أبو فاعور: السعودية اتخذت بقيادتها التحالف خيارا شجاعا ومرّا دفاعا عن أمن الوطن العربي

وزير الصحة اللبناني قال في حوار لـ «الشرق الأوسط» إن نظام دمشق سيعود للاغتيالات إذا شعر بالراحة

أبو فاعور: السعودية اتخذت بقيادتها التحالف خيارا شجاعا ومرّا دفاعا عن أمن الوطن العربي
TT

أبو فاعور: السعودية اتخذت بقيادتها التحالف خيارا شجاعا ومرّا دفاعا عن أمن الوطن العربي

أبو فاعور: السعودية اتخذت بقيادتها التحالف خيارا شجاعا ومرّا دفاعا عن أمن الوطن العربي

رأى وزير الصحة اللبناني وائل أبو فاعور أن قيادة المملكة العربية السعودية عملية «عاصفة الحزم» كانت خيارا شجاعا ومرّا، معتبرا أن هذه العملية ليست دفاعا عن أمن المملكة، فحسب، بل عن أمن الوطن العربي كله، لمنع استمرار استباحة الوطن العربي وبعثرة مجتمعاته وتمزيق الوحدة الوطنية فيه من قبل إيران أو غيرها.
وفي الشأن المحلي اللبناني وارتباطاته السورية، قال الوزير أبو فاعور، وهو أحد أبرز معاوني النائب وليد جنبلاط خلال حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، إن شعور النظام السوري بالراحة في معركته عبر سيطرته على كامل الحدود مع لبنان سيعني عودته للتدخل بالشأن اللبناني سياسيا وعبر الاغتيالات. وشدد أبو فاعور على أن النائب جنبلاط قام بواجباته في موضوع دروز سوريا وشدّد على ضرورة ابتعادهم عن النظام وانحيازهم إلى أبناء بلدهم، مؤكدا في المقابل على أن أي شيء قد يحدث مع دروز سوريا سيبقى في سوريا ولن يمتد إلى لبنان.
وفيما يأتي نص الحوار:

* إلى متى الاستمرار بالفشل في انتخاب رئيس للجمهورية، وما هي محاذيره على لبنان؟
- لا مؤشرات حتى اللحظة تشي بإمكانية انتخاب رئيس للجمهورية، وواضح أن هذا الأمر حتى اللحظة لا أمد زمنيا له، وبالتالي فإن الخوف الأساسي في أن تقودنا هذه الدوامة السياسية التي علقنا بها نتيجة عدم انتخاب رئيس، إلى دوّامة دستورية، بمعنى أن لا يجري انتخاب رئيس جديد للجمهورية إلا وقد دخلنا في دوامة تعديلات دستورية. وحكما أي تعديل دستوري سيكون على حساب «اتفاق الطائف» وعلى حساب مكانة المسيحيين في النظام السياسي، وسيكون على حساب الصيغة اللبنانية التي لطالما حافظنا عليها. لذلك المخاطر لم تعد سياسية عابرة، بل أصبحت مخاطر تتعلق ببنية النظام السياسي في لبنان.
* ومن يمنع انتخاب رئيس؟
- واضح أن هناك تشبثا بترشيح العماد ميشال عون من قبل حلفائه، حزب الله وغيره، رغم علمهم حتى اللحظة أن هذا الأمر لا يستوفي شروط الاتفاق الوطني عليه. وفي الوقت نفسه هناك مرشحون آخرون يتمسكون بترشيحهم وإن كانوا يعلنون أنهم على استعداد للقبول بمرشح وفاقي. رأيي أن المسؤول هو من يرفض حتى اللحظة أن يكون هناك مرشح وفاقي، لأنه أصبح لنا في هذه الدوامة منذ عام 2005 إلى اليوم وأعتقد أنه أصبح هناك خلاصة سياسية للجميع بأن ثمة استعصاء لأي فريق لتحقيق انتصار سياسي على فريق آخر. وبالتالي، هذا يقود إلى خلاصة أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون رئيسا وفاقيا، وللأسف حتى اللحظة لا إقرار بهذا الأمر.
* إذا كان الزعيم المسلم الأقوى في المناصب التي يسمح له بتوليها؟ لماذا لا يمكن أن يكون الرئيس المسيحي الأقوى على رأس جمهوريته؟
- لا أحد يمكن أن ينكر حيثية العماد عون الوطنية والشعبية والتمثيلية، لكن رئيس الجمهورية - (وهو رئيسٌ فرد وليس رئيس مجلس كرئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب) - لكل لبنان وليس لفريق من اللبنانيين. طبعا، يجب أن يكون مقبولا مسيحيا، والمشكلة أن هناك انقساما في الرأي العام المسيحي وفي الموقف السياسي المسيحي. ولو كان هناك إجماع مسيحي على مرشح واحد، أو إن كان شبه اتفاق مسيحي على مرشح واحد، لكان النقاش سيختلف، رغم تأكيدي مجددا أن الرئيس لجميع اللبنانيين وليس فقط للمسيحيين.
* هل هو بعد محلي فقط؟
- كلا هناك بعد محلي وبعد غير محلي، فلبنان يوضع في «ثلاجة الانتظار» بانتظار استحقاقات إقليمية ودولية. لا أعرف إذا ما كنا سنتأثر إيجابا بمناخات الحوار الحاصل حول الملف النووي الإيراني وإمساك طهران بعدد من الأوراق في المنطقة.
* الملف السوري يضغط على لبنان بشكل كبير..
- للأسف سوريا أصبحت جزءا من لعبة أكبر، لعبة المصالح والنفوذ بالمنطقة.
* وكيف ينعكس هذا على لبنان؟
- ينعكس سلبا طالما أن هذا الصراع قائم، ويتم تبادل في أوراق النفوذ. طبعا، لبنان خاضع لهذا الملف، وهو رهينة لهذه الانقسامات والصراعات.
* كيف تجد الوضع اللبناني؟
- هناك حالة من السكينة الوطنية، وهناك اتفاق على تجنب تفجير الوضع في لبنان لدرء الفتن وتفادي الأسوأ، مع استمرار الخلاف السياسي الكبير، والذي هو بشكل أساسي حول ما يحصل في سوريا وتورّط أطراف محليين في الصراع الحاصل في سوريا. ولكن ليس هناك من لديه نية بتفجير الوضع الداخلي اللبناني، وأبرز دليل على هذا هو الحوار، «حوار المساكنة» الذي يجري بين حزب الله وتيار «المستقبل».
* أين دوركم ككتلة وسطية؟ في تسهيل الأمور أو تصعيبها في الملف الرئاسي، هل عندكم نواب بما يكفي لتمييل الدّفة لأحد الطرفين؟
- نحن لدينا مرشحنا الأستاذ هنري حلو، وهو مرشح وفاقي وسطي ونعتبره شخصية تستوفي شروط الوفاق بين اللبنانيين، وصوتنا ليس صوتا يغلّب ضفة على أخرى، ولسنا بوارد تغليب فريق على آخر، بل نريد أن تذهب الأمور إلى مرشح وفاقي. لقد قدمنا هذا المرشح الوفاقي، ونأمل أن تدخل هذه الحوارات في الموضوع الأساسي لأنه آن الأوان لذلك، إن كان الحوار الذي يحصل على الضفة الإسلامية بين حزب الله وتيار «المستقبل»، أو على الضفة المسيحية، فلا يجوز أن نناقش في كل القضايا ونتفادى رئاسة الجمهورية لأن الرئاسة هي واحدة من القضايا التي تمثل دلائل نجاح أو فشل الحوار.
* حتى تلك الساعة، الحكومة قادرة على الصمود؟
- أمام الحكومة «مطبّات» كثيرة، منها مسألة التعيينات القادمة للأجهزة الأمنية والعسكرية التي ستكون لاستحقاق كبير واختبار كبير للحكومة، وحتى اللحظة لا يبدو أن أحدا من الأطراف يريد أن يهدم هيكل الحكومة فوق رؤوس ساكنيه.
* بالنسبة للقادة الأمنيين، هل تتجهون لتمديد مهام المرشحين للتقاعد منهم؟
- إذا حصل الاتفاق والتفاهم على تعيين، فهذا أمر إيجابي، وإن لم يحصل فلا يمكن أن نستمر بالفراغ ويجب أن يكون هناك تمديد. إذا كان هناك إجماع أو تفاهم على تعيين فنحن معه، وإذا لم يكن فلا ينبغي القبول بأن يكون هناك فراغ بالمؤسسات العسكرية والأمنية. وأخطر ما يمكن أن يحصل هو أن يتم تناول وضع الجيش بالأجهزة الأمنية بالإعلام، لأن الجيش والأجهزة الأمنية اليوم بحاجة إلى دعم واحتضان وتغطية سياسية، وأخطر ما يمكن أن يحصل هو أن تصبح مادة لتناولها في الأعلام.
* خاصة أننا - كما يقال - ننتظر «معركة الربيع»!
- واضح أن «معركة الربيع» ربما قد تأتي سريعا لأن لدى النظام السوري خطة للإطباق على جرود القلمون، بالإضافة إلى معركة أخرى في محافظة القنيطرة بإطار سياسة القتل والتدمير التي يقوم بها بشار الأسد، والإمساك بما يتوهّم بالكيان الخاص به، كيان النظام الذي يمتد من اللاذقية إلى القنيطرة. في محافظة القنيطرة المعركة لها معاني أخرى ولا أعتقد أن النظام ذاهب إلى القنيطرة لتحرير الجولان، بل للوقوف على مسافة السبعة كيلومترات الفاصلة والقول للإسرائيلي بأنني أنا ضمانتك.. كما حمى حدودك النظام السوري على مدى 30 سنة، سيحمي حدودك اليوم، ولا أعتقد أن الإسرائيلي بعيد عن هذا «السيناريو» لأنه يطمئن لأن يكون على حدوده النظام السوري.
* ما هي التداعيات المحتملة لهذه المسألة على لبنان، خاصة أن المعركتين على الحدود اللبنانية وحزب الله مشارك فيهما؟
- تداعيات مشاركة حزب الله بالحرب السورية، حصلت بمعنى الاحتقان المذهبي الذي نحاول نحن وحزب الله وتيار «المستقبل» احتواءه عبر الحوارات التي تحصل. أعتقد أن الأسد كلما شعر أنه مرتاح عسكريا تفرّغ أكثر لمزيد من العبث في لبنان. لذلك نحن نتوقع أن يكون هناك رد من قبل نظامه بمزيد من التدخل في لبنان، عبر أشكاله التي نعرفها والتي تبدأ بالتدخل السياسي وتنتهي بالاغتيالات السياسية.
* الاغتيالات التي وضعت مجموعة من الأسماء فيها، ضمنها اسمك، كما تبلغنا من وزير الداخلية؟ وما هو الهدف من هذه الاغتيالات؟
- الاغتيالات بالنسبة للنظام السوري جرى ويجري استعمالها كأداة سياسية. وإذا ما شعر نظام الأسد بأنه مرتاح في معركته وعاد للتدخل في الشأن الداخلي اللبناني بأساليب متعددة.
* والهدف.. هو تخريب الوضع الداخلي؟
- نعم تخريب الوضع الداخلي. وربما ما زال لديه وهم السيطرة على لبنان. ونتيجة للتخاذل الدولي والتخلي عن المعارضة الوطنية السورية، وبسبب بعض المواقف الغربية، يشعر النظام أنه عاد إلى موقع القوة.
* ثمة دور يقوم به الجيش اللبناني بمواجهة الإرهاب وعلى صعيد حفظ الأمن، ما هي قدرة الجيش على الصمود في وجه التهديدات؟
- الجيش اللبناني متماسك، ومستعد للتضحية. وأثبت هذا الأمر قيادة وأفرادا.. وقدم شهداء. والخلل الأساسي كان في تواضع الإمكانيات العسكرية في غياب التسليح وليس لغياب الإرادة أو الاستعداد النفسي والمعنوي للتضحية. كان هناك نقص كبير في المعدات والتجهيزات. والتجهيزات المتوافرة اليوم بفضل الهبة المقدمة من المملكة العربية السعودية سيتذكرها اللبنانيون طويلا، خاصة في هذه الفترة التي نحن بحاجة فيها إلى المعدّات. أضف إليها مساعدات أخرى تأتي من دول أخرى. هذا الأمر يضع الجيش اللبناني في موقع متقدم جدا، وبالتالي، فهو لن يحمي لبنان فقط، بل سيساعد أيضا في المعركة التي نخوضها لحماية الاستقرار الداخلي. وواضح أن للجيش دورا أساسيا في حماية الاستقرار داخليا.
* أين موقع الجيش من «معركة الربيع» المرتقبة؟
- الجيش اللبناني لن يكون طرفا في هذه المعركة التي سيخوضها النظام السوري. الجيش ليس جزءا من هذه المعركة، بل همّه الأساسي وهدفه الوحيد حماية الحدود اللبنانية. وبالتالي، يجب ألا يرسخ بذهن أحد أن لدى الجيش أي تعاون أو موقف مع النظام السوري فيما يقوم به.
* .. وحتى بالنسبة إلى التنسيق؟
- التنسيق وفق الضرورات العسكرية حيث انحياز سياسي لا مع النظام ولا ضده.
* كان لديكم - في الحزب التقدمي الاشتراكي - محاولات مع دروز سوريا لمنع الاقتتال مع أهالي درعا. إلى أين وصلتم في هذا الموضوع؟
- من الأساس كانت دعوة وليد جنبلاط إلى دروز سوريا أن ينحازوا لأبناء شعبهم. ولكن للأسف لا يزال نظام البعث يمسك ببعض وجوه المجتمع الدرزي في سوريا بالقوة والترهيب. لقد حصل تطور كبير تمثّل في انضمام عدد كبير من الضباط الدروز في الجيش السوري إلى المعارضة، ووقعت أخيرا صدامات بين مشايخ الدين من جهة ورجال الاستخبارات و«الشبيحة» في سوريا.
ما يحصل حاليا في سوريا شبيه بما حصل في فلسطين، حيث حاول الاحتلال الصهيوني دفع دروز فلسطين إلى مواجهة باقي أبناء الشعب الفلسطيني. نظام الأسد في سوريا يعتمد الأسلوب نفسه.. إذ يسعى إلى دفع دروز سوريا لمواجهة باقي أبناء الشعب السوري تحت عنوان «حلف الأقليات» وتخويف الدروز في سوريا بزعم أنهم ما لم يقفوا إلى جانب النظام فسوف يواجهون مصير ما واجهته بعض الأقليات في المنطقة. هذه لعبة جهنمية تهدف، ليس فقط إلى توريط دروز سوريا والاصطدام مع محيطهم بل تحاول توريط دروز لبنان أيضا. لذلك أقول إن هذه الخطة الجهنمية «خطة مزدوجة». وليد جنبلاط قام بواجباته ونبّه دروز سوريا غير مرّة لوجود هذه الخطة ومخاطرها.. ويبقى الخيار لهم. إن ما يحصل في سوريا سيبقى في سوريا، ولن نقبل أن يتمدّد إلى لبنان.
* هناك نوع من الغزل بينكم وبين «جبهة النصرة»، هل الهدف منه حماية الدروز؟
- بتحديد المسؤوليات، أولا: كل ما يحصل في سوريا من خراب يتحمل مسؤوليته نظام الأسد، لا أكثر ولا أقل. وكل ما عدا ذلك حتى «داعش» أو غيرها تظل ظواهر وعوارض نتيجة العمل الهمجي الذي اتبعه النظام من قتل وتدمير وتهجير بحق الشعب السوري. فما معنى أن يهجّر 6 ملايين سوري؟ وما معنى أن يحرق السجل العقاري في حمص؟ إنها عملية تطهير وتهجير منظمة للشعب السوري. ثانيا، «النصرة» أو القسم الأكبر منها هم من المعارضين السوريين الذين ثاروا أساسا ضد النظام. إنها مرتبطة بـ«القاعدة» أو غير مرتبطة بها، لكن قسما منها من أبناء الشعب السوري. ليست لنا علاقات سياسية مع «النصرة»، لكننا نحن مع نصرة الشعب السوري بشكل عام.
* ما هو تأثير الحركة الإقليمية وصولا لعمل إيران.. وما يحصل اليوم في اليمن؟
- من الواضح أن هناك تصعيدا كبيرا في المنطقة، والذي حصل في اليمن خطير جدا. إن التوسع والدعم الإيراني لمجموعات معينة بات يشكل خطرا كبيرا ويثير ردات فعل كبرى. لا أحد يستطيع أن يتكهّن أو يتحكم بمستقبل المنطقة في ظل بعض التحرّكات المحلية المدعومة من إيران التي تعمّق الانقسام المذهبي. وإن ما يحصل في اليمن يلاقي أصداء في كل الدول والمجتمعات العربية وردات فعل ومزيد من الانقسام المذهبي الذي يخدم إسرائيل إذا كانت فعليا وجهة الصراع مع إسرائيل.
ثمة محاولات كبرى تُبذَل لتفادي هذا الصدام وحفظ المصالح القومية العربية، وأبرز هذه الأدوار تقوم بها المملكة العربية السعودية التي تسعى مع عدد من دول الخليج ومصر من أجل استعادة التوازن الإقليمي، ذلك أن الإخلال بالتوازن الإقليمي.. أولا يضر بالمصلحة القومية العربية. وثانيا يقود مجتمعاتنا العربية إلى انفجار كبير. ونحن نرى حفرا مستمرا في هذا الأخدود المذهبي وجهدا باتجاه الانقسام المذهبي الذي إذا انفجر في لحظة ما فهو لن يبقي ولن يذر.
* والحل؟
- هناك رهان كبير على الدور السعودي، وخاصة على نهج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ورؤيته وقيادته على المستوى العربي، سواء على صعيد النشاط الدبلوماسي والنشاط السياسي، أو إعادة توحيد رؤية عربية ما تستطيع أن تصنع للعرب موقعا ما في هذا الصراع القائم. فمع مزيد الأسف الوضع العربي في مرحلة انعدام وزن، وهناك عدة مشاريع غير عربية تتطاحن وتختلف وتتفق وتتقاسم النفوذ والسياسة والخيرات والخيارات بالمنطقة، بينما يبدو الدور العربي غير واضح المعالم. لذا أقول الرهان كبير على الجهد الذي تقوم به المملكة في هذا الأمر.
* ماذا عن عملية «عاصفة الحزم»؟
- المملكة العربية السعودية بقيادتها لهذا التحالف اتخذت خيارا شجاعا ومرّا، ليس فقط دفاعا عن أمنها بل أيضا عن أمن الوطن العربي. ونحن معها، إذ لا يجوز استمرار استباحة الوطن العربي وبعثرة مجتمعاته وتمزيق الوحدة الوطنية فيه من قبل إيران أو غيرها. ونحن نرى في الأمر استعادة لتوازن مفقود تدفع ثمنه المجتمعات العربية التي تشظّت بسبب هذه السياسات الإقليمية سواء في العراق أو سوريا أو اليمن، والتي في النهاية لا يستفيد منها سوى العدو الإسرائيلي الذي تقدم له هذه السياسات هدية قيمة في كل يوم.
* هل تتوقع تداعيات للموضوع اليمني في لبنان؟
- لا أتوقع أية تداعيات في لبنان. فهناك حرص من كل الأطراف على حفظ الاستقرار ورفض الفتنة وتنظيم الخلاف. والمهم أن نلتزم جميعا بهذا الخيار وألاّ يندفع أحد منّا في أي خيار قد يوسّع الشرخ السياسي ويعمّق الانقسامات، وهنا تأتي أهمية استكمال الحوار الداخلي بكل مسؤولية وشجاعة.



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.