مدير المخابرات الأردنية: تصور جديد لعودة العلاقة مع سوريا

جلسة مكاشفة ضمت ممثلي مؤسسات إعلامية بينها «الشرق الأوسط»

مدير المخابرات العامة الأردنية اللواء حاتوقاي مع مجموعة من الإعلاميين (الشرق الأوسط)
مدير المخابرات العامة الأردنية اللواء حاتوقاي مع مجموعة من الإعلاميين (الشرق الأوسط)
TT

مدير المخابرات الأردنية: تصور جديد لعودة العلاقة مع سوريا

مدير المخابرات العامة الأردنية اللواء حاتوقاي مع مجموعة من الإعلاميين (الشرق الأوسط)
مدير المخابرات العامة الأردنية اللواء حاتوقاي مع مجموعة من الإعلاميين (الشرق الأوسط)

في جلسة مكاشفة مزدحمة بالمناقشات وتبادل وجهات النظر، قدم مدير المخابرات العامة الأردنية، اللواء أحمد حسني حاتوقاي، أمام جمع من الصحافيين والكتاب الأردنيين، إضاءات عميقة للمشهد الأمني والسياسي في البلاد، لم تخل من الانسيابية في الرد على كثير من التساؤلات الملحة عن الشأن الداخلي والخارجي، فيما شكلت عناوين رئيسية محور الجلسة، كعودة العلاقات مع سوريا، ودعم مسيرة الإصلاحات السياسية، وبالضرورة الدور الأمني المركزي للمؤسسة في محاربة التطرف والإرهاب إقليمياً ومحلياً.
وعلى مدار أكثر من 4 ساعات من الغوص في مقاربات السياسي والأمني، في جلسة هي الأولى من نوعها على مستوى الانفتاح على وسائل الإعلام، حددت مكاشفة حاتوقاي الذي ترأس المؤسسة الأمنية الأولى في البلاد مطلع مايو (أيار) 2019 ملامح الفترة المقبلة لسياسات جهاز المخابرات في التعامل مع الملفات الأردنية.
ومن هنا، كشف اللواء حاتوقاي عن تصور جديد لعودة العلاقة مع الجمهورية العربية السورية، في ظل مقاربات سياسية أفضت إلى التعامل «مع الأمر الواقع» الذي لا يمكن تجاهله إزاء خريطة التحالفات الإقليمية والدولية المعقدة، على حد وصفه، وهو ما ظهر جلياً في سلسلة قرارات أردنية تم الإعلان عنها مؤخراً، تتعلق بفتح الحدود والتبادل التجاري.
الموقف الذي عبّر عنه حاتوقاي، بصفته أرفع مسؤول أمني في البلاد، في الشأن السوري ذهب إلى التأكيد على أن المملكة نأت بنفسها عن التدخل في الشأن السوري طيلة سنوات الأزمة، باستثناء «بعض التدخلات» في الجنوب السوري، عبر تفاهمات «روسية - سورية - أردنية»، لانشغال النظام السوري بالمناطق الشمالية والشمالية الشرقية السورية.
وشدد حاتوقاي هنا على أن الأردن بعيداً عن ذلك لم يكن يشكل أي حاضنة من «حواضن أي عمل ضد سوريا»، وأن استقرار المنطقة الجنوبية الحدودية مع المملكة شمالاً كان -وسيظل- الهدف الاستراتيجي الأبرز في هذا الملف.
وفي الوقت الذي أكد فيه حاتوقاي أن «جيش النظام السوري» يسيطر اليوم على 65 في المائة من أراضيه، تجاوز من جهته التعليق حول طبيعة الأطراف الإقليمية التي تسانده في مهمة استعادة سيطرته على أراضيه، مشدداً على أن الأزمة السورية «ما تزال تتفاعل، في ظل وجود قلق ماثل في مناطق شمال شرقي سوريا، عدا عن وجود بؤر وحواضن لتنظيمات إرهابية ما تزال تسعى إلى استهداف أمن المنطقة»، بحسبه. واستشهد بأزمة مخيم الهول في منطقة الحسكة، الواقع على مقربة من الحدود السورية - العراقية، وما يحيط بالوضع الإنساني والأمني فيه نظراً لظروف الأزمة السورية.
