زها حديد لـ {الشرق الأوسط}: أتحسر على فقدي والدي قبل أن يسعدا بنجاحي

المعمارية العراقية العالمية.. لاتحب عبارة الحل الوسط

زها حديد لـ {الشرق الأوسط}: أتحسر على فقدي والدي قبل أن يسعدا بنجاحي
TT

زها حديد لـ {الشرق الأوسط}: أتحسر على فقدي والدي قبل أن يسعدا بنجاحي

زها حديد لـ {الشرق الأوسط}: أتحسر على فقدي والدي قبل أن يسعدا بنجاحي

زها حديد اسم غني عن التعريف. هي رائدة في مجالها، لافتة بتصاميمها، إلى حد حدا بالبعض أن يشبهها بـ«ليدي غاغا» الهندسة المعمارية. لكن يبقى أبلغ ما وصفت به ما قاله عنها زميلها في المهنة، فرانك غيري: «إنها قوة مدهشة.. جاءت فجأة ومن دون حسبان لتوقظنا بضربة على الرأس، وتقول لنا: استيقظوا أيها الصغار. هناك الكثير مما يمكن فعله».
هذه هي زها حديد، التي يمكن أن تقال عنها أشياء كثيرة، ما عدا وصفها بالمعمارية العادية. فابنة العراق لم تغير موازين التصميم وشكله فحسب، بل أيضا نظرة العالم إلى المرأة في مجال كان حكرا على الرجال إلى حد أنهم أصبحوا يعتبرونه ملكا لهم. لهذا كان من الطبيعي أن لا يتقبل بعضهم وجودها بينهم، فيما عدوه تحديا، أو بالأحرى تعديا.
كانت هناك محاربة وراء الكواليس، استطاعت بعزيمة من حديد أن تقهرها. من يتابع مسيرتها يعرف أنها حققت قفزات كبيرة لكي تصل إلى ما وصلت إليه. فالكل يطلب ودها، ومعظم العواصم النامية في العالم تريد أن تكون فيها زها حاضرة ببصماتها المستقبلية وخطوطها الانسيابية، التي لا تخطئها العين. من هذه العواصم، نذكر باكو، عاصمة أذربيجان، التي حصلت على تحفة اسمها مركز حيدر علييف، جاءت تعكس خبرة 30 سنة وتعكس ما يمكن أن تقدمه المصممة عندما تُمنح ميزانية مفتوحة. على هامش افتتاح هذا المركز كان لنا لقاء معها عن البدايات والمطبات وما تختزنه جعبتها، وكانت هذه الحصيلة.

