أولاف شولتز... الرجل المرشح لإعادة منصب المستشارية في ألمانيا إلى الاشتراكيين

خاض المعركة بالتقرب من سياسات ميركل

أولاف شولتز... الرجل المرشح لإعادة  منصب المستشارية في ألمانيا إلى الاشتراكيين
TT

أولاف شولتز... الرجل المرشح لإعادة منصب المستشارية في ألمانيا إلى الاشتراكيين

أولاف شولتز... الرجل المرشح لإعادة  منصب المستشارية في ألمانيا إلى الاشتراكيين

«ليس سيئاً أبداً مقارنة رجل بمستشارة ناجحة»، هي جملة قالها أولاف شولتز مرشح الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) لمنصب المستشارية في ألمانيا، عندما اتُّهم بتقليد أنجيلا ميركل لكسب أصوات الناخبين. وعلى الرغم من أن الرجل لا ينتمي لحزب ميركل المحافظ، فإنه لا يتردد بتصوير نفسه على أنه امتداد لسياستها العامة.
خلال الحملة الانتخابية، نشر الاشتراكيون صوراً دعائية لشولتز وهو يجلس مبتسماً وينظر إلى الكاميرا، مع جملة عريضة تقول: «يمكن أن أكون مستشارة» مع تأنيث كلمة «مستشار» في إشارة إلى ميركل. بل إنه وقف أمام عدسة كاميرا مجلة «سود دويتشه تزايتونغ»، التي كانت تلتقط له صورة لنشرها إلى جانب مقابلة أجرتها معه، وحرص على أن تبدو يداه مجموعتين بشكل الماسة الشهيرة التي تجمع فيها ميركل يديها وتحولت إلى علامتها الخاصة.
هذه الاستراتيجية التي اعتمدها الاشتراكيون بتقديم مرشحهم الذي يشغل حالياً منصب وزير المالية ونائب المستشارة على أنه امتداد لميركل، يبدو أنها لاقت صدى إيجابياً لدى الناخبين الألمان. فهي استراتيجية نجحت في إعادة حزب عريق كان يغرق قبل أشهر قليلة، إلى طليعة السباق الانتخابي، وحوّلت حظوظه التي كانت شبه معدودة بالمشاركة في الحكم، إلى حظوظ وافرة بقيادة الحكومة المقبلة.
ومع ذلك فإن صعود شولتز، البالغ من العمر 63 سنة، فاجأ كثيرين، ودفع بالمحللين للتساؤل عن سر «سحر» هذا الرجل الذي لا يتمتع بأي «كاريزما»... حتى إنه اكتسب لقب «شولتز – أومات» ما يعني «الرجل الآلي» اقتباساً من كلمة «أوتومات» التي تعني في الألمانية الـ«آلي».

تلاحق أولاف شولتز طبعة «المرشح المملّ» الذي ينقصه البريق، والذي يقول القليل وينطق باللازم فقط. وحقاً، خلال المناظرات التي جمعته بالمرشحين المنافسين، كان هو دائماً الأقل كلاماً، ومع ذلك كان هو دائماً الفائر، حسب تقييم المشاهدين. لذا كان الأكثر إقناعاً وأكثر من يبعث على الثقة برأيهم.
المرشحان الآخران، أرمين لاشيت عن حزب ميركل، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وأنالينا بيربوك عن حزب «الخضر»، جربا في الواقع تكتيكات متعددة في كل مناظرة لكسب الأصوات التي خسراها. وانتقلا من اعتماد سياسة عرض أجندتيهما إلى الهجوم على شولتز، في حين بقي شولتز على ثباته ورصانته.
كان يعرض أفكار حزبه بالقليل من الكلام، من دون أن يتهجم على منافسيه، ويتحدث بثقة من خبرة اكتسبها كوزير للمالية قاد ألمانيا في واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية وسط جائحة «كوفيد - 19» والفيضانات التي اجتاحت البلاد. وفي كل مرة بعد انتهاء المناظرة، كانت النتيجة إخفاق لاشيت وبيربوك في سحب أصوات من شولتز.
ثم إن شولتز لم يستفد فقط من منصبه كوزير للمالية لتقديم نفسه على أنه المرشح الذي يبعث على الثقة، بل استفاد أيضاً من إخفاقات منافسيه ومن الهفوات التي ارتكباها في بداية الحملة الانتخابية ودفعت الناخبين إلى فقدان الثقة بهما. ولقد جاء اعتماد شولتز على سياسة تصوير نفسه على أنه امتداد لميركل، بهدف سحب الناخبين المستائين من مرشح الديمقراطيين المسيحيين... إليه.

