زها حديد لـ {الشرق الأوسط}: أتحسر على فقدي والدي قبل أن يسعدا بنجاحي

المعمارية العراقية العالمية.. لاتحب عبارة الحل الوسط

زها حديد لـ {الشرق الأوسط}: أتحسر على فقدي والدي قبل أن يسعدا بنجاحي
TT

زها حديد لـ {الشرق الأوسط}: أتحسر على فقدي والدي قبل أن يسعدا بنجاحي

زها حديد لـ {الشرق الأوسط}: أتحسر على فقدي والدي قبل أن يسعدا بنجاحي

زها حديد اسم غني عن التعريف. هي رائدة في مجالها، لافتة بتصاميمها، إلى حد حدا بالبعض أن يشبهها بـ«ليدي غاغا» الهندسة المعمارية. لكن يبقى أبلغ ما وصفت به ما قاله عنها زميلها في المهنة، فرانك غيري: «إنها قوة مدهشة.. جاءت فجأة ومن دون حسبان لتوقظنا بضربة على الرأس، وتقول لنا: استيقظوا أيها الصغار. هناك الكثير مما يمكن فعله».
هذه هي زها حديد، التي يمكن أن تقال عنها أشياء كثيرة، ما عدا وصفها بالمعمارية العادية. فابنة العراق لم تغير موازين التصميم وشكله فحسب، بل أيضا نظرة العالم إلى المرأة في مجال كان حكرا على الرجال إلى حد أنهم أصبحوا يعتبرونه ملكا لهم. لهذا كان من الطبيعي أن لا يتقبل بعضهم وجودها بينهم، فيما عدوه تحديا، أو بالأحرى تعديا.
كانت هناك محاربة وراء الكواليس، استطاعت بعزيمة من حديد أن تقهرها. من يتابع مسيرتها يعرف أنها حققت قفزات كبيرة لكي تصل إلى ما وصلت إليه. فالكل يطلب ودها، ومعظم العواصم النامية في العالم تريد أن تكون فيها زها حاضرة ببصماتها المستقبلية وخطوطها الانسيابية، التي لا تخطئها العين. من هذه العواصم، نذكر باكو، عاصمة أذربيجان، التي حصلت على تحفة اسمها مركز حيدر علييف، جاءت تعكس خبرة 30 سنة وتعكس ما يمكن أن تقدمه المصممة عندما تُمنح ميزانية مفتوحة. على هامش افتتاح هذا المركز كان لنا لقاء معها عن البدايات والمطبات وما تختزنه جعبتها، وكانت هذه الحصيلة.

