مساعد رئيس «أمن الدولة» السابق: عناصر بمخابرات غزة حصلت على الجنسية المصرية خلال حكم مرسي

اللواء خيرت لـ «الشرق الأوسط» : طرد ضباط موالين للمتطرفين من الخدمة بعد رصد ترددهم على تركيا

اللواء عبد الحميد خيرت («الشرق الأوسط»)
اللواء عبد الحميد خيرت («الشرق الأوسط»)
TT

مساعد رئيس «أمن الدولة» السابق: عناصر بمخابرات غزة حصلت على الجنسية المصرية خلال حكم مرسي

اللواء عبد الحميد خيرت («الشرق الأوسط»)
اللواء عبد الحميد خيرت («الشرق الأوسط»)

سيل من المعلومات الخطيرة يكشف عنه أحد قادة جهاز أمن الدولة المصري المهمين، هو اللواء عبد الحميد خيرت، الذي ظل يعمل في الجهاز سنوات طويلة بما فيها فترة هيمنة جماعة الإخوان المسلمين على البلاد بعد عام 2011. من بين المعلومات قيام الإخوان بإبعاد عشرات القيادات الأمنية، من رتب «اللواءات» و«العمداء» و«العقداء»، عن العمل، بعد أن كانوا يمثلون بخبرتهم عصب الجهاز الأمني، وقيام الإخوان أيضا بتعطيل عمل الإدارات الخاصة بمنع تهريب الأسلحة من الخارج.
ويقول إن هذا الأمر تسبب في تدفق ألوف الإرهابيين على البلاد، خاصة في سيناء، قادمين من دول عربية وأجنبية، ودخول الآلاف من قطع الأسلحة المهربة من ليبيا والسودان، بما فيها صواريخ مضادة للطائرات.
ويعرف جهاز أمن الدولة أيضا بـ«الأمن الوطني»، أو «المخابرات الداخلية». وعمل اللواء خيرت مساعدا لرئيس الجهاز اللواء مجدي عبد الغفار، الذي أصبح منذ نحو أسبوعين وزيرا للداخلية. ويسلط خيرت الضوء، في حوار مع «الشرق الأوسط»، على تفاصيل دقيقة قامت بها جماعة الإخوان لتعطيل عمل إدارات أمنية رفيعة كانت مختصة لعقود بملاحقة المتطرفين والإرهابيين ومهربي الأسلحة.
يبدو أن هذا السلوك اتبعته الجماعة في دول وصلت فيها للسلطة بعد «ثورات الربيع العربي» كتونس وليبيا. لهذا يقول اللواء خيرت إن ملاحقة الإرهاب - في مثل هذه الدول - سيكون صعبا ويستغرق وقتا، مشيرا إلى أنه، مع ذلك، تمكن جهاز الأمن المصري من توقيف 313 خلية إرهابية نوعية خلال الأشهر الأخيرة.
وإلى أهم ما جاء في الحوار:

* جرى فصل ضباط شرطة من وزارة الداخلية لارتباطهم بجماعات متطرفة، لكن هل يمكن أن يكونوا وراء بعض التفجيرات النوعية التي وقعت في البلاد، وهل ما يقال عنهم مبني على معلومات أم مجرد تحليل وتكهنات، برأيك؟
- دعنا نقل إنه تحليل أقرب للمعلومة بحكم الخبرة الأمنية. اقترن هذا الأمر بتصعيد وتغيير في الحركة في الشارع وارتبط باحترافية في اختيار أماكن تنفيذ التفجيرات.. هذا التصعيد بدأ خلال الفترة الأخيرة، أي خلال الشهر أو الشهرين الأخيرين. وهذه هي الفترة التي جرى فيها استبعاد عدد من الضباط الذين يعملون في وزارة الداخلية وعددهم نحو 31 ضابطا، من رتبة الملازم إلى رتبة العقيد.