وفي سياق العلاقات الاستراتيجية بين الأردن وسوريا، أكد على استمراريتها خلال السنوات الماضية بين جهازي الاستخبارات، وضمن خطة أمنية وطنية كان هدفها الحفاظ على التهدئة في الجنوب السوري، وفي إطار استراتيجية المملكة في مكافحة المنظمات الإرهابية لتلافي ضغط الأزمة أمنياً وانعكاساتها على أمن المملكة.
وفي مصارحة مباشرة للواء حاتوقاي، بشأن استمرار غلق الحدود، قال إن تقديراً رسمياً أردنياً سعى إلى تأطير العلاقة الأردنية - السورية «في ظل صعوبة تحمل المملكة لسياسة إغلاق الحدود الشمالية»، مشيراً إلى حتمية التعامل مع «الدولة السورية»، في ظل حاجة البلدين لإعادة فتح خطوط التعاون في الملفات المشتركة، وعلى وجه الخصوص الملفين الأمني والاقتصادي.
- مخاوف من التهريب
وفي أثناء ذلك، عبّر مدير المخابرات الأردني عن مخاوفه من ارتفاع وتيرة تهريب عناصر إرهابية عبر الحدود تسعى إلى استهداف أمن المملكة، مع تزايد عمليات تهريب المخدرات والسلاح. وبيّن المسؤول الأمني الرفيع أن انتشار رقعة الفقر والجوع في مناطق سوريا «يساهم» فيما وصفه بـ«إذكاء نزعة التطرف لدى أجيال مهمشة»، ويجعلها عرضة للاستقطاب لصالح تنظيمات إرهابية، موضحاً أن أطفالاً نشأوا في ظل حكم تلك الجماعات المتطرفة خلال السنوات الماضية هم بحاجة إلى تغيير معتقداتهم التي تشربوها من التربية في صفوف تلك التنظيمات.
وبالأرقام الموثقة، تحدث حاتوقاي عن إحباط جهاز المخابرات العامة الأردنية، منذ عام 2019 حتى موعد عقد اللقاء، (120) عملية، مشيراً إلى الجهود الاستخبارية الأردنية التي أحبطت «52 مخططاً إرهابياً استهدف أمن المملكة، وإلقاء القبض على 103 متورطين في التخطيط لتلك الهجمات».
وأكد اللواء حاتوقاي أن المملكة، ضمن الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، ساهمت في «إحباط 68 مخططاً إرهابياً في مناطق متفرقة من أوروبا ودول العالم»، في حين تم «إحباط 95 عملية تهريب عناصر إرهابية عبر المملكة، وتهريب أسلحة ومخدرات، وضبط 249 شخصاً متورطاً في تلك العمليات».
وفي سياق متصل، تطرق حاتوقاي إلى التحديات التي تفرض تنسيق الجهود على نطاق واسع أمنياً واستخباراتياً. وأعاد مدير المخابرات التأكيد على استمرار محاولات استهداف أمن المملكة من تنظيمات إرهابية في العراق وسوريا، مؤكداً أن الخطر ما يزال «قائماً»، على الرغم من كل النجاحات، بما في ذلك الجهود الكبيرة لجهاز المخابرات الأردني في مجالات الأمن السيبراني، بعد رصد محاولات لاختراق مواقع أردنية محصنة، ومنع تلك المحاولات من خلال المعالجات السريعة. وقال إن خطر منصات التواصل الاجتماعي ما زال قائماً، من خلال تجنيد الشباب الأردنيين لصالح تنظيمات إرهابية متطرفة، محذراً من أن التطرف ومساعيه في تجنيد الفئات الشابة سيكون له انعكاس على المجتمعات الغربية، وليس على منطقتنا وحسب، مشيراً في الوقت نفسه إلى انتشار السلبية السائدة والسوداوية الطاغية وخطاب التشكيك على مواقع التواصل الاجتماعي، بصفتها أدوات تستخدم ضمن مخططات استدراج الشباب والمجتمعات نحو التطرف والفوضى، على حد تعبيره.
- المعارضة السورية والأردن
وعن وجود قيادات من المعارضة السورية في الأردن، ومحاولات منصات للمعارضة السورية الخارجية «مهاجمة» خطة التقارب الأردني - السوري، أكد حاتوقاي أن جميع السوريين في الأردن يتلقون معاملة تفرضها الظروف الإنسانية التي عاشوها خلال سنوات الأزمة، وأن المملكة سخرت إمكاناتها لاستضافة اللاجئين السوريين، ولن تقبل الإساءة لأي سوري يقيم على الأرض الأردنية ما دام يخضع للقوانين النافذة على الأردنيين وغيرهم من المقيمين في المملكة، في الوقت الذي تملك فيه المملكة كامل سيادتها على قراراتها في الشؤون كافة.
