أولاف شولتز... الرجل المرشح لإعادة منصب المستشارية في ألمانيا إلى الاشتراكيين

خاض المعركة بالتقرب من سياسات ميركل

أولاف شولتز... الرجل المرشح لإعادة  منصب المستشارية في ألمانيا إلى الاشتراكيين
TT

أولاف شولتز... الرجل المرشح لإعادة منصب المستشارية في ألمانيا إلى الاشتراكيين

أولاف شولتز... الرجل المرشح لإعادة  منصب المستشارية في ألمانيا إلى الاشتراكيين

«ليس سيئاً أبداً مقارنة رجل بمستشارة ناجحة»، هي جملة قالها أولاف شولتز مرشح الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) لمنصب المستشارية في ألمانيا، عندما اتُّهم بتقليد أنجيلا ميركل لكسب أصوات الناخبين. وعلى الرغم من أن الرجل لا ينتمي لحزب ميركل المحافظ، فإنه لا يتردد بتصوير نفسه على أنه امتداد لسياستها العامة.
خلال الحملة الانتخابية، نشر الاشتراكيون صوراً دعائية لشولتز وهو يجلس مبتسماً وينظر إلى الكاميرا، مع جملة عريضة تقول: «يمكن أن أكون مستشارة» مع تأنيث كلمة «مستشار» في إشارة إلى ميركل. بل إنه وقف أمام عدسة كاميرا مجلة «سود دويتشه تزايتونغ»، التي كانت تلتقط له صورة لنشرها إلى جانب مقابلة أجرتها معه، وحرص على أن تبدو يداه مجموعتين بشكل الماسة الشهيرة التي تجمع فيها ميركل يديها وتحولت إلى علامتها الخاصة.
هذه الاستراتيجية التي اعتمدها الاشتراكيون بتقديم مرشحهم الذي يشغل حالياً منصب وزير المالية ونائب المستشارة على أنه امتداد لميركل، يبدو أنها لاقت صدى إيجابياً لدى الناخبين الألمان. فهي استراتيجية نجحت في إعادة حزب عريق كان يغرق قبل أشهر قليلة، إلى طليعة السباق الانتخابي، وحوّلت حظوظه التي كانت شبه معدودة بالمشاركة في الحكم، إلى حظوظ وافرة بقيادة الحكومة المقبلة.
ومع ذلك فإن صعود شولتز، البالغ من العمر 63 سنة، فاجأ كثيرين، ودفع بالمحللين للتساؤل عن سر «سحر» هذا الرجل الذي لا يتمتع بأي «كاريزما»... حتى إنه اكتسب لقب «شولتز – أومات» ما يعني «الرجل الآلي» اقتباساً من كلمة «أوتومات» التي تعني في الألمانية الـ«آلي».

تلاحق أولاف شولتز طبعة «المرشح المملّ» الذي ينقصه البريق، والذي يقول القليل وينطق باللازم فقط. وحقاً، خلال المناظرات التي جمعته بالمرشحين المنافسين، كان هو دائماً الأقل كلاماً، ومع ذلك كان هو دائماً الفائر، حسب تقييم المشاهدين. لذا كان الأكثر إقناعاً وأكثر من يبعث على الثقة برأيهم.
المرشحان الآخران، أرمين لاشيت عن حزب ميركل، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وأنالينا بيربوك عن حزب «الخضر»، جربا في الواقع تكتيكات متعددة في كل مناظرة لكسب الأصوات التي خسراها. وانتقلا من اعتماد سياسة عرض أجندتيهما إلى الهجوم على شولتز، في حين بقي شولتز على ثباته ورصانته.
كان يعرض أفكار حزبه بالقليل من الكلام، من دون أن يتهجم على منافسيه، ويتحدث بثقة من خبرة اكتسبها كوزير للمالية قاد ألمانيا في واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية وسط جائحة «كوفيد - 19» والفيضانات التي اجتاحت البلاد. وفي كل مرة بعد انتهاء المناظرة، كانت النتيجة إخفاق لاشيت وبيربوك في سحب أصوات من شولتز.
ثم إن شولتز لم يستفد فقط من منصبه كوزير للمالية لتقديم نفسه على أنه المرشح الذي يبعث على الثقة، بل استفاد أيضاً من إخفاقات منافسيه ومن الهفوات التي ارتكباها في بداية الحملة الانتخابية ودفعت الناخبين إلى فقدان الثقة بهما. ولقد جاء اعتماد شولتز على سياسة تصوير نفسه على أنه امتداد لميركل، بهدف سحب الناخبين المستائين من مرشح الديمقراطيين المسيحيين... إليه.

