انتصار البديل الليبرالي يعيد رسم المشهد السياسي في المغرب

قراءة في أسباب تهاوي الإسلاميين بعد 10 سنوات من السيطرة

انتصار البديل الليبرالي يعيد رسم المشهد السياسي في المغرب
TT

انتصار البديل الليبرالي يعيد رسم المشهد السياسي في المغرب

انتصار البديل الليبرالي يعيد رسم المشهد السياسي في المغرب

تعدّدت وجهات النظر إزاء نتائج انتخابات 8 سبتمبر (أيلول) الجاري في المغرب، التي مكّنت حزب «التجّمع الوطني للأحرار» (وسط ليبرالي) بقيادة رجل الأعمال عزيز أخنّوش من الحصول على المرتبة الأولى، وأدّت في المقابل إلى تقهقر حزب «العدالة والتنمية» (مرجعية إسلامية) من الصدارة في انتخابات عام 2016 إلى المرتبة الثامنة. إلا أن ثمة شبه إجماع على أن هذه الانتخابات خلقت واقعاً سياسياً جديداً، بعدما بسط «العدالة والتنمية» سيطرته على تدبير الشأن الحكومي لولايتين اثنتين متواصلتين طالتا نحو عقدين من الزمن بين 2012 و2021.
ثم، لئن كان «التجمع الوطني للأحرار» قد تصدّر الانتخابات، بحصوله على 102 مقعد في مجلس النواب البالغ مجموع أعضائه 395 نائباً، فإن حجم الهزيمة الثقيلة لـ«العدالة والتنمية» كان مفاجئاً، إذ بالكاد حصل على 13 مقعداً، بعدما كان لديه 125 مقعداً في مجلس النواب المنتهية ولايته. أما المراتب التالية بعد الحزب المتصدر فاحتلّها على التوالي حزب «الأصالة والمعاصرة» (87 مقعداً)، وحزب الاستقلال (81 مقعداً)، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (35 مقعداً).
أُسّس حزب «التجمّع الوطني للأحرار»، متصدر انتخابات 8 سبتمبر، عام 1978 من طرف أحمد عصمان، صهر الملك الراحل الحسن الثاني، الذي سبق له أن تولّى منصب رئيس الوزراء. وكان الحزب يُصنّف على أنه حزب وسط ليبرالي، وعُرف عموماً بأنه حزب البورجوازية والأعيان. غير أنه في انتخابات 2016 لم يحصل «الأحرار» إلا على 37 مقعداً نيابياً، ما أدى إلى استقالة رئيسه السابق صلاح الدين مزوار، وعقد مؤتمر استثنائي في بداية 2017 انتُخب خلاله أخنّوش رئيساً جديداً للحزب.
وبمجرد صعود أخنّوش إلى موقع القيادة، عمد إلى تشكيل تحالف مع حزب الاتحاد الدستوري (يمين) لمواجهة تقدم «العدالة والتنمية»، وتمكّن من المشاركة بقوة في حكومة سعد الدين العثماني، وحاز وزارات أساسية مثل الفلاحة والصيد البحري، والمالية والتجارة والصناعة. ولكن على أي حال، تُعد النتيجة الانتخابية التي حصل عليها «الأحرار» غير مسبوقة في تاريخ الحزب.

هزيمة فاقت التوقعات
من ناحية أخرى، مع أن المؤشرات السابقة ليوم الاقتراع كانت تشير إلى أن «العدالة والتنمية» لن يحتل صدارة نتائج الاقتراع، بل ربما يحتل المرتبة الثالثة أو الرابعة، فإن لا أحد من خصوم الحزب أو أنصاره توقع اندحاره بهذه الصورة في وجه «التجمع الوطني للأحرار» بمعية حزبين آخرين هما «الأصالة والمعاصرة» و«الاستقلال»، وذلك ليس فقط على مستوى الانتخابات التشريعية بل أيضاً على مستوى الانتخابات الجماعية (البلدية) والجهوية.
وهنا يعلّق بنيونس المرزوقي، الأستاذ الباحث بكلية الحقوق في وجدة (أقصى شرق المغرب) لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «النتيجة التي حصل عليها (العدالة والتنمية) كانت درساً بليغاً أبان عن قدرة الكتلة الناخبة على معاقبة الواقفين وراء الوعود العامة والمس بوضعية الفئات الشعبية». ولاحظ أن النتائج كشفت أيضاً عن إمكانية الحصول على غالبية مريحة عبر تحالف ثلاثة أحزاب فقط (270 مقعداً: الأحرار والأصالة والاستقلال)، وإمكانية تشكيل قطب يساري يجمع 65 مقعداً. ثم يضيف: «هناك أحزاب بوضعيات مختلفة اعتادت على المشاركة في كل الغالبيات المتعاقبة، كحزب الحركة الشعبية (29 مقعداً)، والاتحاد الدستوري (18 مقعداً)، أو حتى حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعي الذي يُساند عملياً أي غالبية حكومية ما دام عدد مقاعده لا يسمح له بالقيام بمعارضة قوية (5 مقاعد)». وهنا يفضل المرزوقي قراءة نتائج اقتراع 8 سبتمبر من زوايا مُتعددة، منها أن القطب الليبرالي حصل على 189 مقعداً (الأحرار 102، والأصالة والمعاصرة 87)، في حين حصلت أحزاب الكتلة الديمقراطية على 140 مقعداً (الاستقلال 81، والاتحاد الاشتراكي 35، والتقدم والاشتراكية 21، إضافةً لمقاعد جبهة القوى الديمقراطية «3» التي خرجت من معطف «التقدم والاشتراكية» في زمن «الكتلة الديمقراطية»).

عودة لأحزاب الموالاة
من جهته، يقول يونس برادة، الأستاذ الباحث في الشأن الحزبي بجامعة مولاي إسماعيل في مكناس، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن الانتخابات الأخيرة «أفرزت واقعاً آخر يتمثل في العودة اللافتة لما تسمى الأحزاب الموالية استراتيجياً، مقابل التداعي المتعدّد الأبعاد لحزب العدالة والتنمية». ويوضح أن هذا الأخير «فشل في إثبات نفسه كجزء من البنية الحزبية الاستراتيجية، وكذلك لم ينجح في إسماع صوته إزاء الفاعلين المركزيين، دون أن يغيب عن أعيننا أن بنيته التنظيمية المزدوجة فعلياً، لم تكن لتساير تفاعلات جيو - سياسية طارئة».
وحسب برادة، فـ«إن تجربة حزب العدالة والتنمية لا تختلف كثيراً عن تجربة بعض أحزاب الحركة الوطنية، خصوصاً ضمن ما يُصطلح عليها بحكومة التناوب التوافقي، ما بين 1998 و2002، إذ كان مآلها التآكل تنظيمياً وآيديولوجياً».