واستعرض حاتوقاي الذي استمع جيداً أيضاً لمداخلات الصحافيين المشاركين سلسلة من التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي يواجهها الأردن، مع لجوء نحو 1.3 مليون لاجئ سوري، قائلاً إنه تحمل ضغطاً على البنى التحتية الوطنية، من مياه وكهرباء وشبكات طرق، وضمن خدمات الصحة والتعليم، بما في ذلك توزيع اللقاحات المضادة لفيروس «كورونا المستجد» على اللاجئين في مخيمات اللجوء السوري.
وأشار إلى الضغط الاقتصادي المتزايد، من خلال ارتفاع عجز الموازنة العامة، واختلال موازين قوى السوق أمام مشاركة الأشقاء السوريين في السوق المحلية، ما ساهم برفع أرقام البطالة في صفوف الشباب الأردني، مرجحاً استمرار الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية على المدى المنظور، في ظل عودة 34 ألف لاجئ سوري فقط إلى بلادهم منذ عام 2018، من أصل إجمالي المقيمين في المملكة.
وعلى الجانب الاقتصادي الآخر مع سوريا، بين حاتوقاي أن هناك أولوية أردنية في التوجه نحو إبرام تفاهمات جديدة، بما يعيد العلاقات الثنائية لسابق عهدها، والتوافق على ملف المياه، وحصص الأردن من مياه نهر اليرموك وسد الوحدة، الأمر الذي يتطلب تثبيت شروط التهدئة في الجنوب السوري، وتطهيره من المنظمات الإرهابية، ضمن جهود مشتركة لضمان استمرارية التجارة البينية بين البلدين.
وأوضح مدير المخابرات الأردنية أن التقارب مع سوريا، واستعادة فرص التهدئة على كامل الأراضي السورية، ينسجم مع ثوابت المملكة في تقديم الدعم والإسناد للدول الشقيقة، كاشفاً أن إحياء مشروع شبكة الربط الكهربائي الغربي (مصر - الأردن - سوريا - لبنان)، وتصدير الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، سيضع حداً لأي سيناريوهات كارثية تواجه الاقتصاد اللبناني نتيجة النقص الكبير في مخزون الطاقة.
وتمسك اللواء حاتوقاي بموقف بلاده من الحل السياسي للأزمة السورية، مشيراً إلى أن أي استقرار تشهده الأراضي السورية سينعكس حتماً على الاقتصاد الأردني، من خلال عودة التجارة البينية بين الجاريين الشقيقين، ويخدم فرص العودة الطوعية للاجئين السوريين إلى بلداتهم وقراهم.
وفيما استعرض اللواء التحديات الأمنية مع دول الجوار، بيّن أن تسارع الأحداث في ظل ظروف دولية معقدة يحتم على صاحب القرار دراسة الخيارات والبدائل التي تحافظ على المصلحة الوطنية العليا، كاشفاً عن جهود العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني على الساحة الدولية للتكيف مع ظروف الجوار المضطرب، والمواجهة في التأثير على الدول ذات العلاقة.
وشدد المسؤول الأمني في حديثه، ضمن سياق تنسيق جهود الأجهزة الأمنية والمخابراتية العربية، على أهمية تشكيل المنتدى الاستخباري الغربي الذي تأسس عام 2019، ويترأسه الأردن العام الحالي، لافتاً إلى أن المنتدى نجح في إنتاج لغة مشتركة في مواجهة التحديات، والتوافق على طبيعة معالجتها وقائياً، من خلال سهولة تبادل المعلومات، بما يخدم تعزيز منظومة أمن واستقرار المنطقة.