- «فضائح» قليلة التأثير
وقد نجح بذلك بالفعل ورفع درجة التأييد لحزبه إلى مستوى غير مسبوق منذ 16 سنة، ولم تفلح «الفضائح» التي ارتبط اسم شولتز بها في زعزعة ثقة الناخبين به. ذلك أنه خلال الأسبوع الماضي، نفذ عشرات من عناصر الشرطة مداهمة استهدفت وزارته بحثاً عن وثائق تتعلق بتبييض أموال يزعم مكتب المدعي العام أن الوزارة لم تمرّرها للسلطات التنفيذية للتحرك بناءً عليها. وطبعاً، أثار التوقيت استغراب البعض، بل دفع الاشتراكيين للكلام عن «دوافع سياسية» خلف المداهمات وتوقيتها.
مع هذا، لم يكترث كثيراً بهذه العملية على الرغم من أنها تأتي على خلفية فضيحة مالية أخرى تُعرف باسم «فضيحة وايركارد»، وهي أكبر فضيحة مالية تواجه ألمانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. ولقد فتح مجلس النواب الألماني (بوندستاغ) تحقيقاً في الفضيحة مطلع العام لمعرفة مدى تورّط شولتز بالقضية، نظراً لكون وزارته مسؤولة عن هيئة الرقابة المالية التي أخفقت في كشف عمليات الاحتيال الدائرة داخل الشركة، أو ساهمت بالتغطية عليها.
وللعلم، شركة «وايركارد» كانت شركة تؤمّن خدمات مالية أعلنت إفلاسها عام 2019 بعدما تبين أن قرابة ملياري يورو من أموال المودعين «مفقودة»، وأن الشركة واقعة في دين كبير. غير أن شولتز رفض اتهامه بالمسؤولية عن الفضيحة، وقال إنه تسلّم وزارة المالية فقط عام 2018 بينما كانت الشركة متورّطة بعمليات فساد قبل سنوات طويلة. وتابع في معرض دفاعه عن نفسه أنه أدخل إصلاحات على عمل الهيئة بعد «فضيحة وايركارد» لتعزيز دورها وعملها.
قد يكون تعقيد هذه الرواية سبباً في قلة اكتراث الناخبين بها. ثم إنها، في النهاية، لم تؤدِّ إلى استقالة شولتز من منصبه رغم اتهامه بالمسؤولية. والواقع أنها ليس المرة الأولى التي «يفلت» فيها شولتز من فضيحة مالية توجّه أصابع الاتهام بتورطه بها. فعندما كان عمدة مدينة هامبورغ بين عامي 2011 و2018 واجه كذلك اتهامات بالتغطية على فضيحة مالية أخرى تُعرف بـ«كام إكس» وهي احتيال ضريبي طال دولاً أوروبية أخرى ولم يقتصر فقط على ألمانيا.
يومها اتُّهم شولتز باستخدام تأثيره السياسي لكسب خدمات ضريبية لمصرف من مصارف هامبورغ متورط بالفضيحة. ولقد اجتمع شولتز بمدير المصرف كريستيان أولياريوس 3 مرات في عامي 2016 و2017 عندما كان يخضع للتحقيق بالتهرب الضريبي. ومع أن شولتز يقول إنه «لا يتذكر» ما الذي دار بينه وبين مدير المصرف خلال هذه الاجتماعات، إلا أن قرار حكومة هامبورغ بعد هذه اللقاءات بألا تسعى لاستعادة 47 مليون يورو من المصرف كان يدين بها له، هو ما سلّط الضوء على أن شولتز ربما يكون متورطاً في الفضيحة بشكل أو بآخر. ولكن بعد أشهر قليلة استعادت حكومة هامبورغ (وهي ولاية – مدينة) 43 مليون يورو من الأموال المفقودة من المصرف إثر تدخل وزارة المالية الفيدرالية. واليوم لا يذكر الكثير من الألمان فضيحة «كام إكس» كذلك، أو أنهم لا يكترثون.
ثم إن الأمر نفسه، ينطبق على فضيحة أخرى تطارد شولتز من أيام عمله عمدة لهامبورغ، وتتعلّق هذه الفضيحة بـ«قمة العشرين» التي استضافتها المدينة، وانتهت بمظاهرات عنيفة لأفراد من اليسار المتطرف أحرقوا سيارات ودمروا واجهات المحال واعتدوا على رجال الشرطة. وفي حينه، اضطر شولتز للاعتذار لسكان هامبورغ بعد الذي حصل، فيما اتهمه معارضوه بأنه لم يأخذ مسألة الأمن إبان «قمة العشرين» بشكل جدّي... ما أدى إلى الشغب الذي حصل.

