الملك حسين اجتمع سراً مع بيريز في لندن وصاغا اتفاقية

طاهر المصري يروي محاولات الأردن نزع اعتراف أميركي بمنظمة التحرير الفلسطينية (2)

الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991
الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991
TT

الملك حسين اجتمع سراً مع بيريز في لندن وصاغا اتفاقية

الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991
الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991

يكشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، في الحلقة الثانية من مذكراته التي تنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات منها، عن اجتماع للراحل الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز في لندن عام 1987، إذ أسفر اللقاء عن اتفاقية عرفت بـ«ورقة بيريز - الحسين» وقتها.
وفي كتابه «الحقيقة بيضاء» الذي سيطلقه في «المركز الثقافي الأردني»، مساء غدٍ، يضع المصري حقائق حول أسباب فشل «اتفاق عمان» الذي راهن عليه الراحل الملك حسين ورجال القصر، في خطته نحو حل القضية سلمياً، والحصول على اعتراف أميركي بمنظمة التحرير الفلسطينية، كاشفاً عن انهماك الأردن في اتصالات سرية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وحتى مع إسرائيل.
وفيما وصف المصري مصير «اتفاق عمان» بأنه «قتل بطيء لاتفاق جيد»، ليسفر عن إلغائه إجراءات ضد المنظمة، عزا الأمر لأسباب عدة، منها شكوك عرفات في مطامح الملك حسين غير المعلنة، بسبب شعوره بطموح لعودة الضفة الغربية إلى سلطة الأردن.
وكان إلغاء «اتفاق عمان» أدى إلى اتخاذ إجراءات التضييق على منظمة التحرير، واختراع قيادة بديلة، وإغلاق مكاتب «فتح» في عمان، وإبعاد خليل الوزير (أبو جهاد)، ليزيد المصري في مذكراته أن الحكومة الأردنية التي شغل فيها موقع وزير الخارجية آنذاك، خططت للقبول بمشروع حكم ذاتي واسع للضفة الغربية كخطوة أولى لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.
وتنشر «الشرق الأوسط» حلقات من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، التي اختار لها عنوان «الحقيقة بيضاء»، كاشفاً عن معلومات وحقائق لمحطات من تاريخ الأردن السياسي، بعد تعاقبه على المناصب منذ 1973، واشتباكه مع مركز القرار في عمر مبكر وعلى مدى سنوات طويلة.
المصري، وهو أردني من أصول فلسطينية، عرف عنه تمسكه بهوية وطنية جامعة، وشكل جسراً في العلاقة بين البلدين، واستثمر الراحل الملك حسين في شخصية المصري منذ اختياره وزيراً في 1973، ثم سفيراً في عواصم القرار، ثم وزيراً للخارجية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ثم نائباً في البرلمان في 1989، ثم رئيساً للوزراء في 1991، ورئيساً لمجلس النواب في 1993، مختتماً سلسلة رئاساته رئيساً لمجلس الأعيان في 2009. وفيما يلي نص الحلقة الثانية:
لا يجوز اتهام زيد الرفاعي بأنه من وقف خلف إلغاء الاتفاق الأردني - الفلسطيني. فقد رأت فيه سوريا استهدافاً مباشراً لأمنها الوطني، واتهمت الأردن وعرفات بالعمل ضد أمنها الوطني، بخاصة بعد خروج المنظمة من بيروت عام 1982، وما آلت إليه العلاقة بين عرفات وحافظ الأسد. كما أن الموقف السوفياتي ساهم هو الآخر في دعم الموقف السوري وتقويته.
كان من أولويات زيد الرفاعي ترميم العلاقة مع سوريا، لذلك سارع إلى زيارة دمشق في سبتمبر (أيلول) 1985، وكان هدفنا المعلن هو إعادة المياه إلى مجاريها بين عمان ودمشق، خصوصاً بعد توقيع الاتفاق الأردني - الفلسطيني الذي رفضته دمشق بقوة وبدعم مباشر من موسكو.
ترأس الرفاعي وفداً كبيراً من وزراء ومسؤولين لزيارة دمشق، تعبيراً عن أن الأمور عادت إلى مجاريها، ليس فقط على مستوى التعامل السياسي والدبلوماسي فحسب، بل على المستوى الثنائي أيضاً.