قرارات محلية

ومحلياً، حسم حاتوقاي، وهو المدير الرابع عشر لجهاز المخابرات العامة الذي تأسس عام 1964، في حديثه أي تكهنات بشأن موقف المؤسسة الأمنية الأبرز حيال دعم توصيات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية التي سلمتها إلى العاهل الأردني الأحد، مشدداً على أن الموقف الأوحد للجهاز هو الداعم للتوصيات بعد الاطلاع عليها.
وأكد حاتوقاي على قناعة الجهاز الأمني بما تم التوافق عليه من خلال أعضاء اللجنة الملكية، معرباً عن دعمه لواقع إصلاحي ينشأ في المستقبل، على أن يخضع للتقييم والقياس والتطوير المستمر، وبما يعبر عن حيوية الدولة وهي تدشن مئويتها الثانية.
وأقرت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية مشاريع تعديلات دستورية وقانوني انتخاب وأحزاب، وتضمنت تعديلات قانون الانتخاب مقاعد حزبية مخصصة للأحزاب بنسبة 30 في المائة من مقاعد مجلس النواب، وإقرار مبدأ درجة الحسم في احتساب النتائج بين المتنافسين، وتخفيض عدد الدوائر الانتخابية في المملكة، وإضافة على حصة المقاعد المخصصة للنساء، وتخفيض سن الترشح للشباب إلى 25 عاماً، في الوقت الذي أقرت فيه توصيات اللجنة في مشروع قانون الأحزاب تشريع مبدأ العمل الحزبي لطلاب الجامعات دون ملاحقة.
وأكد حاتوقاي دعم فرص العمل الحزبي بعد تعديل قانون الأحزاب، وعلى شروط العمل الحزبي الوطني ضمن القانون وفقاً لبرامجية حزبية تحمل حلولاً واقعية قابلة للتطبيق، وتبدد التخوف من الانتساب إليها، بما يعزز صناعة القرار المحلي، وقيم الهوية الوطنية الجامعة، ضمن حدود الحرية المسؤولة، ما يهيئ للوصول لحكومات حزبية في المدى المنظور تحافظ على قيم سيادة القانون، وتكون أجندتها وطنية، بمعزل عن أي ارتباط بالخارج، وفقاً له.
وفي معرض إجاباته المباشرة على تساؤلات الصحافيين الذين مثل أغلبهم مؤسسات صحافية أردنية محلية، حول المخاوف الناشئة من العملية الديمقراطية لدى جمهور النخب السياسية المحافظة، أكد حاتوقاي أن بلاده لا تخشى الديمقراطية المحكومة بالقوانين النافذة، مشيراً إلى أن جيل الشباب أصبح يملك لغة جديدة، بعد تأثره بقيم العولمة، ومشاهدة تجارب الدول المتقدمة، ما يحتم على مؤسسات الدولة أن تواكب متطلبات الأجيال في التحديث والتطوير، وبما يخدم هدفهم المشاركة في اتخاذ القرار الوطني، ما يجعل الجميع شركاء بالمسؤولية.



ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.


منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
TT

منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

لا تخلو لقاءات مصرية مع مسؤولين في إريتريا، الجارة الشمالية لإثيوبيا، ثم اليمن، البوابة الاستراتيجية بالبحر الأحمر، من التأكيد على رفض وجود دول غير مشاطئة على ذلك البحر المهم لأمنها القومي، في مقابل مساع متواصلة من جانب إثيوبيا التي تُعد من دون ميناء للوصول لمنفذ على تلك السواحل.

هذه التحركات المصرية، حسب خبيرة مصرية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تتفق مع القانون والأمن القومي المصري واستقرار منطقة القرن الأفريقي، فيما يرى محللون إثيوبيون أن الميناء بالنسبة لأديس أبابا «رئة تتنفس بها»، وأنها ستواصل تحركاتها بشأنه.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

وخلال لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الأحد، برئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني في القاهرة، حيث ترأسا أعمال الجولة التاسعة من الحوار الاستراتيجي المصري - اليمني، تناولت المباحثات مسألة أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وشدّد عبد العاطي على «الرفض المصري القاطع لأي مساع لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

وأكد أن «تحقيق أمن وحوكمة هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يمثل مسؤولية حصرية للدول العربية والأفريقية المشاطئة له»، داعياً إلى «أهمية سرعة تفعيل آليات مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن».

