ألكسندر العظيم في متحف «فيكتوريا آند ألبرت»

معرض يحتفل بعبقريته الفنية ويقدم قراءة في شخصيته والصراعات التي تجاذبته

موظفة في المتحف تضع لمسات أخيرة على تشكيلة «بلايتوس أتلانتيس» التي اقترحها لربيع وصيف 2010
موظفة في المتحف تضع لمسات أخيرة على تشكيلة «بلايتوس أتلانتيس» التي اقترحها لربيع وصيف 2010
TT

ألكسندر العظيم في متحف «فيكتوريا آند ألبرت»

موظفة في المتحف تضع لمسات أخيرة على تشكيلة «بلايتوس أتلانتيس» التي اقترحها لربيع وصيف 2010
موظفة في المتحف تضع لمسات أخيرة على تشكيلة «بلايتوس أتلانتيس» التي اقترحها لربيع وصيف 2010

جرت العادة في السابق أن يُكرم الفنان بعد مماته، إذ قد يعيش فقيرا ومفلسا طوال حياته، وما إن يتغمده الموت حتى ترتفع أسعار أعماله ويزيد الإقبال عليه، ليصبح كل عمل إرثا يقدر بالملايين، إن لم نقل المليارات. صحيح أن الأمر تغير في العقود الأخيرة بالنظر إلى الفنانين الذي يحققون النجاح في حياتهم، إلا أن الغالبية منهم لا تزال تعاني وتشكو. بعض مصممي الأزياء يدخلون في خانة الفنانين، فهم لا يخلفون إرثا يتمثل في اسم عالمي وأسلوب مميز لا يقدر بثمن فحسب، بل يدخلون المتاحف من أوسع الأبواب، فضلا عن تحقيقهم النجاح التجاري الذي يدر عليهم وعلى ورثتهم فيما بعد، سواء كانوا من العائلة أو شركة اشترت اسمهم بالملايين. من هؤلاء نذكر الراحل ألكسندر ماكوين. بدايته كانت قوية فنية ومتواضعة ماديا، لكن من الخطأ القول إنه مات مفلسا، لأنه حقق ثروة طائلة بعد سنوات قليلة من تخرجه، إلى حد أنه نفسه تفاجأ بها ولم يصدق طالعه. ألكسندر ماكوين يتحدر من أصول جد متواضعة في شرق لندن، لهذا كان التعامل بالملايين جديدا عليه لم يتقن التعامل معه إلا بعد سنوات. على المستوى الشخصي، ومثل الكثير من الفنانين كان ماكوين حساسا، ومتغير المزاج ما عرضه للاكتئاب، لتكون نهايته الانتحار وهو في الـ40 من عمره وفي قمة نجاحه الفني. لم تتأثر المجموعة المالكة لدار «بي بي آر» أو «كيرينغ» حاليا كثيرا بمماته، فسارة بيرتون، يده اليمنى، تسلمت مقاليد الدار مباشرة وقادتها بسلام إلى بر الأمان، لتصبح من أهم بيوت الأزياء التي تملكها المجموعة حاليا. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن روح ألكسندر لي ماكوين وأسلوبه لا يزالان يحومان في كل عرض، إلى حد الآن ليذكرنا بهوسه بـ«الجمال الوحشي» على المستويين المجازي والتطبيقي، أحيانا.
هذا الجمال شكل موضوعا احتفلت به أوساط الموضة في متحف الميتروبوليتان للتصميم بنيويورك في عام 2011، وشهد نسبة عالية من الزوار، استدعت تمديده لعدة أشهر أخرى. هذا الجمال أيضا وصل أخيرا إلى متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن، حيث يتوقع أن يحقق نفس النجاح، ولا سيما أنه يقدم درسا وافيا عن المصمم كإنسان وفنان وعلاقته بلندن. لا يختلف اثنان على أن المعرض اللندني أكبر من ذلك الذي نظمه متحف المتروبوليتان بنيويورك منذ 4 سنوات، لسبب بسيط وهو أنه يتوفر على إمكانيات أكبر، بحكم أن شركة «سواروفسكي» هي الممول الرئيسي له.
نادجا سواروفسكي، الرئيس التنفيذي لشركة «سواروفسكي» تعرف المصمم الراحل شخصيا وتعاملت معه في الكثير من المناسبات. تتذكر أنها عندما قابلته لأول مرة في معمله الصغير بشمال لندن، صدمها بتحفظه، لكنه ما إن بدأ يتكلم عن عمله وكيف يمكنه أن يوظف أحجار الكريستال في تصاميمه لإضافة العمق واللون والضوء عليها، حتى ذاب جليد التحفظ وانفرجت أساريره، واكتسبت شخصيته ديناميكية عجيبة. وعندما دعته لزيارة أرشيف الشركة في النمسا، كان مثل الطفل في محل شوكولاته، ينظر بانبهار إليها ويشرح بحماس كيف يمكنه أن يستعملها وفي الأخير أعرب عن رغبته في أن يحصل عليها كلها.
من جهتها، تعلق كلير ويلكوكس، أمينة المعرض، بأن المتحف يرى أن أعمال ألكسندر ماكوين فنا قائما بذاته يستحق أكثر من معرض، لهذا خُصصت له أكبر مساحة ممكنة، ثلاث قاعات، في سابقة غير معهودة لمعرض خاص بالأزياء. تشير أن ما شجع على الأمر أيضا أنه واحد من أبناء لندن.
ما إن تدخل المعرض حتى تستقبلك كلمات ماكوين يقول فيها: «ولدت في لندن.. إنها تسكن قلبي، ومنها استلهم أفكاري». تتوغل في دهاليز المتحف، وينتابك ذهول من حجم إخراجه وفي الوقت ذاته حميميته. تشعر كما لو أنك تعرف المصمم شخصيا، إذ تتبعك كلماته في كل ركن تطأه قدماك، وهو يشرح ما ألهمه في كل تشكيلة صممها في حياته. من الغرفة الأولى، التي تسلط الضوء على بداية مشواره، تدخل عقله المهووس بكل ما هو وحشي وجريء، وهو يقول: «سبب وجودي في هذا المجال هو تكسير التابوهات والقواعد، والحفاظ على التقاليد»، في إشارة إلى احترامه فنون التفصيل الرجالي وإتقانه له، وهو ما وظفه بشكل رائع في كل قطعة صممها. تطوره يبدو واضحا بعد تبنيه الأسلوب القوطي الرومانسي من خلال استعماله السخي للجلود، وما أصبح يعرف أيضا بأسلوب «الاستعباد» الذي يستعمل فيه الأقمشة للف الجسم بطريقة تبدو بدائية نوعا ما، لكنها تخفي بين ثنياتها وطياتها الكثير من الفنية. تطوره يظهر أيضا في شطحاته التي وظف فيها قماش التارتان الاسكوتلندي والمخمل والريش والموسلين المرصع بالأحجار وغيرها. ديكور كل قاعة وركن في المتحف يذكرنا بأن الإخراج المسرحي والدرامي كان جزءا لا يتجزأ من تطوره الفني، وليس مجرد وسيلة لخض المتعارف عليه، وإحداث صدمات بصرية وفكرية يتلذذ بها، وهو يختبر إلى أي مدى يمكنه أن يحرك النفس البشرية ويحفزها على التفكير والتحليل. مثال على هذا فستان مرسوم، أو بالأحرى مصبوغ بالرذاذ، ظهر في تشكيلته لربيع وصيف 1999، وكانت العارضة شالوم هارلو قد أنهت به العرض، وفستان آخر ظهرت به كيت موس بصور ثلاثية الأبعاد. فقد انتبه سريعا أن الإنترنت والتكنولوجيا هما المستقبل، لهذا عانقهما بشدة، من خلال رسومات ديجيتال ثلاثية الأبعاد، جعل فيها قشور الأفاعي لامعة مثل الصلب وناعمة مثل الحرير، أو من خلال بث عروض مباشرة على الإنترنت.
ومع ذلك لا بد من الإشارة أن تصاميمه كانت مثيرة للجدل أحيانا، لأنها لم تكن تبدو جميلة من النظرة الأولى، بالنسبة لمن لم يكن يعرف أنه كان مهووسا بالجمال من منظور غير تقليدي، انطلاقا من إيمانه بأن «الجمال في عين الناظر». أي أنه يكمن في الداخل، وهو ما فسره في أحد العروض بقوله: «الأمر بالنسبة لي كمن يحاول أن يمسك بخيوط شيء غير ملموس ولا جميل بالمعنى التقليدي، لأبرز جمال دفين بداخله». معروف عنه أيضا أن وشم في ذراعه اليمين كلمات اقتبسها من مسرحية شكسبير «حلم منتصف ليلة صيف». تقول: «الحب لا ينظر بالعين، بل بالعقل»، وهو ما يفسر الكثير من أعماله، وغوصه في جمال غير ظاهر للعيان، لكنه بالنسبة له مثل الماس، يجب صقله حتى يلمع ويجذب الأنظار.
هذا الجمال الوحشي اكتسب أحيانا عدوانية صارخة، كانت تخلق لحظات غير مريحة في عروضه المسرحية. في إحداها، أرسل عارضاته وكأنهن مريضات في مصحات عقلية يخربشن في حيطان شفافة، يحاولن هدمها للخروج والانعتاق من قيودها. لكنها كانت تنجح دائما في أن تثير جدلا فكريا إيجابيا، ولا سيما أن جمال الأزياء وتفصيلها الرائع كانا يشفعا له جنونه. بموازاة هذه العدوانية والغرابة، لم يغفل المعرض الجانب الرومانسي، في تصاميمه رغم لمساته وإيحاءاته الوحشية أحيانا. في واحدة من القاعات، مثلا، غُلفت كل الجدران بالورود والنباتات والدانتيل والريش، لتسليط الضوء على الرومانسية الغرائبية أو السريالية التي شغلت الكثير من تفكيره، وتمحورت في الكثير من التصاميم على تحولات الطبيعة، ما يُفسر التصاميم المطبوعة بالكائنات الحية مثل الطيور والورود. لم ينكر المصمم أن الطبيعة تشكل ملهما مهما في أعماله، فهي بالنسبة له، حتى عندما تكون جدباء، بإمكانها أن تُنبت ورودا متفتحة. الريش أيضا كان تيمة تكررت في تصاميمه، وخصوصا أنه كان مهووسا بالطيور. فهي تظهر في عروضه منذ عام 1996، حين كان مصمما فنيا في دار «جيفنشي» وأرسل عارضين بأجنحة صقور ملصقة على أكتافهم. في عرض آخر، استعمل طيورا ميتة ريشها أسود ومناقيرها ضخمة ومخالبها مخيفة كخلفية أو ديكور لأزياء ناعمة من الدانتيل أو الموسلين استوحاها من العصر الفيكتوري، ثم لا ننسى ذكر ذلك الفستان الشهير المصنوع بالكامل من ريش النعام.
هذا المزج بين الوحشي والأثيري، بصمة التصقت بأسلوبه وميزته عن غيره، كما خلق له تحديات كبيرة اجتازها في جانب العمل، وفشل في التعامل معها في حياته الخاصة، لتكون نهايته بحبل شنق به نفسه في يوم بئيس من شهر فبراير (شباط) عام 2010. بدفنه، دفنت حقبة مهمة في تاريخ الموضة البريطانية، تميزت بديناميكية فنية طبعت التسعينات وبداية الألفية، وهذا ما نجح المعرض في إيصاله للزائر، الذي لا يمكنه أن لا يشعر بأنه يتابع لحظات تاريخية من الموضة، هي مزيج من الحرفية العالية والدراما المسرحية، التي يتوقع البعض أنها قد تصيب بالرعب وتُبعد الزبائن، مثل الجماجم، لكنها على العكس تحقق نجاحا تجاريا منقطع النظير إلى الآن، لأنها كانت فنا.
تنتهي الزيارة بركن يستعرض آخر تشكيلة قدمها في عام 2009، بعنوان «بلايتوس أتلانتيس»، أي «أتلانتيس أفلاطون»، ظهرت فيها العارضات بفساتين مرسومة بتقنية الديجيتال وأحذية «بلاتفورم» عالية مستوحاة من حافر الحصان. فجأة، تخطر ببالك صورته وهو يحيي الحضور في آخر العرض بخجل لم يكن يليق بمصمم عبقري، نذر قدراته لتحريك المياه الراكدة وتكسير التابوهات والبحث عن الجمال في أماكن غير متوقعة، ونجح دائما في تقديم فساتين ناعمة، مفصلة بدقة عالية، بحكم تدربه وعمله مع خياطي «سافيل رو» الشهير بلندن. تخرج من المعرض وأنت تشعر بأن مسيرة لي ماكوين لا تُقارن بغيره، لأنه سلك طريقا خاصا به جعل البروفسورة الراحلة لويز ويلسون التي كان يخافها كل الطلبة وتحترمها أوساط الموضة، تقول إن أعماله كانت ترسل قشعريرة في جسمها، وهو مدح قلما جادت به على أي مصمم شاب. يرسخ المعرض أنه كان مثل صياد يتقفى أثر الوحوش والطيور بحسه ليطوعها ويصوغها بلغته. يزيد إعجابك به وتريد أن تعرف المزيد عنه كإنسان: ما الذي كان يحركه كفنان يرى الجمال في القبح والرعب؟ الناقد المعروف، كولين ماكدويل، قال إن ألكسندر ماكوين ليس وحده من يستحق معرضا بهذا الحجم، بل نحن أيضا نستحقه، لنفهمه ونقدر الموضة كفن. فالأزياء التي استعرضها المتحف، لم تكن عن جمالياتها فقط، بقدر ما كانت قراءة في شخصيته وتفكيره، وتفسر إلى حد ما أدى الصراعات التي كانت تتجاذبه وأدت إلى نهايته المأساوية.
* سيمتد المعرض إلى بداية أغسطس (آب) المقبل.



الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.