كنت أحد الوزراء المرافقين، وأجرينا لقاءات عادية جداً مع المسؤولين السوريين، إلا أن زيد الرفاعي اجتمع منفرداً بالرئيس حافظ الأسد لمدة سبع ساعات متواصلة، وعاد إلينا بعدها في ساعة متأخرة من الليل، وكنا بانتظاره في فندق «شيراتون» إلى جانب عدد من القيادات السورية، أذكر منهم العماد مصطفى طلاس. وأعطى الرفاعي الوفد فيما بعد ملخصاً عادياً، مشيراً إلى أن الأمور جرت على خير ما يرام، وأن الاتصالات ستستمر.
كان الملك حسين يعرف حدود الواقع الدبلوماسي والسياسي العالمي، وكان يريد أن يتخطاه بإدخال منظمة التحرير وإشراكها في الحل السياسي. لذا انهمك الأردن في اتصالات سرية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وحتى مع إسرائيل، بغية الحصول على اعتراف مناسب لمنظمة التحرير، كي تتمكن من دخول المؤتمر ومن المشاركة الفاعلة فيه.
وكثيراً ما دخلت في نقاش مع الملك حسين حول مستقبل القضية الفلسطينية. كان يرى بأننا لا نستطيع «سحق إسرائيل»، بل كانت إسرائيل سعيدة بأن تهاجمها الجيوش العربية في نقطة قوتها، وهي القوة العسكرية، لأنها كانت تحقق بذلك انتصارات نوعية على تلك الجيوش، إضافة إلى أنها كانت تكسب أيضاً عطف العالم ودعمه لها، وتؤكد دعايتها العالمية بعداوة العرب لها. واتفقنا أننا كعرب غير قادرين على إلغاء إسرائيل، لذلك يجب أن يركز الهدف الاستراتيجي والبعيد المدى للعرب على «تذويب إسرائيل» من خلال السلام المبرمج معها لهذه الغاية.
خلال تلك الفترة، ازداد احتكاكي المباشر بياسر عرفات وبمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال موقعي الرسمي وزيراً للخارجية، وكنت سعيداً بتقديم أنواع الدعم كافة للمنظمة، وذلك بما لا يتعارض مع الأهداف والسياسات والمصالح الأردنية. كنت مؤيداً من حيث المبدأ لقيام منظمة التحرير الفلسطينية حين تأسست في منتصف ستينيات القرن العشرين، لإبراز هوية الشعب الفلسطيني، وكنت أرى ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من معاناة وحصار، وأصبحت قناعتي، كغيري، بأنه لا بد للفلسطينيين من أن يتولوا أمورهم بأنفسهم، ما يتطلب إنشاء كيان سياسي لهم، أصبحت تعبر عنه وتمثله منظمة التحرير الفلسطينية.
في الوقت عينه، كنت أجد تعارضاً بين قناعاتي وبين التصرفات السياسية لبعض القادة في المنظمة، ومنها أحداث سبتمبر 1970 التي أعتبرها صراعاً بين الدولة الأردنية التي تريد فرض سلطتها ونظامها وسيادتها على أراضيها، وبين مجموعات مسلحة تريد أن تستولي على النظام، وتفرض سيطرتها بقوة السلاح. فهي لم تكن حرباً بين الأردنيين والفلسطينيين، ولا حرباً أهلية.
وكنت أعلم أن ياسر عرفات ينزعج من شخص مثلي، يتمتع بمكانة سياسية جيدة في الأردن، وقريب من الملك، ويشارك في صناعة القرار السياسي الأردني، وله خلفيته العائلية في فلسطين وما تتمتع به من نفوذ في الضفة الغربية.
وأعلم أيضاً أن عرفات، في كثير من الأحيان، كان يتوجس خيفة من وصولي إلى مراكز عليا. وانسجاماً مع «الفوبيا» التي كانت تلازمه دائماً من أن أحداً ما سيحل مكانه، فقد كان يظن أنني، أو غيري، سنحل محله، وكان يعد عدته لمواجهة هذا الأمر.
فعندما انتخبت رئيساً لمجلس النواب في نوفمبر (تشرين الثاني) 1993، صرح ياسر عرفات، وكان قد وقع لتوه اتفاق أوسلو مع الإسرائيليين، بأن انتخابي هو خطوة من قبل الأردن لاستعادة النفوذ إلى الضفة الغربية، وهذا ما جعل الشريف زيد بن شاكر، وكان آنذاك رئيساً للديوان الملكي، يحذرني بعد علمه بما قاله عرفات، وقدم لي رئيس الديوان الملكي والأجهزة الأمنية سيارة مصفحة ضد الرصاص ومرافقاً أمنياً لحمايتي من أي تهديد محتمل، لكني اعتذرت عن قبول تلك الترتيبات، وقلت إن «أبا عمار يثرثر دائماً في مثل هذه الأمور، وقد لا يكون ما قاله صحيحاً، فلا تأخذ أقواله وتصريحاته على محمل الجد».
لم يكن عرفات مطمئناً إلى نيات الملك، وهو يقدم كل الدعم للمنظمة، فقد كان يشك بينه وبين نفسه في مطامح الملك غير المعلنة، ويكشف عن اهتزاز ثقته بالملك حسين التي كانت بالفعل قائمة على الخوف منه، بسبب شعوره بطموح للملك حسين بعودة الضفة الغربية إلى سلطته، وتلك هي طبيعة عرفات النفسية، فقد كانت هواجس الشك - حتى في أقرب الناس إليه - هي المسيطرة عليه.
في تلك الفترة، كان أبو عمار حائراً في توجهاته، فقد كانت التجاذبات تشده إلى جهات مختلفة. داخلياً، كان في المنظمة رجال أقوياء مثل «أبو أياد» و«أبو جهاد» و«أبو مازن»، وكانوا يخالفونه الرأي في بعض سياساته وتوجهاته.
خارجياً، كانت لديه رغبة بفتح قناة اتصال مع الولايات المتحدة من أجل انتزاع اعتراف أميركي بالمنظمة أو به شخصياً، ولكن بشروطه.
في المقابل، كان الاتحاد السوفياتي خائفاً من خسارة الورقة الفلسطينية، وهي أهم حركات التحرر العالمية في ذلك الوقت، وكانت تتباهى موسكو بدعمها وتبنيها. أما مواقف الدول العربية تجاهه، فكانت إما متناقضة كلياً مع سياسته أو مؤيدة له.
كل هذه الأمواج كانت تتلاطم في وجه ياسر عرفات، وكان أسهل عمل يمكنه القيام به هو الابتعاد بسياساته عن الأردن، على رغم أن الملك حسين كان مُصراً على إدخال منظمة التحرير في عملية السلام من خلال انعقاد المؤتمر الدولي، ومن خلال سعيه لدى الأميركيين للحصول على الاعتراف بمنظمة التحرير والبدء بإجراء اتصالات غير رسمية تنتهي بالاعتراف الرسمي بها.
كان الملك حسين مهتماً بإقناع رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت ثاتشر بهذا الاتفاق، كما كان واثقاً من قدرتها على مساعدته في تسويقه وتبني وجهة النظر الأردنية، خصوصاً لدى إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وسعى حثيثاً لإقناعها بمقابلة الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك، الذي كان يضم كلاً من عبد الوهاب المجالي، ومحمد ملحم (أبو علاء)، وعضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير المطران إيليا خوري، بالإضافة إلي.
ونجح الملك حسين بإقناع ثاتشر بلقاء الوفد، شرط أن يصدر بيان مشترك عن الزيارة يذكر فيه القرار 242 الذي كانت منظمة التحرير وعرفات يرفضان قبوله آنذاك.
تولى زيد الرفاعي ترتيب كل الاتصالات مع منظمة التحرير تحديداً، للاتفاق على نص البيان، وحتى تسمية أعضاء الوفد، وكانت فكرة اقتراح المطران إيليا خوري، رئيس الطائفة الإنجيلية التي تدين بها بريطانيا والملكة، فكرة ذكية صدرت عن الرفاعي.
لم أكن أعلم بتفاصيل تلك الاتصالات، فقد كنت في حينه أترأس الوفد الأردني لاجتماعات الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إلى أن أخبرني الرفاعي أثناء انعقاد دورة الأمم المتحدة، أنه قد تحدد موعد لقاء ثاتشر في بريطانيا، كي أتوجه من الأمم المتحدة إلى لندن للمشاركة في الوفد.
وكانت المصادفة أن محمد ملحم كان هو الآخر في نيويورك ضمن الوفد الفلسطيني، وذهبنا سوياً إلى لندن، وكنا في الفندق نراجع نص البيان الذي ستذيعه ثاتشر بعد لقائنا بها. وفوجئ محمد ملحم بوجود بند في البيان يتحدث عن القرار 242. اعترض على الأمر قائلاً إن تعليمات ياسر عرفات المباشرة لا تسمح له بقبول هذه الإشارة في البيان.
أعلمت الرفاعي فوراً بما قاله محمد ملحم، فأجابني: «هذا هو الاتفاق». سألته: «مع من كان الاتفاق؟»، فقال: «مع إيليا خوري الذي كان يقوم بدور حلقة الوصل بينه شخصياً وبين عرفات».
استغربت موقف الرفاعي، لعلمي أنه كان يجري كل اتصالاته مباشرة مع خليل الوزير الذي كان لا يزال يقيم في عمان، ولم تجر العادة أن يتم الاتصال، إن لهذا الأمر أو لغيره، من خلال وسيط آخر هو المطران إيليا خوري، وأبلغني الرفاعي أن المطران أكد له أن هذا هو موقف ياسر عرفات.