سببان رئيسيان
هناك سببان رئيسيان قد يفسّران، أيضاً، ظاهرة التراجع في الحصيلة الانتخابية لـ«العدالة والتنمية» التي أرجعها برادة أولاً «إلى طبيعة السياسة التي تبقى انسدادية في أساسها، فلا تتيح إفراز فاعلين منافسين حقيقيين، وإن كان توجههم موالياً من حيث المبدأ... أي لا يشككون في بُنيات الحكم، ويُبدون في أحايين كثيرة انجذاباً مفرطاً للاختيارات الاستراتيجية للنظام».
أما السبب الثاني، وفق برادة، «فيجد سنده في عجز الفاعلين عن إنتاج سياسي مستقل، وهو ما يؤدي إلى نوع من (التهاوي الحتمي) تحت وطأة التدبير الحكومي مثلاً، أو العمل التشريعي المقيّد، أو الدفاع عن الحقوق والحريات أو التماهي مع مصالح الشعب».

العقاب والمكافأة
أما إسماعيل حمودي، الأستاذ بجامعة محمد بنعبد الله في مدينة فاس، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن من أبرز نتائج انتخابات 8 سبتمبر التي صدّرت «التجمع الوطني للأحرار» وألحقت هزيمة مدوية بـ«العدالة والتنمية» هو أن «الناخب المغربي عاقب الحزب الأول في الحكومة السابقة، وكافأ الحزب الثاني فيها، أي التجمع الوطني للأحرار، وهذه إحدى مفارقات هذه الانتخابات». ثم رأى أن الحصيلة مكّنت «الأصالة والمعاصرة»، الذي كان مصطفّاً في المعارضة، من المحافظة على مركزه كقوة ثانية في الخريطة السياسية، ومكّنت حزب الاستقلال، الذي كان بدوره في صفوف المعارضة، من الحفاظ على مركزه كقوة ثالثة، لكن بعدد مقاعد إضافية، في حين ضاعف حزب «التقدم والاشتراكية» (الحزب الشيوعي سابقاً) عدد مقاعده مقارنةً مع انتخابات 2016. ورأى حمودي أن ارتفاع نسبة أوراق الاقتراع الملغاة في المدن، وحصول هذه الأوراق على المرتبة الأولى غالباً، بيّن وجود غضب ورفض من الطبقة الوسطى المسيّسة تجاه العرض السياسي المقدم لها.
وتبعاً لذلك فإن أكثر التساؤلات التي شدّت أنظار المراقبين للشأن الانتخابي في المغرب، خلال الأيام الماضية بموازاة انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة، ما كانت حول مَن سيكون في حكومة عزيز أخنوش -إذ بدا واضحاً أن الغالبية الجديدة ستتكوّن من الأحزاب الثلاثة الأولى المتصدرة لنتائج الاقتراع- بل من هي الهيئات السياسية التي ستلعب دور المعارضة، إلى جانب «العدالة والتنمية» و«التقدم والاشتراكية»... مع أن هذا الأمر أيضاً بات شبه معروف. والحال أن عوامل عدة تضافرت لفرز نتائج استحقاقات 8 سبتمبر، أبرزها:
- إجراء ثلاثة استحقاقات انتخابية في يوم واحد، وهي العملية التي كان لها تأثير على طريقة تصويت الناخبات والناخبين الذين لم يألفوا هذا الأسلوب. بل إن التأثير طال حتى الأحزاب السياسية التي وجدت نفسها ملزمة بترشيح أسماء قادرة على العمل كفريق منسجم وليس فقط مجرد ترشيحات مُنفصلة.
- التعديلات التي لحقت النظام الانتخابي، منها القاسم الانتخابي الذي جرى اعتماده لتوزيع المقاعد وفق نظام «الاقتراع اللائحي» بأكبر بقية، إذ أصبح يُحتسب على أساس عدد الناخبات والناخبين المسجلين والمعروف مسبقاً، بدلاً من عدد الأصوات الصحيحة التي تظهر بعد فرز الأصوات.

مستقبل مجهول
في هذه الأثناء، حاول الكثير من المراقبين تحليل أسباب هزيمة «العدالة والتنمية». وهنا أوردنا بعض العوامل، منها عوامل ذاتية، كالصراعات التي ظهرت داخل تيارات الحزب منذ إعفاء عبد الإله ابن كيران، الأمين العام للحزب، في مارس (آذار) 2017، من تشكيل الحكومة، وتعيين سعد الدين العثماني مكانه. وأيضاً الخلافات الحادة في الحزب حول الترشيحات الانتخابية التي أدت إلى استقالات. وفي المقابل، هناك أسباب موضوعية، تتعلق بعجز الحزب عن تحقيق عدد من تعهداته، وغضب الناخبين من أدائه، إلى جانب طموحهم للتغيير.
هذه العوامل مجتمعة أدت إلى التراجع الذي أفضى إلى استقالة جماعية للأمانة العامة للحزب، والدعوة إلى عقد مجلس وطني استثنائي اليوم (السبت) 18 سبتمبر، في انتظار تحديد موعد مؤتمر وطني استثنائي لانتخاب قيادة جديدة.
في سياق كل ذلك، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو: هل سيتمكن حزب «العدالة والتنمية» من الصمود وسط عاصفة فشله الانتخابي، وضمان حضوره على الساحة السياسية؟ هذا الأمر يستبعده محمد حفيظ، الأستاذ الباحث بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، الذي وصف الهزيمة بـ«الاندحار الكبير والانتكاسة الهائلة»، مشيراً إلى أن «نتائج الحزب الذي ترأس الحكومة لولايتين متتاليتين، جعلته كأنه لم يعد موجوداً، وهو ما يطرح -في نظره- بإلحاح سؤالاً عن مدى تمكنه من المحافظة على حضوره في الحياة السياسية، بل أكثر من ذلك حفاظه على وجوده وكينونته كحزب يحمل الاسم نفسه (العدالة والتنمية)، على المدى المنظور القريب». وأشار حفيظ إلى أن «العدالة والتنمية»، الذي لطالما ردّد إبان «الربيع العربي» و«حركة 20 فبراير (شباط)»، وبعد إقرار دستور 2011، ورئاسته الحكومة لولايتين متتاليتين، أنه «يعود إليه الفضل في إنقاذ البلاد والدولة»... أنقده هذه المرة «القاسم الانتخابي الجديد»، فلولاه لحصل الحزب على أقل من 13 مقعداً بكثير. ويُذكر أن «العدالة والتنمية» كان الحزب الوحيد الذي وقف ضد اعتماد القاسم الانتخابي الجديد، والمفارقة أن الحزب كان أكبر المستفيدين منه.

