باسيل يتراجع عن حجب الثقة لتسهيل جهود عون لـ«إعادة تعويمه»

ميقاتي مستقبلاً باسيل الأربعاء الماضي (دالاتي ونهرا)
ميقاتي مستقبلاً باسيل الأربعاء الماضي (دالاتي ونهرا)
TT

باسيل يتراجع عن حجب الثقة لتسهيل جهود عون لـ«إعادة تعويمه»

ميقاتي مستقبلاً باسيل الأربعاء الماضي (دالاتي ونهرا)
ميقاتي مستقبلاً باسيل الأربعاء الماضي (دالاتي ونهرا)

يستعد لبنان للدخول في مرحلة سياسية جديدة مع مثول حكومة الرئيس نجيب ميقاتي أمام المجلس النيابي لنيل ثقته في جلسة ماراثونية تعقد اليوم وتستمر حتى ساعة متأخرة. وتقتصر المعارضة على النواب المنتمين إلى كتلة «الجمهورية القوية» لحزب «القوات اللبنانية» وعدد قليل من النواب المستقلين، بعد أن تراجع النواب الأعضاء في تكتل «لبنان القوي» برئاسة النائب جبران باسيل عن قرارهم حجب الثقة عن الحكومة وارتأوا الانضمام إلى زملائهم الموالين الذين سيمنحونها ثقتهم.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر وزارية ونيابية بارزة أن باسيل كان أبلغ الرئيس ميقاتي بأن كتلته النيابية لن تمنح الحكومة الثقة بخلاف ما كان تعهد به رئيس الجمهورية ميشال عون قبل أن يوقع مع رئيس الحكومة على المراسيم الخاصة بتشكيل الحكومة. وأكدت المصادر نفسها أن باسيل سرعان ما تراجع عن قراره بحجب الثقة عن الحكومة «وعمد إلى ابتداع مخرج يحفظ له ماء الوجه بإيهام الرأي العام ومحازبيه بأنه اتخذ قراره بمنحها الثقة بعد أن تبنت في بيانها الوزاري العناوين الرئيسة التي أوردها تكتله في بيانه عقب اجتماعه الدوري الأسبوع الماضي، رغم أن هذا البيان لم يكن سوى نسخة طبق الأصل عن البيان الوزاري الذي أعدته اللجنة الوزارية المكلفة برئاسة ميقاتي بصياغته وأقره لاحقاً مجلس الوزراء في أولى جلساته التي خصصت لهذا الغرض».
فباسيل - بحسب المصادر النيابية والوزارية - كان في أمس الحاجة لتحقيق انتصار إعلامي لتبرير تراجعه عن قراره بحجب الثقة عن الحكومة، خصوصاً أن عون أوكل إليه مهمة التفاوض في ملف تشكيل الحكومة بعد أن كاد المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم ينجح في مهمته بالتنقل بين عون وميقاتي لتذليل آخر العقبات التي تؤخر تشكيل الحكومة.
وشددت على أن ما تقوله عن تفويض عون لباسيل في الملف الحكومي «ليس من باب الافتراء على دور رئيس الجمهورية في هذا المجال، وإنما لأن الوقائع تثبت صحة ذلك، وإلا لماذا حرص على إحالة بعض الوزراء المرشحين لدخول الحكومة على باسيل لحسم موقفه منهم». وقالت إن «ما يهم عون توفير كل الشروط لإعادة تعويم وريثه السياسي الذي يراهن حالياً على دور باريس للتدخل لدى واشنطن سعياً لرفع العقوبات الأميركية المفروضة على باسيل».
ولفتت إلى أن باسيل كان يراهن على الدور الذي يمكن أن يلعبه في هذا المجال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لدى نظيره الأميركي أنتوني بلينكن لما بينهما من علاقة وطيدة، لكن توتر الأجواء بين باريس وواشنطن على خلفية الدور الذي لعبته الأخيرة وكان وراء الضغط على أستراليا للعدول عن صفقة الغواصات التي أبرمتها مع الحكومة الفرنسية وتقدر كلفتها بأكثر من 10 مليارات دولار.
وإذ استبعدت المصادر نفسها أن يكون للنزاع الفرنسي - الأميركي أي تأثير على دعم باريس وواشنطن لحكومة ميقاتي الذي لديه رزمة من الضمانات الدولية لإخراج لبنان من أزماته، أكدت في المقابل أن «حزب الله» قرر أن يعيد النظر في موقفه لجهة حثه للإسراع بتشكيل الحكومة بعد أن كان أبدى تحفظه.