وجدنا أنفسنا في وضع حرج للغاية، لا سيما أن الملك حسين كان في زيارة خاصة إلى بريطانيا، وجرت اتصالات محمومة بيني وبين مسؤولي الخارجية البريطانية حول هذا الأمر.
واتصل محمد ملحم بياسر عرفات، واستطاع الحديث معه بعد جهد جهيد وبعد محاولات عدة. وجده في السودان، وأعلمه بالموقف، فغضب عرفات غضباً شديداً، وسمعت صوته عبر الهاتف قائلاً لمحمد ملحم بأنه لن يسمح لأي كان بترهيبه والضغط عليه، ولن يقبل بالقرار 242، حتى لو أدى ذلك إلى فشل لقاء الوفد مع ثاتشر. وقال إنه لن يوافق إطلاقاً على ذكر القرار 242 في أي بيان مشترك، وحذره من الذهاب إلى اللقاء.
اتصل بي الملك حسين من منزله الخاص في لندن، فأعلمته بالأمر وبتفاصيله، وكانت الخارجية البريطانية قد رفضت رفضاً قاطعاً حذف ذكر القرار 242 من نص البيان، حتى لو تم إلغاء اللقاء أصلاً. وأظن أن الملك أعلم مكتب ثاتشر بهذا الوضع، وبأننا لسنا المسؤولين عن هذا الأمر بل عرفات نفسه هو المسؤول، وإظهاراً لحسن نية الأردن، فإن وزير الخارجية مستعد للقاء نظيره البريطاني السيد جيفري هاو في مقر وزارته، لتأكيد التزام الأردن بالعملية السلمية وبالقرار 242. وهذا ما حصل. فقد ذهبت في اليوم التالي، في يوليو (تموز) 1985، إلى وزارة الخارجية البريطانية، وشرحت للوزير ملابسات ما جرى، وأسفنا لما حدث، وأكدت التزام الأردن بالقرار 242.
وقامت جريدة «هيرالد تريبيون» بنشر صورة لي أثناء لقائي بهاو، بعد أن تعمد الإعلام البريطاني الإساءة إلى منظمة التحرير ولعرفات أثناء تغطية الصحافة البريطانية لهذه المسألة.
انتهى فصل مريع من العلاقة المهتزة بين الأردن ومنظمة التحرير، وبقيت التفاصيل غامضة بشأن اتصال الرفاعي مع المطران إيليا خوري لترتيب هذا الأمر الحساس، ومسألة تجاهله الاتصال بخليل الوزير، مع أنه كان يعلم علم اليقين بأنه هو الرقم الأول للمنظمة في الأردن، وكان قد أجرى معه كل الاتصالات المهمة وفي المواضيع كافة، وكان أبو جهاد جاهزاً دائماً للقاء الرفاعي والتصارح معه حول القضايا كافة.
انتهى «اتفاق عمان» بإعلان إلغائه من قبل الحكومة الأردنية التي كنت فيها وزيراً للخارجية، بتاريخ 19 فبراير (شباط) 1986، وبوجود الأشخاص أنفسهم الذين كانوا متحمسين جداً لإتمامه، بدءاً بالملك حسين، مروراً بمروان القاسم وعدنان أبو عودة، وانتهاءً بزيد بن شاكر.
شعر عرفات بعد فترة أنه قد يستطيع الإفلات من الحصار الذي عانى منه بعد خروجه من بيروت سنة 1982، وتحديداً بعد اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر في عمان. والأهم، أنه شعر بأن هدفه من توقيع الاتفاق قد تحقق، فعاد إلى موقعه السابق، وبدأ مرحلة التراجع عنه تدريجياً. وكان التعامل مع تكتيك عرفات مقتصراً على المطبخ السياسي الأردني. إلا أنني كنت متيقناً بأن العمل يجب أن يتواصل ويستكمل لدعم هذا الاتفاق، ويجب أن تبقى العلاقات الأردنية - الفلسطينية على المستوى الرسمي الرفيع من التفاهم والتعايش، ولم أر أي مبرر منطقي أو موضوعي للخطوات والإجراءات الأردنية المضادة التي حصلت فيما بعد، وعبرت عن موقفي هذا صراحة داخل الاجتماعات الرسمية مرات عدة.
عندما تبلغنا في مجلس الوزراء قرار إغلاق مكاتب منظمة التحرير في عمان للمصادقة عليه، عارضت ذلك بشدة، وناقشت هذا القرار مطولاً استناداً إلى قناعاتي، وانطلاقاً من تخوفي من انعكاس هذا القرار على مصداقية الأردن، إلا أن مجلس الوزراء وافق عليه.
وفي أوائل أبريل (نيسان) 1987، كنا في زيارة بصحبة الملك حسين إلى لندن بوجود زيد الرفاعي وزيد بن شاكر، وذلك لمواكبة لقاء الملك بوزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، للتباحث ولاستمرار الحوار حول الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك المقترح لحضور مؤتمر دولي نادى به الملك ووافقت عليه منظمة التحرير، و«مواصفات» الفلسطينيين الذين سيشاركون في الوفد. وحضر شولتز إلى منزل الملك في لندن... وكان بصحبته عدد من مرافقيه، من بينهم ريتشارد ميرفي.
كان معظم الحديث قد تركز حول المبادرات المتوفرة لتأليف الوفد الفلسطيني - الأردني المشترك. بعد مغادرة شولتز والوفد المرافق له، وجدت في زاوية من زوايا صالون منزل الملك ملفاً نسيه أحد الأعضاء المرافقين لشولتز، مكتوب عليه «سري للغاية».
أخذت الملف سريعاً إلى الملك، وبدأنا بالاطلاع على محتوياته. ونظراً إلى أهمية المعلومات الواردة فيه، قرر الملك تصويره كله بسرعة فائقة، قبل أن يكتشفوا ضياعه وقبل إعادته لجورج شولتز.
ولهذه الغاية، أطفأنا أنوار المنزل حتى لا يعود صاحب الملف ويطلبه منا قبل أن نقوم بتصويره، وصدرت تعليمات لحرس المنزل بإبلاغ من يعود من أعضاء الوفد الأميركي بأن المنزل خالٍ لأننا غادرناه بعدهم مباشرة. وعندما انتهى التصوير، أنيرت الأضواء مجدداً، وجلسنا بعد ذلك نطلع وندقق في كل أوراق الملف من النسخة المصورة.
كان الملف يتضمن أوراق عمل على الطريقة الأميركية (position papers)، وعلى خطط متعددة لمواقف محتملة شبيهة بالسيناريوهات وبالخطط الرئيسية والخطط البديلة متعددة الدرجات من المفاوضات، وعلى موقف الولايات المتحدة الحقيقي من منظمة التحرير ومشاركتها، والحل النهائي المتمثل بتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين في الضفة الغربية والحكم الذاتي.
وأثناء وجودنا في لندن، التقى الملك حسين وشيمون بيريز في منزل اللورد ميتشكوم في الحادي عشر من أبريل (نيسان) 1987، وكان زيد الرفاعي بصحبة الملك. أما بصحبة بيريز فكان يوسي بيلين حسب ما عرفت لاحقاً، وأسفر ذلك اللقاء عن اتفاقية عرفت بـ«ورقة بيريز – الحسين»، ونصت على «تشكيل إطار تمهيدي لدعوة مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة وعلى أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، لإيجاد حل للصراع العربي - الإسرائيلي وللقضية الفلسطينية». وحسب الاتفاقية، «يمثل الأردن مصالح الشعب الفلسطيني في المؤتمر، ولا تشترك منظمة التحرير الفلسطينية فيه». كان الجانبان ينويان إعادة الضفة الغربية إلى إدارة المملكة الأردنية الهاشمية بشكل جزئي أو كامل نتيجة هذا المؤتمر.
من جهة ثانية، كان الوضع الأردني - الفلسطيني يتناقض تناقضاً كبيراً مع العلاقة الوثيقة بين الحكومة الأردنية وبين خليل الوزير «أبو جهاد» الذي كان مسؤول القطاع الغربي في المنظمة، وكان يقيم في الأردن ويدير أعماله في الضفة الغربية واتصالاته من عمان.
و«أبو جهاد» صاحب شخصية محببة وودودة ويوحي بالثقة، وكان مرناً ومتفهماً إلى أقصى الحدود، ولم تكن علاقتي معه تقتصر على كوني وزيراً للخارجية، إنما تعدت ذلك لتصبح علاقة صداقة، وكنا نتشارك أحياناً في مناقشة العديد من الآراء وطرح الأفكار في الشؤون العامة.
فقد كان خليل الوزير مسؤولاً عن الجبهة الغربية في فلسطين التي تعنى بإدارة التحركات والنضال الفلسطيني في الضفة الغربية. وكان الأردن مطلعاً على الكثير من نشاطاته، ولم يمانع في بعضها، وكانت شخصيته تؤهله لأن يكون مفوضاً من المنظمة لتولي العلاقات مع الأردن. فهو قيادي وموثوق به وغير صدامي، وقد تمكن من إقامة علاقات جيدة مع الحكومة الأردنية والمخيمات.
يوم استشهاده، رحمه الله، في تونس في السادس عشر من أبريل (نيسان) 1988، كنت حينها وزيراً للخارجية، واتصل بي عبد الرزاق اليحيى الذي كان آنذاك ممثلاً للمنظمة في الأردن حوالي الساعة الخامسة والنصف صباحاً، وقال لي: «صديقك أبو جهاد اغتيل صباح اليوم في تونس».
اغتالته إسرائيل بإنزال فريق من الكومندوس على الشاطئ التونسي قرب مساكن قادة المنظمة، وكانت سيارة مستأجرة بانتظارهم لتقلهم إلى بيته، وقطع الكومندوس الاتصالات ودخلوا منزله وأطلقوا عليه الرصاص أمام زوجته.