* وعلى أي أساس جرى استبعادهم من العمل بجهاز الشرطة؟
- حدث ذلك بناء على معلومات وأدلة مادية، وبعض هؤلاء الضباط جرى تصويره أثناء مشاركته في اعتصام جماعة الإخوان المسلمين في ساحة رابعة العدوية (في صيف 2013) وهو الاعتصام الذي نظمه أنصار مرسي. كما أنه جرى رصد بعض الضباط ممن سافروا إلى تركيا، وأنت تعلم موقف تركيا المنحاز لجماعة الإخوان.. ما دامت هناك أدلة، وما دام هذا الضابط أو ذاك كان يمارس نشاطا وهو في الخدمة بوزارة الداخلية، فمن الوضع الطبيعي جدا أنه بعد أن يخرج من الخدمة يستمر في ممارسة النشاط نفسه الموالي للجماعة التي ينتمي إليها.
* وفقا لمعلوماتك هل هؤلاء الضباط الذين جرى فصلهم من أفرع معينة بوزارة الداخلية؟
- هم كانوا موزعين على مستوى مديريات الأمن في أنحاء الجمهورية.. ستجد من بينهم ضباطا كانوا يعملون في مديرية أمن القاهرة، وآخرين عملوا في مديرية أمن محافظة الشرقية، وفي مديرية أمن محافظة الإسكندرية.. كما أن بعضهم كان يعمل في مصلحة السجون. هم كانوا منتشرين على مستوى الجمهورية.
* هل من بينهم من كان يعمل في مديرية أمن محافظة سيناء؟
- لا..
* وما مدى خطورة مثل هؤلاء الضباط الذين جرى فصلهم من الخدمة؟
- من خلال الخبرة.. من كان يصدر بحقه قرارا بالاستبعاد من العمل في الشرطة أو الجيش لأسباب أمنية، كان يلتحق بعد خروجه من الخدمة، كوضع طبيعي، بالجهات أو الجماعات التي خرجوا من الخدمة بسبب تعاملهم معها في السابق. لذلك هذا يجعلنا نقول إن الذين خرجوا من الخدمة لم يستمروا كضباط، ولكن تحولوا إلى عناصر نشاط لا بد من متابعتها بكل دقة من جانب السلطات، لأنها تشكل خطورة بما لديها من خبرات ومعلومات وأفكار عن كيفية العمل الشرطي والأمني، ولذلك لا بد أن يظل هؤلاء الناس تحت المتابعة الدقيقة.
* البعض يتحدث عن أن التنظيم الدولي للإخوان يشارك في محاولة بث الرعب في مصر من خلال أحداث عنف وتفجيرات.. ما رأيك؟
- أتذكر لقاء عقده خيرت الشاطر (نائب مرشد الإخوان) مع مجلس شورى التنظيم، أثناء وجود الإخوان في الحكم بعد 2011. كان لقاء يحمل في طياته معاني كثيرة جدا، لأنه يستوقفك في نقاط كثيرة.. قال فيه الشاطر: «نحن تمكنا من الحصول على معلومات خاصة بمصر لم نكن نستطيع الحصول عليها لولا وجود محمد مرسي في قصر الرئاسة».
* وماذا يعني هذا؟
- ببساطة شديدة يعني أن كل المعلومات التي تخص مصر كانت بين يدي الإخوان.. بحكم أن الجماعة كانت في السلطة ورئيس الجمهورية من الإخوان ويطلب ما يريد من معلومات دقيقة من وزير الزراعة أو وزير الصناعة أو وزير الكهرباء أو غيره.. بهذا أصبح لدى الإخوان معلومات عن كل مصر، عدا الجيش والشرطة. هذه المعلومات خرجت خارج مصر للتنظيم الدولي وبعض أجهزة المخابرات الأجنبية التي تدعم الإخوان.
* وما تداعيات ذلك على الوضع الراهن الذي تمر به مصر؟
- نحن في مصر نواجه إرهابا.. وتداعيات حصول الإخوان على معلومات عن أجهزة الدولة، هو أن مصر أصبحت تواجه جماعة إرهابية تحت يديها معلومات خاصة بالبلاد كلها.. هذا زاد من صعوبة المواجهة مع الإخوان.
* هل توجد تفاصيل بشأن هذه المعلومات التي يمكن أن تكون جماعة الإخوان قد استخدمتها ضد الدولة؟
- نحن نجحنا، كدولة وكأجهزة أمنية، في أن نحرر قضيتين بهذا الشأن.. هما قضية اتهام الرئيس مرسي بالتجسس وتعامله مع جهاز المخابرات الأميركي، وقضية اتهامه بالتجسس بشأن إرساله مستندات خاصة بالأمن القومي المصري، لأحد أجهزة المخابرات العربية. هو يحاكم اليوم بتهم منها بيع البلد وأسراره لأجهزة مخابرات هي في حد ذاتها لها أجندة خاصة تهدف إلى التأثير على دور مصر وحجمها في المنطقة.
* حين كنت تعمل نائبا لرئيس جهاز الأمن الوطني، هل لاحظت أن الجماعة تريد أن تتمكن من الدولة وأن تطرد عناصر من الشرطة أو من الجيش؟
- هذه لم تكن مجرد مساع من جانب جماعة الإخوان، بل هذا أمر حدث بالفعل.. بعد وصول الجماعة للأغلبية في البرلمان ومع بدء هيمنتها على السلطة بعد 2011، قامت باستبعاد قيادات أمن الدولة (جهاز الأمن الوطني).. كنا 23 قيادة من رتب اللواءات.. هذه الرتب الكبيرة كانت العصب.. كانت خلاصة الخبرة في جهاز الأمن الوطني. بالإضافة إلى استبعاد بعض الرتب الأخرى من العمداء والعقداء، ممن كانوا في الجانب المختص بمكافحة ومراقبة النشاط المتطرف والإرهابي عبر عشرات السنين.
* وما السبب في رأيك؟
- السبب أن جماعة الإخوان كانت تريد عزل جهاز الأمن الوطني عن الواقع.. كانت توجيهات الإخوان هي عدم المراقبة أو الاستدعاء أو المكافحة أو حتى العمل على أي قضية لأي أحد من عناصر القوى المتطرفة. لهذا أصبح الفرع المختص بمثل هذا النوع من النشاط مشلولا عن العمل خلال حكم الإخوان. كانت الفكرة أو الحكمة من جانب الإخوان أن يكون جهاز الأمن الوطني فاقدا للذاكرة خلال فترة زمنية معينة، حتى تستطيع الجماعة وضع بنية أساسية لنظام الحكم الإخواني. في ذلك الوقت، أي بعد ثورة يناير (كانون الثاني)، رأينا أيضا توجيه اتهامات أمام القضاء بحق القيادات من ضباط المباحث الجنائية، بأنهم كانوا وراء قضايا القتل (للمتظاهرين)، لأن موضوع ضبط الأسلحة المهربة من الخارج كان من مهمة المباحث الجنائية، بينما كان موضوع ملاحقة الإرهابيين مهمة الأمن الوطني. كان مخطط الإخوان شل الأجهزة المختصة بدخول الأسلحة والإرهابيين.
* برأيك كيف استفادت الجماعة في ذلك الوقت من عزل نشاط جهاز الأمن الوطني؟
- خلال تلك الفترة بدأت الجماعة في إدخال المتطرفين إلى سيناء لتأسيس جيش خاص من الإرهابيين حتى تستطيع من خلاله مواجهة الجيش المصري، إضافة إلى إدخال كميات كبيرة من الأسلحة إلى سيناء، سواء عن طريق الحدود مع ليبيا أو السودان. جماعة الإخوان، بالتنسيق مع الأميركيين، كانت تريد أن تنقل الإرهابيين من أفغانستان إلى سيناء.. ودخل هؤلاء الإرهابيون بالفعل بعد أن جرى رفع أسماء المطلوبين منهم من قوائم ترقب الوصول من الخارج، أو من قوائم منع الدخول. كل هؤلاء عادوا مرة أخرى لمصر.. وجرى إصدار عفو رئاسي من الإخوان عن قيادات محكوم عليهم في السجون، كما أن بعض الأشخاص ممن كانوا ممنوعين من الدخول من الشيشان، دخلوا لمصر، سواء كانوا من المصريين أو الأجانب. أعداد كبيرة من الإرهابيين دخلوا سيناء. كما دخلت مصر كميات ضخمة من الأسلحة. والآن نعثر على أسلحة مضادة للطائرات وغيرها في سيناء. كل هذا كان تجهيزا لحرب جيوش وليس لمجرد حرب إرهابية. كما جرى في ذلك الوقت منح الجنسية المصرية لنحو 80 ألف فلسطيني ثبت أن جميعهم كانوا من قطاع غزة فقط.
* لكن هناك من لاحظ أن جهاز الأمن الوطني، ورغم التضييق عليه من الإخوان، قام بعمليات فيها نوع من التحدي لتعليمات الجماعة وقتها.. ما تعليقك؟
- هذا صحيح.. أشهر قضيتين كانتا في عهد مرسي، قضية «خلية مدينة نصر الإرهابية» وقضية «هروب الإخوان من السجون» المتهم فيها مرسي نفسه.. بالنسبة لخلية مدينة نصر المرتبطة بتنظيم القاعدة، وضع جهاز الأمن الوطني نظام حكم الإخوان في موقف صعب.. قام بتعرية الجماعة ووضع مرسي أمام المسؤولية. هل سيعلن أن الدولة تواجه المتطرفين، أم إنه سينحاز إلى جانب الخلية الإرهابية؟ الأمر الثاني كان قضية الهروب من السجون المعروفة باسم قضية «وادي النطرون».. جهاز الأمن الوطني أشرف على التحريات التي تقول إن حماس هي المسؤولة عن اقتحام السجون وتهريب مرسي وقيادات إخوانية أخرى.. وخلال حكم مرسي كان جهاز الأمن الوطني يجهز لقضية تخابر الإخوان مع أجهزة مخابرات أجنبية. كما تمكن بعد التخلص من حكم الإخوان من ضبط نحو 313 خلية إرهابية من الخلايا النوعية.
* قلت إن الجماعة كانت تجهز لمحاربة الجيش المصري.. لماذا برأيك؟
- الخلاصة أن الإخوان لم يكونوا يثقون في الجيش منذ زمن بعيد.. جماعة الإخوان تعلم أنه لا يمكنها أن تعطي ثقتها للقوات المسلحة، لأن العقيدة بينهما مختلفة.. عقيدة القوات المسلحة هي عقيدة الوطن.. أما الإخوان فعقيدتهم ضد الوطن.. لهذا كانت الجماعة تريد أن تكوِّن جيشا للاعتماد عليه لحماية نظام الإخوان وتستطيع من خلاله مواجهة الجيش المصري، وتكون لديها قوة تستطيع من خلالها أن تنشر فكرها وآيديولوجيتها.
* هل يوجد تقدير لعدد المتطرفين الذي دخلوا سيناء في عهد الإخوان؟
- من الممكن أن يصل العدد إلى 20 ألفا؛ من بينهم مصريون، وعرب وأجانب.. بعضهم تدرب في سوريا وعادوا، والبعض الآخر جرى تدريبهم على يد حماس التي كانت تتولى هذا الأمر.
* أشرت إلى أنه جرى منح ألوف الفلسطينيين من غزة الجنسية المصرية في عهد الإخوان.. ما حقيقة هذا، وما الهدف من ورائه؟
- الخطورة كانت في أن 100 في المائة ممن حصلوا على الجنسية المصرية كانوا من عائلات من قطاع غزة فقط. كان عددهم نحو 80 ألف فلسطيني. الخطورة أيضا أنه بمجرد حصولهم على الجنسية أصبح من حقهم تملك أراض في سيناء.. كانت هذه هي الخطوة الثانية.. هؤلاء لهم عائلات في داخل غزة، وبالتالي كان المخطط أنه بعد أن يتملكوا الأرض في شمال سيناء، وبمجرد أن يتم نزع السلك الفاصل بين الجانبين، يصبح الفلسطينيون داخل سيناء وبالتالي تحل القضية الفلسطينية على حساب أرض سيناء. الأمر الثاني أننا فوجئنا أن بعضا من عناصر الشرطة الحمساوية في غزة معهم الجنسية المصرية، وأناس من المعروفين بأنهم من أجهزة مخابرات غزة معهم الجنسية المصرية أيضا.. ولهذا قامت القوات المسلحة بالرد على هذه الخطط الإخوانية واتخذت قرارا مبكرا بمنع تمليك الأراضي في سيناء أثناء وجود مرسي في الحكم.
* كيف؟
- القوات المسلحة رأت الخطورة الحالية، وهي أن البلد أصبح يباع علانية، وأنه بمجرد أن يحصل كل فلسطيني من الـ80 ألفا الذين حصلوا على الجنسية المصرية، على 20 فدانا بسيناء، فأنت هنا تتحدث عن مساحة إجمالية مهولة من الأراضي قد تصل إلى مليوني فدان. هذا كلام في منتهي الخطورة. وبالتالي أصدرت القوات المسلحة قرارها بأن منطقة سيناء منطقة عسكرية ممنوع التملك فيها إلا بقرار من الجيش. لهذا عملية غلق الأنفاق وهدم بعض البيوت المحاذية للحدود مع غزة في الوقت الراهن، تأتي ضمن خطة مدروسة لإفشال مخطط الإخوان وتبعاته، ومنها أيضا الأمر بإعادة فحص أوراق من حصلوا على الجنسية المصرية من الفلسطينيين في عهد مرسي.
* المواد التي يستخدمها المتطرفون في مصر في تسعينات القرن الماضي كانت تعتمد على شراء المتفجرات الموجودة لدى عمال المحاجر، فمن أين تأتي المواد التفجيرية في الوقت الراهن؟
- لا بد أن نفرق بين العبوات بدائية الصنع والعبوات الاحترافية.. المتفجرات التي نراها في الشوارع هذه الأيام بدائية الصنع، وهذا يعود إلى أن العناصر التي تقوم باستخدامها ما زالت عناصر جديدة ومستقطبة حديثا، والدليل على ذلك أمران؛ الأول أنك يمكن أن ترى أن العبوة انفجرت في من كان يقوم بزراعتها، وهذا يعني أنه غير متمرس. والأمر الثاني أنه حين تلقي السلطات القبض على هذا العنصر وتستجوبه يعترف مباشرة بارتكابه لهذه الحوادث. هذا يعطيك الإحساس بأن جماعة الإخوان استقطبتهم حديثا وتريد أن توظفهم سريعا في أعمال التفجيرات. هذا عكس العبوات الاحترافية التي تقوم بها جماعة مثل «أنصار بيت المقدس» أو من يطلق عليهم «داعش». هؤلاء أشخاص مدربون ويستخدمون عبوات «تي إن تي» شديدة الانفجار.
* البعض لم يعد يفرق بين التفجيرات المنسوب ارتكابها لعناصر من جماعة الإخوان، وتلك التي تقوم بها جماعات أخرى مثل «أنصار بيت المقدس».. ما رأيك؟
- في نهاية المطاف ستكتشف أن كل من يقف وراء هذه العمليات التفجيرية هم أساسا من جماعة الإخوان أو كانوا في الجماعة، دون الخوض في المسميات. لكن من خلال ما جرى رصده ومن خلال اعترافات كثير من المتهمين، فإنه يوجد نوعان من المجموعات؛ الأولى تقوم برصد الأهداف، سواء كانت هذه الأهداف ضباط جيش أو شرطة أو قضاة أو إعلاميين، وبعد أن تحدد أماكن المطلوب استهدافهم، تقوم بإرسال هذه المعلومات إلى المجموعة الثانية وهي «جماعة أنصار بيت المقدس».. تأخذ العنوان وتبدأ في تحديد نوع العنصر الذي ستنفذ العملية بحقه، وهي اغتيال الهدف.
* هل توجد أدلة على هذا التعاون؟
- هذا الكلام جاء من خلال اعترافات من جرى القبض عليهم، وليس مجرد اجتهادات أو محاولة للربط بين الإخوان والجماعات الإرهابية؛ بل هي اعترافات مسجلة.. يجمعون المعلومات ويسلمونها لـ«أنصار بيت المقدس» لتنفيذ العملية. أما قصة تصنيف أن هذا إخواني وهذا جماعة أخرى.. هذا التصنيف لم يعد موجودا. في السابق حين كنا نتحدث ونقول إن جماعة الإخوان جماعة متطرفة، تحمل فكرا متطرفا، لم يكن أحد يصدق هذا الكلام، لأن الجماعة كانت في ذلك الوقت تقدم نفسها بشكل مختلف وأنها حركة سلمية دعوية، ونجحت في التدليس على المواطنين، هذا على الرغم من أن الفكر التكفيري والفكر المتشدد مرتبط بفكر حسن البنا الذي أسس جماعة الإخوان عام 1928.
* إذن أنت مع النظرية التي تقول إن جماعة الإخوان تخلت عن السياسة وعن العمل السلمي؟
- الجماعة تسعى بقدر المستطاع للحصول على أي مكسب يعطيها الأمل في إعادة التنظيم من جديد، حتى لو كان ذلك سيتم بعد 50 سنة، فليس لديها مانع، لأن التنظيم يحتضر في الوقت الراهن.
* وما المشكلة التي تواجه الإخوان الآن، برأيك؟
- في السابق كانت الجماعة تحاول أن تلعب لعبة تقول فيها إن النظام يقوم باضطهادها، وإنها جماعة سلمية.. وغيرها، لكن في الوقت الحاضر الخلاف والصراع أصبح بين الإخوان وباقي الشعب، وبالتالي خسرت الجماعة كثيرا من الأشياء. الدولة نفسها ليست لديها خصومة مع أحد. كثيرون يعتقدون أن الدولة لها خصومة مع جماعة الإخوان أو غيرها من التيارات.. هذا مستحيل.. الدولة أكبر من كل هذا الكلام.. لا يمكن أن تقارن الجماعة بالدولة.
* هناك من يقول إن الدولة عليها أن تستمع لما يطالب به الإخوان؟
- الدولة ليست لديها خصومة مع جماعة الإخوان.. كل ما تريده الدولة أن تلتزم هذه الجماعة وغيرها من تيارات، بالقانون والدستور. من يلتزم بهذا، فالدولة لا تقف في طريقه.. يوجد كثير من الشخصيات الإخوانية في بيوتهم ويذهبون لأعمالهم ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي، والسلطات الأمنية لا تقترب منهم.. هذا لأن هذه الشخصيات لا تقوم بأعمال تخالف القانون.
* أحيانا يقع صدام بين مثل هؤلاء وسلطات الدولة؟
- أنت صاحب فكرة.. حسنا حرية الفكر مكفولة للجميع، لكن أن تقوم بتحويل الفكرة إلى حمل السلاح، فهنا أنت حولت نفسك إلى شخص يخالف القانون، خاصة حين تكون في هذه المخالفة استباحة لدماء الناس.
* أشرت إلى أن الإخوان أصبحوا في مأزق تاريخي كبير كجماعة.. كيف؟
- يوجد خطر يواجه الإخوان يتلخص في الآتي.. في السابق كانت الجماعة تستبيح دم ضابط الشرطة أو ضابط الجيش.. فكان الوضع أمام الرأي العام هو أن الإخوان يستهدفون فقط القوى التي تواجه الإرهاب، لكن اليوم، حين نشاهد مثلا إحدى العمليات الأخيرة التي وقعت أمام المركز التجاري بالإسكندرية، وجرى فيها استهداف حافلة نقل ركاب وقتل فيها عدد من المواطنين العاديين، فهذا يعني أن الجماعة تقصد، وبشكل متعمد، استهداف المواطنين. بالتالي هذا الأمر حول الجماعة إلى طرف تقوم ضده مظاهرات شعبية.. مظاهرات تطالب بالقصاص من الإخوان.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.