سيطرة الأعيان والتجار
على صعيد ذي صلة بنتائج الانتخابات، لاحظ حمودي «تراجع السياسة» في الانتخابات الأخيرة، موضحاً أن النتائج المعلن عنها حتى الآن تكشف عن ضعف نسبة المشاركة في المدن، في مقابل ارتفاع نسبتها في البوادي. ويرى حمودي أن البادية هي التي حسمت هذه الانتخابات، ومن تداعيات ذلك أن مجلس النواب المنتخب «يسيطر عليه الأعيان والتجار، في غياب السياسيين، وهذه أيضاً إحدى مفارقات هذه الانتخابات».

كيف تعيش قيادة «العدالة والتنمية» النكسة الانتخابية؟
> يعيش حزب «العدالة والتنمية» اليوم حالة من الجمود السياسي والتنظيمي، منذ نكسته الانتخابية في 8 سبتمبر (أيلول) الجاري. واكتفت الأمانة العامة للحزب بإصدار بيان في 9 سبتمبر أشارت فيه إلى «خروقات» عرفتها الانتخابات ولكنها أعلنت استقالتها الجماعية من قيادة الحزب، وعقد دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب (أعلى هيئة تقريرية فيه بعد المؤتمر)، اليوم (السبت)، كما قررت تنظيم مؤتمر وطني استثنائي لانتخاب قيادة جديدة لم يحدَّد موعده بعد.
المراقبون يلاحظون أن الحزب لم يطعن سياسياً في نتائج الانتخابات، كما أن الاستقالة الجماعية للأمانة العامة مؤشر على الاعتراف بالهزيمة. ويلاحظ أنه منذ صدور البيان، لم يصدر أي تصريح من أي قيادي في الحزب، ولم تُعقد لقاءات لمسؤولي الحزب لشرح ما جرى. بل خلا المقر المركزي للحزب، في حي الليمون بالرباط، من الحركة الدؤوبة التي عُرف بها خلال الانتخابات، وغابت عنه قيادات الحزب باستثناء حضور بعض الموظفين.
قيادي في الحزب قال لـ«الشرق الأوسط» إن أعضاء الأمانة العامة للحزب، بمن فيهم الأمين العام سعد الدين العثماني، لزموا بيوتهم، وأوقفوا الأنشطة واللقاءات، إلى حين انعقاد دورة المجلس الوطني اليوم. وقد خُصص جدول أعمال الدورة لدراسة نتائج الانتخابات ومستقبل الحزب. في حين اعتذر العثماني عن تلبية دعوة عزيز أخنّوش، رئيس الحكومة المكلف، لاستقباله في مقر حزبه في حي الرياض أمس، في سياق مشاورات تشكيل الحكومة.
وحسب مصدر من الحزب، فإن اعتذار العثماني يأتي نظراً للنتائج السلبية التي حصل عليها الحزب، كما أن العثماني بدأ من الآن يعدّ العدة للابتعاد عن قيادة الحزب بعدما جرى تحميله مسؤولية النتائج الهزيلة التي حصل عليها الحزب.
هذا، ولن تقف تداعيات ما يعيشه «العدالة والتنمية» عند هذا الحد، بل يرجح أن تمتد إلى تقليص إمكانياته المالية والبشرية في العمل السياسي. ذلك أن فقدانه لفريقه في مجلس النواب، أدى إلى فقدانه إمكانياته مهمة في عمله السياسي، لأن النظام الداخلي لمجلس النواب ينص على ضرورة توفر 20 عضواً لكل هيئة سياسية تريد تشكيل فريق نيابي، في حين لا يتوافر لـ«العدالة والتنمية» سوى 13، ومن جانب آخر، وهنا مفارقة لافتة، فإن حزب «التقدم والاشتراكية» اليساري، الذي كان حليفاً لحزب «العدالة والتنمية» إبان حكومتي عبد الإله ابن كيران الأولى والثانية وحكومة العثماني الأولى قبل أن يلتحق بالمعارضة، حصل على 21 مقعداً... وهو ما أتاح له الحصول على فريق نيابي.
يُذكر أن «العدالة والتنمية» كان قد رفض تغيير القانون الداخلي لمجلس النواب، وتغيير شرط الحصول على فريق نيابي من 20 إلى 12 مقعداً، بعدما حصل «التقدم والاشتراكية» على 12 مقعداً في الانتخابات السابقة، وحاول حزب «الأصالة والمعاصرة» دعم ذلك، بيد أن «العدالة والتنمية» رفض، وها هو الزمن يدور دورته فيحصل العكس. وبات من المستحيلات أن يشكّل «العدالة والتنمية» فريقاً نيابياً مع مجموعة نيابية أخرى مثلما حصل مع «الاتحاد الدستوري» حين التحق بالفريق النيابي لـ«التجمع الوطني للأحرار» لأنه عجز عن تشكيل فريق نيابي.
هذا وتخوّل صفة الفريق النيابي (أو الكتلة النيابية) للهيئة السياسية عدة امتيازات، منها توفير مقر داخل المجلس، وميزانية، وموظفين. وكان فريق «العدالة والتنمية» يتوفر على نحو 40 موظفاً في مجلس النواب المنتهية ولايته، لكنه سيفقدهم جميعاً، بعد فقدان الفريق النيابي. ثم إن إدارة المجلس كانت تؤمّن له مقراً عبارة عن طابق كامل في بناية المجلس، إضافةً إلى ميزانية مهمة، وكل ذلك سينتهي بسبب تراجعه الانتخابي. وبخصوص الدعم المالي التي تقدمه الدولة للأحزاب السياسية، فإنه أيضاً سيخضع لمراجعة على ضوء نتائج الانتخابات، لأن الدولة تمنح للأحزاب دعماً عن كل مقعد نيابي جرى الحصول عليه في مجلس النواب. وفي الماضي، دأب «العدالة والتنمية» على الحصول على حصة الأسد من الدعم العمومي، منذ انتخابات 2011، لكنه اليوم سيفقد ما يناهز 80% من هذه الموارد المالية.
وعلى مستوى الجماعات المحلية (البلديات) ومجالس الجهات، وجد «العدالة والتنمية» نفسه خارج معظم التحالفات التي ستسيّر المدن الكبرى، وربما لن يسيّر أي بلدية فوق تراب المملكة، وذلك بعدما كان يهيمن على تسيير المدن الكبرى في المغرب بعد الانتخابات المحلية في 2015.
أخيراً، بغضّ النظر عن تراجع الحزب سياسياً وانتخابياً، يبقى السؤال الأهم الذي يُطرح في الساحة السياسية المغربية يتعلق بمستقبله السياسي، فبعد استقالة قيادته، تتجه الأنظار إلى المؤتمر الاستثنائي المقبل لمعرفة طبيعة القيادة الجديدة التي ستدبر المرحلة المقبلة، وهل ستستطيع إنهاض الحزب من جديد وبعثه من رماد؟



احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
TT

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي تحكمها. فالانسحاب الذي أُنجز عام 2000 جاء في سياق يختلف جذرياً عن ذلك الذي أعقب «حرب يوليو (تموز)» 2006، بينما يبدو المشهد الحالي محكوماً بمعادلات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية مع مسارات التفاوض، ما يجعل استعادة نماذج الماضي أمراً بالغ الصعوبة. وبمعزل عن التصوّرات السياسية لإنهاء الأزمة، وفي ظل الإصرار اللبناني على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، تواجه إسرائيل هذه الدعوات بتركيز متصاعد على مرتفعات استراتيجية، مثل «علي الطاهر»، ومواقع أخرى حاكمة في جنوب لبنان، ما يطرح أسئلة عما إذا كانت تل أبيب تتّجه إلى بناء «حزام مرتفعات» يقوم على الإمساك بالنقاط الجغرافية المُشرفة، وحرمان «حزب الله» منها، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي واسع يتطلب انتشاراً برّياً دائماً، وكلفة عسكرية، وبشرية أكبر.

لا توجد مُعطيات تسمح بالكلام عن «عقيدة إسرائيلية» معلنة، وتتطرّق بالذات إلى السيطرة على المرتفعات. لكن خريطة المواقع التي تركّز عليها العمليات، من مرتفعات الشقيف وزوطر وصولاً إلى مرتفعات «علي الطاهر»، تعزّز لدى خبراء عسكريين فرضيّة إعطاء إسرائيل أولوية للنقاط التي توفّر المراقبة والسيطرة بالنار على مساحات واسعة.

وبالفعل تكتسب مرتفعات «علي الطاهر» أهمية خاصة في هذه المعادلة، نظراً إلى ارتفاعها، وإشرافها على النبطية، ومناطق باتجاه إقليم التفاح، وكان التصعيد الإسرائيلي الكثيف قد أعاد المرتفعات إلى الواجهة، بالتزامن مع تعثر المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية.

السيطرة على المرتفعات

تركّز إسرائيل على السيطرة على المرتفعات في جنوب لبنان، والإمساك بالنقاط الحاكمة، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي.

وشرح العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط»: إن «الهدف الأساسي الذي ظهر مع إعلان إسرائيل الخط الأصفر هو الإمساك بالمرتفعات الحاكمة المقابلة للمستوطنات الإسرائيلية»، موضحاً أن هذا الخط يمتد -وفق تصوّره- «من البيّاضة في القطاع الغربي، مروراً ببلدات رشاف وبيت ليف وحداثا شمالي بنت جبيل في القطاع الأوسط، ووصولاً في القطاع الشرقي إلى دير سريان والطيبة، ومن ثم إلى السفوح الشرقية لجبل الشيخ، ولا سيما باتجاه عين عطا وعين قنيا».

قزح أردف أن «هذا الخط هو عبارة عن مرتفعات مقابلة للمستوطنات الإسرائيلية، وتبعد عنها في حدود 8 إلى 10 كيلومترات، بما يحرم (حزب الله) من إطلاق النار المباشر باتجاه المستوطنات». وتابع: «بعد إعلان هذا الخط، تقدّمت إسرائيل وأخذت زوطر الشرقية وزوطر الغربية ومرتفعات الشقيف، ثم عادت وتقدّمت إلى أن وصلت إلى محاصرة علي الطاهر»، معتبراً أن «المنطقة الممتدّة من علي الطاهر إلى الشقيف وزوطر الشرقية تدخل ضمن هذا التصوّر».

وبحسب قزح فإن «إسرائيل لن تنسحب من هذه المناطق طالما هناك أي خطر تعتبر أنه آتٍ من أي جهة كانت على الأراضي اللبنانية». وعن مصير المرتفعات، قال: «لن تنسحب منها طالما لا يوجد حل لسلاح (حزب الله) في لبنان، ولن تنسحب من التلال الحاكمة للمستوطنات».

معركة التلال

الحال أن التركيز الإسرائيلي على مرتفعات جنوب لبنان يرتبط بأهميتها العسكرية، وبوجود مواقع وقواعد لـ«حزب الله» فيها، حسبما يقول اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي، معتبراً أن السيطرة عليها تشكل «هدفاً عسكرياً إسرائيلياً أساسياً»، لكن تحقيقه ميدانياً ليس سهلاً، بسبب الكلفة البشرية لأي عملية برّية.

شحيتلي أوضح لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هذه المناطق كانت ذات أهمية عسكرية، وشكّلت قواعد للجبهة، ومراكز للقيادة العملانية، ولذلك فإن لدى إسرائيل هدفاً أساسياً يتمثل في دخولها، والسيطرة عليها... لكن السؤال هو: هل تستطيع إسرائيل تحقيق هذا الهدف؟ حتى الآن لم تستطع». ومن ثم اعتبر أن العمليات الإسرائيلية لم تصل بعد إلى مستوى «الحسم العسكري الميداني، وأن استمرار تحرّك مجموعات مقاتلة واستهدافها بالمدفعية والطيران ووسائل أخرى يعني أن (حزب الله) لا يزال فاعلاً ميدانياً خلف الخطوط الإسرائيلية».

شحيتلي أوضح أيضاً أن التركيز على مرتفعات مثل «علي الطاهر والدبشة» سببه كونها «مرتفعات قريبة وحاكمة على المنطقة، وعلى شمال فلسطين، ويمكن منها استخدام أسلحة مباشرة، أو صواريخ مباشرة باتجاه شمال إسرائيل، والمستوطنات... بجانب أنها مراكز دعم وإسناد، وقيادة عملانية يمكن الانطلاق منها في العمليات العسكرية».

كلفة العملية البرّية

من جهة ثانية، يقوم الفارق بين السيطرة على شريط جغرافي والإمساك بالنقاط الحاكمة على أن الأولى تتطلب انتشاراً متصلاً، وتأمين خطوط إمداد، بينما تمنح المرتفعات قدرة على المراقبة، والسيطرة بالنار تفوق مساحتها الجغرافية. من هنا لا يعني هذا التصوّر بالضرورة إنشاء مواقع إسرائيلية ثابتة فوق كل المرتفعات، بقدر ما قد يعكس سعياً إلى منع «حزب الله» من استخدامها كنقاط مراقبة، أو قيادة، وإسناد، سواء بالسيطرة عليها، أو الدفع باتجاه تسليمها إلى الجيش اللبناني.