* وصولك إلى القمة حيث أنت اليوم لم يأتِ بسهولة، فالرحلة كانت شاقة كما يعرف كل من تابعها. ما شعورك الآن بعد أن وصلت إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه في مجالك؟ هل تشعرين بنوع من رد الاعتبار؟
- نعم، يمكنك قول ذلك، فرغم أنني حققت بعض النجاح، وهو ما يسعدني، فإن ذلك كان صعبا، ولا يزال بمثابة المعركة التي لا تنتهي. لا تتصوري أن الكل يقول لي الآن: «نعم»، ويقبل أي شيء أقترحه، فالعمل في مجال الهندسة المعمارية صعب للغاية، وما زلت أصارع في كل مرة وأعاني على الرغم من أنني مررت بالتجربة نفسها مئات المرات.
* هل لا يزال الرفض يثير الإحباط نفسه الذي كان يثيره في البدايات؟
- أحاول أن لا أفتح المجال للإحباط. نعم أعترف أنه مرت عليّ فترات شعرت فيها بالإحباط، لكنها لم تطل لأني متفائلة بطبعي وأومن بعملي وقدراتي. لعل أكبر إحباط مررت به كان في عام 1994 عندما دخلنا في منافسة للحصول على حق تصميم دار أوبرا في مدينة كارديف البريطانية ونجحنا. بعد إعلان فوزنا وبعد احتفالنا به، تلقينا صفعة قوية عندما ألغي المشروع. أثرت هذه التجربة على نفسية كل العاملين معي، وكانت مسؤوليتي أن أحفّزهم وأرفع معنوياتهم. أذكر أننا في تلك الفترة دخلنا عدة مسابقات لم نفز بأي منها. ربما كان هناك شيء ضدنا، لأن كل التصاميم التي دخلنا بها هذه المسابقات كانت جيدة. وحتى الآن، أنا مقتنعة تماما بأن هذه التصاميم، وعلى الرغم من أنها لم تر النور، كانت مهمة وأيضا ضرورية لتطورنا وإثراء سجلنا وأرشيفنا.
* كيف تقيمينها على أنها مهمة وهي لم ترَ النور؟
- لأن فرص العمل كانت شحيحة بسبب الحالة الاقتصادية عموما، ركزنا عل إنجاز الكثير من التخطيطات والرسوم على الورق. مع أننا تلقينا الكثير من الانتقادات، على أن ما نقوم به مجرد «معمار ورقي» وأننا نتجنب التعامل مع الواقع، أنا متأكدة أن هذه الفترة، بكل تفاصيلها وتجاربها، كانت إيجابية، لأنها منحتنا فرصة للدراسة وتطوير أسلوبنا الحالي.
* لكنك لم تجيبي عن سؤالي بصراحة: ما شعورك وأنت في القمة الآن، وبعد كل إحباطات الماضي؟
- بالطبع تؤثر الشهرة على الإنسان بشكل أو بآخر. فأنا لا أستطيع أن أقوم بأشياء كنت أقوم بها من قبل، من دون أن أثير أنظار الناس، وهو ما تترتب عليه بعض المواقف الطريفة. لكن عموما، يتعامل معي الناس بطيبة وأدب، وغالبا ما يقولون لي أشياء إيجابية، مثلا كيف أثرت عليهم أعمالي وكيف غيرت مسار حياتهم. أعتقد أن هذا الاهتمام المتزايد بالمعماريين أمر جيد، لأنه منذ 25 سنة تقريبا، لم يكن أحد يعرف عنهم الكثير أو يسمع عنهم. كانت الهندسة المعمارية تعتبر مهنة متدنية، لهذا أنا سعيدة بأني لعبت دورا، ولو بسيطا، في تغيير هذه النظرة.
* مركز حيدر علييف واحد من أجمل المشاريع التي أنجزتها حتى الآن، بشهادة الكل، مما يجعل التفكير في أنه بإمكانك تقديم ما هو أكثر، مسألة يصعب تخيلها. هل تعتقدين أنه ما زال في جعبتك ما يمكن أن تفاجئينا به في مشاريعك المقبلة؟
- أنا مسكونة بالفضول، ودائما أفكر في الخطوة الآتية، أو ما أسميه بـ«المشروع الأكبر»، وأعتقد أن الكومبيوتر أصبح يشجع على التفكير في أشكال هندسية أكثر تعقيدا وإثارة ويجعلها ممكنة. فتطوره السريع وما منحه للمهندسين المعماريين من إمكانات هائلة، مدهش للغاية. تصاميمنا تحتاج بدورها إلى تطوير مطرد في مجالات تكنولوجيا البناء وغيرها، وبالتالي نتجاوب مع هذه الأشكال باستعمال مواد وأدوات أكثر تطورا وتعقيدا. كل هذا يلهمني لكي أدفع بالتصميم إلى حدود لم أتطرق إليها من قبل، فأشياء عظيمة يمكن أن تُولَد من هذه الطريقة من العمل.
وأريد أن أضيف هنا أنه في كل عمل نواجه تحديات جديدة، تحتاج إلى جرأة وطموح بخلق تصاميم تتطلع لتحقيق ما هو أكبر، لا سيما عندما نطلع على الإمكانيات التي توفرها التكنولوجيا. يمكنني القول إن الخطوة التالية بالنسبة لي ستعتمد على مواد حداثية وعلى اختراعات جديدة، إذ لدينا قسم كامل متخصص في البحث عن هذه التصاميم وتقنيات بنائها، إلى جانب تعاونات كثيرة مع مهندسين وباحثين يقومون باختبارات لمواد يمكن أن تؤدي إلى اكتشافات جديدة من شأنها أن تتخطى الحدود وتدفعها إلى الأمام. دورنا أن ننفذها في أرض الواقع.