- «فضائح» قليلة التأثير
وقد نجح بذلك بالفعل ورفع درجة التأييد لحزبه إلى مستوى غير مسبوق منذ 16 سنة، ولم تفلح «الفضائح» التي ارتبط اسم شولتز بها في زعزعة ثقة الناخبين به. ذلك أنه خلال الأسبوع الماضي، نفذ عشرات من عناصر الشرطة مداهمة استهدفت وزارته بحثاً عن وثائق تتعلق بتبييض أموال يزعم مكتب المدعي العام أن الوزارة لم تمرّرها للسلطات التنفيذية للتحرك بناءً عليها. وطبعاً، أثار التوقيت استغراب البعض، بل دفع الاشتراكيين للكلام عن «دوافع سياسية» خلف المداهمات وتوقيتها.
مع هذا، لم يكترث كثيراً بهذه العملية على الرغم من أنها تأتي على خلفية فضيحة مالية أخرى تُعرف باسم «فضيحة وايركارد»، وهي أكبر فضيحة مالية تواجه ألمانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. ولقد فتح مجلس النواب الألماني (بوندستاغ) تحقيقاً في الفضيحة مطلع العام لمعرفة مدى تورّط شولتز بالقضية، نظراً لكون وزارته مسؤولة عن هيئة الرقابة المالية التي أخفقت في كشف عمليات الاحتيال الدائرة داخل الشركة، أو ساهمت بالتغطية عليها.
وللعلم، شركة «وايركارد» كانت شركة تؤمّن خدمات مالية أعلنت إفلاسها عام 2019 بعدما تبين أن قرابة ملياري يورو من أموال المودعين «مفقودة»، وأن الشركة واقعة في دين كبير. غير أن شولتز رفض اتهامه بالمسؤولية عن الفضيحة، وقال إنه تسلّم وزارة المالية فقط عام 2018 بينما كانت الشركة متورّطة بعمليات فساد قبل سنوات طويلة. وتابع في معرض دفاعه عن نفسه أنه أدخل إصلاحات على عمل الهيئة بعد «فضيحة وايركارد» لتعزيز دورها وعملها.
قد يكون تعقيد هذه الرواية سبباً في قلة اكتراث الناخبين بها. ثم إنها، في النهاية، لم تؤدِّ إلى استقالة شولتز من منصبه رغم اتهامه بالمسؤولية. والواقع أنها ليس المرة الأولى التي «يفلت» فيها شولتز من فضيحة مالية توجّه أصابع الاتهام بتورطه بها. فعندما كان عمدة مدينة هامبورغ بين عامي 2011 و2018 واجه كذلك اتهامات بالتغطية على فضيحة مالية أخرى تُعرف بـ«كام إكس» وهي احتيال ضريبي طال دولاً أوروبية أخرى ولم يقتصر فقط على ألمانيا.
يومها اتُّهم شولتز باستخدام تأثيره السياسي لكسب خدمات ضريبية لمصرف من مصارف هامبورغ متورط بالفضيحة. ولقد اجتمع شولتز بمدير المصرف كريستيان أولياريوس 3 مرات في عامي 2016 و2017 عندما كان يخضع للتحقيق بالتهرب الضريبي. ومع أن شولتز يقول إنه «لا يتذكر» ما الذي دار بينه وبين مدير المصرف خلال هذه الاجتماعات، إلا أن قرار حكومة هامبورغ بعد هذه اللقاءات بألا تسعى لاستعادة 47 مليون يورو من المصرف كان يدين بها له، هو ما سلّط الضوء على أن شولتز ربما يكون متورطاً في الفضيحة بشكل أو بآخر. ولكن بعد أشهر قليلة استعادت حكومة هامبورغ (وهي ولاية – مدينة) 43 مليون يورو من الأموال المفقودة من المصرف إثر تدخل وزارة المالية الفيدرالية. واليوم لا يذكر الكثير من الألمان فضيحة «كام إكس» كذلك، أو أنهم لا يكترثون.
ثم إن الأمر نفسه، ينطبق على فضيحة أخرى تطارد شولتز من أيام عمله عمدة لهامبورغ، وتتعلّق هذه الفضيحة بـ«قمة العشرين» التي استضافتها المدينة، وانتهت بمظاهرات عنيفة لأفراد من اليسار المتطرف أحرقوا سيارات ودمروا واجهات المحال واعتدوا على رجال الشرطة. وفي حينه، اضطر شولتز للاعتذار لسكان هامبورغ بعد الذي حصل، فيما اتهمه معارضوه بأنه لم يأخذ مسألة الأمن إبان «قمة العشرين» بشكل جدّي... ما أدى إلى الشغب الذي حصل.