وبحسب شحيتلي: «إسرائيل تستفيد من الوقت للتحضير لأي عملية محتملة... والمحادثات وغيرها تمنح إسرائيل وقتاً للتحضير للعملية العسكرية في هذه المنطقة، لكن المشكلة بالنسبة إليها هي الكلفة العالية من الخسائر البشرية التي قد تترتب على مثل هذه العملية، وهي كلفة لا تستطيع تحملها بسهولة». وأضاف: «في المفهوم العسكري، ليست القمة الأعلى جغرافياً هي بالضرورة موقع تمركز للقوات. القمة يمكن استخدامها للمراقبة، لكن المواقع والخطوط الدفاعية تكون عادة تحت خط القمة»، لافتاً إلى أن ما تسعى إليه إسرائيل «ليس القمم بحد ذاتها فقط، بل المواقع العسكرية، والخطوط الدفاعية الموجودة تحتها، وعلى جوانبها».

بالتالي لا يعني «حزام المرتفعات» -إذا تبلور- خطاً متصلاً من القمم تحتلها إسرائيل، بقدر ما يعني «شبكة من النقاط الحاكمة» التي تسعى إلى منع «حزب الله» من استخدامها عسكرياً، لتصبح «علي الطاهر» الاختبار الأبرز لما إذا كان هذا التصوّر سيبقى محصوراً بالمواجهة الحالية، أم يتحوّل إلى معيار إسرائيلي أوسع للتعامل مع جغرافيا جنوب لبنان.

معضلة الانسحاب الإسرائيلي

في الواقع، الاستراتيجية الإسرائيلية للسيطرة على المرتفعات تقوّض الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية. وتقع المعضلة السياسية في تبدل الظروف عما كان عليه الأمر في العامين 2000 و2006.

إذ انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 مايو (أيار) 2000 بعد احتلال طال لنحو 22 سنة، ومن دون أي اتفاق ثنائي مع الحكومة اللبنانية. أما في العام 2006، فقد تم بعد اتفاق أنتج القرار الأممي 1701 الذي ينصّ على إخلاء منطقة جنوب الليطاني من السلاح، ومسلحي «حزب الله».

في الواقع، لا يقتصر الاختلاف بين تجربتي الانسحاب عامي 2000 و2006 على الظروف الميدانية، بل يشمل أيضاً الجهات المؤثرة في القرار، وطبيعة الضمانات، وآليات التنفيذ، وهو ما يجعل أي حديث عن انسحاب إسرائيلي اليوم مرتبطاً بمعطيات تختلف عما عرفه لبنان في المحطّات السابقة.

تقوّض الاستراتيجية الإسرائيلية القاضية بالسيطرة على المرتفعات الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية

انسحاب العام 2000

العميد المتقاعد ناجي ملاعب قال إن انسحاب عام 2000 جاء نتيجة ظروف إسرائيلية داخلية أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «انسحاب عام 2000 كان قراراً إسرائيلياً داخلياً بامتياز. فيومذاك وصل إيهود باراك إلى رئاسة الحكومة حاملاً مشروعاً يقوم على سحب القوات الإسرائيلية من لبنان، بعدما أصبحت كلفة بقائها مرتفعة بشرياً، واقتصادياً، إلى جانب وجود القرار الدولي 425 الذي كان يطالب إسرائيل بالانسحاب منذ سنوات».

ثم أردف: «كان حزب (العمل) يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لتخفيف أعباء الجيش الإسرائيلي، وخفض الإنفاق العسكري، والاهتمام بالاقتصاد، ولذلك اتُّخذ قرار الانسحاب بصورة مفاجئة، حتى إن كثيراً من عناصر ميليشيا جيش لبنان الجنوبي (المتحالفة مع إسرائيل) لم يكونوا على علم به مسبقاً. بعضهم عاد إلى لبنان وخضع للمحاكمة، فيما فرّ آخرون إلى إسرائيل. لذلك يمكن القول إن انسحاب عام 2000 كان نتيجة قرار إسرائيلي داخلي أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية».

من جهته، استعاد العميد المتقاعد فادي داود تجربة عام 2000 من زاوية مختلفة، فقال: «انسحاب عام 2000 لم يكن مجرد قرار أحادي، بل سبقته مفاوضات غير مُعلنة جرت عبر ألمانيا. تفاصيل كثيرة من تلك المرحلة بقيت بعيدة عن الإعلام، لكن ما كُشف لاحقاً يؤكد وجود وساطة ألمانية، واتصالات سبقت تنفيذ الانسحاب».

«طبيعة التأثير الخارجي تبدلت أيضاً»، وفق داود الذي أكد أن «الطرف الوحيد القادر فعلياً على إلزام إسرائيل بأي اتفاق الآن هو الولايات المتحدة. لا توجد دولة أخرى تمتلك القدرة على ممارسة ضغط حقيقي عليها، أو فرض حدود لتحركاتها، ولذلك فإن نجاح أي اتفاق يبقى مرتبطاً بالإرادة الأميركية وحدها».

انسحاب 2006

في المقابل، حكمت الانسحاب في العام 2006 معطيات مختلفة. فبحسب ملاعب، المشهد تبدّل بعد «حرب يوليو» 2006، وأوضح: «ما حصل بعد حرب يوليو كان ثمرة نشاط دبلوماسي مكثف قادته الدولة اللبنانية، برئاسة رئيس الحكومة (آنذاك) فؤاد السنيورة، وبالتوازي مع جهود فرنسية، ودعم عربي، إضافة إلى ضغط أميركي أدى إلى وقف العمليات العسكرية بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، وبالتزامن مع صدور القرار 1701».

وتابع: «أهمية القرار 1701 تكمن أولاً في تثبيت وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، وهو ما وافق عليه الطرفان، كما أنه أتاح انتشار قوات الأمم المتحدة المعززة، ورسم الخط الأزرق بإشراف الأمم المتحدة، رغم استمرار التحفظات اللبنانية على بعض النقاط التي لا تتطابق مع اتفاقية الهدنة لعام 1949».

«بعد ذلك (والكلام لا يزال لملاعب) بدأت الاجتماعات الدورية في الناقورة برعاية الأمم المتحدة، حيث كان الضباط اللبنانيون والإسرائيليون يعقدون لقاءات شهرية لمعالجة النقاط الخلافية على الخط الأزرق، وتمت تسوية عدد كبير منها، فيما بقيت بعض النقاط عالقة».

إسرائيل تشتري الوقت ... وتماطل بالانسحاب

حقيقة الأمر أن الوقائع الميدانية والسياسية تحكم، في الوقت الراهن، معادلات تختلف عن تلك التي سادت في عام 2006، وقبله في العام 2000. وهنا شدّد العميد المتقاعد داود لـ«الشرق الأوسط» على أن «المتغيّر الأساسي هو المجتمع الدولي. فعام 2006 كان هناك دور واضح للأمم المتحدة، وقواتها ومرجعية للقرار 1701، أما اليوم فنحن أمام واقع مختلف، حيث يتراجع دور الأمم المتحدة، بل إن وجودها نفسه بات موضع تساؤل، فيما أصبحت الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على التأثير في مسار الأحداث، والضغط على إسرائيل».

وأردف: «إذا كنا نبحث في مستقبل أي انسحاب إسرائيلي، فلا يوجد حتى الآن شيء واضح، لأن اتفاق الإطار نفسه لا يزال غير محدد في كثير من تفاصيله. ما هو واضح فقط وجود إرادة أميركية لمحاولة فرض عناوين عامة على الأرض، لكن التفاصيل ما زالت غامضة، والشيطان دائماً يكمن في التفاصيل».

بدوره استبعد العميد المتقاعد ملاعب أن يشهد لبنان انسحاباً إسرائيلياً قريباً، فقال: «اليوم لا أرى حديثاً جدياً عن انسحاب. توقّعي أن تواصل إسرائيل المماطلة، حتى مع وجود ضغوط أميركية، لأن أولوياتها مرتبطة بحسابات سياسية وأمنية أوسع». واستطرد: «الضغط الأميركي الأخير دفع إسرائيل إلى إبداء مرونة في ملفات مرتبطة بغزة، حيث توجد مصالح أميركية وإسرائيلية مشتركة، لكن إذا استمرت هذه التفاهمات فقد تحاول إسرائيل الحصول على أثمان أو تعويضات في ساحات أخرى، ومنها لبنان».

لذا استبعد ملاعب «الكلام حالياً عن انسحاب إسرائيلي من لبنان بالمعنى الذي عرفناه في عامي 2000 أو 2006، وأتوقع أن يستمر التأجيل، والمماطلة، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية».

 


ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
TT

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة آندي بيرنهام. الواقع أن تعيين بيرنهام يشكّل تحوّلاً لافتاً في مسار سياسي شاب كان، حتى وقت قريب، يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة ستارمر في 10 داونينغ ستريت؛ إذ سبق لستريتنغ أن أعلن استعداده لخوض سباق الزعامة، قبل أن يتراجع ويدعم بيرنهام، الذي أعاده لاحقاً إلى الحكومة وأسند إليه واحدة من أكثر حقائبها حساسية.

يصل ويس ستريتنغ (43 سنة) إلى مقر وزارة الدفاع بعد مسار بدأ في السكن الاجتماعي بشرق لندن، ومرّ باتحادات الطلاب والمجالس المحلية ومقاعد المعارضة، قبل أن يُصبح وزيراً للصحة في حكومة ستارمر.

وهناك، بنى صورته على إصلاح المؤسسات وخفض الهدر بالتوازي مع زيادة الإنفاق، وهي الوصفة نفسها التي يقول إنه يريد نقلها الآن إلى وزارة الدفاع. ويأتي ذلك فيما تواجه بريطانيا ضغوطاً لرفع إنفاقها العسكري، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديدات الروسية، في اختبار جديد لسياسي عُرف بمهاراته التنظيمية والإعلامية وطموحه القيادي.

... من حي ستيبني الشعبي إلى كمبريدج

وُلد ويسلي بول ويليام ستريتنغ عام 1983، ونشأ في سكن اجتماعي في حي ستيبني الشعبي بشرق لندن، لوالدين من الطبقة العاملة كانا في السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمرهما عندما رُزقا به.

وحقاً، تختلف خلفية ستريتنغ العائلية عن الصورة التقليدية لمسيرة وزير بريطاني. فوفق قناة «سكاي نيوز» التلفزيونية وصحيفة «الغارديان»، كان جدّه لأمه لصّاً مسلحاً أمضى فترة في السجن، وعرف خلال سجنه الأخوين كراي، اللذين يعدّان من أشهر زعماء الجريمة المنظمة في لندن. كذلك أمضت جدته فترة في سجن هولواي، حيث التقت كريستين كيلر، إحدى أبرز الشخصيات المرتبطة بـ«فضيحة بروفومو» السياسية - الأخلاقية في ستينات القرن الماضي.

أما جدُّه لأبيه، وهو من قُدامى البحرية الملكية ومؤيد تقليدي للمحافظين، فكان من أكثر الشخصيات تأثيراً فيه خلال فترة طفولته.

دراسياً، تلقى ستريتنغ تعليمه المبكّر في مدرسة وستمنستر سيتي، وهي مدرسة حكومية لا علاقة لها بـ«مدرسة وستمنستر» الخاصة الشهيرة الواقع حرمها على مقربة من قصر البرلمان. وفي سن الرابعة عشرة، خاض انتخابات مدرسية تجريبية مرشحاً باسم حزب العمال وخسر، لكنه انضم إلى الحزب فعلياً في سن الخامسة عشرة.

وبعدها صار أول شخص في عائلته يدخل جامعة ويتخرّج فيها، وفق «رويترز» بعدما درس التاريخ في كلية سلوين بجامعة كمبريدج.

ميول قيادية منذ الجامعة

برزت ميول ستريتنغ القيادية منذ سنواته الجامعية. فقد انتُخب رئيساً لاتحاد طلاب جامعة كمبريدج، ثم تولّى عام 2008 رئاسة الاتحاد الوطني للطلاب في بريطانيا.

وهو على الرغم من انضمامه المُبكر إلى حزب العمال، لم يتردّد في معارضة بعض سياساته. بل إنه غادر الحزب لفترة قصيرة إبان سنوات الجامعة، وفق قناة «سكاي نيوز»، اعتراضاً على حرب العراق التي شاركت فيها حكومة توني بلير إلى جانب الولايات المتحدة.

ومن ثم، بعد تخرّجه، عمل ستريتنغ في القطاع التطوّعي، كما شغل مناصب قيادية في مؤسسات تُعنى بالتعليم ومواجهة عدم المساواة، قبل أن يتّجه إلى العمل السياسي المنتخب.

من المجلس المحلي... إلى وستمنستر

بدأ ويس ستريتنغ مسيرته الانتخابية عضواً في مجلس بلدية ريدبريدج (في منطقة لندن الكبرى) عام 2010، ثم أصبح نائباً لرئيس المجلس عندما سيطر حزب العمال عليه عام 2014.

وفي الانتخابات العامة عام 2015، انتُخب نائباً عن دائرة إيلفورد نورث في شرق لندن (وهي تقع ضمن ريدبريدج)، منتزعاً المقعد من حزب المحافظين. وظلّ يُمثّل هذه الدائرة منذ ذلك الحين.

وطوال سنوات حملة الـ«بريكست»، كان من أبرز المدافعين داخل الحزب عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وأيّد إجراء تصويت شعبي ثانٍ على الاتفاق النهائي للخروج. لكنه لم يدخل فوراً الصفوف القيادية للحزب.

إذ إنه إبان عهد جيريمي كوربن، بقي بعيداً عن قيادة الحزب، وكان من معارضي توجّهات زعيمه اليساري. غير أنه بدأ صعوده السريع في المواقع الحزبية والسياسية بعد انتخاب كير ستارمر زعيماً للحزب عام 2020. في أعقاب ضرب تيار كوربن اليساري.