* وصولك إلى القمة حيث أنت اليوم لم يأتِ بسهولة، فالرحلة كانت شاقة كما يعرف كل من تابعها. ما شعورك الآن بعد أن وصلت إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه في مجالك؟ هل تشعرين بنوع من رد الاعتبار؟
- نعم، يمكنك قول ذلك، فرغم أنني حققت بعض النجاح، وهو ما يسعدني، فإن ذلك كان صعبا، ولا يزال بمثابة المعركة التي لا تنتهي. لا تتصوري أن الكل يقول لي الآن: «نعم»، ويقبل أي شيء أقترحه، فالعمل في مجال الهندسة المعمارية صعب للغاية، وما زلت أصارع في كل مرة وأعاني على الرغم من أنني مررت بالتجربة نفسها مئات المرات.
* هل لا يزال الرفض يثير الإحباط نفسه الذي كان يثيره في البدايات؟
- أحاول أن لا أفتح المجال للإحباط. نعم أعترف أنه مرت عليّ فترات شعرت فيها بالإحباط، لكنها لم تطل لأني متفائلة بطبعي وأومن بعملي وقدراتي. لعل أكبر إحباط مررت به كان في عام 1994 عندما دخلنا في منافسة للحصول على حق تصميم دار أوبرا في مدينة كارديف البريطانية ونجحنا. بعد إعلان فوزنا وبعد احتفالنا به، تلقينا صفعة قوية عندما ألغي المشروع. أثرت هذه التجربة على نفسية كل العاملين معي، وكانت مسؤوليتي أن أحفّزهم وأرفع معنوياتهم. أذكر أننا في تلك الفترة دخلنا عدة مسابقات لم نفز بأي منها. ربما كان هناك شيء ضدنا، لأن كل التصاميم التي دخلنا بها هذه المسابقات كانت جيدة. وحتى الآن، أنا مقتنعة تماما بأن هذه التصاميم، وعلى الرغم من أنها لم تر النور، كانت مهمة وأيضا ضرورية لتطورنا وإثراء سجلنا وأرشيفنا.
* كيف تقيمينها على أنها مهمة وهي لم ترَ النور؟
- لأن فرص العمل كانت شحيحة بسبب الحالة الاقتصادية عموما، ركزنا عل إنجاز الكثير من التخطيطات والرسوم على الورق. مع أننا تلقينا الكثير من الانتقادات، على أن ما نقوم به مجرد «معمار ورقي» وأننا نتجنب التعامل مع الواقع، أنا متأكدة أن هذه الفترة، بكل تفاصيلها وتجاربها، كانت إيجابية، لأنها منحتنا فرصة للدراسة وتطوير أسلوبنا الحالي.
* لكنك لم تجيبي عن سؤالي بصراحة: ما شعورك وأنت في القمة الآن، وبعد كل إحباطات الماضي؟
- بالطبع تؤثر الشهرة على الإنسان بشكل أو بآخر. فأنا لا أستطيع أن أقوم بأشياء كنت أقوم بها من قبل، من دون أن أثير أنظار الناس، وهو ما تترتب عليه بعض المواقف الطريفة. لكن عموما، يتعامل معي الناس بطيبة وأدب، وغالبا ما يقولون لي أشياء إيجابية، مثلا كيف أثرت عليهم أعمالي وكيف غيرت مسار حياتهم. أعتقد أن هذا الاهتمام المتزايد بالمعماريين أمر جيد، لأنه منذ 25 سنة تقريبا، لم يكن أحد يعرف عنهم الكثير أو يسمع عنهم. كانت الهندسة المعمارية تعتبر مهنة متدنية، لهذا أنا سعيدة بأني لعبت دورا، ولو بسيطا، في تغيير هذه النظرة.
* مركز حيدر علييف واحد من أجمل المشاريع التي أنجزتها حتى الآن، بشهادة الكل، مما يجعل التفكير في أنه بإمكانك تقديم ما هو أكثر، مسألة يصعب تخيلها. هل تعتقدين أنه ما زال في جعبتك ما يمكن أن تفاجئينا به في مشاريعك المقبلة؟
- أنا مسكونة بالفضول، ودائما أفكر في الخطوة الآتية، أو ما أسميه بـ«المشروع الأكبر»، وأعتقد أن الكومبيوتر أصبح يشجع على التفكير في أشكال هندسية أكثر تعقيدا وإثارة ويجعلها ممكنة. فتطوره السريع وما منحه للمهندسين المعماريين من إمكانات هائلة، مدهش للغاية. تصاميمنا تحتاج بدورها إلى تطوير مطرد في مجالات تكنولوجيا البناء وغيرها، وبالتالي نتجاوب مع هذه الأشكال باستعمال مواد وأدوات أكثر تطورا وتعقيدا. كل هذا يلهمني لكي أدفع بالتصميم إلى حدود لم أتطرق إليها من قبل، فأشياء عظيمة يمكن أن تُولَد من هذه الطريقة من العمل.
وأريد أن أضيف هنا أنه في كل عمل نواجه تحديات جديدة، تحتاج إلى جرأة وطموح بخلق تصاميم تتطلع لتحقيق ما هو أكبر، لا سيما عندما نطلع على الإمكانيات التي توفرها التكنولوجيا. يمكنني القول إن الخطوة التالية بالنسبة لي ستعتمد على مواد حداثية وعلى اختراعات جديدة، إذ لدينا قسم كامل متخصص في البحث عن هذه التصاميم وتقنيات بنائها، إلى جانب تعاونات كثيرة مع مهندسين وباحثين يقومون باختبارات لمواد يمكن أن تؤدي إلى اكتشافات جديدة من شأنها أن تتخطى الحدود وتدفعها إلى الأمام. دورنا أن ننفذها في أرض الواقع.