صعقت لهذا الخبر، وتفاهمت فوراً مع رئيس الوزراء زيد الرفاعي، ووزير الداخلية رجائي الدجاني، بأن نقترح على منظمة التحرير الفلسطينية دفنه في عمان، ثم عرضت الأمر على عبد الرزاق اليحيى باسم الحكومة الأردنية. وقبل أن نتلقى جواباً من ياسر عرفات، كنا نشك بقبول أبو عمار اقتراح الأردن دفن أبو جهاد في عمان، لكن فاروق القدومي (أبو اللطف) اتصل بي وأعلمني بأن والدي «أبي جهاد» وعائلته قرروا دفنه في مخيم اليرموك، في ضواحي دمشق، حيث كانوا يقيمون. عبرت للقدومي عن أسفي وأسف الحكومة الأردنية لذلك، وقلت له إن «هذا قرار خاطئ وقد طغت عليه الحساسيات والمخاوف التي لا أساس لها».
لقد كان هدف الملك من الاتفاق خلال حقبة زيد الرفاعي، هو قبول الدول العربية، وتحديداً منظمة التحرير، بالقرار 242 وبالشرعية الدولية، مقابل أن تسير الولايات المتحدة خطوات مماثلة باتجاه المنظمة. أما كيفية الوصول إلى هذه النقطة، فكانت الشغل الشاغل للملك حسين وللدبلوماسية الأردنية.
وعندما تولى زيد الرفاعي الرئاسة، كان عليه إكمال الطريق بحسب ترتيبات الملك، وأخذ المبادرة بهذا الاتجاه، لكن الولايات المتحدة لم تعلن يوماً ما، وبصراحة، تأييدها للاتفاق الأردني - الفلسطيني. ورغم ذلك أراد الملك حسين عقد الاتفاق، غير ملتفت تماماً إلى رأي الأميركيين وإلى مدى تقبلهم له. فالولايات المتحدة كانت مؤمنة بأن خير وسيلة للتفاوض هي المفاوضات المباشرة بين المنظمة وإسرائيل بعد اعتراف المنظمة بالقرار 242. كذلك، لا يمكن تجاهل الإشارات المتضاربة، كمعارضة رجالات «فتح» الكبار والأقوياء الاتفاق بشدة، مثل «أبو إياد» و«أبو اللطف». ورغم مما فرض هذا الاتفاق من تحضيرات ولقاءات وزيارات ومشاكل ومقاومة من قوى كبرى وإقليمية، فإن عرفات لم يصادق عليه ولم يوقعه، مكتفياً بتوقيع الأحرف الأولى من اسمه فقط، وانتهى أخيراً إلى لا شيء، على رغم أنه كان مشروع اتفاق. وأصبح واضحاً لنا في عمان أن «أبو عمار» يواجه مصاعب حقيقية وخطرة في ترويجه داخل منظمة التحرير وداخل حركة «فتح».
ونتيجة لما سبق، قام زيد الرفاعي باتخاذ إجراءات التضييق على منظمة التحرير واختراع قيادة بديلة وإغلاق مكاتب «فتح» في عمان، وإلغاء الاتفاق الأردني - الفلسطيني. وفوجئت بقرار إغلاق مكاتب منظمة التحرير في عمان وإبعاد «أبو جهاد» من الأردن خلال مدة زمنية قصيرة جداً، وإلغاء الاتفاق الأردني - الفلسطيني.
كان من ضمن مخططات زيد الرفاعي قبول الأردن بمشروع حكم ذاتي واسع للضفة الغربية كخطوة أولى لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي فيما بعد، ضمن مؤتمر دولي، وقد أعد لهذا الغرض، وبالاتفاق مع الحكومة الأميركية، مشروعاً طموحاً للتنمية مدته خمس سنوات.
والفكرة أساساً من بين أفكار وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، وكان يخطط للسير تدريجياً في الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية لتحصل على حكم ذاتي، وذلك بموافقة الحكومة الإسرائيلية. وكان يعتقد بأن تحسين الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية شرط ضروري لإبعاد سكانها عن «الإرهاب» والقضاء عليه، وكان يظن في قرارة نفسه أن رفع مستوى معيشة الفلسطينيين في الضفة الغربية سيكون كافياً ليلغي أمل التحرير والمطالبة الفلسطينية بالانسحاب الإسرائيلي.
لكن هذه الخطوة واجهت شكوكاً كثيرة داخل الأردن وخارجه، وشنت منظمة التحرير الفلسطينية عليها هجوماً كاسحاً كونها تشكل تخلياً عن قرارات الشرعية الدولية، وبخاصة القرار 242 الذي كان العمود الأساسي للتحرك، وسميت سياسة «التقاسم الوظيفي».
جوبه هذا المشروع بمعارضة شديدة في الداخل والخارج، وكنت أول المعارضين له مع أنني كنت وزيراً للخارجية حينها، واحتجت عليه منظمة التحرير الفلسطينية ودول عربية أخرى، كونه يشكل قبولاً أردنياً بالحكم الذاتي وتأسيساً له.

