غرناطة... محاولات تزوير تاريخها لا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة

مدينة تعيش على آثار عصرها الذهبي إبان العهد الإسلامي

قصر الحمراء في غرناطة
قصر الحمراء في غرناطة
TT

غرناطة... محاولات تزوير تاريخها لا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة

قصر الحمراء في غرناطة
قصر الحمراء في غرناطة

يقول الشاعر المكسيكي فرانشيسكو دي إيكازا إنه «لا شيء يعدل حزناً كحزن أعمى في غرناطة». وتلك لعمري ليست بشطحة شاعر ذهب بعقله هوى الأندلس، فالمدينة التي تتربع على خلفيّة سلسلة جبال سييرا نيفادا الجليلة المغطاة رؤوسها بعمامة من ثلج أبيض وتضم قصر الحمراء الشهير وحيّ البيازين السكنيّ القريب تبدو كأنّها أقرب نموذج أرضي لما يمكن أن تكون عليه الجنّة الدّائمة.
على أنّ هذه المدينة التي اتخذت لها مكاناً دائماً على خرائط السياحة العالميّة ويقصدها ملايين الزائرين في كل عام - أقلّه في عالم ما قبل «كوفيد - 19» - تكتسب مزيداً من السحر اللامع يضفيه عليها غموض تاريخها الذي تتنازعه المجموعات البشريّة من أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث، كلّ يدّعي وصلاً بغرناطة وينسب إليه الفضل في تأسيسها.
تسجّل كتب التاريخ مثلاً أن منقباً عن الآثار يدعى خوان ديفلوريس شرع في عام 1754 بالحفر تحت شوارع حيّ البيازين السكني بحثاً عن تاريخ المدينة القديم قبل دولة الأندلس، وبدأ بالعثور على لقى من فخار وعملات وحليّ وقواعد أعمدة تعود للعصور الرومانيّة القديمة. وقد منحت تلك القطع سكّان المدينة شعوراً بالارتياح لأن غرناطتهم ليست مدينة إسلاميّة تسبح في بحر إسبانيا الكثلكة، وإنما موقع روماني سطا عليه العرب واتخذوه سكناً. لكن ذلك الشعور تبخّر سريعاً بعدما تبيّن أن ديفلوريس لم يكن سوى مزوّر كبير قام بزرع تلك اللقى الرومانيّة سراً تحت الحي العربيّ القديم قبل أن يشرع بالإعلان عن استخراجها قطعة قطعة أمام سكان المدينة المبتهجين، وقد حوكم وقتها من قبل السلطات، وساءت سمعته، وأُتلفت كل لقاه المزوّرة وأغلقت مواضع التنقيب بالكامل.
ويبدو بحسب المؤرخين المعاصرين أن ديفلوريس لم يكن أوّل سكان غرناطة في السعي لتلفيق تاريخ بديل للمدينة الساحرة، إذ قبل 150 عاماً من أيّام تنقيباته قررت مجموعة من الموريسكيين - الذين اضطروا لتحويل ديانتهم الرسميّة إلى الكثلكة بعد سقوط آخر ممالك العرب في غرناطة أو مواجهة الطرد أو الموت - تزوير مجموعة من النصوص القديمة من المفترض أنها مكتوبة بحروف عربيّة قديمة سابقة على الإسلام. وتشير خلاصة تلك النصوص إلى أنّ أوّل عربي وطئ شبه الجزيرة الأيبيريّة (إسبانيا والبرتغال) كان حواريّاً تنصّر على يد السيّد المسيح وفرّ بدينه إلى أبعد نقطة من الأراضي المقدسة شرق المتوسط خلال القرن الأوّل الميلادي، وأصبح لاحقاً يعرف باسم القديس كاسيليوس. وقد كان ذلك حلاً سياسياً عبقرياً لمحاولة تجنّب الطرد من غرناطة، فهم - أي الموريسكيين - وفق تلك النصوص ينحدرون من أصول مسيحيّة. وقد نشأت حول تلك الأوراق المزوّرة طائفة دينية ادعت لاحقاً بأنها عثرت على العظام المحترقة للحواريّ الشهيد كاسيليوس، ودفنتها بعد نقلها بعناية في قلب دير ساكرومنتي الشهير. ومع أن تلك المحاولة اليائسة لم تفلح في إنقاذ الموريسكيين الأندلسيين من الطرد والقتل المجاني - إذ تم إبعاد ما قد يصل إلى نصف مليون نسمة منهم بلا رحمة خارج الأراضي الإسبانيّة سوى الذين قتلوا - فإنّ طائفة القديس كاسيليوس بقيت حيّة بين سكان المدينة النصارى إلى عام 1682 عندما اعتبر الفاتيكان في تعميم له أن تلك النّصوص العربيّة القديمة مزورة ولا يعتد بها، مطيحاً بأحلام سكان غرناطة حينئذ بالتّخلص مما اعتبروه عار التاريخ العربي الإسلامي لمدينتهم.