* كل من شاهد عملك الأخير؛ مركز حيدر علييف، يشعر بأنه يتمتع بروح مختلفة، ما خصوصيته بالنسبة لك؟
- هو آخر ما أنجزته، مما يجعله يختزل خبرة 30 سنة من الأبحاث كانت ثمرتها بناية مدنية ثقافية وملهمة في الوقت ذاته. بناية تتفاعل مع المدينة وتمنح الناس مكانا يتواصلون فيه. فالذين يتابعون أعمالي يعرفون أن خلق أماكن عامة يمكن للناس استعمالها بحرية، كما تسمح للمدينة بأن تنساب بطريقة سلسة وسهلة، مهم بالنسبة لي، لأنها تربط كل شيء ببعض. أومن أيضا بأنه علينا الاستثمار في هذه الأماكن العامة سواء كانت فضاءات أو بنايات، لأنها عنصر حيوي لحياة مدينية غنية. في مدينة باكو، مثلا، تنساب المساحة الخارجية حول نفسها لتحديد سلسلة من الأماكن العامة بالداخل، وبذلك تُدخل النسيج المديني للعاصمة إلى كل جزء أو ركن في المركز. يمكنك اعتبار البناية منظرا طبيعيا، أو على الأصح منظرا هندسيا يلامس الأرض ويتمدد منها من دون أن يقف أي شيء في وجهه. بالداخل مثلا هناك أماكن مترابطة من دون أي شي يعترضها، وهذه كانت الفكرة النظرية منذ البداية وجرى تنفيذها بنجاح.
- هذا المشروع لم تبخل عليه باكو، عاصمة أذربيجان، بشيء. فالميزانية كانت مفتوحة، وهذا مهم، لأنها عندما لا تكون كذلك، يكون هناك تنازل أو حل وسط لا يكون في صالح العمل.
* كم مرة تعرضت لهذا الموقف وكم مرة كان عليك القبول بالحل الوسط لإتمام عمل التزمت به؟
- لا أحب عبارة الحل الوسط على الإطلاق، لأنها تعني إضعاف المشروع. المفترض أن نعمل دائما لإنجاز بناية أحسن من تلك التي أنجزناها من قبل، لهذا من الضروري العمل مع فريق يفهم هذا ويشاطرك رؤيتك، وجزء من هذا الفريق هو الزبون. لحسن الحظ أنه في الآونة الأخيرة أصبح يقدر الإبداع ويطلب الابتكار، ولا يقتصر هذا على شريحة بعينها، بل يشمل الكثير من المؤسسات التي تعرب عن استعدادها لحل أي قضايا تتعلق بالهندسة المعمارية المبتكرة وتطويعها حتى تستجيب لاحتياجات تتطلبها البيئة والحياة العصرية.
* كثيرا ما توصف أعمالك بأنها غير عادية، من أين وُلدت هذه الرغبة في الاختلاف وعشق التصاميم المختلفة جذريا؟
- كنت وما زلت أومن بالتطور والتقدم، منذ الستينات من القرن الماضي. في هذه الفترة كنت لا أزال صبية، لكني كنت ألاحظ أنها حقبة تهتم بالبناء. كان هناك تركيز كبير على الهندسة المعمارية ليس في العالم العربي فحسب، بل أيضا في أميركا الجنوبية وآسيا، لأن العمارة باتت ترتبط بالتقدم وتشير إلى التطور والنمو، وهو ما كان له تأثير كبير على تطوري الشخصي. خلال دراستي في لندن، كانت هناك أيضا حالة من الغليان الإبداعي في الجامعة. كان كل واحد منا مستعدا لإنجاز شيء جديد، وهو ما ترسخ في ذاكرتي ووجداني، وزرع نواة 30 سنة من التجربة الهندسية المعمارية، لا تزال مؤثرة لحد الآن، إضافة إلى أساتذة كانوا من الجيل الأول الذي مزج الاختراعات الهندسية مع أفكار ومبادئ رائدة.
* هل هذا وحده ما يجعلك تدفعين الحدود إلى أقصى حد أم هناك أيضا رغبة في تحقيق الذات بالاختلاف؟
- سأشرح لك شيئا مهما، الهندسة المعمارية ليست موسمية مثل دورات الموضة، بل تتبع منطقا مختلفا يعتمد على ابتكارات تتولد من التطورات الاجتماعية والتكنولوجية. الفترة التي نعيشها الآن تتعامل مع مجموعة لا يُستهان بها من التعقيدات الاجتماعية، وهذه التعقيدات، إلى جانب ديناميكية الحياة المعاصرة، لا يمكن تطبيقها من خلال بنايات تقليدية محددة بشبكات أو كتل معمارية ورثناه من القرن الـ20.
أرى أن واحدة من أروع التحديات التي تواجهها المدنية المعاصرة والمعمار ككل، الابتعاد عن الأساليب المعتمدة على التقسيم، التي طبعت القرن العشرين. فالانتقال إلى القرن الـ21 كان يتطلب أسلوبا مختلفا يخاطب متطلبات حياة جديدة من خلال بنايات تتفاعل مع أصحابها كما تتكيف مع احتياجاتهم المتغيرة. ولا شك أن تقدم تكنولوجيا التصميم يساعد المهندس على استغلال المساحات وطرق بنائها والمواد المستخدمة فيها بوجهة نظرة جديدة. وتكون النتيجة إما خلق مساحات أكبر، أو إنشاء بنايات تراعي البيئة الاجتماعية والإيكولوجيا.