الصعود مع ستارمر

خلال أقل من سنتين، شغل ستريتنغ سلسلة من المناصب في المعارضة. ووفق السجلّ الرسمي للبرلمان، عيّنه ستارمر وزيراً في «حكومة الظل» لشؤون الخزانة في أبريل (نيسان) 2020، ثم ناطقاً باسم الحزب لشؤون المدارس في أكتوبر (تشرين الأول)، وبعدها لشؤون فقر الأطفال خلال مايو (أيار) 2021، قبل أن يعيّنه وزيراً للصحة في «حكومة الظل» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.

والحقيقة أن قدراته الخطابية والحوارية ساعدته على التواصل الإعلامي وخوض المواجهات السياسية، ومن ثم تعزيز حضوره البرلماني والشعبي. وهنا، تصفه «سكاي نيوز» - التي لا تعد قريبة من حزب العمال - بأنه أحد أفضل المتكلمين في صفوف الحزب وأكثرهم حضوراً، بينما تقول «رويترز» إن مؤيديه يعدُّونه من أكثر سياسيي «العمال» قدرةً على إضفاء الحيوية على رسالته السياسية.

مع هذا، ووسط صعوده السياسي، تعرّض مسيرته لتوقف مفاجئ في مايو 2021، عندما أعلن إصابته بسرطان الكلية وهو في سن الثامنة والثلاثين. وبالفعل، خضع على الأثر لجراحة لاستئصال الكلية، قبل أن يعود إلى البرلمان بعد نحو شهرين. وعام 2023، نشر مذكراته التي تناول فيها طفولته وعائلته ومسيرته الاجتماعية والسياسية.

فاز 825 صوتاً

وصل ويس ستريتنغ إلى الحكومة بعد الفوز الكاسح لـ«العمال» في انتخابات يوليو (تموز) 2024، لكنه كاد يخسر مقعده في تلك الانتخابات.

ففي حين حصد حزب العمال غالبية برلمانية ضخمة، احتفظ ستريتنغ بمقعد إلفورد نورث بفارق بسيط لا يزيد على 528 صوتاً فقط أمام المرشحة المستقلة البريطانية - الفلسطينية ليان محمد، التي بنت حملتها إلى حد كبير على معارضة موقف العمال من «حرب غزة»؛ إذ بلغ مجموع أصوات ستريتنغ يومذاك 15647 صوتاً، مقابل 15119 لمنافسته.

وبالتالي، أظهرت النتيجة هشاشة موقعه الانتخابي المحلي على الرغم من حضوره السياسي على المستوى الوطني، في دائرة شديدة التنوع كان لـ«حرب غزة» تأثير مباشر على خيارات ناخبيها، ولا سيما من المسلمين واليساريين.

قطاع «الصحة»... مختبر ستريتنغ

عُيِّن ستارمر ستريتنغ وزيراً للصحة يوم 5 يوليو (تموز) 2024، مُسنداً إليه واحدة من أصعب حقائب الحكومة. فهذه الحقيبة تشمل مسؤولية إدارة «خدمة الصحة الوطني» NHS التي كانت تواجه قوائم انتظار طويلة، وإضرابات للأطباء، وضغوطاً مالية وبيروقراطية متشعبة.

في البداية، توصَّل الوزير الجديد إلى اتفاق مع الأطباء المُقيمين أنهى موجة من الإضرابات، بيد أنه دخل لاحقاً في صدامات حادّة مع نقابتهم، «الجمعية الطبية البريطانية»، التي اتّهمها في مرحلة لاحقة بالتصرّف كـ«احتكار» (كارتل)، وفق «الغارديان».

أكثر من هذا، أثار ستريتنغ حفيظة الجناح اليساري في الحزب بسبب استعداده للاستعانة بالقطاع الخاص لتقليص قوائم الانتظار. ودافع عن ذلك بالقول إنه لا يجوز أن ينتظر المريض دوره لأسباب آيديولوجية إذا كانت الإمكانية العلاجية متاحة خارج القطاع العام. وفعلاً، أبرمت الحكومة في يناير (كانون الثاني) 2025 اتفاقاً مع مقدّمي الخدمات المستقلين لتوسيع علاج مرضى «خدمة الصحة الوطنية» في مرافق القطاع الخاص.

لكن قرار ستريتنغ الأكثر جرأة كان إلغاء مؤسسة «إن إتش إس إنغلاند» وإعادة وظائفها تدريجياً إلى وزارة الصحة، بهدف تقليص البيروقراطية وإنهاء تداخل الصلاحيات. وبرَّر في حينه القرار بأن النظام بات يضم جهازين يؤديان وظائف متداخلة. وبالنتيجة، سجلت قوائم الانتظار تراجعاً خلال ولايته.

واللافت أن الحكومة ذكرت أن مليوني موعد إضافي أُنجزت قبل الموعد المحدّد بسبعة أشهر، فيما أشار ستريتنغ إلى توفير خمسة ملايين موعد طبي إضافي خلال السنة الأولى، وتحقيق «أكبر انخفاض في أوقات الانتظار منذ 17 سنة». إلا أن تجدّد إضرابات الأطباء لاحقاً هدد - وفق «رويترز» - بتقويض جانب من هذا التقدم.

من حليف لستارمر إلى خصم ومنافس

بالتوازي، ظل ستريتنغ طامحاً إلى زعامة حزب العمال. لكن الخلاف بينه وبين ستارمر لم يخرج إلى العلن إلا في مايو الماضي، بعد سلسلة من النتائج الانتخابية السيئة للحزب، ففي يوم 14 مايو، كان ستريتنغ أول وزير كبير يستقيل مطالباً بتغيير قيادة الحزب. وكتب على «إكس» في رسالة استقالته: «حيث نحتاج إلى رؤية، هناك فراغ. وحيث نحتاج إلى اتجاه، هناك انجراف». وبعد يومين، أعلن أنه سيترشّح في أي سباق لخلافة ستارمر، لكنه رفض الدفع نحو منافسة فورية قبل منح بيرنهام فرصة للعودة إلى مجلس العموم، قائلاً إن سباقاً يستبعده سيفتقر إلى الشرعية.

إلا أنه بعد فوز بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية وعودته إلى مجلس العموم، أعلن ستريتنغ يوم 22 يونيو (حزيران) انسحابه من السباق ودعمه بيرنهام، قائلاً إن الحزب يحتاج إلى الوحدة بدلاً من «تضخيم الاختلافات الصغيرة». وبعد أقل من شهر، أعاده بيرنهام إلى الحكومة وزيراً للدفاع.

توجُّه «بليري»؟

يُصنَّف ستريتنغ عادة ضمن «يمين» حزب العمال، وهو لا يخفي إعجابه بتوني بلير. ووفق مصادر مطلعة، فإنه لو خاض سباق الزعامة، كان سيطرح برنامجاً أكثر قرباً من قطاع الأعمال من منافسيه المحتملين، كما سبق أن أعرب عن ضيقه من ارتفاع مستويات الضرائب في بريطانيا.

مع هذا، لا تتطابق مواقفه دائماً مع مواقف الجناح «البليري» في الحزب؛ إذ عارض «حرب العراق» وهو طالب، كما أنه من أبرز المؤيدين للتقارب مع الاتحاد الأوروبي. وذهب في مايو إلى حد الدعوة إلى عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، بعدما كان قد دعا إلى دراسة الانضمام مجدداً إلى اتحاد جمركي معه.

وإزاء الهجرة، تصفه «سكاي نيوز» بأنه أكثر ليبرالية من بعض زملائه، وأبدى تحفّظات عن جوانب من تشديد قواعد التأشيرات واللجوء، وعلى ترحيل العائلات التي تدخل بريطانيا بصورة غير نظامية.

أما حيال الإنفاق العام، فأظهر استعداداً لمواقف أكثر صرامة. وكان، وفق «رويترز»، أول وزير في حكومة ستارمر يدعو علناً إلى خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.

من المستشفيات... إلى الصواريخ

هذه المواقف سبقت انتقاله إلى الدفاع، ولعلها أسهمت في اختيار بيرنهام له؛ فالوزارة التي تسلَّمها تواجه تحدّياً أساسياً: التوفيق بين الطموحات العسكرية المتزايدة لبريطانيا والموارد المتاحة لتمويلها. وكانت حكومة ستارمر قد أقرت في أيامها الأخيرة زيادة قدرها 15 مليار جنيه إسترليني في الإنفاق العسكري على مدى أربع سنوات. كذلك التزمت بريطانيا، في إطار «الناتو»، برفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.

وفي أول خطاب كبير لستريتنغ خلال معرض فارنبورو للطيران، قال إن الدفاع «يحتاج إلى الاستثمار والتحديث معاً»، مؤكداً أنه سيطبق في الوزارة الجديدة النهج نفسه الذي اتبعه في وزارة الصحة لخفض الهدر وتحسين الكفاءة.

وأعلن أن الحكومة أبرمت عقوداً دفاعية تتجاوز قيمتها 11.8 مليار جنيه خلال عشرة أيام فقط، وتعهد بأن تكون بريطانيا «حليفاً قوياً يمكن الاعتماد عليه» في الخارج، وأن تدعم الصناعات الدفاعية النمو والوظائف في الداخل.هذا، وجاءت بداية ستريتنغ في الوزارة أيضاً وسط اختبار سريع للتهديدات الأمنية التي ستتعامل معها. ففي أول أيامه، وصف مناورة روسية بالذخيرة الحية قبالة الساحل الإنجليزي بأنها «استعراضية وغير مسؤولة»، وقال إن الحادث ليس سوى «قمة جبل الجليد» من التهديدات التي تواجهها بريطانيا وحلفاؤها يومياً.


تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات
TT

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره في وزارة الصحة؛ مؤسسة حكومية ضخمة تحتاج إلى تمويل أكبر، بالتزامن مع إصلاح طريقة إنفاقها.

كان ستريتنغ، قبل توليه الحقيبة، من أبرز الأصوات داخل حكومة كير ستارمر المطالبة بزيادة موارد القوات المسلحة. لكن مهمته الجديدة تتجاوز الضغط للحصول على التمويل؛ إذ يتعين عليه تحديث جيش تقلّص حجمه بصورة كبيرة منذ الحرب الباردة، وتسريع مشاريع تسليح تأخرت لسنوات، وتقليص الهدر والبيروقراطية، في وقت تتزايد التزامات بريطانيا تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا والتهديدات العسكرية غير التقليدية.

بيانات جمعتها الـ«بي بي سي» كشفت عن حجم التراجع الذي شهدته القوات المسلحة في العقود الماضية. فعام 1990، كان عديد الجيش البريطاني 153 ألف جندي نظامي، مقابل نحو 73.8 ألف حالياً. كما انخفض عدد قوات الاحتياط من 76 ألفاً إلى نحو 25.8 ألف، وتراجعت طلبات الالتحاق بالجيش بنحو 40 في المائة عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

الصورة مماثلة في سلاحي البحر والجو. إذ انخفض عدد السفن القتالية الرئيسة في البحرية الملكية من 48 عام 1990 إلى سبع فرقاطات وست مدمّرات، في حين تقلّص أسطول الطائرات القتالية من أكثر من 300 طائرة إلى 107 من طراز «تايفون»، و37 مقاتلة «إف – 35»، وإن كانت الطائرات الحديثة أكثر تطوّراً من سابقاتها.

وتكتسب هذه الأرقام وزناً أكبر في ظل ما وصفته مكتبة مجلس اللوردات البريطاني بأنه «أصعب بيئة أمنية منذ الحرب الباردة». فمراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025 اعتبرت أن الغزو الروسي لأوكرانيا أعاد إلى أوروبا احتمال الحروب الواسعة بين الدول، وكشف عن أهمية الجاهزية العسكرية والمخزونات والقدرة الصناعية. وحذّرت من تصاعد التهديدات الهجينة، من الهجمات الإلكترونية والتخريب إلى حملات التضليل واستهداف البنية التحتية الحيوية، ودعت إلى الانتقال نحو «الجاهزية لخوض الحرب»، مع زيادة الاعتماد على المسيّرات والذكاء الاصطناعي وربطها بالقوات التقليدية.

ولكن المشكلة لا تقتصر على حجم الموارد البشرية والعتاد العسكري. فقد أشار «مكتب التدقيق الوطني» إلى أن وزارة الدفاع تواجه منذ سنوات صعوبات في تسليم مشاريعها ضمن الميزانية والجدول الزمني المحددين. ومن أصل 47 مشروعاً دفاعياً مدرجاً ضمن أكبر مشاريع الحكومة، صُنّف 12 منها في خانة «الأحمر»، أي أن تنفيذها الناجح بات غير مرجح. كما يستغرق إبرام عقد تزيد قيمته على 20 مليون جنيه إسترليني في المتوسط ست سنوات ونصف السنة، وفق الـ«بي بي سي».

وتزداد حساسية مهمة ستريتنغ؛ لأن سلفه في وزارة الدفاع، جون هيلي، أصبح وزيراً للخزانة، وبات مسؤولاً عن توفير الأموال التي كان يطالب بها سابقاً. وتلتزم بريطانيا رفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي بحلول 2035، ضمن هدف أوسع لـ«ناتو» يبلغ 5 في المائة للأمن الوطني.