أقدار المدينة وطموحات سكانها اختلفت جذرياً بعد أن عبرها جيش نابليون وأصبحت تالياً محجاً للفنانين الرومانتيكيين. إذ لم يعد تاريخ المدينة في العصر الإسلاميّ مصدراً للخجل بعد أن تبيّن أن السواح الجدد المتدفقين إلى غرناطة كانوا شغوفين باستكشاف بقايا الموريسكيين التعساء وشراء بقايا ما تركوه وراءهم، ولم يثِر اهتمامهم أيّ من الأساطير حول جذور مسيحيّة قد تكون للمدينة. وهكذا تحوّل السكان المحليّون إلى مزاج التغنيّ بالتراث العربي الإسلامي لمدينتهم والمتاجرة بذلك التراث. لكّن السعيّ المكثّف لتعديل صورة غرناطة كي تتطابق مع الصور الاستشراقيّة عن الشرق بدأ فعلاً في القرن التاسع عشر وأصبح شغل المدينة الشاغل.
والواقع فإن محاولات تزوير تاريخ هذه الجميلة وفق مفاهيم مسبقة وأمنيات عمّا يجب أن يكون عليه شكل المدينة كي يتوافق مع سرديّة معينة أو أخرى لا تزال مستمرة حتى اللحظة. وما يزيد الطين بلّة أنّ أغلب زوّار المدينة يمرون بها مروراً عابراً، فلا يمكنهم استيعاب معنى تجربة العيش في غرناطة على حقيقتها، وهي تجربة لا تكتمل إلا بتعاقب الأيّام والتأمل وتحليق الخيال. كما يهمل العمل السياحيّ المعاصر - المعني أساساً بتسويق المدينة كصورة مستشرقة عن نقطة تلاقي الشرق بالغرب من خلال الواجهات المعماريّة للفترة الإسلاميّة - رصيد 500 سنة من التاريخ اللاّحق الذي ترك بصمات لا تخفى على وجهها الحاليّ، بما فيها طريقة ترميم وتجديد آثارها الإسلاميّة. إنها مدينة بوجوه كثيرة، وتواريخ عديدة.
ومع القفزات الحاسمة التي شهدها علم الآثار الحديث مستفيداً من التطورات التكنولوجيّة والهندسية وأيضاً تقدّم بقيّة العلوم الشريكة، أجريت في غرناطة حفريّات تنقيب أكثر علميّة - أقلّه مقارنة بحفريات ديفلوريس - وتمخضت عن العثور على لقى وبقايا أثريّة من العصر الروماني تضم كتابات وفسيفساء وأجزاء من تمديدات صحيّة وقطع فخّاريّة، ما يقطع بصحّة افتراض ديفلوريس الأساس بوجود مستوطنة رومانيّة قديمة في الموقع الذي شيّد عليه المسلمون غرناطتهم الخالدة. على أنّ المنقبين فشلوا إلى الآن في العثور على ما يثبت صحّة الزّعم بأن سينودس إلفيرا المفصليّ في التاريخ الكاثوليكي قد انعقد خلال القرن الرابع الميلادي تحديداً في المكان الذي أسس عليه المسلمون مدينتهم بعد ذلك بـ400 عام تقريباً. ويميل الخبراء الآن إلى القبول بفرضيّة أن ذلك السينودس الذي أقرّ مجموعة من أهم القرارات بشأن أسس الإيمان المسيحيّ ربما يكون عقد في المنطقة المحيطة بغرناطة الإسلاميّة لاحقاً وليس بالضرورة داخل حدودها كما نعرفها اليوم. كما يحاول يهود غرناطة الاستفادة من إشارة في كتاب الرّازي (القرن العشر الميلادي) إلى أنّه وجد طائفة من اليهود كانت تعيش في جزء من حيّ البيّازين السكني بالمدينة للزّعم بأن يهود القرن العاشر الميلادي هؤلاء ينحدرون من سكان يهود كانوا يقيمون بالمنطقة وقت اختيار المسلمين لها موقعاً لبناء غرناطة.
ومهما يكن من أمر المدينة، فإنها بقيت محدودة في اتساعها، فيما نشأ إلى شمالها الغربي على بعد 10 كيلومترات تجمّع سكنيّ من السكان المحليين الذين كانوا مسيحيين واعتنق بعضهم الإسلام، كما قبائل البربر والعرب المهاجرة، لا سيّما أولئك الفارين من دمشق بعد سقوط الدّولة الأمويّة والذين وجدوا فيها شبهاً عجيباً بأجواء بلادهم. وقد تكاثرت أعداد هؤلاء خلال مائة عام حتى أصبح تجمّعهم عاصمة إقليميّة على تقاطع طرق التجارة والمواصلات وأطلقوا عليه اسم مدينة البيرة (أو إلفيرا بالإسبانيّة). وقد لعبت (مدينة البيرة) أدواراً مهمّة في السياسة الأندلسيّة بوصفها دارت غالباً في فلك عاصمة الخلافة بقرطبة، وغطّت بذلك على قيمة غرناطة نفسها في بعض الأوقات.
هذا الصّراع بين الأطراف والأجيال المتعددة على امتلاك سرديّة أحاديّة اللًون عن غرناطة لم يمنع بحال اتفاق الجميع دون استثناء على أنّ العصر الذّهبي للمدينة الجنّة كان خلال عهدها الإسلاميّ حصراً، وأنّ المدينة الحاليّة إنّما تعيش اليوم على المتاجرة بتاريخ تلك التّجربة الفذّة من تأسيس الدّول وإقامة العمران كأنها حفيد فاشل يكسب رزق يومه من اصطحاب السيّاح الفضوليين في جولات على تركة أجداده العظماء.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».