وزير الخارجية المصري يترأس مع نظيره اليمني الجولة التاسعة للحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)

واتفق الجانبان خلال اللقاء على «ضرورة تبني مقاربة شاملة لأمن البحر الأحمر لا تختزل في المنظور الأمني والعسكري، بل تستوعب الأبعاد الاقتصادية والتنموية للدول المشاطئة».

ما بين «الأمن القومي» و«القضية المصيرية»

وخلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الحالي، التقى الوزير المصري مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، حسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

وترى الخبيرة المصرية في الشؤون الأفريقية، أسماء الحسيني، أن تحركات القاهرة «تستهدف الحفاظ على الأمن القومي المصري في البحر الأحمر، ومن حقها قانوناً أن تتمسك برفض حصول أديس أبابا على منفذ بحري»، متوقعة أن تظل تلك القضية على جدول أعمال الخارجية المصرية الفترة المقبلة حرصاً على أمنها ومصالحها.

في المقابل، تصر إثيوبيا على تصدير ذلك الملف قبيل انتخابات عامة تشهدها البلاد يونيو (حزيران) المقبل.

وعدَّ رئيس الكتلة البرلمانية للحكومة الإثيوبية، تسفاي بلجيجي، أن سعي بلاده من أجل امتلاك ميناء بحري «قضية وجودية ومصيرية»، مشيراً إلى أن إثيوبيا تواصل العمل لامتلاك ميناء بحري بالوسائل السلمية وعلى أساس المنفعة المتبادلة، حسبما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية، الأحد.

احتمالات القلاقل

وجاء ذلك بعد أيام من انتقاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي يوم 21 مايو الحالي، الحكومة المصرية بأنها «تحاول تطويق وعرقلة» وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية ومستدامة.

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الوصول إلى البحر الأحمر. وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وقالت أسماء الحسيني: «إصرار إثيوبيا، الدولة الحبيسة، على الوصول لمنفذ بحري أمر لا يعقل. فلو أن كل دولة حبيسة أو غير مطلة على منفذ بحري فعلت ما تفعله أديس أبابا لتصاعدت الصراعات بالمنطقة»، لافتة إلى أن المساعي الإثيوبية «عدائية ومن شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وشككت في حديث أديس أبابا بخصوص الوصول لهذا المنفذ بالوسائل السلمية، متوقعة أن تخوض حرباً ضد إريتريا بشأنه، وأن حديثها مجرد تمهيد لذلك.

ووفق تصريحات إثيوبية سابقة، فإن المنفذ البحري يعد بمثابة «رئة لإثيوبيا»، ولن تترك أي محفل في التأكيد على حقها به، والتحرك إليه عبر الطرق السلمية.


أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
TT

أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، لا تبدو أسواق المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية كما اعتادها اليمنيون في مواسم الأعياد السابقة؛ فالأزقة التي كانت تضجّ بالحركة وشراء الملابس والأضاحي، باتت مثقلة بوجوه مُرهقة وأيادٍ خاوية، في ظل أزمة معيشية متفاقمة أرهقت ملايين السكان.

ويتحول الحديث عن العيد في العاصمة المختطفة صنعاء وريفها وبقية المدن الواقعة تحت سيطرة الحوثيين إلى عبء جديد يُضاف إلى سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، بينما تقف آلاف الأسر عاجزة حتى عن توفير أبسط متطلبات المناسبة التي ارتبطت طويلاً بالفرح والتكافل الاجتماعي.

ويستقبل معظم اليمنيين هذا العام عيد الأضحى وسط ظروف معيشية تُوصف بأنها الأشد قسوة منذ سنوات، مع موجة غلاء غير مسبوقة بشأن أسعار الأضاحي والملابس والمواد الغذائية، بالتزامن مع استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة.

ويشكو سكان في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين لـ«الشرق الأوسط» من تدهور أوضاعهم المادية والنفسية مع اقتراب العيد، مؤكدين أن المناسبة التي كانت تمثل موسماً للفرح وصلة الرحم تحولت إلى مصدر للقلق والحسابات الصعبة.

الأسواق بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (الشرق الأوسط)

ويقف «أمين.ع»، وهو موظف حكومي انقطعت رواتبه منذ سنوات، أمام واجهة متجر لبيع الملابس والمواد الغذائية في إحدى الأسواق الشعبية بصنعاء القديمة، وهو يُقارن بين احتياجات أسرته الضرورية وما تبقى في جيبه من نصف راتب يصرفه الحوثيون كل ثلاثة أشهر، ولا يكاد يغطي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

ويقول أمين لـ«الشرق الأوسط» إنه اضطر هذا العام إلى شراء ملابس العيد لطفلين فقط من أصل خمسة أبناء، مضيفاً بصوت يملؤه الحزن: «كل شيء ارتفع سعره، حتى الأضاحي وأبسط مستلزمات العيد أصبحت فوق طاقتنا».

وأضاف: «كنا نستعد للعيد قبل أسابيع، أما اليوم فأكبر همّنا توفير الدقيق والسكر، ناهيك عن ملابس الأطفال أو الأضحية».

بدورها، تقول «أم خالد»، وهي أم لثلاثة أطفال تسكن منزلاً بالإيجار في منطقة حزيز جنوب صنعاء، إنها قررت هذا العام الاستغناء عن شراء الأضحية للمرة الثالثة على التوالي، والاكتفاء بتوفير الاحتياجات الأساسية للطعام، أملاً في تجنب الوقوع تحت أعباء ديون جديدة.

وأوضحت أن أطفالها ينتظرون العيد بفرح، لكنها تخشى مرور المناسبة دون قدرتها على شراء ملابس جديدة لهم، مؤكدة أنها تحاول إخفاء قلقها حتى لا يشعر أطفالها بالحزن.

ركود الأسواق

تعيش الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً معيشية متدهورة جراء استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والملابس والأضاحي بشكل لافت، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وانقطاع المرتبات عن آلاف الموظفين.

ويقول أحد باعة الملابس في شارع هائل بصنعاء إن حركة البيع هذا العام تُعد الأضعف منذ سنوات، مشيراً إلى أن كثيراً من المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء.

في المقابل، يؤكد تاجر ماشية لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع أسعار الأعلاف والنقل انعكس بصورة مباشرة على أسعار الأضاحي، ما دفع كثيراً من الأسر إلى العزوف عن الشراء أو الاتجاه إلى الاشتراك في أضحية واحدة بين أكثر من عائلة.

يمني تخرج في الجامعة يعمل ببيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة الاقتصادية وانقطاع الرواتب وارتفاع معدلات البطالة دفعت كثيراً من الأسر اليمنية إلى تقليص نفقات العيد إلى الحد الأدنى، والتركيز فقط على الاحتياجات الأساسية.

وأشاروا إلى أن الأعباء التي تثقل كاهل المواطنين لم تعد تقتصر على ارتفاع الأسعار وانقطاع الرواتب، بل امتدت إلى فقدان كثير من الأسر قدرتها على الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر العيد التي اعتادها اليمنيون لعقود.

تفاقم سوء التغذية

على وقع ذلك، حذّرت تقارير أممية ومنظمات دولية من استمرار التدهور الغذائي في اليمن، مع تسجيل معدلات مرتفعة لسوء التغذية بين الأطفال، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم في محافظة عمران ارتفع خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، مؤكدة استقبال 599 حالة في مستشفى السلام بمديرية خمر بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026، بزيادة بلغت 48 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

الحوثيون متهمون بتوسيع دائرة المجاعة بمناطق سيطرتهم (الشرق الأوسط)

ووفق بيانات الأمم المتحدة، يعاني نحو 2.2 مليون طفل يمني دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حاداً ووخيماً يهدد حياتهم.

كما أشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن معدلات الفقر الغذائي بين الأطفال بلغت 56 في المائة في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في حال غياب المعالجات الاقتصادية والإنسانية العاجلة.