها. فعدد كبير من هذه الكتب صدر عن دار فايار، التابعة لمجموعة يتحكم فيها رجل الأعمال فنسان بولوريه، الذي تثير توجهاته الإعلامية والسياسية جدلاً واسعاً. وترتبط هذه المنظومة بوسائل إعلام كثيرة. هنا لا يعود الكتاب منتجاً منفصلاً عن بقية السوق، بل يصبح جزءاً من سلسلة متكاملة: دار نشر، وتوزيع، وواجهات بيع، وبرامج تلفزيونية، وإذاعات، ومقالات، ومقاطع على شبكات التواصل. وقد لخّصت إذاعة فرنسا الدولية الآلية بالقول إن الكتاب المنشور لدى مجموعة كبرى يحظى بتوزيع أوسع وترويج أكبر، ما يؤدي بالتالي إلى مبيعات أعلى. ويذهب مؤرخ الإعلام ألكسيس لوفرييه إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن نجاح هذه النوعية من الكتب السياسية مدعوم باستخدام علامات إعلامية معروفة بوصفها منصات لتطبيع أفكار اليمين المتطرف.

ولا تقتصر الظاهرة على فرنسا. ففي الولايات المتحدة، يتصدر فيكتور ديفيس هانسون قائمة «نيويورك تايمز» لأكثر الكتب غير الروائية مبيعاً بكتابه «الثورة المضادة: سقوط وصعود دونالد ترمب وحركة ماغا»، الذي يقدمه كرواية ثقافية عن «ثورة مضادة» ضد الهيمنة الليبرالية على المؤسسات الأميركية. وفي إيطاليا، حقق الجنرال المتقاعد روبرتو فانّاتشي نجاحاً استثنائياً بكتابه «العالم بالمقلوب»، الذي صدر عام 2023، وبيع منه نحو 240 ألف نسخة في بضعة أشهر، ليتحول إلى منصة إطلاق سياسي لصاحبه الذي ترشح لاحقاً للانتخابات الأوروبية على قائمة حزب «الرابطة» اليميني المتطرف.

الأهم في هذه الظاهرة ليس الرواج التجاري والشعبي فقط، بل الكشف عن حقيقة مقلقة، وهي أن خطاب اليمين المتطرف لم يعد هامشياً في سوق الكتاب الفرنسي، وأنه نجح في الانتقال من منشورات حزبية محدودة التوزيع إلى منتجات ثقافية واسعة الانتشار، مدعومة بشبكات إعلامية وتجارية قادرة على تحويل السياسي إلى نجم، والكتاب إلى حدث، والجدل إلى مبيعات.


«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
TT

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين (مريم) و(عبدو) على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع. هي ليست نقاشاتٍ زَوجيّة اعتياديّة، بل تشريحٌ لخيباتٍ تَراكمت بفِعل التمسّك بالعقائد الحزبيّة وبالقضايا الوطنيّة الكبرى.

لا تريد رواية «بيجو 504» لكاتبها عفيف دياب، الغوص في يوميّات الجنوب تحت القصف والاحتلال ولا تصوير الدمار المتعاقب عليه منذ أجيال، بِقَدر ما تبغي طرح الانعكاسات الإنسانية لتلك الأحداث، وذلك من خلال عائلةٍ في حالة غليانٍ دائم.

تنطلق أحداث «بيجو 504»، وهي الرواية الأولى في رصيد الصحافي اللبناني، من أواخر ستينات القرن الماضي وتنتهي مطلع الثمانينات، موثقة ما دار ما بين نكسة يونيو (حزيران) 1967 واجتياح بيروت عام 1982، لكنها لا تستقي من التاريخ والأحداث الميدانية، بل من شهادات أبناء المنطقة الحدوديّة، التي أمضى دياب شطراً كبيراً من عمره وهو يجمعها أو يحفظها في ذاكرته. وعندما حلّ أوانُ سكبها على الورق، اختار الراوي أبطالاً عاديين، هم أبناء الجنوب الذين آمنوا لبُرهةٍ بأنّ عشقَ الأرض كافٍ لإنقاذها من أنياب العدوّ.

الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982

كان ذلك هو زمنُ الأحزاب العلمانيّة التي رفعَت، كلٌ على طريقتها، البندقيّة في وجه المُحتلّ الإسرائيلي. كانت شخصية مريم في الرواية تميل إلى أحد تلك الأحزاب اليساريّة، بينما ينتمي زوجها عبدو إلى حزبٍ عروبيّ ذي آيديولوجيا مختلفة.

وعلى خلفيّة تَقَدُّم الإسرائيليين باتّجاه القرية، ودَكّ بيوتها واحداً تلو الآخر، ترتفع النقاشات بين الزوجَين من دون أن تتحوّل إلى خلافات. يُحصّنها ضدّ ذلك كمٌ كبير من الوعي والحب والنقد الذاتي الممهور بنبرةٍ تهكّميّة. بلغَ عبدو ومريم ما يكفي من الخيبة، كي يُدركا أنّ البقاء باتَ مُحالاً. لكن كان قرار الرحيل من القرية يؤخره التعلُّق بالأرض، فمريم تشعر وكأنّ جذورها قد تنسلخ، إن هي ابتعدت عن شجرة الأكاسيا المغروسة في الحديقة. أما عبدو، الذي كان يحمل الطعام إلى الجبال الوعرة والمَغاور حيث المقاومون، فمتشبّثٌ بأطراف الحلم، بالرغم من معرفته أنه سيفلت من بين أصابعه لا محالة:

«صارت الأرض أصغر من حبّة زيتون والبلاد تحفر قبور موتاها»، «بلادُنا سفينة مثقوبة»، «البلاد تتقاتل ولن أُنجب لمطحنة الموت»... هي بعض عبارات الخيبة التي تَرِد على ألسِنة الشخصيات ممهّدةً للرحيل أو التهجير.