* كل من شاهد عملك الأخير؛ مركز حيدر علييف، يشعر بأنه يتمتع بروح مختلفة، ما خصوصيته بالنسبة لك؟
- هو آخر ما أنجزته، مما يجعله يختزل خبرة 30 سنة من الأبحاث كانت ثمرتها بناية مدنية ثقافية وملهمة في الوقت ذاته. بناية تتفاعل مع المدينة وتمنح الناس مكانا يتواصلون فيه. فالذين يتابعون أعمالي يعرفون أن خلق أماكن عامة يمكن للناس استعمالها بحرية، كما تسمح للمدينة بأن تنساب بطريقة سلسة وسهلة، مهم بالنسبة لي، لأنها تربط كل شيء ببعض. أومن أيضا بأنه علينا الاستثمار في هذه الأماكن العامة سواء كانت فضاءات أو بنايات، لأنها عنصر حيوي لحياة مدينية غنية. في مدينة باكو، مثلا، تنساب المساحة الخارجية حول نفسها لتحديد سلسلة من الأماكن العامة بالداخل، وبذلك تُدخل النسيج المديني للعاصمة إلى كل جزء أو ركن في المركز. يمكنك اعتبار البناية منظرا طبيعيا، أو على الأصح منظرا هندسيا يلامس الأرض ويتمدد منها من دون أن يقف أي شيء في وجهه. بالداخل مثلا هناك أماكن مترابطة من دون أي شي يعترضها، وهذه كانت الفكرة النظرية منذ البداية وجرى تنفيذها بنجاح.
- هذا المشروع لم تبخل عليه باكو، عاصمة أذربيجان، بشيء. فالميزانية كانت مفتوحة، وهذا مهم، لأنها عندما لا تكون كذلك، يكون هناك تنازل أو حل وسط لا يكون في صالح العمل.
* كم مرة تعرضت لهذا الموقف وكم مرة كان عليك القبول بالحل الوسط لإتمام عمل التزمت به؟
- لا أحب عبارة الحل الوسط على الإطلاق، لأنها تعني إضعاف المشروع. المفترض أن نعمل دائما لإنجاز بناية أحسن من تلك التي أنجزناها من قبل، لهذا من الضروري العمل مع فريق يفهم هذا ويشاطرك رؤيتك، وجزء من هذا الفريق هو الزبون. لحسن الحظ أنه في الآونة الأخيرة أصبح يقدر الإبداع ويطلب الابتكار، ولا يقتصر هذا على شريحة بعينها، بل يشمل الكثير من المؤسسات التي تعرب عن استعدادها لحل أي قضايا تتعلق بالهندسة المعمارية المبتكرة وتطويعها حتى تستجيب لاحتياجات تتطلبها البيئة والحياة العصرية.
* كثيرا ما توصف أعمالك بأنها غير عادية، من أين وُلدت هذه الرغبة في الاختلاف وعشق التصاميم المختلفة جذريا؟
- كنت وما زلت أومن بالتطور والتقدم، منذ الستينات من القرن الماضي. في هذه الفترة كنت لا أزال صبية، لكني كنت ألاحظ أنها حقبة تهتم بالبناء. كان هناك تركيز كبير على الهندسة المعمارية ليس في العالم العربي فحسب، بل أيضا في أميركا الجنوبية وآسيا، لأن العمارة باتت ترتبط بالتقدم وتشير إلى التطور والنمو، وهو ما كان له تأثير كبير على تطوري الشخصي. خلال دراستي في لندن، كانت هناك أيضا حالة من الغليان الإبداعي في الجامعة. كان كل واحد منا مستعدا لإنجاز شيء جديد، وهو ما ترسخ في ذاكرتي ووجداني، وزرع نواة 30 سنة من التجربة الهندسية المعمارية، لا تزال مؤثرة لحد الآن، إضافة إلى أساتذة كانوا من الجيل الأول الذي مزج الاختراعات الهندسية مع أفكار ومبادئ رائدة.
* هل هذا وحده ما يجعلك تدفعين الحدود إلى أقصى حد أم هناك أيضا رغبة في تحقيق الذات بالاختلاف؟
- سأشرح لك شيئا مهما، الهندسة المعمارية ليست موسمية مثل دورات الموضة، بل تتبع منطقا مختلفا يعتمد على ابتكارات تتولد من التطورات الاجتماعية والتكنولوجية. الفترة التي نعيشها الآن تتعامل مع مجموعة لا يُستهان بها من التعقيدات الاجتماعية، وهذه التعقيدات، إلى جانب ديناميكية الحياة المعاصرة، لا يمكن تطبيقها من خلال بنايات تقليدية محددة بشبكات أو كتل معمارية ورثناه من القرن الـ20.
أرى أن واحدة من أروع التحديات التي تواجهها المدنية المعاصرة والمعمار ككل، الابتعاد عن الأساليب المعتمدة على التقسيم، التي طبعت القرن العشرين. فالانتقال إلى القرن الـ21 كان يتطلب أسلوبا مختلفا يخاطب متطلبات حياة جديدة من خلال بنايات تتفاعل مع أصحابها كما تتكيف مع احتياجاتهم المتغيرة. ولا شك أن تقدم تكنولوجيا التصميم يساعد المهندس على استغلال المساحات وطرق بنائها والمواد المستخدمة فيها بوجهة نظرة جديدة. وتكون النتيجة إما خلق مساحات أكبر، أو إنشاء بنايات تراعي البيئة الاجتماعية والإيكولوجيا.