- إنجازات ومشاريع مستقبلية
بينما يرفض أولاف شولتز استعادة هذه الأمور «المحرجة»، أو يرفض اتهامه به عندما يسأل عنها، فإنه يفضل عوضاً عن ذلك التركيز على إنجازاته المالية ومشاريعه المستقبلية. وكمثال، يكرّر شولتز القول إنه يريد حل مشكلة السكن من خلال بناء آلاف الوحدات السكنية الجديدة.
ويذكّر بأن تاريخه في هامبورغ يساعده في ذلك، فهو نجح ببناء آلاف الوحدات السكنية هناك بأسعار زهيدة، ومن دون أن يوقِع المدينة في ديون. ويكرّر أيضاً التطرق إلى مساعيه لرفع الحد الأدنى للأجور وزيادة الاستثمار العام في المشاريع الخضراء لمكافحة التغير المناخي.
من جانب آخر، مع أن شولتز ينتمي إلى حزب اشتراكي، فهو يُعد من تيار المحافظين داخل الحزب وليس من الجناح اليساري المتطرف. ولذلك فإن سياساته المالية ليست راديكالية. وعلى الرغم من أنه لا يؤمن بمبدأ الاقتراض للاستثمار، فهو كان من الأساسيين الذين أعدوا الحزمة المالية الأوروبية لمساعدة دول الاتحاد الأوروبي التي تعاني بسبب أزمة «كورونا».

- سيرة ذاتية
وُلد أولاف شولتز في مدينة أوزنابروك، بولاية سكسونيا السفلى في شمال غربي ألمانيا، يوم 14 يونيو (حزيران) 1958. وبدأ شولتز -المتزوج منذ عام 1998- حياته بعيداً عن السياسة، إذ درس الحقوق في جامعة هامبورغ، ومن ثم مارس مهنة المحاماة لعدة سنوات كمحامي شركات قبل الانتقال إلى السياسة.
انتُخب عام 1998 عندما كان في الأربعين من العمر، للمرة الأولى نائباً في البرلمان المحلي في هامبورغ، حيث نشأ وكبر مع والديه. واستقال من المقعد عام 2001 بعدما قبِل بمنصب وزير داخلية الولاية. غير أنه لم يدم أكثر من بضعة أشهر في المنصب الذي غادره بعد خسارة حزبه في الانتخابات.
وفي العام التالي، أي في 2002 نجح في دخول البرلمان الفيدرالي الاتحادي (بوندستاغ) الألماني في برلين، وأصبح أيضاً السكرتير العام في حزبه الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي)، وظل في المنصب لمدة سنتين حتى 2004 حين استقال إثر تقديم زعيم الحزب (آنذاك) غيرهارد شرودر استقالته من المنصب أمام انقسام الحزب عليه وتدني شعبيته.
عام 2007 انضم شولتز للمرة الأولى لحكومة المستشارة ميركل كوزير للعمل والشؤون الاجتماعية وبقي في منصبه حتى عام 2009، وبعد ذلك انتُخب نائباً لرئيس الحزب وبقي في منصبه سنتين قبل أن يعود إلى هامبورغ عام 2011 ليصبح عمدة للمدينة حتى عام 2018، وخلاله عندما عاد إلى برلين ليشغل منصب وزير المالية الفيدرالي ونائب المستشارة.