بدأ دياب العمل على مشروع الرواية منذ 2005 (الشرق الأوسط)

لا يسمّي دياب القرية الحدوديّة، لأنّ حالها حالُ قرىً جنوبيّة كثيرة شهدت الأحداث ذاتها وما زالت، واختبرت نفس المعاناة، وبلغ ناسُها من مرارة الواقع ما بلغَهُ مريم وعبدو وسائر شخصيات «بيجو 504». من بين هؤلاء الجارة «أم وليد» التي حمل زوجها البندقيّة متّجهاً صوب فلسطين ولم يَعُد. و«سعدى» والدة عبدو التي انتظرت حبَها عُمراً، ويوم رجع أخذه الموت منها سريعاً، ثمّ هدّم العدوّ دارها وهي آخرُ ذكرى لها منه. ولـ«راجي» شقيق مريم خيباتُه السياسية والعقائدية التي تدفعُه إلى الهجرة النهائية من الوطن. أما «رامز» شقيقُها الثاني فهو قلبُ الحكاية النابض والنازف، وأحد رموزها الأساسيين على هيئةِ طبيبٍ تَخرّج من الاتحاد السوفياتي ثم عاد ليُداويَ جروح المقاومين على جبهة القتال ضد إسرائيل.

بموازاة الأبطال العاديّين في الرواية، يسير أبطالٌ غيرُ اعتياديّين، ليست أسماؤهم غريبةً على القارئ. في إحدى الليالي، نرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيت عبدو حيث يلجأ للتخفّي من الإسرائيليين. وتعود إطلالات عرفات لتتكرّر في الكتاب، وذلك في إطار مهمّاته التي كانت تقوده إلى الجنوب مطلع السبعينيات، وقد استقى الكاتب ذلك من وقائع حدثت فعلاً.

توثّق الرواية كذلك لنقاشاتٍ فكريّة وسياسية محتدمة دارت بين الشخصيات وبين قائدٍ فلسطيني آخر هو جورج حبش. ولقصر المختارة وسيّدِه وليد جنبلاط كذلك حصةٌ من السَرد والأحداث التي تمزج ما بين الواقعي والمتخيّل.

وحده نظام الأسد لا يُسَمّى بالاسم رغم كونه محوراً أساسياً يرمز إليه عنوان الرواية. «بيجو 504» هو طراز السيارات التي كان يتنقّل فيها عناصر الاستخبارات السوريّة جنوباً، مثيرين القلق في صفوف المقاومة اليساريّة. وهذا ما يحصل مع عبدو الذي يرفض المساومة رغم كل ما يتعرّض له من مضايقات وتحقيقات على أيدي ضبّاط «دولة القيادة العليا».

ولعلّ أكثر فصول تلك العلاقة الملتبسة بينه وبين النظام السوري حبساً للأنفاس، فصلُ الكلاشنيكوف. في موقفٍ مُذلٍّ لعبدو، يُصرّ ضبّاط النظام على استرجاع البندقيّة التي كانوا قد منحوه إياها بهدفِ مقاومة العدوّ. في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر ومسيّجة بالرُكام، كانت مريم قد وجدت نفسها مضطرّةً إلى العودة إلى القرية المدمّرة والواقعة تحت النيران الإسرائيلية، من أجل البحث عن الكلاشنيكوف بين حُطام بيت عائلة زوجها.

يوقّع دياب روايته في الـ16 من الشهر الجاري في معرض بيروت للكتاب (إنستغرام)

ترسم رواية «بيجو 504» المرأةَ الجنوبيّة بملامحها الحقيقيّة. من خلال مريم وسائر الشخصيات الأنثوية، يستعيد دياب وجوه النساء اللواتي تربّى في كنفهنّ. هنّ أمّهات وجدّات كنّ يقُدن المظاهرات ضدّ إسرائيل وينقلن السلاح والطعام إلى المقاومين. يحرص دياب على تظهير صورة المرأة الجنوبية المثابرة والمناضلة والساعية للعلم والرافضة للقمع. فكلّ شخصيات الرواية يملكن حساً إنسانياً عالياً يتفوّق على ذكوريّة الرجل، ويفرض رومانسية شاعريّة على العلاقة الزوجية.

لكن وحدَها مريم بلغت أقصى درجات الواقعيّة فأدركت باكراً عبث الحرب والقضايا الكبرى، وفضّلت الانشغال بالقراءة وبتربية ابنها.

بأسلوبٍ أدبيّ يغلب فيه الوصف الأنيق والسرد الإنساني الأحداثَ المحوَريّة، يذهب عفيف دياب بروايته إلى فحواها: من الممكن أن تكون الحياة هانئة بعيداً عن العبث السياسي والحزبي.

رواية «بيجو 504» الصادرة عن «دار الفارابي» صالحةٌ لأيّ أوانٍ جنوبيّ. صحيحٌ أنها توثّق ليوميّاتٍ انقضى عليها أكثر من 45 سنة، إلّا أنّ مأساة الجنوب اللبناني كما هي منذ 1948؛ بما فيها من قتلٍ وتدميرٍ وتهجير وخيباتٍ متراكمة، وحرقٍ للزرع والذكريات والتاريخ.