- إنجازات ومشاريع مستقبلية
بينما يرفض أولاف شولتز استعادة هذه الأمور «المحرجة»، أو يرفض اتهامه به عندما يسأل عنها، فإنه يفضل عوضاً عن ذلك التركيز على إنجازاته المالية ومشاريعه المستقبلية. وكمثال، يكرّر شولتز القول إنه يريد حل مشكلة السكن من خلال بناء آلاف الوحدات السكنية الجديدة.
ويذكّر بأن تاريخه في هامبورغ يساعده في ذلك، فهو نجح ببناء آلاف الوحدات السكنية هناك بأسعار زهيدة، ومن دون أن يوقِع المدينة في ديون. ويكرّر أيضاً التطرق إلى مساعيه لرفع الحد الأدنى للأجور وزيادة الاستثمار العام في المشاريع الخضراء لمكافحة التغير المناخي.
من جانب آخر، مع أن شولتز ينتمي إلى حزب اشتراكي، فهو يُعد من تيار المحافظين داخل الحزب وليس من الجناح اليساري المتطرف. ولذلك فإن سياساته المالية ليست راديكالية. وعلى الرغم من أنه لا يؤمن بمبدأ الاقتراض للاستثمار، فهو كان من الأساسيين الذين أعدوا الحزمة المالية الأوروبية لمساعدة دول الاتحاد الأوروبي التي تعاني بسبب أزمة «كورونا».

- سيرة ذاتية
وُلد أولاف شولتز في مدينة أوزنابروك، بولاية سكسونيا السفلى في شمال غربي ألمانيا، يوم 14 يونيو (حزيران) 1958. وبدأ شولتز -المتزوج منذ عام 1998- حياته بعيداً عن السياسة، إذ درس الحقوق في جامعة هامبورغ، ومن ثم مارس مهنة المحاماة لعدة سنوات كمحامي شركات قبل الانتقال إلى السياسة.
انتُخب عام 1998 عندما كان في الأربعين من العمر، للمرة الأولى نائباً في البرلمان المحلي في هامبورغ، حيث نشأ وكبر مع والديه. واستقال من المقعد عام 2001 بعدما قبِل بمنصب وزير داخلية الولاية. غير أنه لم يدم أكثر من بضعة أشهر في المنصب الذي غادره بعد خسارة حزبه في الانتخابات.
وفي العام التالي، أي في 2002 نجح في دخول البرلمان الفيدرالي الاتحادي (بوندستاغ) الألماني في برلين، وأصبح أيضاً السكرتير العام في حزبه الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي)، وظل في المنصب لمدة سنتين حتى 2004 حين استقال إثر تقديم زعيم الحزب (آنذاك) غيرهارد شرودر استقالته من المنصب أمام انقسام الحزب عليه وتدني شعبيته.
عام 2007 انضم شولتز للمرة الأولى لحكومة المستشارة ميركل كوزير للعمل والشؤون الاجتماعية وبقي في منصبه حتى عام 2009، وبعد ذلك انتُخب نائباً لرئيس الحزب وبقي في منصبه سنتين قبل أن يعود إلى هامبورغ عام 2011 ليصبح عمدة للمدينة حتى عام 2018، وخلاله عندما عاد إلى برلين ليشغل منصب وزير المالية الفيدرالي ونائب المستشارة.