- طموح قديم
منذ سنوات يطمح أولاف شولتز إلى قيادة حزبه الاشتراكي العريق، وقد رأى فرصة سانحة له في عام 2019 عندما استقالت السيدة الأولى التي تشغل المنصب، آندريا ناهليس، بسبب عجزها عن انتشال الحزب من الحضيض. بيد أنه لم ينجح يومذاك، وانتخب الحزب في حينه زعيمين مشتركين، سيدة ورجلاً، يعدّان من الجناح اليساري المتطرف بداخله. ولكن على الرغم من ذلك، وقع الاختيار على شولتز لكي يكون مرشح الاشتراكيين لمنصب المستشار، بشكل أساسي كونه معروفاً على الصعيد الوطني بخلاف الرئيسين الآخرين المجهولين تقريباً.
لقد أدرك الحزب أن اختيار مرشح وسطي معتدل بعيد عن الراديكالية، قد يعطيه فرصة لرفع حظوظه في الانتخابات. وبالفعل، تظهر «وسطية» شولتز بشكل كبير عندما يتحدث عن ائتلاف محتمل بعد الانتخابات لتشكيل الحكومة، ويقول إن التحالف مع حزب «دي لينكا» اليساري المتشدد، فيما لو حصل، سيُبنى على شروط محددة وواضحة، تفادياً لقرارات راديكالية في الاقتصاد والسياسة الخارجية.
هذا، وساعدت خبرة شولتز في الحكومة على إقناع أعضاء الحزب بالتصويت له للترشح لمنصب المستشارية. فهو منذ دخوله الحكومة الفيدرالية قبل 3 سنوات، نجح في بناء علاقات قوية مع زعماء أوروبيين ودوليين التقاهم غير مرة بسبب منصبه. أيضاً، كان شولتز المرشح الأول الذي استقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه بباريس قبل أسابيع، فيما قرأه البعض مؤشراً إلى دعم ماكرون له. وكان شولتز قد عمل مع فرنسا خلال السنوات الثلاث الماضية على مجموعة من القوانين المالية المهمة في أوروبا، أبرزها المتعقلة بتبني قواعد ضريبية أساسية تُفرض على كبرى شركات التكنولوجيا مثل «غوغل» و«أبل» وغيرها.
قد تكون «الكاريزما» العنصر الذي يعوزه أولاف شولتز، لكنه من دون شك يتمتع بمزايا أخرى تبعث على الثقة به بالنسبة إلى الناخبين. وعلى أي حال، فإن منافسيه لا يتفوقون عليه في هذا المجال، وهو ما دفع ببعض الصحف الألمانية مثل صحيفة «دي فيلت» للتساؤل عما إذا كانت هذه الانتخابات هي «الأكثر إثارة للملل أم لا». ودفع بالصحف الأميركية أيضاً، مثل «نيويورك تايمز»، إلى التعليق بأن «الألمان يفضّلون الساسة المملين... لأن التجربة الأخيرة مع سياسي كان يتمتع بالكاريزما لم تنتهِ بشكل جيد»، في إشارة إلى أدولف هتلر.
ختاماً، إذا نجح شولتز فعلاً في الانتخابات، وتمكّن من تشكيل حكومة ائتلافية، فهو سيكون الزعيم الرابع فقط من الاشتراكيين الذي يقود البلاد بعد الحرب العالمية الثانية. إذ سبقه فيلي براندت وهيلموت شميدت وغيرهارد شرودر الذين كانوا يتمتعون بسحر ينقص شولتز. ومع هذا، فإنه اليوم يبدو الرجل الذي تحتاج إليه ألمانيا لطمأنتها إلى أن الاستقرار الذي عرفته طوال السنوات الـ16 الماضية، باقٍ وراسخ.



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.