* هل يمكن تفسير التعرجات والخطوط في أعمالك عموما بأنها تأثر بالفن الإسلامي؟
- بالتأكيد، فهناك نوع من الانسيابية في الفن والمعمار الإسلامي، حيث تتواصل الخطوط الزخرفية والهندسية وتمتد من السجاد إلى الجدران والأعمدة ثم السقوف والقبب، لتشكل امتدادا رائعا وعلاقة سلسلة بين كل العناصر. حتى اليوم، تدهشني قدرة العرب على الرياضيات، لأنها تتضمن مزيجا من الفكر المنطقي والتجريدي، علما بأن اهتمامي بالهندسة بدأ أساسا عندما كنت أدرس الرياضيات في الجامعة. في هذه الفترة لاحظت أن هناك ترابطا بين منطق الرياضيات والمعمار والأشكال التجريدية في الخط العربي، وهو ما زاد حاليا مع تقدم التكنولوجيا وسيناريوهات الكومبيوتر وأنظمة الحلول الحسابية التي نستعملها لتطوير تصاميمنا.
* من بين كل الأعمال التي أنجزتها، أيها كان الأصعب من الناحية التقنية والأكثر تحديا؟
- سؤال صعب، لأنه لا يمكن تحديد بناية بعينها. كل واحدة صُممت في وقت مختلف وتمثل نوعا مختلفا من التحديات، وهذا ما يجعلني فخورة بكل واحد منها. يمكنني القول إن متحف «دي ماكسي» في روما و«مركز حيدر علييف» في باكو مثلا يتطابقان مع تعليمات الزبون المحددة، كما يمثلان نوعا جديدا من الطموح والتحديات، كانت نتيجتها أعمالا ملهمة وديناميكية.
* دائما تتكلمين عن عراق الخمسينات والستينات بنوع من الحنين، يا ترى كيف سيكون شعورك في حال عدت إلى عراق اليوم؟
لقد أمضيت في العراق طفولة سعيدة جدا، وأشعر بالفخر كوني أساهم في بناء البلد حاليا، وإن كانت العملية تحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من مجرد بناية منفردة. إنه يحتاج إلى مؤسسات عمومية وكذلك التفكير في تخطيط حضري ووضع تصور يشمل مساكن، مدارس، مستشفيات وبنيات تحتية أساسية. للأسف، ليس لديّ أي عائلة في العراق الآن، إذ توفي والداي، وإذا عدت الآن، فسيكون الأمر صعبا ومؤثرا على نفسي، لأن كل الذين أتذكرهم من تلك الفترة إما فارقوا الحياة، أو غادروا العراق.
* نلاحظ اهتمامك بالموضة مؤخرا، الأمر الذي قد يراه البعض غريبا على أساس أنك أكبر من هذه التعاونات؟
- بالعكس فهي تمنحني فرصة للتعبير عن مجموعة أفكار بحجم مختلف وبأدوات متنوعة، لهذا أعدها جزءا من البحث المستمر في عالم التصميم ككل. فأنا أطبق طرقا معمارية جديدة على الموضة، وأتعلم منها في الوقت ذاته، خصوصا بعد أن أصبحت هناك قواسم مشتركة كثيرة بين فن العمارة والموضة والفن في الآونة الأخيرة.
* ترددين دائما أنك تحبين إنجاز أعمال أكثر في منطقة الشرق الأوسط، هل هناك أي مشاريع تعملين عليها حاليا أو تأملين القيام بها مستقبلا تختزلين فيه ديناميكية المنطقة؟
- بالطبع، فهذه فترة مهمة لكل المهندسين المعماريين الذين يعملون في المنطقة. هناك الكثير من الإمكانيات لبحث تصاميم مبتكرة بتقنيات بناء جديدة تسمح بتطوير مشاريع تتطابق مع الثقافة المتنوعة وأسلوب الحياة الغني في كل المنطقة. واحد من أكثر الأشياء المثيرة في الديناميكية التي أشرت إليها، أنها تعكس إحساسا قويا بالتفاؤل، وتعبر عن طموحات ضخمة، وهو الأمر الجيد بالطبع. أما من ناحية التخطيط الحضري، فأعتقد أنه لم يكن دائما موفقا، لأنه كان سريعا. ومع ذلك، فإن المنطقة جادة في عملها لتحسين البنيات التحتية، ومن بين كثير من المشاريع الجديدة فيها، هناك ما يشد الانتباه ويثير الإعجاب من ناحية طموحها ومحاولتها تكسير القوالب التقليدية.
* لو عاد بك الزمن 20 سنة إلى الوراء، ما الشيء الذي يمكن أن تغيريه؟
- (مبتسمة) سأحاول العمل بوتيرة مختلفة.. ربما أقل جدية.
* هل هناك أي شيء تندمين عليه؟
- هي حسرة أكثر منها ندما. حسرة أني فقدت والديّ قبل أن يشاهدا تطوري من طالبة إلى نجاحي كمهندسة معمارية.



خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.


كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.