خيال الجواهري: هذا النص الشائع لم يكتبه أبي

قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها سُئلت لمَ لمْ تصبح شاعرة فأجابهم والدها {الشعر موهبة لا تورث}

خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري
خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري
TT

خيال الجواهري: هذا النص الشائع لم يكتبه أبي

خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري
خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري

تشارك الدكتورة خيال الجواهري، كريمة الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، في معرض الرياض الدولي للكتاب، حضوراً ومشاركةً في الفعاليات الثقافية، حيث تلقي جانباً من سيرة الجواهري ضمن أمسية بعنوان: «عوالم الشاعر محمد مهدي الجواهري الإنسانية والأدبية». وهذه ثاني زيارة لها للسعودية؛ الأولى في عام 1994 أثناء مرافقة والدها الجواهري في مهرجان الجنادرية، وهذه المرة حيث يحتفي معرض الكتاب بالعراق ضيف شرف المعرض.
الدكتورة خيال هي ثالث بنات الجواهري من زوجته الثانية «أمونة» ابنة عمه الشيخ جعفر الجواهري إلى جانب نجاح وكفاح وظلال. وقد تزوج قبلها شقيقتها «مناهل» التي توفيت عام 1939، وأنجبت له فرات وفلاح، ورثاها في قصيدة رائعة بعنوان: «ناجيتُ قبرك»، ومطلعها:
«في ذِمَة اللهِ ما ألقَى وما أَجِــدُ / أهذهِ صَخرة أم هذهِ كَبِدُ»،
وفيها يقول:
«قدْ يقتلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُـدوا / عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِــدوا».
أما زوجته الثانية «أمونة» والدة الدكتورة خيال، فقد اقترنَ بها الجواهري عام 1939 بعد رحيل أختها «مناهل». وقد أنجبت له ولدين: نجاح وكفاح، وابنتين د.خيال وظلال...
وفيها كتب قصيدته: «حبيبتي»، وذلك في بغداد عام 1973، ومطلعها:
«حَبِيبَتي منذُ كان الحب فـي سَحَرٍ حلوَ النسائمِ حتى عَقهُ الشفقُ
ومذ تلاقى جَناحانا على فَنَنٍ منه إلى العالم المسحورِ ننطلقُ
نَصونُ عهد ضميرَيْنا وبينهما نجوى بها همساتُ الروح تُستَرَقُ
ولما توفيت عام 1992 رثاها بقصيدة، بنفس قافية قصيدة «حبيبتي»، قال فيها:
«ها نحنُ أمونة ننأى ونفترقُ والليلُ يمكثُ والتسهيدُ والحرقُ
والصبحُ يمكثُ لا وجهٌ يُصَبحُني به ولا بسماتٌ منكِ تنطلقُ
ما أروحَ الموتَ، بل ما كان أبغَضَه لدي إذ أنتِ مني الروح والرمقُ...
يا حلوة المجتلى والنفسُ ضائعة والأمرُ مختلطٌ والجو مختنقُ
ويا ضحوكة ثغرٍ والدنى عبسٌ ويا صفية طبعٍ والمنى رنـقُ...
مني عليكِ سلامٌ لا يقومُ به سن اليراعِ ولا يقوى به الورقُ
ولما توفي دفن بجوارها في مقبرة الغرباء، في منطقة السيدة زينب بدمشق، ونحتت على قبرهِ خريطة العراق مكتوب عليها: «يرقد هنا بعيداً عن دجلة الخير».
حصلت الدكتورة خيال الجواهري على شهادة الدكتوراه من براغ في تخصص علم المكتبات والمعلومات، وألفت عدداً من الكتب عن علم المكتبات وفهرستها وتاريخها. كما ألفت كتاباً عن الثقافة العراقية في المنفى، وكتابين عن الجواهري.
«الشرق الأوسط» أجرت الحوار التالي مع الدكتورة خيال الجواهري، على هامش مشاركتها في معرض الرياض الدولي للكتاب:

> كيف تصفين مشاركتكِ في معرض الرياض الدولي للكتاب بعد نحو 27 سنة من آخر زيارة لكِ للمملكة وكنت وقتها برفقة الجواهري...؟
- تلقيت دعوة كريمة من وزارة الثقافة في المملكة العربية السعودية، ومن إدارة المعرض، للمشاركة في معرض الرياض الدولي للكتاب هذا العام، ويسعدني لقاء المثقفين وجمهور الأدب في المملكة، ويشرفني ذلك وأنا ممتنة لهم لهذه المحبة للجواهري الكبير الذي ضحى بحياته من أجل الإنسانية ومن أجل الشعوب، ومن أجل التقدم ورفاه الفرد والإنسان.
> أيضاً لديك مشاركة في البرنامج الثقافي... للحديث عن الجواهري...
- نعم أشارك في اليوم الثاني من فعاليات المعرض، ضمن البرنامج الثقافي في ندوة تحمل عنوان: «عوالم الشاعر محمد مهدي الجواهري الإنسانية والأدبية».
والحديث عن الجواهري، هو حديث عن سيرة أدبية وشعرية تمتد لنحو قرن من الزمان، (26 يوليو (تموز) 1899 – 27 يوليو 1997)، كانت حياته مليئة بالأحداث على مختلف الصُعد، الأدبية والحياتية والسياسية والاجتماعية، وسوف أحاول في هذه الندوة تسليط الضوء على هذه السيرة بمختلف فصولها... وتعلمون أن سيرة الوالد (الجواهري) هي سيرة حاضرة في الوجدان العربي لا تُنسى، وبالنسبة لي شخصياً، فأنا رافقت الوالد في محطات متنوعة من حياته سواء في بغداد أو سوريا...
>.. أو براغ في (تشيكوسلوفاكيا)... وفيها عاش الجواهري منذ عام عام 1961، وكتب فيها روائع من قصائده مثل: «بائعة السمك، ويا غادة الجيك، وبراها»، ونعلم أنك حصلت على الدكتوراه من هناك...
- نعم صحيح، وحصولي على الدكتوراه من براغ تم بتشجيع الوالد، كنت وقتها أدلي برغبتني في إكمال دراستي الأكاديمية لنيل درجة الدكتوراه أمام والدتي، التي لم تكن مرحبة... وحين سمعها الوالد قال: «لا يا ابنتي كملي...»، ووضع يده على صدره مضيفاً: «أنا أتكفل باحتياجاتك... وأنا أدعمك، وأنا أشجعك لإكمال هذا المشوار»... وفعلاً شجعني كثيراً، حتى في مناقشة الدكتوراه مررت بموقف خاص يتعلق بالرد على الإشكالات التي يطرحها الدكتور المشرف على الرسالة... وكانت بعض ملاحظات المشرف مثيرة بالنسبة لي، حيث تلقيت نصائح بأن ألتزم الصمت ولا أرد عليه، لأن اللجنة ستلاحظ طريقتي في النقاش ضمن التقييم النهائي... وحين سألتُ الوالد، أطرق برأسه قليلاً ثم رفعه قائلاً: «لماذا سموه دفاعاً...؟ إذا لم يُتح فيه الردُ والنقاش؟»، وهذا ما حدث، فقد قدمتُ رداً على جميع الملاحظات... وتم إقرار منحي درجة الدكتوراه... وبعدها جاءت اللجنة للتسليم علي وتهنئتي.
> هل حضر الجواهري هذه المناقشة؟
- لم يكن الوالد حاضراً، كان هناك حضور من أدباء ونقاد ومثقفين وزملاء أكاديميين...
> ما السر في اختيارك تخصص «علم المكتبات والمعلومات»؟
- الحقيقة أنا درست الأساس لهذا التخصص في جامعة المستنصرية في بغداد، وهو وقتها كان فرعاً جديداً، وهو تخصص مهم في ظل عدم وجود أجهزة التبويب الحديثة عبر الكومبيوتر والبرامج الإلكترونية، فرأيت أن أقدم خدمة للمجتمع والحقل العلمي بشيء جديد وتخصص جديد...
> أليس للموضوع علاقة بالتراث العائلي كأسرة علمية تُعنى بالكتب والمكتبات...؟
- يجوز أن لدي وقتها «جينات» مع أني لا أعول على العامل الوراثي... فأنا كما تعرف نشأت في أسرة علمية والوالد كان يقرأ بشكل دائم... وننتمي لجدنا الكبير المعروف بالشيخ محمد حسن، صاحب الجواهر، صاحب كتاب «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، وهو الكتاب الذي أصبح مرجعاً لمختلف المدارس الفقهية، فبالنسبة لي أثرت هذه التربية في علاقتي بالكتاب، ولكني أيضاً رغبتُ أن أدرس تخصصاً مختلفاً يضيف للمجتمع خدمة، وكنت ربما أرغب في أن أدرس علم النفس...
> ماهي علاقتكِ بالشعر، هل أثر فيك الجواهري؟
- علاقتي به أنني أحب الاستماع إلى الشعر، أعرف أن كثيرين يسألون أن كنتُ سأصبح شاعرة كوني ابنة شاعر كبير... وأجيبهم بأن هذا الأمر ليس بالوراثة. أتذكر أنني سألتُ الوالد مرة في براغ بأنني أتلقى كثيراً هذا السؤال، وأيضاً (صفن) (أطرق برأسه) ثم قال: من سألك هذا السؤال؟ قلت: جماعة من المثقفين... قال: ألا يعلمون أن الشعر موهبة، وليس وراثة؟ وهو إلهام وإبداع شخصي وليس مهنة مثل الطبيب!
> اليوم، وبعد 24 عاماً على رحيل الجواهري، ما هو الشيء الذي ظل عالقاً بالذاكرة ولا ينسى من سيرته؟
- والله كثير... هو دائماً يشخص أمامي، في السنوات الأخيرة بعد وفاة الوالدة كنتُ أنا ملازمة له وزوجي كذلك، كان زوجي يقرأ له الكتب بشكل يومي، وأنا أصبحت ممرضته، وأنظم مواعيده واستقبال ضيوفه...
> قيل إنه ظل يواصل المتابعة والقراءة عبر الآخرين حتى وفاته... ماذا كان يقرأ...؟
- كان زوجي يقرأ له، وبقي لديه شغف في الاستماع إلى قراءة كتب الأدب والشعر والصحف... من بين تلك الصحف التي كان حريصاً على متابعتها «الشرق الأوسط»، و«الزمان»، و«السفير»، وكذلك متابعة الإصدارات الجديدة من كتب وروايات عربية وعالمية مثل رواية «زوربا» (للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس) و«بابا همنغواي» (للروائي الأميركي أيرون إدوارد هوتشنر)، ولديه اهتمام بمتابعة كثير من الكتب والتطورات السياسية...
الشيء الآخر الذي يشخص أمامي من سيرة الجواهري، هي ذاكرته، فهو يمتاز بذاكرة صلبة وقوية... وإحدى مميزاته أنه يحفظ قصائده عن ظهر قلب، معتمداً على الذاكرة حتى في سنوات عمره الأخيرة... حتى أن إحدى القنوات التلفزيونية أجرت برنامجاً عن 52 قصيدة من قصائد الجواهري يتلو خلالها شيئاً من شعره، ورغم أنه طلب كتابة تلك القصائد بخط كبير توضع أمامه إذا احتاج الرجوع إليها، لكنه أثناء التصوير لم يحتج إلى الرجوع للنصوص المكتوبة.
حتى مشاركته في مهرجان الجنادرية حين كنا في المملكة، ألقاها عن ظهر قلب...
> بالمناسبة نتذكر أن مشاركته في مهرجان الجنادرية سنة 1994، أدت إلى – كما قيل - لغضب السلطة العراقية وسحب الجنسية عنه... وهناك نصٌ شعري انتشر بعدها يُنسب للجواهري... ما حقيقة ذلك... النص الذي يقول في نهايته مخاطباً صدام: «سل مضجعيك يا ابن (الخنا)... أأنت العراقي أم أنا»...؟
- هذه القصيدة ليست للوالد (الجواهري)... حين بلغه سحب الجنسية عنه قال: «تباً لهم»... لكن هذه القصيدة اشتهرت وقتها، ونسبت للجواهري، والحقيقة أنها ليست له، وأنا شخصياً سألته قائلة: «أخبرني بيني وبينك بصراحة: هل كتبت فعلاً هذه القصيدة...؟»، وأجابني: «لا، لم أكتبها، لماذا أخفي أني كتبتها... صدقيني ليس أنا من كتبها».