المصري: فك الارتباط مع الضفة حسم خروجي من الحكومة واعتبرته إهانة شخصية (الثالثة والأخيرة)
حافظ الأسد هدّد بعمل عسكري رداً على تقارب الملك حسين وعرفات (الحلقة الأولى)



الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».


خلايا «الانتقالي» المنحلّ تختبر صبر حكومة الزنداني

من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)
من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تختبر صبر حكومة الزنداني

من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)
من أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني في القصر الرئاسي بمدينة عدن (إكس)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن تطورات أمنية مقلقة بالتزامن مع بدء الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني مباشرة مهامها من داخل البلاد، في خطوة تهدف إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار.

غير أن هذه التحركات الحكومية ترافقت مع تصعيد ميداني نفذته عناصر موالية لما كان يعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في محاولة رأى فيها مراقبون اختباراً مبكراً لقدرة الحكومة على فرض الأمن وحماية المؤسسات السيادية.

وبحسب مصادر أمنية، فقد حاول موالون لـ«الانتقالي» المنحل مساء الخميس اقتحام القصر الرئاسي في منطقة معاشيق، حيث مقر إقامة الحكومة، واعتدوا على أفراد الحراسة، ما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى خلال اشتباكات تخللها إطلاق نار كثيف، في حادثة أثارت مخاوف من مساعٍ منظمة لإرباك المشهد الأمني وإعاقة انطلاقة العمل الحكومي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الحكومة اليمنية الجديدة بدعم سعودي واسع إلى ترسيخ حضورها الميداني وإعادة الثقة بين الدولة والمواطنين، بعد مرحلة طويلة من التوترات السياسية والانقسامات التي انعكست سلباً على الاستقرار والخدمات العامة.

عناصر «الانتقالي» في عدن يتبنون خطاباً تحريضياً عقب هروب زعيمهم الزبيدي (إكس)

وتعليقاً على هذا التصعيد، أوضحت اللجنة الأمنية في عدن، عبر بيان رسمي، أن الأحداث الأخيرة لم تكن مجرد احتجاجات عفوية، بل جاءت نتيجة دعوات تحريضية وتصعيد ممنهج استهدف عرقلة عمل الحكومة وإثارة الفوضى.