- طموح قديم
منذ سنوات يطمح أولاف شولتز إلى قيادة حزبه الاشتراكي العريق، وقد رأى فرصة سانحة له في عام 2019 عندما استقالت السيدة الأولى التي تشغل المنصب، آندريا ناهليس، بسبب عجزها عن انتشال الحزب من الحضيض. بيد أنه لم ينجح يومذاك، وانتخب الحزب في حينه زعيمين مشتركين، سيدة ورجلاً، يعدّان من الجناح اليساري المتطرف بداخله. ولكن على الرغم من ذلك، وقع الاختيار على شولتز لكي يكون مرشح الاشتراكيين لمنصب المستشار، بشكل أساسي كونه معروفاً على الصعيد الوطني بخلاف الرئيسين الآخرين المجهولين تقريباً.
لقد أدرك الحزب أن اختيار مرشح وسطي معتدل بعيد عن الراديكالية، قد يعطيه فرصة لرفع حظوظه في الانتخابات. وبالفعل، تظهر «وسطية» شولتز بشكل كبير عندما يتحدث عن ائتلاف محتمل بعد الانتخابات لتشكيل الحكومة، ويقول إن التحالف مع حزب «دي لينكا» اليساري المتشدد، فيما لو حصل، سيُبنى على شروط محددة وواضحة، تفادياً لقرارات راديكالية في الاقتصاد والسياسة الخارجية.
هذا، وساعدت خبرة شولتز في الحكومة على إقناع أعضاء الحزب بالتصويت له للترشح لمنصب المستشارية. فهو منذ دخوله الحكومة الفيدرالية قبل 3 سنوات، نجح في بناء علاقات قوية مع زعماء أوروبيين ودوليين التقاهم غير مرة بسبب منصبه. أيضاً، كان شولتز المرشح الأول الذي استقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه بباريس قبل أسابيع، فيما قرأه البعض مؤشراً إلى دعم ماكرون له. وكان شولتز قد عمل مع فرنسا خلال السنوات الثلاث الماضية على مجموعة من القوانين المالية المهمة في أوروبا، أبرزها المتعقلة بتبني قواعد ضريبية أساسية تُفرض على كبرى شركات التكنولوجيا مثل «غوغل» و«أبل» وغيرها.
قد تكون «الكاريزما» العنصر الذي يعوزه أولاف شولتز، لكنه من دون شك يتمتع بمزايا أخرى تبعث على الثقة به بالنسبة إلى الناخبين. وعلى أي حال، فإن منافسيه لا يتفوقون عليه في هذا المجال، وهو ما دفع ببعض الصحف الألمانية مثل صحيفة «دي فيلت» للتساؤل عما إذا كانت هذه الانتخابات هي «الأكثر إثارة للملل أم لا». ودفع بالصحف الأميركية أيضاً، مثل «نيويورك تايمز»، إلى التعليق بأن «الألمان يفضّلون الساسة المملين... لأن التجربة الأخيرة مع سياسي كان يتمتع بالكاريزما لم تنتهِ بشكل جيد»، في إشارة إلى أدولف هتلر.
ختاماً، إذا نجح شولتز فعلاً في الانتخابات، وتمكّن من تشكيل حكومة ائتلافية، فهو سيكون الزعيم الرابع فقط من الاشتراكيين الذي يقود البلاد بعد الحرب العالمية الثانية. إذ سبقه فيلي براندت وهيلموت شميدت وغيرهارد شرودر الذين كانوا يتمتعون بسحر ينقص شولتز. ومع هذا، فإنه اليوم يبدو الرجل الذي تحتاج إليه ألمانيا لطمأنتها إلى أن الاستقرار الذي عرفته طوال السنوات الـ16 الماضية، باقٍ وراسخ.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.