* هل يمكن تفسير التعرجات والخطوط في أعمالك عموما بأنها تأثر بالفن الإسلامي؟
- بالتأكيد، فهناك نوع من الانسيابية في الفن والمعمار الإسلامي، حيث تتواصل الخطوط الزخرفية والهندسية وتمتد من السجاد إلى الجدران والأعمدة ثم السقوف والقبب، لتشكل امتدادا رائعا وعلاقة سلسلة بين كل العناصر. حتى اليوم، تدهشني قدرة العرب على الرياضيات، لأنها تتضمن مزيجا من الفكر المنطقي والتجريدي، علما بأن اهتمامي بالهندسة بدأ أساسا عندما كنت أدرس الرياضيات في الجامعة. في هذه الفترة لاحظت أن هناك ترابطا بين منطق الرياضيات والمعمار والأشكال التجريدية في الخط العربي، وهو ما زاد حاليا مع تقدم التكنولوجيا وسيناريوهات الكومبيوتر وأنظمة الحلول الحسابية التي نستعملها لتطوير تصاميمنا.
* من بين كل الأعمال التي أنجزتها، أيها كان الأصعب من الناحية التقنية والأكثر تحديا؟
- سؤال صعب، لأنه لا يمكن تحديد بناية بعينها. كل واحدة صُممت في وقت مختلف وتمثل نوعا مختلفا من التحديات، وهذا ما يجعلني فخورة بكل واحد منها. يمكنني القول إن متحف «دي ماكسي» في روما و«مركز حيدر علييف» في باكو مثلا يتطابقان مع تعليمات الزبون المحددة، كما يمثلان نوعا جديدا من الطموح والتحديات، كانت نتيجتها أعمالا ملهمة وديناميكية.
* دائما تتكلمين عن عراق الخمسينات والستينات بنوع من الحنين، يا ترى كيف سيكون شعورك في حال عدت إلى عراق اليوم؟
لقد أمضيت في العراق طفولة سعيدة جدا، وأشعر بالفخر كوني أساهم في بناء البلد حاليا، وإن كانت العملية تحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من مجرد بناية منفردة. إنه يحتاج إلى مؤسسات عمومية وكذلك التفكير في تخطيط حضري ووضع تصور يشمل مساكن، مدارس، مستشفيات وبنيات تحتية أساسية. للأسف، ليس لديّ أي عائلة في العراق الآن، إذ توفي والداي، وإذا عدت الآن، فسيكون الأمر صعبا ومؤثرا على نفسي، لأن كل الذين أتذكرهم من تلك الفترة إما فارقوا الحياة، أو غادروا العراق.
* نلاحظ اهتمامك بالموضة مؤخرا، الأمر الذي قد يراه البعض غريبا على أساس أنك أكبر من هذه التعاونات؟
- بالعكس فهي تمنحني فرصة للتعبير عن مجموعة أفكار بحجم مختلف وبأدوات متنوعة، لهذا أعدها جزءا من البحث المستمر في عالم التصميم ككل. فأنا أطبق طرقا معمارية جديدة على الموضة، وأتعلم منها في الوقت ذاته، خصوصا بعد أن أصبحت هناك قواسم مشتركة كثيرة بين فن العمارة والموضة والفن في الآونة الأخيرة.
* ترددين دائما أنك تحبين إنجاز أعمال أكثر في منطقة الشرق الأوسط، هل هناك أي مشاريع تعملين عليها حاليا أو تأملين القيام بها مستقبلا تختزلين فيه ديناميكية المنطقة؟
- بالطبع، فهذه فترة مهمة لكل المهندسين المعماريين الذين يعملون في المنطقة. هناك الكثير من الإمكانيات لبحث تصاميم مبتكرة بتقنيات بناء جديدة تسمح بتطوير مشاريع تتطابق مع الثقافة المتنوعة وأسلوب الحياة الغني في كل المنطقة. واحد من أكثر الأشياء المثيرة في الديناميكية التي أشرت إليها، أنها تعكس إحساسا قويا بالتفاؤل، وتعبر عن طموحات ضخمة، وهو الأمر الجيد بالطبع. أما من ناحية التخطيط الحضري، فأعتقد أنه لم يكن دائما موفقا، لأنه كان سريعا. ومع ذلك، فإن المنطقة جادة في عملها لتحسين البنيات التحتية، ومن بين كثير من المشاريع الجديدة فيها، هناك ما يشد الانتباه ويثير الإعجاب من ناحية طموحها ومحاولتها تكسير القوالب التقليدية.
* لو عاد بك الزمن 20 سنة إلى الوراء، ما الشيء الذي يمكن أن تغيريه؟
- (مبتسمة) سأحاول العمل بوتيرة مختلفة.. ربما أقل جدية.
* هل هناك أي شيء تندمين عليه؟
- هي حسرة أكثر منها ندما. حسرة أني فقدت والديّ قبل أن يشاهدا تطوري من طالبة إلى نجاحي كمهندسة معمارية.



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.