وقالت إن الحزب أعاد النظر في موقفه قبل أن يتم الاتصال بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي مدعوماً بقرار أميركي قضى بأن تغض واشنطن النظر عن الاتصال رغبة منها بوقف انهيار البلد الذي ينذر إذا ما استمر بإقحامه في مسلسل من الفوضى والفلتان الأمني. واعتبرت أن باسيل «راهن على صمود الحزب بتأخير تشكيل الحكومة لكنه اضطر لأن يعيد النظر في موقفه بعد أن أعلم بتبدل موقف حليفه باتجاه الإفراج عن تشكيل الحكومة».
لذلك رأت المصادر نفسها أن «العهد القوي» بالمعنى السياسي للكلمة «أوشك على نهايته فور توقيع عون على مراسيم تشكيل الحكومة»، وعزت السبب إلى أنه «بمجرد وجودها سيضطر عون من الآن وصاعداً للتصرف كرئيس للجمهورية بدلاً من أن يتصرف على أنه الحاكم بأمره يدير شؤون البلد كما يشاء من دون مشاركة السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء مجتمعاً، إضافة إلى أن المجتمع الدولي سيتعاطى من الآن وصاعداً مع ميقاتي لأنه يعول على دوره للانتقال بلبنان من التأزم إلى الانفراج».
وأكدت أن ميقاتي سينصرف فور نيل حكومته ثقة البرلمان إلى وضع البرنامج الإنقاذي للحكومة على سكة التطبيق بدءاً بإشرافه شخصياً على المفاوضات مع صندوق النقد الدولي التي سيتولاها بشكل أساسي نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي ووزير المالية يوسف الخليل وممثل عن مصرف لبنان، باعتبار أنها الممر الإلزامي للعبور بالبلد إلى مرحلة التعافي المالي.
وأضافت أن ميقاتي الذي يحرص على تأمين الانسجام داخل الحكومة سيولي أهمية للتعاون مع الوزراء المعنيين لحل الأزمات المتعلقة بالمحروقات والأدوية والمستلزمات الطبية ولفرض رقابة مشددة على الأسواق لضبط الأسعار، خصوصاً أنه «لم يعد من مجال للإبقاء على الدعم في ضوء الإحصاءات التي أشارت إلى أن الحكومة السابقة أنفقت أكثر من 12 مليار دولار في دعمها غير المشروط والذي لا يخضع لأي شكل من أشكال الرقابة، وتبين أن ما نسبته 74 في المائة من الإنفاق ذهب إلى جيوب المحتكرين وبعض التجار، إضافة إلى التهريب».
وأكدت المصادر أن ميقاتي سيعطي الأولوية لتنفيذ البرنامج الإنقاذي للحكومة، نافية ما تردد عن أن عون طرح معه ضرورة إصدار دفعة من التعيينات لاستبدال بعض قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وإن كان الأخير قد ورد اسمه على لسان عون في معرض سؤاله عنه. وأشارت إلى أنه «لا مجال لطرح التعيينات حتى إشعار آخر لأن مجرد طرحها قد يؤدي لإطاحة برنامج الحكومة بسبب إغراق مجلس الوزراء في خلافات نحن في غنى عنها».
وبالنسبة إلى مسألة فتح دورة استثنائية للمجلس النيابي، قالت مصادر نيابية لـ«الشرق الأوسط»: «لا فرق إذا فتحت الدورة أو لم تفتح لجهة ارتباطها بملف التحقيق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت». وعزت السبب إلى أن «مجرد الانصياع لطلبات المحقق العدلي القاضي طارق البيطار أو الطاعة له تشكل بحد ذاتها مخالفة للدستور والقوانين»، مؤكدة أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري «باق على موقفه ولن يتراجع، وبالتالي لن يسمح بتمرير المخالفات وسيكون له الموقف المناسب في حال أن البيطار يصر على مخالفة الدستور».
إلا أن امتناع عون عن فتح دورة استثنائية تستمر إلى حين بدء العقد الثاني للبرلمان في أول ثلاثاء بعد 15 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل أي في 19 منه سيعيق المهمة الإنقاذية للحكومة لإخراج لبنان من أزماته، إضافة إلى أن هناك ضرورة لفتحها، بحسب المصادر النيابية، «ليكون لدى البرلمان متسع من الوقت لوضع قانون انتخاب جديد وإلا فإنهم يعرضون الانتخابات للخطر».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.