- قصائد لم يكتبها الجواهري
> اشتهر عدد من القصائد بنسبتها إلى الشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري، والحقيقة أنها ليست له. بعض تلك القصائد ألفها الشاعر العراقي الراحل حسين الرفاعي، الذي عمل مديراً للتربية في الرصافة بالعراق، وتوفي قبل سنوات.
وفي الدورة الأولى لمهرجان الجواهري الشعري الذي أقيم في بغداد، ألقى الرفاعي نصاً شعرياً بعنوان «زياد ابن أبيه»، مشيراً بحضور أبناء الجواهري، إلى أنه من نظم تلك القصيدة، التي عرفت على نطاق واسع بأنها للجواهري، وقال: «أنا مديون للجواهري بحياتي... فلو علم النظام السابق أنني كاتب تلك القصيدة لحكموا بإعدامي!».
وفي حديث لقناة «إذاعة العراق الحر» في العاشر من يوليو 2005، أوضح الرفاعي أنه كتب قصيدة «زياد بن أبيه» رداً على قمع نظام صدام ضد انتفاضة مارس (آذار) 1991 المعروفة بالانتفاضة الشعبانية، ونسبت بعدها إلى الجواهري، مضيفاً أن هذا الأمر «أبعد مدية الجلاد عن رقبتي».
لكن قصيدة «سل مضجعيك يا ابن الخنا... أأنت العراقي أم أنا»، فيراها عدد من الشعراء والأدباء العراقيين نصاً «إعلامياً» أكثر منه قصيدة، ومن المستحيل أن تنسب لشاعر كبير كالجواهري، أو شاعر مجيد كالرفاعي، لكونها نصاً يفتقد الوزن وفيه من الأخطاء العروضية الكثير.
الشاعر والناقد العراقي فارس حرام قال لـ«الشرق الأوسط»: من الواضح أن هذا النص ملفق... فتقريباً نصف أبيات القصيدة غير موزونة، ويبدو أنه جرى «ترتيبها» من مدون أو إعلامي مجهول، لا يعرف الشعر، أو هي قصيدة فعلاً لكن جرى نقلها بشكل سيئ، ووصلتنا نسخة مشوهة منها، فهذا النص المتداول لا يمكن أن تكون قصيدة. وغالبية أبياتها عبارة عن جمل مرصوفة من دون وزن ولها قافية فقط.
الشاعر العراقي حسين قاصد، قال لـ«الشرق الأوسط»: «أنا أعرف الشاعر حسين الرفاعي (رحمه الله)، فقد كان صديقي، وقد كتب ونسب للجواهري شعراً كثيراً، ولكن هذا النص المتداول تحديداً، ليس للجواهري، وليس للرفاعي، فهذا النص يفتقد الوزن... وهو من محكيات العامة...».
يضيف قاصد: «أنا شخصياً سألتُ الرفاعي هل صحيح نسبة هذا النص إليك، وأجابني بالنفي».
يضيف قاصد: «نعلم أن الكثير من الشعر والأقوال نسبت للجواهري، من بينها أنه يقرأ (العراق)، (يضم العين)، وحين سئل أجاب: (لا أحب أن أكسر عين العراق)، وهذا أيضاً نسب له من باب الغلو في الحب».



مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي
TT

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي، تنتصب الخيمتان العملاقتان اللتان تختصران نبض سوق الفن العالمي وذاكرته، حيث تلتئم نسختا هذا العام من معرَضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لتؤكدا مجدداً أن العاصمة البريطانية ليست مجرد سوق تداول، بل مختبر نقدي حي يتلمس تحولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هذا العام ليستا مجرد مساحات لعرض السلع البصرية الفارهة، بل تحولت تحت أقدام الزوار والقيّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة، مانحةً النقاد فرصة نادرة لتشريح أين يتجه الفن المعاصر، وكيف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين.

إذا تجولنا أولاً في أروقة «فريز لندن»، سنرى كيف انشغل 172 غاليري من مختلف أصقاع الأرض بتفكيك الحاضر وتشريح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مثلاً، يقدم الفنان البرازيلي دالتون باولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاستعمارية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مستخدماً ضربات فرشاة رقيقة وسطوحاً حليبية تمنح شخوصه طابعاً طيفياً يرفض النسيان.

وإلى جوار هذه الصرامة التاريخية، تقتحم الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، فضاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والتآكل والتشكل، لاغية الحدود الفاصلة بين اللوحة ككائن جمالي مستقل وبين الطبيعة في صيرورتها الحية، وهو ما يعيدنا برهافة تشكيلية إلى «فن الأرض» Land art، ولا يقل عنها حضوراً الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكداً أن الملمس المادي للعمل الفني هو جزء لا يتجزأ من حمولته السياسية والنفسية.

وعلى الضفة المقابلة للحديقة، حيث يعيد «فريز ماسترز» كتابة التاريخ الفني بعيون واعية نقدياً، تتجلى بوضوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو» قد شكل العلامة الفارقة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل وهي تعيد تعريف الحداثة الجندرية والإنسانية النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز حضور غاليري «لوفت آرت» مسلطاً الضوء على ريادة الحداثة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الحرفي الأمازيغي. ولا يغفل المعرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات نادي الشارع الثامن (The 8th Street Club) وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكنّ وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظَللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مثل غاليري «بيري كامبل» وتكشف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة.

لغة الأرقام الفنية

أمّا على صعيد لغة أرقام المبيعات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الوزن تجسد صدارة القطع المتحفية عالمياً؛ إذ بيعت لوحة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بروغيل الأكبر لدى غاليري «هاوزر أند ويرث» بمبلغ ناهز 6.5 مليون دولار، تليها لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس بـ1.5 مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو بـ600 ألف دولار بالتساوي مع عمل برونزي لأنطوني غورملي، بينما بيعت لوحة للفنانة كارا ووكر بـ400 ألف دولار.

