المصري: فك الارتباط مع الضفة حسم خروجي من الحكومة واعتبرته إهانة شخصية

«الحقيقة بيضاء»... مذكرات طاهر المصري توثق أزمة «قمة الجزائر» (الثالثة والأخيرة)

الملك حسين مستقبلاً الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد أثناء قمة عمّان 1987 (غيتي)
الملك حسين مستقبلاً الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد أثناء قمة عمّان 1987 (غيتي)
TT

المصري: فك الارتباط مع الضفة حسم خروجي من الحكومة واعتبرته إهانة شخصية

الملك حسين مستقبلاً الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد أثناء قمة عمّان 1987 (غيتي)
الملك حسين مستقبلاً الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد أثناء قمة عمّان 1987 (غيتي)

يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، في الحلقة الثالثة والأخيرة من مذكراته التي تصدر اليوم بعنوان «الحقيقة بيضاء»، المقدمات التي أسفرت عن اتخاذ المملكة قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية في 1987، بعد قمة الجزائر الطارئة.
ويؤكد المصري، في كتابه الذي انفردت «الشرق الأوسط» بنشر حلقات منه، أن قمة الجزائر التي عقدت في 1987، بعد انعقاد قمة عمان بأشهر، كانت بهدف «استثناء الأردن، وتغييبه عن أي نشاط سياسي، وعزله عن أي دور داخل الضفة الغربية»، في حين كان الراحل الملك حسين يسعى إلى عقدها لحشد الدعم للعراق، وتعزيز التضامن العربي معه، ولتحقيق برنامجه الهادف إلى لم الصف العربي وإجراء المصالحات.
ويروي كيف أن قمة الجزائر، واستثمار ياسر عرفات لها، مستغلاً الانتفاضة الفلسطينية لصالحه للحصول على استقلالية أوسع، وتوجيه جهده نحو تشديد قبضته على الضفة الغربية وإبعاد الأردن عنها، بدعم دول عربية له آنذاك، كانت المقدمة التي أدت إلى قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة.
القرار الأردني الذي لم يكن المصري على علم به، وتفاجأ بسماعه عبر التلفزيون الرسمي، تسبب بخروجه من الحكومة، محتجاً على ما آلت إليه العلاقة الأردنية - الفلسطينية في تلك الفترة، سارداً سلسلة مواقف أعلن عنها داخل اجتماعات رسمية أمام الملك حسين، وولي عهده آنذاك الأمير الحسن، وداخل مجلس الوزراء.
المصري، وهو أردني من أصول فلسطينية، عرف عنه تمسكه بهوية وطنية جامعة، وشكل جسراً في العلاقة بين البلدين، واستثمر الراحل الملك حسين في شخصيته منذ اختياره وزيراً في 1973، ثم سفيراً في عواصم القرار، ثم وزيراً للخارجية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ثم نائباً في البرلمان في 1989، ثم رئيساً للوزراء في 1991، ورئيساً لمجلس النواب في 1993، مختتماً سلسلة رئاساته رئيساً لمجلس الأعيان 2009.
وفيما يلي نص الحلقة الثالثة والأخيرة:
بعد جهد كبير، نجح الملك في عقد قمة عربية في عمان لمتابعة الحرب العراقية - الإيرانية التي كانت في أوجها، والتي كانت نتائجها تتأرجح بين معركة وأخرى، وذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.
كان هدف الملك من هذه القمة حشد الدعم للعراق، وتعزيز التضامن العربي معه، خصوصاً أن دولاً مثل سوريا والجزائر وسلطنة عمان لم تكن داعمة له في حربه مع إيران، لكن المفصل الأهم هو المفصل السوري، وكان نجم طارق عزيز لامعاً إلى أبعد الحدود، كونه وزيراً للخارجية العراقية.
كنت رئيساً لمؤتمر وزراء الخارجية العرب، كون الأردن هو البلد المضيف، وعقدنا اجتماعاً صعباً للغاية لصياغة قرارات تدعم العراق، وتدعم التضامن معه، وكانت الحكومة العراقية راضية عن نتائج هذه القمة.
كان من أهداف عقد القمة جمع الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد، وكان الملك ينظر إلى أهمية هذا اللقاء الذي سينعكس إيجاباً على سوريا والعراق. وعقد لقاءات عدة مغلقة، اقتصرت على القادة العرب، وكان صدام حسين منطقياً للغاية في عرضه لموقفه، وكان الملك معجباً بموقفه، لكن بالنتيجة لم يحصل الوفاق بين بغداد ودمشق.
أما «أبو عمار»، فكان متوتراً للغاية، لأنه كان يتوقع أن يحظى باستقبال رئيس دولة في المطار، فيستقبله الملك حسين، الأمر الذي لم يحصل، إذ إن زيد الرفاعي هو من استقبله، وظهرت على عرفات علامات الاستياء التي لازمته طيلة أيام المؤتمر، وانتشر أمر استيائه في أروقة منظمة التحرير.
وأذكر أن طالبات مدرسة في مخيم جباليا في غزة كن يتظاهرن ضد الأردن لتجاهله عرفات في ذلك المؤتمر، وكانت دورية عسكرية إسرائيلية تمر قرب مدرسة المظاهرات، فدهست أربع فتيات واستشهدن. وفي غزة، بدأ الاحتجاج على هذا الحادث، وعلى الأردن، وكانت الشرارة الأولى للانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انتشرت بسرعة لتعم كل أرجاء فلسطين.
وتسارعت أحداث الانتفاضة، وبدأ رصيد منظمة التحرير وياسر عرفات يرتفع نتيجة اندلاعها بعفوية ومن غير سلاح. وكانت أجواء الشارع العربي معجبة داعمة لهذا العمل السلمي والثورة الشعبية المتسلحة بالحجر في مواجهة الدبابة الإسرائيلية.
ورغم الأحداث تلك، كان الملك حسين يعوّل كثيراً على رئاسته القمة، وكان ينوي من خلالها مواصلة السعي لتحقيق برنامجه الهادف إلى لم الصف العربي، وإجراء المصالحات عبر الجامعة العربية، وذلك على امتداد فترة كان يعتقد أنها ستطول كثيراً، لكن توقعاته لم تدم طويلاً.
ففي يوم من أواخر شهر مايو (أيار) 1988، زار الأردن الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وزير خارجية الجزائر، وقد التقيته قبل مقابلته الملك حسين. كان حديثي معه عابراً عادياً، ولم يفصح خلاله عن أهدافه من تلك الزيارة، مؤثراً الحديث عنها مع الملك مباشرة.
اصطحبت الإبراهيمي إلى قصر بسمان، والتقى الملك، ليلقي بقنبلته التي فاجأتنا، وكان أول المتفاجئين بها الملك نفسه. فقد أعلن عن رغبة الجزائر بالدعوة إلى عقد قمة عربية في منتصف شهر يونيو (حزيران) المقبل بسبب الانتفاضة الفلسطينية، والوضع في الضفة وقطاع غزة، وضرورة اجتماع الزعماء العرب للبحث في هذا الأمر.
ظهر الاستياء سريعاً على وجه الملك، وبشكل واضح، إذ لم يستطع إخفاءه. فقد عد تلك الدعوة التفافاً على رئاسته للقمة العربية التي كان يعتقد أنها ستطول، لكنه لم يكن يتوقع أن يبقى رئيساً لنحو ستة أشهر فقط. كما عد أن تلك الدعوة سوف تفسد عليه برنامجه الطموح لنشاط سياسي مكثف، وهي تتناقض مع شعوره بأهمية أن يكافئ العرب الملك والأردن بصفته عميداً للرئاسات.
وقدر الملك نتائج قمة الجزائر. فقد كان يعرف تماماً أن عرفات سوف يستغل الانتفاضة لصالحه في القمة، وسيحصل على أكبر استقلالية، وعلى أوسع دعم سياسي، وسيكون جهده موجهاً نحو تشديد قبضته على الضفة الغربية، وإبعاد الأردن عنها ما أمكنه ذلك.
كان الملك يشعر، ومنذ سنين، بوجود تيار داخل القمم العربية يريد إبعاده عن ترؤس القمة. فالمغرب، على سبيل المثال، ترأس القمة ست مرات، إلى أن تقرر عقد القمة سنوياً، وبانتظام، في مارس (آذار) من كل عام، وبحسب الحروف الهجائية، بدأت من الأردن.
خرج الملك بعد انتهاء لقائه بالإبراهيمي وقد ودعه بفتور، وكان زيد الرفاعي حاضراً اللقاء، ولاحظ إصرار الإبراهيمي على ضرورة عقد القمة في الجزائر التي ستباشر بتوجيه الدعوات للقادة العرب خلال فترة قصيرة.
فهمنا جميعاً مقاصد هذه الدعوة وأهدافها، لذلك ذهبنا إلى قمة الجزائر متهيئين لمواجهة مطالب ياسر عرفات من الأردن، الرامية إلى إبعاده قدر الإمكان عن الشؤون الفلسطينية، مدعوماً هذه المرة بمواقف عربية متعددة مؤيدة له.
عقد المؤتمر، وكانت البوادر واضحة فيما سيؤول إليه، خاصة من خلال مشروع القرار الذي قدمته منظمة التحرير، وكان وفدها يضم فاروق القدومي وياسر عبد ربه وآخرين.
وظهرت المؤشرات الأولية من خلال لجنة الصياغة التي حضرها نيابة عن الأردن السفير لدى الجامعة العربية المرحوم طلال سطعان الحسن، بصفته عضواً في هذه اللجنة، وكان مشروع القرار يلغي أي دور للأردن، سواء أكان سلبياً أم إيجابياً، في دعم الانتفاضة.
وللأسف، لاقى هذا الموقف الفلسطيني تجاه الأردن هوى عند الوفد الأردني الغاضب أصلاً من هذا المؤتمر، الذي يرغب أصلاً بإبعاد الأردن عن منظمة التحرير وتركها وشأنها. وأظن أن هذه الحادثة كانت بداية للتفكير في اتخاذ قرار فك الارتباط القانوني والإداري بين الأردن والضفة الغربية.
اختلف الأردن والمنظمة في قمة الجزائر الطارئة التي عقدت في يونيو 1988، حول مطالبة المنظمة بالإشراف التام على الأموال المخصصة لدعم الصمود الفلسطيني، وعلى استثناء الأردن وتغييبه عن أي نشاط سياسي إقليمي أو دولي يتعلق بدعم الانتفاضة، وعزله عن أي دور له داخل الضفة الغربية أو في أي أمر يتعلق بالانتفاضة، وكأنه في هذه الحال مثله مثل أي دولة عربية أخرى، من أجل أن تمر كل القنوات السياسية والإنسانية والمعنوية التي تتعلق بالانتفاضة عبر منظمة التحرير.
وكان فاروق القدومي (وهو يقيم الآن في عمّان) شرساً في مواجهته للموقف الأردني الذي كان يدعو لإشراف فلسطيني - أردني مشترك، لكن المنظمة لم تقبل ذلك، وساندتها دول عربية وأيدتها، وصدر قرار بهذا المضمون.
بدأ الملك بالتشاور مع مساعديه ومع المسؤولين الأردنيين حول الخطوة التالية، واستمرت النقاشات بعد عودة الوفد الأردني إلى عمان. لم أكن ضمن حلقة التشاور لأن الملك يعرف أنني كنت أحمل وجهة نظر تتمسك بالإبقاء على ارتباط الأردن بالضفة الغربية، وبالعمل على استيعاب الرغبات الفلسطينية في المنظمة، لأن مصالح الفلسطينيين كانت -ولا تزال- مرتبطة إلى حد كبير بالأردن.
ألف الملك لجنة (ولم تكن بمعنى اللجنة الرسمية) ضمت كلاً من رئيس الوزراء زيد الرفاعي، والقائد العام زيد بن شاكر، ورئيس الديوان مروان القاسم، ووزير البلاط عدنان أبو عودة، ومدير المخابرات العامة طارق علاء الدين، وكانوا يجتمعون أحياناً في منزل مروان القاسم في جبل عمان، ويعملون على دراسة الخطوة التالية باتجاه فك الارتباط، ودراسة تداعياته المتوقعة والخطوات التي يجب أن تتبع القرار.
في الثامن والعشرين من يوليو (تموز) 1988، ألغيت خطة التنمية المتعلقة بالضفة الغربية التي وضعت في أغسطس (آب) 1986. وبعد ذلك بثلاثة أيام، أعلن الملك، عبر خطاب في التلفزيون الأردني، عن قرار فك الارتباط الإداري بين الضفتين، مؤكداً في الوقت نفسه على إبقاء الروابط والأواصر بينهما.
لم أكن على علم بما كان يجري الإعداد له إطلاقاً، وفوجئت تماماً بخطاب الملك عبر التلفزيون، معلناً قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية بدءاً من ذلك اليوم.
ورغم كل ما أورده الملك في خطابه لطمأنة الأردنيين من أصل فلسطيني الذين يقيمون في الضفة الشرقية، بشأن الروابط العائلية والاجتماعية والاقتصادية، فإن الإجراءات الإدارية التي مارستها الحكومة كانت عكس ذلك تماماً، إذ لم يتورع كثيرون من موظفي الدوائر المختصة بالوثائق والجوازات الأردنية عن التشفي والتعسف، فكانوا يلغون جوازات سفر الأردنيين من أصل فلسطيني بالمئات، وكان انقلاب الوحدة بين الضفتين إلى الانفصال بهذه السرعة مشهداً مؤلماً يعكس الروح والنفسية المتشفية.
كنت شخصياً من المعارضين لهذا العمل لأسباب وطنية وقومية، ولأسباب شخصية أيضاً، فقد شعرت بغضب شديد وإهانة شخصية لي، فأنا عنصر رئيسي في حكومة زيد الرفاعي، ولم أعلم بهذا القرار الخطير إلا عبر خطاب الملك في التلفزيون الأردني، وعبرت عن غضبي أمام الأمير حسن، إذ كنت مدعواً إلى العشاء في منزله ذلك المساء عندما أعلن الملك فيها خطابه، وقلت للأمير حسن إن هذا القرار نقطة سوداء في تاريخ الأردن.
كنت غاضباً من الطريقة التي تم بها تطبيق القرار، وكنت غاضباً لأسباب أخرى، غير تلك التي ذكرت بغية تبرير اتخاذ القرار، ومنها أنه جاء تلبية لرغبة منظمة التحرير الفلسطينية، وبناء على طلبها، وكنت غاضباً لأن فك الارتباط سوف يضعف الدور الأردني في المحافل الدولية كافة.
صحيح أن قرارات قمة الجزائر، وممارسات ياسر عرفات، كانت تدعو إلى استقلال القرار الفلسطيني، وحصر شؤون الانتفاضة بالكامل في منظمة التحرير، لكنني لم أكن على علم بمدى رغبة المنظمة بهذا القرار الذي اتخذ من دون علمها، ومن دون أي ترتيبات معها، لكي تحتاط لهذا الأمر، وتتخذ الإجراءات الكافية لحماية مصالح أهالي الضفة الغربية، وتتحضر للسيطرة الكاملة على الأوضاع الفلسطينية الداخلية.
تبين لي لاحقاً أن أحد الأسباب الرئيسية لاتخاذ قرار فك الارتباط هو خوف النظام الأردني والأجهزة الأمنية من تداعيات الانتفاضة التي لم تشهد لها المنطقة مثيلاً من قبل. فهي ثورة شعبية يراها الشارع العربي للمرة الأولى، ويرى من خلالها تصميم الفلسطينيين جميعهم على مقاومة الاحتلال، وقد لقيت هذه التجربة الفريدة من نوعها الدعم والإعجاب من الشارع الأردني خاصة، والشارع العربي عامة. وبسبب العلاقات البنيوية والعضوية القائمة بين الضفتين، حرصت السلطات الرسمية الأردنية، وتحديداً الأمنية منها، على عدم وصول هذه الحركة إلى الشارع الأردني، لا سيما أن نصفه من الفلسطينيين، ولذلك تم التعجيل باتخاذ قرار فك الارتباط.
لم أدفع في آرائي وتحركاتي باتجاه إلغاء القرار إطلاقاً، ولم أكن لأفعل هذا وقد أصبح أمراً واقعاً، وظهرت بقوة الهوية الوطنية الفلسطينية التي كان مطلوباً ظهورها وتنميتها من قبلنا جميعاً.
عبرت لزيد الرفاعي عن امتعاضي الشديد من هذا الوضع، ورفضي الاستمرار بتحمل مسؤولياتي وزيراً للخارجية، وكان زيد حريصاً على أن لا تنخدش صورة التضامن الحكومي وقوتها بشأن القرار، فحاول استيعابي من خلال علاقتي الوطيدة به.
وفي جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 1988، والتي اتخذ فيها قرار إلغاء وزارة شؤون الأرض المحتلة التي كان يشغلها آنذاك مروان دودين، وحل البرلمان، وكنت عضواً فيه منذ عام 1973، وهي المرة الأولى التي تزول عضويتي فيه، قلت ساخراً في تلك الجلسة إنني كنت أول وزير لشؤون الأرض المحتلة، وها أنا أرى الآن موت هذه الوزارة.
ذهبت والرفاعي إلى الديوان الملكي، وكان الملك حسين بانتظارنا. وأذكر أننا جلسنا في غرفة الطعام، ولا أذكر من شاركنا آنذاك. ورحب الملك بي بشدة، وطلب مني الجلوس إلى جانبه. أبديت له حزني وأسفي على قرار فك الارتباط لأن الضفة الغربية كانت من مسؤوليات الأردن والهاشميين، ولا تزال استعادتها من مسؤوليتهم، وأضفت أنني لست ضد إعطاء منظمة التحرير حقوقها في إدارة شؤون الضفة الغربية، لكن يجب أن يتم ذلك بطريقة ودية وبتفاهم، وبانتقال تدريجي، ومعاملة أهل الضفة الغربية معاملة أفضل مما يحدث الآن، حيث يتم إلغاء جوازات سفرهم فقط لأنهم من أصل فلسطيني، ما أدى إلى خسارة نصف سكان الأردن جنسيتهم وحقوقهم، وهم سكان الضفة الغربية، من خلال خطاب استغرق ساعة ونصف الساعة، ولا يوجد أي نص، لا في الدستور ولا في أي قانون أو قرار أردني، يجيز التخلي عن أراضي المملكة.
وكان من الواجب، كما عقدت الوحدة بين الضفتين عام 1950 من خلال الوسائل والآليات الدستورية، أن يتم فك الارتباط بينهما من خلال الوسائل الدستورية عينها، وليس تحت تأثير الانفعال بسبب قرارات قمة الجزائر أو أجوائها.
دافع الملك حسين بشكل مختصر عما جرى، وقال لي: «أريدك أن تتريث قليلاً قبل أن تترك منصبك، لأن هناك كثيراً من الأمور التي ننتظر ترتيبها، ونحن نحتاجك فيها». لم أجب بـ«نعم» أو بـ«لا»، ولم أتخذ أي قرار بشأن بقائي أو استقالتي. فقد تركت الأمور مفتوحة حتى تتضح لي تلك الترتيبات التي أشار الملك إليها. وانتهى اللقاء، وعدت إلى منزلي، وذهبت إلى الوزارة في اليوم التالي.
لم تغرني كثيراً محاولة استيعاب غضبي والتمسك بي، بل زادتني صلابة وإصراراً على موقفي، وإعلان رأيي بكل صراحة ووضوح. وقد رسخت ذلك خلال السنوات التالية، إذ كانت خلالها إرادتي قوية ثابتة. واستبعدت كثيراً فيما بعد، بسبب آرائي ومواقفي وجرأتي في التعبير عنها من دون تردد، ومن دون الوقوع في حسابات شخصية ضيقة.
راجعت زيد الرفاعي مرة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) برغبتي في الاستقالة مجدداً من حكومته، فاستمهلني حتى موعد انعقاد جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة بفلسطين في جنيف، في ديسمبر (كانون الأول) 1988. وأعترف بأنني قبلت البقاء في الحكومة لبضعة أسابيع حتى استكمل الجهد الحكومي، وجهدي الخاص في قبول الولايات المتحدة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وليس في قولي هذا تودد لأحد ولا تبرير لموقف ما، بل هو واجب وطني أشعر به بعمق.
أما قصة انعقاد الهيئة العامة للأمم المتحدة في المقر الأوروبي في جنيف، فهي أن السلطات الأميركية رفضت منح ياسر عرفات تأشيرة دخول إلى أراضيها لحضور مناقشات الأمم المتحدة حول بند القضية الفلسطينية، فاتخذت الجمعية العامة قراراً بأن تنتقل برمتها إلى مقرها الأوروبي في جنيف، للبحث في هذا البند، والاستماع إلى خطاب ياسر عرفات.
وطلب مني أن أكون في جنيف لهذه الغاية لمعرفة كل القضايا المطروحة في الاجتماع، لا سيما أننا كنا في خضم ترتيب تفاهمات منظمة التحرير مع الإدارة الأميركية، وتحديداً مع جورج شولتز، وشرطه لحوار أميركي مباشر مع منظمة التحرير أن يعلن ياسر عرفات، بلغة واضحة، إدانة الإرهاب ومحاربته ونبذ العنف.
ذهبت إلى جنيف، والتقيت ياسر عرفات الذي كان يحاول الالتفاف على شرط شولتز في ذلك الحين، ويسعى لتغيير صيغة الإعلان المطلوب حول نبذ الإرهاب، لكن شولتز كان على اتصال مع ريتشارد ميرفي بخط هاتفي مفتوح.
بدوره، كان ميرفي ينسق مع مجموعة فلسطينية تولت المفاوضات بين المنظمة والإدارة الأميركية، وتتألف من باسل عقل، وحسيب الصباغ، ومنيب المصري، وسعيد خوري. وعقب قرار فك الارتباط، لم أكن جزءاً من هذا الفريق، مع أنني كنت أتابع ما يجري.
لم ألحظ أي دور يذكر لفاروق القدومي الذي كان مع «أبو عمار»، وأظن أنه نأى بنفسه عن المشاركة في هذه المسألة. ولم تتضمن هذه الدورة بنوداً مهمة، سوى مسألة قبول عرفات بإعلان محدد واضح، مقابل فتح الحوار المباشر مع الإدارة الأميركية. أما الموضوع الأساسي الذي جئنا من أجله، فهو بند فلسطين، وكان الهدف الأساسي فتح الأبواب أمام حوار أميركي - فلسطيني مباشر.
عقد الاجتماع في جنيف بتاريخ الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) 1988، وتحدث عرفات لنحو نصف ساعة عما سماه في حينه مبادئ خطة السلام الفلسطينية، والمؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط. وفي اليوم التالي، عقد مؤتمراً صحافياً أوضح فيه قبوله بثلاثة مطالب طلبها جورج شولتز منه من خلال رسالة وجهها إليه عن طريق وزير الخارجية السويدي ستين أندرسون، مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لفتح حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية إذا أعلن عرفات قبوله بقرار (242)، وحق إسرائيل بالوجود، ونبذ الإرهاب.
سمعت عن هذه الرسالة، لكنني لم أطلع عليها، والأهم أن عرفات أعلن قبوله بتلك المطالب الثلاثة، واتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارين تجاه القضية الفلسطينية، تضمن الأول الإقرار بالاستقلال الفلسطيني، والثاني تغيير اسم المنظمة إلى فلسطين في كل معاملات الجمعية وأوراقها الرسمية.
كنت أعرف أن تعديل حكومة زيد الرفاعي هدفه الوحيد هو إخراجي من الحكومة، وقد كنت طلبت مراراً وتكراراً وبإلحاح قبول استقالتي، لكن الرفاعي كان يؤجل ذلك. انتهت بذلك مدة خمس سنوات قضيتها وزيراً للخارجية، كان ينقصها فقط اثنا عشر يوماً لتكتمل، وهي أطول فترة لوزير خارجية في تاريخ الأردن حتى ذلك الحين.

حافظ الأسد هدّد بعمل عسكري رداً على تقارب الملك حسين وعرفات (الحلقة الأولى)
الملك حسين اجتمع سراً مع بيريز في لندن وصاغا اتفاقية (الحلقة الثانية)

 



مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.


إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
TT

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)

في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب وتتابع الكوارث الطبيعية والانهيارات الاقتصادية، تبرز مشاريع البنية التحتية بوصفها واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في دعم قدرة المجتمعات على الصمود، ليس فقط من خلال إصلاح ما دمرته الأزمات، بل عبر إعادة وصل السكان بالخدمات والأسواق ومصادر الدخل.

في هذا السياق، يقدم المشروع الطارئ لتحسين طرق الربط الحيوي في اليمن نموذجاً عملياً لكيفية تحول الطرق الريفية من ممرات معزولة وموسمية إلى شرايين حياة تنقل الناس والسلع والخدمات، وتعيد تنشيط الاقتصاد المحلي في مناطق ظلت لسنوات رهينة العزلة وصعوبة الوصول.

ووفق بيانات أممية، نجح المشروع الذي ينفذه مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتمويل من البنك الدولي في إعادة تأهيل 153 كيلومتراً من الطرق الريفية، مما أتاح لأكثر من 1.5 مليون شخص الوصول بصورة أكثر انتظاماً إلى الأسواق والمدارس والمرافق الصحية، والحصول على الخدمات الأساسية رغم التحديات المناخية القاسية التي تشمل الفيضانات والانهيارات الأرضية والسيول الموسمية التي كانت تعزل قرى ومناطق واسعة عن محيطها لأيام وربما أسابيع.

إصلاح أكثر من 150 كيلومتراً من الطرقات في اليمن (الأمم المتحدة)

ولا تتوقف أهمية هذا المشروع عند إعادة تأهيل البنية التحتية المادية، بل تمتد إلى إعادة صياغة الحياة اليومية في المجتمعات الريفية. ففي محافظتي إب وتعز، لم تعد الطرق تُجرف بالكامل مع كل موسم أمطار كما كان يحدث سابقاً، ولم يعد الوصول إلى المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية رحلة شاقة تستغرق أياماً بسبب انقطاع المسارات وارتفاع منسوب السيول.

هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، الذين كانوا الأكثر تأثراً بعزلة المناطق الريفية. كما بات بإمكان الطلاب الوصول إلى مدارسهم بصورة أكثر انتظاماً، وهو ما يمنح العملية التعليمية قدراً أكبر من الاستقرار في بيئة تعاني أصلاً من تحديات مركَّبة تشمل الفقر والنزوح وتراجع الخدمات العامة.

دفعة قوية

على المستوى الاقتصادي، شكَّلت الطرق المؤهلة حديثاً عنصراً حاسماً في تنشيط الحركة التجارية، لا سيما في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها على بيع منتجاتهم في الأسواق المحلية والإقليمية. فقبل هذه الإصلاحات، كانت وعورة الطرق أو انقطاعها خلال مواسم الأمطار تؤدي إلى تلف جزء كبير من المحاصيل الزراعية قبل وصولها إلى الأسواق، مما يضاعف خسائر المزارعين ويقلل من عوائدهم.

وحسب البيانات الأممية، فقد أصبح بمقدور المنتجين نقل محاصيلهم بسرعة أكبر وتكلفة أقل وكفاءة أعلى، بما يحافظ على جودة المنتجات ويزيد من فرص تسويقها بأسعار أفضل. وهذا التحسن لا يدعم دخل الأسر الزراعية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار تدفق السلع الزراعية إلى الأسواق وتقليل فجوات العرض التي كانت تتسبب في ارتفاع الأسعار أو شح بعض المنتجات.

وتشير المعطيات إلى أن كل كيلومتر من الطرق التي أُعيد تأهيلها أسهم في تحريك النشاط الاقتصادي في محيطه، سواء عبر زيادة حركة النقل، أو تنشيط التجارة المحلية، أو تسهيل وصول التجار والموردين إلى مناطق كانت في السابق شبه معزولة اقتصادياً.

مشروع الطرق في اليمن ساعد على سرعة الوصول إلى المستشفيات (المتحدة)

إلى جانب الأثر الخدمي والاقتصادي، وفَّر المشروع مكاسب مباشرة لسوق العمل المحلية. فقد أسهم في توفير نحو 80 ألف يوم عمل، إلى جانب آلاف فرص العمل غير المباشرة خارج مواقع التنفيذ، كما أتاح وظائف لأكثر من 10700 يمني، بينهم نساء وأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما وفر مصدر دخل بالغ الأهمية لشرائح اجتماعية شديدة الهشاشة.

وفي إطار دعم الاقتصاد المحلي، شمل المشروع تدريب 42 مقاولاً محلياً، بينهم سبع شركات مقاولات مملوكة لنساء، مع منحهم فرصاً للمشاركة في تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل. ولم يقتصر الدعم على العقود التشغيلية، بل شمل أيضاً تطوير المهارات في مجالات إدارة المشاريع، وسلامة الطرق، والمعايير البيئية، بما يعزز جاهزية الكفاءات المحلية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية.

كما عززت العقود الممنوحة للشركات المحلية من شعور المجتمع بالملكية والمسؤولية تجاه هذه المشاريع، ووفرت قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يصبح القطاع الخاص المحلي شريكاً رئيسياً في التنمية وإعادة البناء.

تمويل إنساني صاعد

بالتوازي مع هذه المشاريع التنموية، أظهرت بيانات الأمم المتحدة تحسناً نسبياً في وتيرة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي إدراك المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات الإنسانية والتنموية في البلاد.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ إجمالي التمويل المستلم لخطة الاستجابة حتى أبريل (نيسان) 2026 نحو 264.3 مليون دولار، بزيادة قدرها 61.4 مليون دولار مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، أي بارتفاع نسبته 30.3 في المائة. كما ارتفع إجمالي التمويل المخصص لليمن داخل الخطة وخارجها إلى 293 مليون دولار، مقارنةً بـ228.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2025.

مع تحسن الطرق باتت المنتجات تُنقل إلى الأسواق بسهولة (الأمم المتحدة)

وارتفعت نسبة تمويل الخطة إلى 12.2 في المائة، مقابل 8.2 في المائة فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، وهي زيادة تعكس تحسناً في حجم التعهدات والصرف، وإن كانت لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين بقيمة 73.4 مليون دولار، تلتها بريطانيا بـ37.9 مليون دولار، ثم ألمانيا بـ23.4 مليون دولار، واليابان بـ19.6 مليون دولار، وكندا بـ16.2 مليون دولار، مما يشير إلى استمرار الحضور الدولي في دعم اليمن، سواء عبر التدخلات الإنسانية المباشرة أو عبر المشاريع التنموية التي تركز على بناء الصمود.