سيدات لبنان يلجأن إلى الدراجات النارية لحل أزمة النقل

في إطار البحث عن وسائل بديلة في غياب المواصلات العامة

مشهد الطوابير الطويلة من السيارات يتكرر يومياً أمام محطات البنزين في لبنان (أ.ب)
مشهد الطوابير الطويلة من السيارات يتكرر يومياً أمام محطات البنزين في لبنان (أ.ب)
TT

سيدات لبنان يلجأن إلى الدراجات النارية لحل أزمة النقل

مشهد الطوابير الطويلة من السيارات يتكرر يومياً أمام محطات البنزين في لبنان (أ.ب)
مشهد الطوابير الطويلة من السيارات يتكرر يومياً أمام محطات البنزين في لبنان (أ.ب)

تنتقل اللبنانية لانا شحادة على دراجتها النارية الصغيرة كل صباح من منزلها الكائن في منطقة دوحة عرمون (جبل لبنان) متجهة إلى عملها في منطقة الحمرا في العاصمة بيروت. تحمل أغراضها في حقيبة تضعها على ظهرها، تعتمر خوذتها... وتنطلق.
وفي وقت يعيش فيه اللبنانيون أسوأ أزمة محروقات تشل البلاد، تمر لانا من أمام طوابير السيارات اللامتناهية من دون أن تكترث لزحمة السير الخانقة التي سببتها تلك الطوابير، ولا تخشى نفاد مادة البنزين من دراجتها، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها حتى الآن لم تضطر إلى التغيب عن عملها كمصممة غرافيك في إحدى الشركات بسبب تلك الأزمة التي تشل الوطن والمواطنين، على عكس زملائها.
ومؤخراً مع اشتداد أزمة المحروقات واضطرار اللبنانيين إلى الوقوف في «طوابير» أمام محطات البنزين للتمكن من تعبئة سياراتهم، ومع فقدان قيمة الليرة اللبنانية الكثير من قيمتها وارتفاع كلفة صيانة السيارات وكذلك تكلفة النقل العام، يبحث اللبنانيون عن وسائل بديلة تقلهم إلى أعمالهم وتقضي حاجاتهم اليومية من دون الاضطرار إلى دفع تكاليف باهظة تقضم رواتبهم التي أصبحت لا تكفي متطلباتهم الحياتية.
وكثرت في الآونة الأخيرة رؤية النساء يقدن دراجات نارية على اعتبار أنها وسيلة نقل سهلة وغير مكلفة.
وتروي لانا أنها بدأت بقيادة الدراجة النارية عقب احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أي مع بداية أزمة الدولار في لبنان، وتقول: «طالما أحببت الدراجة النارية لكن لم يتقبل أهلي، خصوصاً أخي الفكرة في السابق، وكان لديهم بعض المخاوف من نظرة المجتمع لفتاة تقود دراجة نارية»، وتضيف: «لكن بعد الثورة تقبلوا الموضوع وكأن أخي ثار على أفكاره السابقة بعد أن شاهد العديد من الفتيات يقدن دراجات نارية وتأكد حينها أن المشكلة في الأشخاص الذين يعيبون ركوب الفتيات للدراجة النارية لا بالفتيات ذاتهن».
وتحكي لانا تجربتها أمام محطات الوقود وتضحك عندما تروي أن «الفتاة التي تقود دراجة نارية تستطيع تعبئة الوقود لدراجتها أكثر من الشباب»، وتشرح: «عندما أجد محطة بنزين تقوم بتعبئة المادة للدراجات النارية، ووسط ازدحام الدراجات التي يقودها الرجال، يعبئ العاملون في المحطة دراجتي قبل جميع المصطفين أمام الخراطيم عندما ينتبهون إلى أن فتاة تريد تعبئة دراجتها... ربما خجلاً من أن أنتظر بالصف كما يفعلون مع سائقي الدراجات الذكور». ووفقاً لها، يطلب منها بعض الزملاء أن تأخذ دراجاتهم النارية إلى المحطات لملئها بالمادة النادرة، بعدما فشلوا في تعبئتها بأنفسهم، «لكني لا أقبل» تؤكد لانا.
ومع ازدياد الطلب على مادة البنزين في السوق مع تقليل الاستيراد من الخارج بسبب شح الاعتمادات التي يخصصها مصرف لبنان لدعم استيراد المحروقات، برزت السوق السوداء بشكل لافت، وأصبح تجار السوق السوداء يقفون في الطوابير مرات عدة في اليوم لشراء المحروقات من المحطات بالسعر الرسمي الذي بلغ أكثر من 210 آلاف ليرة لبنانية (13 دولاراً) لصفيحة البنزين منذ يومين، ويبيعونها بالسوق السوداء لأشخاص لديهم قدرة شرائية بأسعار تصل إلى المليون ليرة لبنانية (65 دولاراً) للصفيحة.
وأغلبية تجار السوق السوداء هم من أصحاب الدراجات النارية ويقومون بملء دراجاتهم عشرات المرات في اليوم ثم يفرغونها في غالونات لبيعها، ما دفع أصحاب المحطات إلى الامتناع عن التعبئة لكل سائقي الدراجات، نظراً للزحمة التي يسببونها من جهة ولتجارتهم بالمادة من جهة أخرى.
وتملك لانا سيارة لكنها نادراً ما تستخدمها مؤخراً «إلا في الحالات الطارئة أو في مشاوير الليل»، بحسب قولها.
طريقة أخرى يلجأ إليها إيلي ضاهر وغيره من اللبنانيين للوصول إلى مكان عمله بأقل خسائر ممكنة، فهو يسكن في منطقة الدامور (جنوب بيروت) اتفق مع أربعة من جيرانه على «برنامج توصيلات»، ويفسر لـ«الشرق الأوسط» «نحن الخمسة نعمل من الاثنين إلى الجمعة في بيروت، فاتفقنا على أن نذهب كل يوم إلى أشغالنا بسيارة واحدة يقوم صاحبها بإيصال البقية إلى أقرب نقطة إلى عملهم ثم يقلهم من نفس النقطة».
ويشرح إيلي، وهو مهندس، أن أزمة المحروقات، إن كان لناحية ارتفاع أسعارها أو انقطاعها، دفعت بالكثيرين إلى إيجاد وسائل بديلة في ظل عدم وجود خطط نقل مشترك في لبنان وغياب الحلول، ويقول: «أجرة التاكسي من بيتي في الدامور إلى مقر عملي في وسط بيروت تتخطى الـ400 ألف ليرة لبنانية ذهاباً وإياباً ومصروف الوقود في سيارتي خرافي... فكان لا بد من إيجاد بديل».
وعن التجربة، يحكي إيلي أنها مريحة أكثر من ناحية المصروف لكنها مربكة أحياناً، ويضيف «علينا في بعض الأحيان انتظار أحدهم فيتأخر الأربعة الآخرون عن عملهم بسبب شخص واحد، أو يتحتم علي التحدث مع الشباب منذ الصباح الباكر من باب الأخلاقيات حتى لو كان مزاجي عكراً أو لا أريد الكلام... لها سلبياتها وإيجابياتها».
وبحسب إيلي الـ«pullover» أو «أوتوكار الجيران» على حد وصفه، هو الحل الأنسب حالياً وبهذه الطريقة نكون قد استخدمنا سياراتنا مرة في الأسبوع وخففنا مصروف بنزين وحرقة أعصاب على المحطات وأيضاً أسهمنا في تخفيف زحمة السير».
ومعظم المواطنين الذين يعملون في العاصمة يسكنون خارجها، ويعتمد أكثر من نصف اللبنانيين على سياراتهم الخاصة في التنقل ويحوي البيت الواحد على سيارة لكل فرد خصوصاً العائلات التي تسكن خارج العاصمة، ومع اشتداد أزمة المحروقات اتسعت المسافات بين هؤلاء الأفراد وأماكن عملهم كما ارتفعت الكلفة إلى حد كبير، فكان لا بد من حل يقربهم من مكان عملهم ويخفف أعباء المصروف، ومن بين هؤلاء لارا الديك التي لملمت أغراضها وأغراض زوجها وجهزت الحقائب وأفرغت البراد وأغلقت نوافذ منزلهما في المتن وأقفلت الباب واتجهت مع زوجها إلى بيت أهلها في المصيطبة (بيروت)، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».
«لا نعلم متى نعود إلى بيتنا حالياً نحن في حالة تهجير لكننا اكتفينا من التوتر والقلق» على حد تعبيرها، وتضيف «كلفة البنزين أصبحت تفوق قدرتنا هذا أصلاً إن توفرت، وهناك مخاطرة كبيرة بعدم الذهاب إلى العمل بسبب الأزمة، فرؤساء العمل يريدون حجة لفصل الموظفين ولا نريد إعطاءهم الحجة في هذه الظروف».
وتغضب لارا عندما تتحدث عن بنزين السوق السوداء الذي اضطرت لشرائه مرات عدة بعدما باءت كل محاولاتها أمام المحطات بالفشل «600 ألف ليرة لبنانية لصفيحة بنزين واحدة! دفعت المبلغ من اللحم الحي لكني لم أجد وسيلة أخرى. تغيبت عن العمل يومين بسبب البنزين على أمل أن أتمكن من التعبئة وآخر المطاف فرغ خزان سيارتي وأنا أنتظر دوري في الطابور». ولا تتصرف لارا وزوجها بأريحية في منزل العائلة خصوصاً أنهما لا يتمتعان بالخصوصية الكافية في بيت يسكنه والدها ووالدتها وإخوتها الأربعة، لكنها تؤكد أنها تفضل هذه الفوضى على القلق اليومي وزحمة السير والخوف على باب رزقها.



تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».