جغرافيا الفن العربي

ولم يكن الوجود العربي في هذا الحدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هامشية، بل امتداداً لقوة حوارية تفرض حضورها الجمالي والمفهومي بثبات؛ حيث وضعت الصالات العربية بصمتها التأسيسية من خلال مشاركات نوعية شقت قنوات جديدة للرؤية. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعد ورايان تابت، بينما نجحت صالة أثر (جدة/ الرياض) في لفت الأنظار إلى التحولات المعاصرة في المشهد السعودي عبر مقاربات فنية ومفاهيمية للفنانين مثل أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة.

وعلى صعيد «فريز ماسترز»، فرض غاليري «لوري شبيبي» (دبي) حضوره عبر عرض أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثارها الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والذاكرة والنزوح بشاعرية مكثفة.

وسجل غاليري «المرسى» حضوراً لافتأ عبر الاحتفاء بالأعمال الإيقاعية والتجريدية الفريدة للفنان التونسي-الفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسراً بصرياً يمزج بين الذاكرة الأفريقية-العربية والتقاطعات الخطية المعاصرة لتؤكد أن الجغرافيا العربية أضحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل المشهد البصري المعاصر.


«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي
TT

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر، المفضل لدى بطلها «طارق العايق»، الذي يبدو كأنه خرج من عالم الأغنية نفسها، محملاً بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق.

من هذه العتبة يمتد الطابع الشعبي عبر سطح العالم الروائي، المعبأ بأصوات الباعة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولاً إلى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكرة السينما المصرية في تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة.

ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بابنة جيرانه «ميرفت» تتسع أسئلة الخديعة لتطال تصوّرات البطل عن نفسه، وعن النجاح والمكسب والخسارة، وعن حدود إنسانيته داخل المدينة التي ينتمي إليها.

يستعيد طارق حكايته مع ميرفت بوصفها خسارته الكبرى، كأن حياته انقسمت إلى ما قبل هذه العلاقة وما بعدها، غير أن الخسارة العاطفية تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات؛ فالرجل الذي لم ينجح في الاحتفاظ بوهج قصته مع حبيبته، لم ينجح كذلك في تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابس المستعملة في سوق «البالة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحمّله مسؤولية الهزيمة.

وهكذا تتجاوز مفردة «انخدعنا» دلالتها الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة التي تضعها دينا شحاتة داخل بناء سردي يستعير منطقه من لعبة «الدومينو»، لتتوزع الرواية عبر أربع جولات، تتخللها فواصل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولاً إلى «قفلتها» الأخيرة.

لتصبح لعبة الدومينو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والخسارة، بينما تظل كل قطعة مرهونة بما يسبقها وما يليها.

من خلال هذا الترتيب، تسحبنا الرواية من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صوت سردي ثالث هو صوت المدينة، لتكتسب «بورسعيد» حضوراً سردياً مستقلاً، بوصفها ذاتاً تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها.

حدود الراوي العليم

تبلغ هذه الندية ذروتها في تحدي المدينة لمعرفة الراوي العليم نفسه، ووصفه بأنه «الراوي ناقص المعرفة»، لتشمل لعبة الرواية تحدي سلطة السارِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد بورسعيد مع حفر قناة السويس عام 1859.

في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتبط اسمها في الوجدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضاً تاريخاً من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلى مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1967، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها.

ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الروايات الكبرى عن المجد والانتصار، بما فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والحيوات الصغيرة التي توارت خلف التحولات السياسية والاقتصادية، وتستعيد المدينة تاريخ ميلادها بوصفه جرحاً جسديّاً، تتجاور فيه صورة الشريط الساحلي الذي شقته الفؤوس مع أجساد العمال الذين احتضنتهم الرمال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة.

تتبدى أنسنة المدينة في نديتها للبطل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طارق، عشر سنوات لم تكفِ الأيادي عن الحفر، تمنيت لو يتم مسحها من ذاكرتي»، لتمنح خساراته الفردية عمقاً أبعد في ذاكرة المكان، فكما يتمنى طارق نسيان سنوات عمله في التهريب وتجارة الملابس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت.

وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاً. قسوة أن ترى دون فعل؟ وما رأته عيناي في ولادتي، ما كان يجب أن يُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد.

ومن هنا تتجاوز الموازاة بين البطل «طارق العايق» ومدينة «بورسعيد» مجرد التشابه في الخسارة؛ فبينما يرى طارق أن خديعته بدأت مع ميلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حيث تتشكل مصائر الأفراد في امتداد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها.


بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية