المصري: فك الارتباط مع الضفة حسم خروجي من الحكومة واعتبرته إهانة شخصية

«الحقيقة بيضاء»... مذكرات طاهر المصري توثق أزمة «قمة الجزائر» (الثالثة والأخيرة)

الملك حسين مستقبلاً الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد أثناء قمة عمّان 1987 (غيتي)
الملك حسين مستقبلاً الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد أثناء قمة عمّان 1987 (غيتي)
TT

المصري: فك الارتباط مع الضفة حسم خروجي من الحكومة واعتبرته إهانة شخصية

الملك حسين مستقبلاً الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد أثناء قمة عمّان 1987 (غيتي)
الملك حسين مستقبلاً الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد أثناء قمة عمّان 1987 (غيتي)

يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، في الحلقة الثالثة والأخيرة من مذكراته التي تصدر اليوم بعنوان «الحقيقة بيضاء»، المقدمات التي أسفرت عن اتخاذ المملكة قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية في 1987، بعد قمة الجزائر الطارئة.
ويؤكد المصري، في كتابه الذي انفردت «الشرق الأوسط» بنشر حلقات منه، أن قمة الجزائر التي عقدت في 1987، بعد انعقاد قمة عمان بأشهر، كانت بهدف «استثناء الأردن، وتغييبه عن أي نشاط سياسي، وعزله عن أي دور داخل الضفة الغربية»، في حين كان الراحل الملك حسين يسعى إلى عقدها لحشد الدعم للعراق، وتعزيز التضامن العربي معه، ولتحقيق برنامجه الهادف إلى لم الصف العربي وإجراء المصالحات.
ويروي كيف أن قمة الجزائر، واستثمار ياسر عرفات لها، مستغلاً الانتفاضة الفلسطينية لصالحه للحصول على استقلالية أوسع، وتوجيه جهده نحو تشديد قبضته على الضفة الغربية وإبعاد الأردن عنها، بدعم دول عربية له آنذاك، كانت المقدمة التي أدت إلى قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة.
القرار الأردني الذي لم يكن المصري على علم به، وتفاجأ بسماعه عبر التلفزيون الرسمي، تسبب بخروجه من الحكومة، محتجاً على ما آلت إليه العلاقة الأردنية - الفلسطينية في تلك الفترة، سارداً سلسلة مواقف أعلن عنها داخل اجتماعات رسمية أمام الملك حسين، وولي عهده آنذاك الأمير الحسن، وداخل مجلس الوزراء.
المصري، وهو أردني من أصول فلسطينية، عرف عنه تمسكه بهوية وطنية جامعة، وشكل جسراً في العلاقة بين البلدين، واستثمر الراحل الملك حسين في شخصيته منذ اختياره وزيراً في 1973، ثم سفيراً في عواصم القرار، ثم وزيراً للخارجية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ثم نائباً في البرلمان في 1989، ثم رئيساً للوزراء في 1991، ورئيساً لمجلس النواب في 1993، مختتماً سلسلة رئاساته رئيساً لمجلس الأعيان 2009.
وفيما يلي نص الحلقة الثالثة والأخيرة:
بعد جهد كبير، نجح الملك في عقد قمة عربية في عمان لمتابعة الحرب العراقية - الإيرانية التي كانت في أوجها، والتي كانت نتائجها تتأرجح بين معركة وأخرى، وذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.
كان هدف الملك من هذه القمة حشد الدعم للعراق، وتعزيز التضامن العربي معه، خصوصاً أن دولاً مثل سوريا والجزائر وسلطنة عمان لم تكن داعمة له في حربه مع إيران، لكن المفصل الأهم هو المفصل السوري، وكان نجم طارق عزيز لامعاً إلى أبعد الحدود، كونه وزيراً للخارجية العراقية.
كنت رئيساً لمؤتمر وزراء الخارجية العرب، كون الأردن هو البلد المضيف، وعقدنا اجتماعاً صعباً للغاية لصياغة قرارات تدعم العراق، وتدعم التضامن معه، وكانت الحكومة العراقية راضية عن نتائج هذه القمة.
كان من أهداف عقد القمة جمع الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد، وكان الملك ينظر إلى أهمية هذا اللقاء الذي سينعكس إيجاباً على سوريا والعراق. وعقد لقاءات عدة مغلقة، اقتصرت على القادة العرب، وكان صدام حسين منطقياً للغاية في عرضه لموقفه، وكان الملك معجباً بموقفه، لكن بالنتيجة لم يحصل الوفاق بين بغداد ودمشق.
أما «أبو عمار»، فكان متوتراً للغاية، لأنه كان يتوقع أن يحظى باستقبال رئيس دولة في المطار، فيستقبله الملك حسين، الأمر الذي لم يحصل، إذ إن زيد الرفاعي هو من استقبله، وظهرت على عرفات علامات الاستياء التي لازمته طيلة أيام المؤتمر، وانتشر أمر استيائه في أروقة منظمة التحرير.
وأذكر أن طالبات مدرسة في مخيم جباليا في غزة كن يتظاهرن ضد الأردن لتجاهله عرفات في ذلك المؤتمر، وكانت دورية عسكرية إسرائيلية تمر قرب مدرسة المظاهرات، فدهست أربع فتيات واستشهدن. وفي غزة، بدأ الاحتجاج على هذا الحادث، وعلى الأردن، وكانت الشرارة الأولى للانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انتشرت بسرعة لتعم كل أرجاء فلسطين.
وتسارعت أحداث الانتفاضة، وبدأ رصيد منظمة التحرير وياسر عرفات يرتفع نتيجة اندلاعها بعفوية ومن غير سلاح. وكانت أجواء الشارع العربي معجبة داعمة لهذا العمل السلمي والثورة الشعبية المتسلحة بالحجر في مواجهة الدبابة الإسرائيلية.
ورغم الأحداث تلك، كان الملك حسين يعوّل كثيراً على رئاسته القمة، وكان ينوي من خلالها مواصلة السعي لتحقيق برنامجه الهادف إلى لم الصف العربي، وإجراء المصالحات عبر الجامعة العربية، وذلك على امتداد فترة كان يعتقد أنها ستطول كثيراً، لكن توقعاته لم تدم طويلاً.
ففي يوم من أواخر شهر مايو (أيار) 1988، زار الأردن الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وزير خارجية الجزائر، وقد التقيته قبل مقابلته الملك حسين. كان حديثي معه عابراً عادياً، ولم يفصح خلاله عن أهدافه من تلك الزيارة، مؤثراً الحديث عنها مع الملك مباشرة.
اصطحبت الإبراهيمي إلى قصر بسمان، والتقى الملك، ليلقي بقنبلته التي فاجأتنا، وكان أول المتفاجئين بها الملك نفسه. فقد أعلن عن رغبة الجزائر بالدعوة إلى عقد قمة عربية في منتصف شهر يونيو (حزيران) المقبل بسبب الانتفاضة الفلسطينية، والوضع في الضفة وقطاع غزة، وضرورة اجتماع الزعماء العرب للبحث في هذا الأمر.
ظهر الاستياء سريعاً على وجه الملك، وبشكل واضح، إذ لم يستطع إخفاءه. فقد عد تلك الدعوة التفافاً على رئاسته للقمة العربية التي كان يعتقد أنها ستطول، لكنه لم يكن يتوقع أن يبقى رئيساً لنحو ستة أشهر فقط. كما عد أن تلك الدعوة سوف تفسد عليه برنامجه الطموح لنشاط سياسي مكثف، وهي تتناقض مع شعوره بأهمية أن يكافئ العرب الملك والأردن بصفته عميداً للرئاسات.
وقدر الملك نتائج قمة الجزائر. فقد كان يعرف تماماً أن عرفات سوف يستغل الانتفاضة لصالحه في القمة، وسيحصل على أكبر استقلالية، وعلى أوسع دعم سياسي، وسيكون جهده موجهاً نحو تشديد قبضته على الضفة الغربية، وإبعاد الأردن عنها ما أمكنه ذلك.
كان الملك يشعر، ومنذ سنين، بوجود تيار داخل القمم العربية يريد إبعاده عن ترؤس القمة. فالمغرب، على سبيل المثال، ترأس القمة ست مرات، إلى أن تقرر عقد القمة سنوياً، وبانتظام، في مارس (آذار) من كل عام، وبحسب الحروف الهجائية، بدأت من الأردن.
خرج الملك بعد انتهاء لقائه بالإبراهيمي وقد ودعه بفتور، وكان زيد الرفاعي حاضراً اللقاء، ولاحظ إصرار الإبراهيمي على ضرورة عقد القمة في الجزائر التي ستباشر بتوجيه الدعوات للقادة العرب خلال فترة قصيرة.
فهمنا جميعاً مقاصد هذه الدعوة وأهدافها، لذلك ذهبنا إلى قمة الجزائر متهيئين لمواجهة مطالب ياسر عرفات من الأردن، الرامية إلى إبعاده قدر الإمكان عن الشؤون الفلسطينية، مدعوماً هذه المرة بمواقف عربية متعددة مؤيدة له.
عقد المؤتمر، وكانت البوادر واضحة فيما سيؤول إليه، خاصة من خلال مشروع القرار الذي قدمته منظمة التحرير، وكان وفدها يضم فاروق القدومي وياسر عبد ربه وآخرين.
وظهرت المؤشرات الأولية من خلال لجنة الصياغة التي حضرها نيابة عن الأردن السفير لدى الجامعة العربية المرحوم طلال سطعان الحسن، بصفته عضواً في هذه اللجنة، وكان مشروع القرار يلغي أي دور للأردن، سواء أكان سلبياً أم إيجابياً، في دعم الانتفاضة.
وللأسف، لاقى هذا الموقف الفلسطيني تجاه الأردن هوى عند الوفد الأردني الغاضب أصلاً من هذا المؤتمر، الذي يرغب أصلاً بإبعاد الأردن عن منظمة التحرير وتركها وشأنها. وأظن أن هذه الحادثة كانت بداية للتفكير في اتخاذ قرار فك الارتباط القانوني والإداري بين الأردن والضفة الغربية.
اختلف الأردن والمنظمة في قمة الجزائر الطارئة التي عقدت في يونيو 1988، حول مطالبة المنظمة بالإشراف التام على الأموال المخصصة لدعم الصمود الفلسطيني، وعلى استثناء الأردن وتغييبه عن أي نشاط سياسي إقليمي أو دولي يتعلق بدعم الانتفاضة، وعزله عن أي دور له داخل الضفة الغربية أو في أي أمر يتعلق بالانتفاضة، وكأنه في هذه الحال مثله مثل أي دولة عربية أخرى، من أجل أن تمر كل القنوات السياسية والإنسانية والمعنوية التي تتعلق بالانتفاضة عبر منظمة التحرير.
وكان فاروق القدومي (وهو يقيم الآن في عمّان) شرساً في مواجهته للموقف الأردني الذي كان يدعو لإشراف فلسطيني - أردني مشترك، لكن المنظمة لم تقبل ذلك، وساندتها دول عربية وأيدتها، وصدر قرار بهذا المضمون.
بدأ الملك بالتشاور مع مساعديه ومع المسؤولين الأردنيين حول الخطوة التالية، واستمرت النقاشات بعد عودة الوفد الأردني إلى عمان. لم أكن ضمن حلقة التشاور لأن الملك يعرف أنني كنت أحمل وجهة نظر تتمسك بالإبقاء على ارتباط الأردن بالضفة الغربية، وبالعمل على استيعاب الرغبات الفلسطينية في المنظمة، لأن مصالح الفلسطينيين كانت -ولا تزال- مرتبطة إلى حد كبير بالأردن.
ألف الملك لجنة (ولم تكن بمعنى اللجنة الرسمية) ضمت كلاً من رئيس الوزراء زيد الرفاعي، والقائد العام زيد بن شاكر، ورئيس الديوان مروان القاسم، ووزير البلاط عدنان أبو عودة، ومدير المخابرات العامة طارق علاء الدين، وكانوا يجتمعون أحياناً في منزل مروان القاسم في جبل عمان، ويعملون على دراسة الخطوة التالية باتجاه فك الارتباط، ودراسة تداعياته المتوقعة والخطوات التي يجب أن تتبع القرار.
في الثامن والعشرين من يوليو (تموز) 1988، ألغيت خطة التنمية المتعلقة بالضفة الغربية التي وضعت في أغسطس (آب) 1986. وبعد ذلك بثلاثة أيام، أعلن الملك، عبر خطاب في التلفزيون الأردني، عن قرار فك الارتباط الإداري بين الضفتين، مؤكداً في الوقت نفسه على إبقاء الروابط والأواصر بينهما.
لم أكن على علم بما كان يجري الإعداد له إطلاقاً، وفوجئت تماماً بخطاب الملك عبر التلفزيون، معلناً قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية بدءاً من ذلك اليوم.
ورغم كل ما أورده الملك في خطابه لطمأنة الأردنيين من أصل فلسطيني الذين يقيمون في الضفة الشرقية، بشأن الروابط العائلية والاجتماعية والاقتصادية، فإن الإجراءات الإدارية التي مارستها الحكومة كانت عكس ذلك تماماً، إذ لم يتورع كثيرون من موظفي الدوائر المختصة بالوثائق والجوازات الأردنية عن التشفي والتعسف، فكانوا يلغون جوازات سفر الأردنيين من أصل فلسطيني بالمئات، وكان انقلاب الوحدة بين الضفتين إلى الانفصال بهذه السرعة مشهداً مؤلماً يعكس الروح والنفسية المتشفية.
كنت شخصياً من المعارضين لهذا العمل لأسباب وطنية وقومية، ولأسباب شخصية أيضاً، فقد شعرت بغضب شديد وإهانة شخصية لي، فأنا عنصر رئيسي في حكومة زيد الرفاعي، ولم أعلم بهذا القرار الخطير إلا عبر خطاب الملك في التلفزيون الأردني، وعبرت عن غضبي أمام الأمير حسن، إذ كنت مدعواً إلى العشاء في منزله ذلك المساء عندما أعلن الملك فيها خطابه، وقلت للأمير حسن إن هذا القرار نقطة سوداء في تاريخ الأردن.
كنت غاضباً من الطريقة التي تم بها تطبيق القرار، وكنت غاضباً لأسباب أخرى، غير تلك التي ذكرت بغية تبرير اتخاذ القرار، ومنها أنه جاء تلبية لرغبة منظمة التحرير الفلسطينية، وبناء على طلبها، وكنت غاضباً لأن فك الارتباط سوف يضعف الدور الأردني في المحافل الدولية كافة.
صحيح أن قرارات قمة الجزائر، وممارسات ياسر عرفات، كانت تدعو إلى استقلال القرار الفلسطيني، وحصر شؤون الانتفاضة بالكامل في منظمة التحرير، لكنني لم أكن على علم بمدى رغبة المنظمة بهذا القرار الذي اتخذ من دون علمها، ومن دون أي ترتيبات معها، لكي تحتاط لهذا الأمر، وتتخذ الإجراءات الكافية لحماية مصالح أهالي الضفة الغربية، وتتحضر للسيطرة الكاملة على الأوضاع الفلسطينية الداخلية.
تبين لي لاحقاً أن أحد الأسباب الرئيسية لاتخاذ قرار فك الارتباط هو خوف النظام الأردني والأجهزة الأمنية من تداعيات الانتفاضة التي لم تشهد لها المنطقة مثيلاً من قبل. فهي ثورة شعبية يراها الشارع العربي للمرة الأولى، ويرى من خلالها تصميم الفلسطينيين جميعهم على مقاومة الاحتلال، وقد لقيت هذه التجربة الفريدة من نوعها الدعم والإعجاب من الشارع الأردني خاصة، والشارع العربي عامة. وبسبب العلاقات البنيوية والعضوية القائمة بين الضفتين، حرصت السلطات الرسمية الأردنية، وتحديداً الأمنية منها، على عدم وصول هذه الحركة إلى الشارع الأردني، لا سيما أن نصفه من الفلسطينيين، ولذلك تم التعجيل باتخاذ قرار فك الارتباط.
لم أدفع في آرائي وتحركاتي باتجاه إلغاء القرار إطلاقاً، ولم أكن لأفعل هذا وقد أصبح أمراً واقعاً، وظهرت بقوة الهوية الوطنية الفلسطينية التي كان مطلوباً ظهورها وتنميتها من قبلنا جميعاً.
عبرت لزيد الرفاعي عن امتعاضي الشديد من هذا الوضع، ورفضي الاستمرار بتحمل مسؤولياتي وزيراً للخارجية، وكان زيد حريصاً على أن لا تنخدش صورة التضامن الحكومي وقوتها بشأن القرار، فحاول استيعابي من خلال علاقتي الوطيدة به.
وفي جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 1988، والتي اتخذ فيها قرار إلغاء وزارة شؤون الأرض المحتلة التي كان يشغلها آنذاك مروان دودين، وحل البرلمان، وكنت عضواً فيه منذ عام 1973، وهي المرة الأولى التي تزول عضويتي فيه، قلت ساخراً في تلك الجلسة إنني كنت أول وزير لشؤون الأرض المحتلة، وها أنا أرى الآن موت هذه الوزارة.
ذهبت والرفاعي إلى الديوان الملكي، وكان الملك حسين بانتظارنا. وأذكر أننا جلسنا في غرفة الطعام، ولا أذكر من شاركنا آنذاك. ورحب الملك بي بشدة، وطلب مني الجلوس إلى جانبه. أبديت له حزني وأسفي على قرار فك الارتباط لأن الضفة الغربية كانت من مسؤوليات الأردن والهاشميين، ولا تزال استعادتها من مسؤوليتهم، وأضفت أنني لست ضد إعطاء منظمة التحرير حقوقها في إدارة شؤون الضفة الغربية، لكن يجب أن يتم ذلك بطريقة ودية وبتفاهم، وبانتقال تدريجي، ومعاملة أهل الضفة الغربية معاملة أفضل مما يحدث الآن، حيث يتم إلغاء جوازات سفرهم فقط لأنهم من أصل فلسطيني، ما أدى إلى خسارة نصف سكان الأردن جنسيتهم وحقوقهم، وهم سكان الضفة الغربية، من خلال خطاب استغرق ساعة ونصف الساعة، ولا يوجد أي نص، لا في الدستور ولا في أي قانون أو قرار أردني، يجيز التخلي عن أراضي المملكة.
وكان من الواجب، كما عقدت الوحدة بين الضفتين عام 1950 من خلال الوسائل والآليات الدستورية، أن يتم فك الارتباط بينهما من خلال الوسائل الدستورية عينها، وليس تحت تأثير الانفعال بسبب قرارات قمة الجزائر أو أجوائها.
دافع الملك حسين بشكل مختصر عما جرى، وقال لي: «أريدك أن تتريث قليلاً قبل أن تترك منصبك، لأن هناك كثيراً من الأمور التي ننتظر ترتيبها، ونحن نحتاجك فيها». لم أجب بـ«نعم» أو بـ«لا»، ولم أتخذ أي قرار بشأن بقائي أو استقالتي. فقد تركت الأمور مفتوحة حتى تتضح لي تلك الترتيبات التي أشار الملك إليها. وانتهى اللقاء، وعدت إلى منزلي، وذهبت إلى الوزارة في اليوم التالي.
لم تغرني كثيراً محاولة استيعاب غضبي والتمسك بي، بل زادتني صلابة وإصراراً على موقفي، وإعلان رأيي بكل صراحة ووضوح. وقد رسخت ذلك خلال السنوات التالية، إذ كانت خلالها إرادتي قوية ثابتة. واستبعدت كثيراً فيما بعد، بسبب آرائي ومواقفي وجرأتي في التعبير عنها من دون تردد، ومن دون الوقوع في حسابات شخصية ضيقة.
راجعت زيد الرفاعي مرة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) برغبتي في الاستقالة مجدداً من حكومته، فاستمهلني حتى موعد انعقاد جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاصة بفلسطين في جنيف، في ديسمبر (كانون الأول) 1988. وأعترف بأنني قبلت البقاء في الحكومة لبضعة أسابيع حتى استكمل الجهد الحكومي، وجهدي الخاص في قبول الولايات المتحدة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وليس في قولي هذا تودد لأحد ولا تبرير لموقف ما، بل هو واجب وطني أشعر به بعمق.
أما قصة انعقاد الهيئة العامة للأمم المتحدة في المقر الأوروبي في جنيف، فهي أن السلطات الأميركية رفضت منح ياسر عرفات تأشيرة دخول إلى أراضيها لحضور مناقشات الأمم المتحدة حول بند القضية الفلسطينية، فاتخذت الجمعية العامة قراراً بأن تنتقل برمتها إلى مقرها الأوروبي في جنيف، للبحث في هذا البند، والاستماع إلى خطاب ياسر عرفات.
وطلب مني أن أكون في جنيف لهذه الغاية لمعرفة كل القضايا المطروحة في الاجتماع، لا سيما أننا كنا في خضم ترتيب تفاهمات منظمة التحرير مع الإدارة الأميركية، وتحديداً مع جورج شولتز، وشرطه لحوار أميركي مباشر مع منظمة التحرير أن يعلن ياسر عرفات، بلغة واضحة، إدانة الإرهاب ومحاربته ونبذ العنف.
ذهبت إلى جنيف، والتقيت ياسر عرفات الذي كان يحاول الالتفاف على شرط شولتز في ذلك الحين، ويسعى لتغيير صيغة الإعلان المطلوب حول نبذ الإرهاب، لكن شولتز كان على اتصال مع ريتشارد ميرفي بخط هاتفي مفتوح.
بدوره، كان ميرفي ينسق مع مجموعة فلسطينية تولت المفاوضات بين المنظمة والإدارة الأميركية، وتتألف من باسل عقل، وحسيب الصباغ، ومنيب المصري، وسعيد خوري. وعقب قرار فك الارتباط، لم أكن جزءاً من هذا الفريق، مع أنني كنت أتابع ما يجري.
لم ألحظ أي دور يذكر لفاروق القدومي الذي كان مع «أبو عمار»، وأظن أنه نأى بنفسه عن المشاركة في هذه المسألة. ولم تتضمن هذه الدورة بنوداً مهمة، سوى مسألة قبول عرفات بإعلان محدد واضح، مقابل فتح الحوار المباشر مع الإدارة الأميركية. أما الموضوع الأساسي الذي جئنا من أجله، فهو بند فلسطين، وكان الهدف الأساسي فتح الأبواب أمام حوار أميركي - فلسطيني مباشر.
عقد الاجتماع في جنيف بتاريخ الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) 1988، وتحدث عرفات لنحو نصف ساعة عما سماه في حينه مبادئ خطة السلام الفلسطينية، والمؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط. وفي اليوم التالي، عقد مؤتمراً صحافياً أوضح فيه قبوله بثلاثة مطالب طلبها جورج شولتز منه من خلال رسالة وجهها إليه عن طريق وزير الخارجية السويدي ستين أندرسون، مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لفتح حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية إذا أعلن عرفات قبوله بقرار (242)، وحق إسرائيل بالوجود، ونبذ الإرهاب.
سمعت عن هذه الرسالة، لكنني لم أطلع عليها، والأهم أن عرفات أعلن قبوله بتلك المطالب الثلاثة، واتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارين تجاه القضية الفلسطينية، تضمن الأول الإقرار بالاستقلال الفلسطيني، والثاني تغيير اسم المنظمة إلى فلسطين في كل معاملات الجمعية وأوراقها الرسمية.
كنت أعرف أن تعديل حكومة زيد الرفاعي هدفه الوحيد هو إخراجي من الحكومة، وقد كنت طلبت مراراً وتكراراً وبإلحاح قبول استقالتي، لكن الرفاعي كان يؤجل ذلك. انتهت بذلك مدة خمس سنوات قضيتها وزيراً للخارجية، كان ينقصها فقط اثنا عشر يوماً لتكتمل، وهي أطول فترة لوزير خارجية في تاريخ الأردن حتى ذلك الحين.

حافظ الأسد هدّد بعمل عسكري رداً على تقارب الملك حسين وعرفات (الحلقة الأولى)
الملك حسين اجتمع سراً مع بيريز في لندن وصاغا اتفاقية (الحلقة الثانية)

 



الحكومة اليمنية تستنفر لضبط الأسواق ومنع الغلاء

انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تستنفر لضبط الأسواق ومنع الغلاء

انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)

كثّفت الحكومة اليمنية من تحركاتها لطمأنة السكان مع بدء تنفيذ قرار تحرير سعر الدولار الجمركي، مؤكدةً أن القرار لن ينعكس على أسعار السلع الأساسية، وأنه يقتصر على السلع الكمالية وغير الضرورية، في حين تبقى المواد الغذائية والأدوية الأساسية معفاة من الرسوم الجمركية.

جاءت التحركات الحكومية وسط مخاوف وشكاوى متزايدة من السكان بشأن احتمال استغلال التجار قرار رفع أسعار الديزل بنسبة 24 في المائة، إلى جانب تحرير سعر الدولار الجمركي بنسبة تصل إلى 100 في المائة، لفرض زيادات كبيرة على أسعار السلع، خصوصاً مع اقتراب عيد الأضحى.

وأكد وزير الصناعة والتجارة اليمني، محمد الأشول، أن السلع الأساسية المعفاة جمركياً لن تتأثر بقرار تحريك سعر الدولار الجمركي، مشدداً على أن القرار يطول السلع الكمالية فقط وبنسب محدودة لا تمس الاحتياجات الأساسية للسكان.

وزارة الصناعة والتجارة اليمنية كثّفت تحركاتها لطمأنة السكان (إعلام حكومي)

وقال الأشول إن الحكومة تضع تحسين الأوضاع المعيشية للسكان في مقدمة أولوياتها، بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وحماية السوق المحلية من الاختلالات والممارسات الاحتكارية.

وأشار الوزير إلى أن صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20 في المائة لموظفي الدولة، واعتماد العلاوات السنوية المستحقة للأعوام من 2021 إلى 2024، ومعالجة التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من 13 عاماً، يعكس توجه الحكومة نحو الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والتخفيف من الأعباء المعيشية عن السكان.

لجان رقابة وتحذيرات للتجار

دعا وزير الصناعة والتجارة اليمني القطاع الخاص والتجار إلى الالتزام بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، وعدم استغلال القرار لفرض زيادات غير مبررة على أسعار السلع الأساسية، مؤكداً أن الوزارة تتابع بصورة مستمرة حركة الأسواق والتغيرات السعرية بالتنسيق مع الجهات المختصة.

وجدد الأشول تأكيد أهمية الشراكة مع القطاع الخاص بوصفه ركيزة أساسية لاستقرار الأسواق، داعياً التجار إلى التعاون مع الحكومة للحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية وتعزيز الثقة بالسوق المحلية، في ظل استقرار أسعار الصرف والجهود الحكومية المستمرة لضبط الأوضاع الاقتصادية.

شكاوى يمنية من ارتفاع الأسعار وضعف فاعلية الرقابة (إعلام محلي)

وفي ظل تشكيك سكان بقدرة الوزارة على ضبط أسعار السلع، رغم التحسن الكبير في سعر العملة المحلية منذ منتصف العام الماضي، أعلن الأشول تشكيل لجان ميدانية وفرق رقابة في مختلف المحافظات للنزول إلى الأسواق وضبط المخالفات ومنع الاحتكار والمغالاة، بالتعاون مع السلطات المحلية والنيابات العامة والأجهزة الأمنية.

وتعهد الوزير بعدم تهاون الوزارة مع أي تجاوزات تمس استقرار السوق أو تثقل كاهل السكان، مشيراً إلى أن وزارة الصناعة والتجارة تمتلك منصة إلكترونية لتلقي البلاغات والشكاوى من السكان، إلى جانب اتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المخالفين، بما في ذلك وقف السجلات التجارية وإدراج المتجاوزين ضمن القوائم السوداء في حال استمرار المخالفات.

رهان على زيادة الإيرادات

أكدت مصلحة الجمارك اليمنية أن قرار تحرير سعر الصرف الجمركي لن ينعكس على الوضع المعيشي أو يمس احتياجات السكان الأساسية، موضحةً أن السلع المشمولة بالإعفاءات تشمل القمح والأرز والأدوية المدرجة ضمن القائمة الوطنية، بوصفها ركائز أساسية للأمن الغذائي والصحي.

وقالت المصلحة، في بيان، إن القرار يستهدف بصورة رئيسية السلع الكمالية وغير الضرورية، التي ظلت خلال السنوات الماضية تستفيد من احتساب الرسوم الجمركية وفق سعر صرف منخفض لا يعكس القيمة الحقيقية للعملة في السوق، وهو ما تسبب في خسائر كبيرة للخزينة العامة.

وأكدت أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية الجارية تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر استقراراً وعدالة وكفاءة، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، ومعالجة الاختلالات القائمة، وتحسين كفاءة تحصيل الموارد العامة بما يدعم الاستقرار الاقتصادي ويعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

الحكومة اليمنية تتوقع زيادة كبيرة في الإيرادات (إعلام حكومي)

ووفقاً لمصلحة الجمارك، فإن تحرير سعر الصرف الجمركي من المتوقع أن يحقق زيادة كبيرة في الإيرادات العامة خلال العام الجاري مقارنةً بعام 2025، وهو ما يمثل مورداً مهماً لتعزيز قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والوفاء بالتزاماتها الأساسية، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

وأضافت المصلحة أن الزيادة المتوقعة في الإيرادات الضريبية والجمركية ستساعد الحكومة على تعزيز الخدمات العامة وصرف المرتبات، في وقت تواجه فيه الحكومة تداعيات الحرب التي يشنها الحوثيون، والتي أدت إلى تعطيل جزء كبير من موارد الدولة، خصوصاً عائدات تصدير النفط.

مخاوف من موجة غلاء

بيّنت مصلحة الجمارك اليمنية أن استمرار احتساب الرسوم الجمركية بسعر صرف أقل بكثير من السعر الحقيقي في السوق كان يؤدي إلى فجوة كبيرة في الإيرادات، استفادت منها فئات محددة من المستوردين والتجار الذين كانوا يدفعون رسوماً منخفضة، بينما يتم تسعير كثير من السلع للمستهلك وفق أسعار السوق الفعلية.

وأوضحت أن هذا الوضع خلق تشوهات اقتصادية واختلالات في العدالة الضريبية والجمركية، وأضعف قدرة الدولة على تحصيل مواردها السيادية بصورة عادلة وكفؤة.

وربطت المصلحة نجاح قرار تحرير سعر الصرف الجمركي بمواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية الشاملة، ضمن رؤية حكومية تستهدف توحيد الأوعية الإيرادية، ومعالجة الاختلالات السعرية، وتحسين كفاءة التحصيل الجمركي والضريبي، إلى جانب تعزيز الشفافية ومكافحة التهرب والفساد.

وأكدت أن الحكومة وجّهت الوزارات والجهات المختصة والسلطات المحلية بتكثيف الرقابة الميدانية على الأسواق، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي محاولات لاستغلال القرار في فرض زيادات غير مبررة على أسعار السلع الأساسية، مشيرةً إلى أن الأجهزة الرقابية والتموينية ستواصل متابعة حركة الأسعار وضبط المخالفات ومنع أي ممارسات احتكارية أو استغلالية تضر بالسكان.


العسل اليمني يقاوم الحرب وتقلُّبات المناخ

مربي نحل في محافظة تعز يتفقد خلاياه التي تعدُّ مصدر الدخل الرئيسي لعائلته (أ.ف.ب)
مربي نحل في محافظة تعز يتفقد خلاياه التي تعدُّ مصدر الدخل الرئيسي لعائلته (أ.ف.ب)
TT

العسل اليمني يقاوم الحرب وتقلُّبات المناخ

مربي نحل في محافظة تعز يتفقد خلاياه التي تعدُّ مصدر الدخل الرئيسي لعائلته (أ.ف.ب)
مربي نحل في محافظة تعز يتفقد خلاياه التي تعدُّ مصدر الدخل الرئيسي لعائلته (أ.ف.ب)

تزداد المخاطر المحيطة بإنتاج العسل اليمني إلى ما هو أبعد من تراجع الإنتاج وصعوبة التصدير، وتمتد إلى تهديد البيئة والتغيرات المناخية، وارتفاع تكاليف النقل، وتدهور المراعي الطبيعية، والتي شكلت -إلى جانب الحرب- تهديدات وضعت تربية النحل في مواجهة صعبة أمام المساعي للحفاظ على سمعة المنتج المشهور عالمياً.

وبينما كشفت دراسة حديثة أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول سلسلة قيمة العسل في اليمن، أن القطاع يواجه تحديات «هيكلية ومركبة» تهدد استدامته، بدءاً من الصراع المستمر وضعف البنية التحتية، وصولاً إلى تغير المناخ وتراجع الوصول إلى الأسواق الدولية، يتحدث عدد من المختصين عن التحديات والطموحات لتطوير هذا القطاع.

وتشير الدراسة إلى أن صادرات العسل اليمني تراجعت بأكثر من 50 في المائة منذ تصاعد الحرب عام 2015، في حين أصبح نحو 100 ألف شخص يعملون في تربية النحل وإنتاج العسل عرضة لخسارة مصادر دخلهم.

ويقول عبد العزيز زعبل، الأكاديمي ومدير المركز الوطني لتربية النحل وإنتاج العسل (هيئة حكومية)، إن الحرب تسببت في أضرار مباشرة في مناطق الإنتاج الرئيسية، مثل حضرموت وشبوة وأبين وتعز، إلى جانب ارتفاع كبير في تكاليف تنقل النحالين؛ خصوصاً مع زيادات أسعار الوقود ومواد التغذية، ما تسبب في خسارة كثير من النحالين لخلاياهم أو ترك المهنة كلها.

بعض النحالين اليمنيين يتلقون مساعدات من برامج أممية (الأمم المتحدة)

وأضاف زعبل لـ«الشرق الأوسط» أن النحالين يواجهون صعوبات متزايدة في التنقل الموسمي، بسبب الألغام التي زرعتها الجماعة الحوثية ونقاط التفتيش وإغلاق الطرق، بالتزامن مع تراجع مواسم الإزهار وارتفاع درجات الحرارة، وهي عوامل أفقدت بعض المربين ما يصل إلى نصف خلاياهم.

ورغم هذه التحديات، يواصل العسل اليمني التمتع بمكانته العالمية؛ خصوصاً أنواع السدر الدوعني والجرداني، وفقاً للمسؤول اليمني الذي استدرك بأن استمرار الإنتاج يعتمد اليوم «على جهود فردية لنحالين صامدين، في ظل دعم حكومي محدود للغاية».

تهديد الأمن الغذائي

تربط الدراسة الأممية بين تراجع إنتاج العسل وتدهور البيئة الطبيعية؛ خصوصاً تقلص المراعي نتيجة الاحتطاب الجائر والتصحر والتوسع العمراني العشوائي، محذرة من تأثيرات التغير المناخي على أشجار السدر والسمر، المصدر الرئيسي للرحيق.

تربية النحل في اليمن نشاط اقتصادي عائلي يرتبط بتقاليد ثقافية ويحظى بسمعة عالمية جيدة (رويترز)

ويذهب فارس النجار، المستشار الاقتصادي للرئاسة اليمنية، إلى أن قيمة العسل اليمني لا ترتبط بالكميات المنتجة فقط، والتي تضاعفت أكثر من 3 مرات خلال العقدين الماضين، حسب بيانات أممية؛ بل «بطبيعة البيئة ونقاء المراعي وجودة الرحيق».

وأشار في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تراجع أشجار السدر يدفع النحالين إلى التنقل أو اللجوء إلى التغذية الصناعية للنحل، ما رفع تكاليف الإنتاج بصورة كبيرة، إلى جانب الحاجة لتوفير الحماية والعلاج البيطري للخلايا، محذراً من أن تدهور الغطاء النباتي يهدد هذه الميزة التنافسية النادرة.

وحسب تقديرات أوردها النجار نقلاً عن اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر»، فإن إنتاج العسل في اليمن تراجع بنسبة تتراوح بين 20 و25 في المائة بسبب ارتفاع درجات الحرارة، بينما انخفض تسويقه محلياً بنحو 50 في المائة نتيجة الحرب والتغيرات المناخية.

يمنية في محافظة حجة تجني العسل بعد أن تلقت تدريباً ودعماً لتربية النحل (الأمم المتحدة)

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على إنتاج العسل فقط؛ إذ يؤكد النجار أن النحل يمثل «عامل إنتاج زراعي» أساسياً، يؤثر تراجع تربيته على عمليات التلقيح التي تستفيد منها أغلب المحاصيل، ما يهدد الأمن الغذائي والمجتمعات الزراعية بصورة أوسع.

وتحدث سالم السقطري، وزير الزراعة والثروة السمكية، أواخر الشهر الماضي، عن اتخاذ خطوات مؤسسية نوعية لتعزيز هذا القطاع، من بينها إنشاء المركز الوطني لتربية النحل وإنتاج العسل، وتنظيم فعاليات لإعادة الاعتبار للمنتج المحلي.

ضرورة حماية البيئة

يتمثل التحدي الأكبر -وفق الدراسة الأممية وخبراء القطاع- في قدرة اليمن على حماية بيئته الطبيعية ومراعيه النحلية؛ لأن خسارة أشجار السدر والسمر لا تعني فقط تراجع إنتاج العسل؛ بل فقدان واحدة من أهم الثروات الزراعية والاقتصادية التي حافظت على حضور اليمن في الأسواق العالمية لعقود طويلة.

لإنتاج العسل دور كبير في الاقتصاد اليمني ويمثل مصدر دخل لنحو 100 ألف عائلة (أ.ف.ب)

ويصف هاني السقاف -وهو أحد النحالين ومصدِّري العسل اليمنيين- الوضع المهني لمنتجي العسل بالمرهق والمكلف، بسبب ما يواجهه النحالون من صعوبات كبيرة في نقل الخلايا بين مناطق الرعي، بسبب شح الوقود وارتفاع أسعاره في السوق السوداء.

وينوه السقاف إلى أن ارتفاع أسعار العسل في الأسواق المحلية يعود في جزء كبير منه إلى تضخم تكاليف الإنتاج والنقل، والتي عجز كثير من النحالين عن تحمُّلها في ظل غياب التشجيع والدعم الرسميين.

ويشدد على أن العسل اليمني لا يزال قادراً على المنافسة عالمياً، ولكنه يحتاج إلى متطلبات أساسية لدخول الأسواق الخليجية والدولية، تشمل توثيق المصدر، وتحسين التعبئة والتغليف، والحصول على شهادات جودة واعتماد بيئي.

وأفصح زعبل عن توجه حكومي لإعداد استراتيجية وطنية شاملة لتطوير تربية النحل وإنتاج العسل، تقودها وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، عبر إنشاء «المركز الوطني للعسل».

نحال يمني في محافظة المحويت يتفقد خلايا النحل التي يملكها (الأمم المتحدة)

وتهدف الاستراتيجية -حسب زعبل- إلى حماية النحل اليمني، وتحسين جودة العسل، وتنظيم الترحال، ومكافحة الأمراض، وتطوير الصناعات التحويلية، وفتح أسواق تصديرية جديدة، إلى جانب دعم الجمعيات وتمكين الشباب والنساء العاملين في القطاع.

وحثَّت الدراسة الأممية على مضاعفة التعريف بالعسل اليمني عالمياً، وزيادة الجهود التسويقية، واعتماد العلامة التجارية القوية، إلى جانب تحقيق الاستقرار والأمن كشرط أساسي لإنعاش القطاع، والاستثمار في شبكات النقل ومرافق التخزين الحديثة وتقنيات المعالجة المتقدمة، وحماية الممارسات التقليدية في تربية النحل.


تقارير عن اقتراب قوارب صغيرة من سفن بخليج عدن

التقارير تتحدث عن ‌اقتراب ​قوارب ‌صغيرة ‌من سفن في خليج عدن (أرشيفية - رويترز)
التقارير تتحدث عن ‌اقتراب ​قوارب ‌صغيرة ‌من سفن في خليج عدن (أرشيفية - رويترز)
TT

تقارير عن اقتراب قوارب صغيرة من سفن بخليج عدن

التقارير تتحدث عن ‌اقتراب ​قوارب ‌صغيرة ‌من سفن في خليج عدن (أرشيفية - رويترز)
التقارير تتحدث عن ‌اقتراب ​قوارب ‌صغيرة ‌من سفن في خليج عدن (أرشيفية - رويترز)

أفادت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية اليوم السبت بأنها ‌تلقت ‌تقارير ​من ‌مصادر ⁠مختلفة عن ​نشاط مشبوه ⁠في خليج عدن، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقالت إن هناك ⁠عدة ‌تقارير عن ‌اقتراب ​قوارب ‌صغيرة ‌من سفن. وأضافت أنها رصدت قاربا ‌كبيرا مزودا بمحركين خارجيين ⁠يحمل ⁠سلالم وأسلحة.