وأكد البيان أن مجاميع مسلحة احتشدت صباح الخميس أمام بوابة قصر معاشيق، وقطعت الطرقات وأثارت أعمال شغب واعتدت على رجال الأمن والممتلكات العامة.

وأشار البيان إلى أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع تلك التطورات بدرجة عالية من ضبط النفس، وتمكنت من تفريق التجمعات دون وقوع إصابات في المرحلة الأولى، في محاولة لتجنب التصعيد والحفاظ على السكينة العامة.

غير أن التطورات عادت للتصاعد مساء اليوم ذاته، حين تجمعت عناصر وصفتها اللجنة بأنها «محرضة على الفوضى» وحاولت التسلل لتنفيذ أعمال تخريبية واستهداف المنشآت السيادية.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ خلال مظاهرة سابقة في عدن (أ.ب)

ومع إصرار تلك العناصر على تجاوز الخطوط الحمراء، بما في ذلك محاولة اقتحام البوابة الخارجية للقصر الرئاسي والاعتداء على القوات الأمنية، اضطرت الأجهزة المختصة إلى التدخل وفق القوانين النافذة لحماية المؤسسات الحكومية. وفق ما جاء في البيان.

وأكدت اللجنة الأمنية أن ما جرى يمثل اعتداءً منظماً أُعدّ له مسبقاً، مشددة على أن حماية المنشآت السيادية تمثل مسؤولية لا يمكن التهاون فيها، خصوصاً في ظل الظروف السياسية والأمنية الحساسة التي تمر بها البلاد.

«يد من حديد»

في لهجة حازمة، توعدت اللجنة الأمنية في عدن كل من يسعى للعبث بأمن عدن باتخاذ إجراءات صارمة، مؤكدة أنها «ستضرب بيد من حديد» كل من يثبت تورطه في أعمال الفوضى أو التحريض أو الاعتداء على القوات الأمنية.

وكشفت اللجنة عن بدء لجان تحقيق عملها بالفعل لتحديد المسؤولين عن الأحداث، موضحة أنه تم التعرف على عدد من العناصر المحرضة، وأن أسماء المتورطين ستعلن تباعاً تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم وفق الأنظمة النافذة.

جندي من قوات حماية المنشآت الحكومية يقف حارساً عند نقطة تفتيش في عدن (أ.ب)

وفي الوقت ذاته، شددت اللجنة على أن الحق في التعبير السلمي مكفول دستورياً وتحترمه الدولة، لكنها أكدت أن هذا الحق مشروط بالالتزام بالقانون وعدم الإضرار بالأمن أو الممتلكات العامة والخاصة.

كما دعت الأسر والمواطنين إلى تحمل مسؤولياتهم المجتمعية، وحث أبنائهم على عدم الانجرار وراء دعوات وصفتها بالمشبوهة تقف خلفها جهات مدعومة من الخارج تسعى إلى زعزعة الاستقرار وتعطيل مسار البناء الذي تطمح إليه العاصمة وسكانها.

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يعكس تحولاً واضحاً نحو تبني سياسة أمنية أكثر حزماً، تهدف إلى تثبيت سلطة الدولة ومنع تكرار سيناريوهات الفوضى التي شهدتها المدينة خلال السنوات الماضية.

رسائل رئاسية

تزامنت التطورات الأمنية مع مواقف سياسية رئاسية شددت على أهمية استقرار عدن باعتباره شرطاً أساسياً لنجاح الحكومة الجديدة. فقد أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي أن استقرار العاصمة المؤقتة يمثل الركيزة الأساسية لاستكمال معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران.

وخلال اجتماع حكومي عقد في قصر معاشيق، شدد الصبيحي على ضرورة التحلي بأعلى درجات اليقظة لمنع أي محاولات تستهدف إقلاق السكينة العامة أو تقويض مؤسسات الدولة، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب حضوراً حكومياً فاعلاً إلى جانب المواطنين ومعالجة همومهم بشكل مباشر.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي (يمين) إلى جوار رئيس الحكومة الزنداني (إكس)

كما دعا الوزارات والجهات الخدمية إلى العمل الميداني وتخفيف معاناة السكان، مشيراً إلى أن نجاح الحكومة لن يقاس بالتصريحات، بل بقدرتها على تحسين الخدمات الأساسية وتعزيز الاستقرار المعيشي.

من جانبه، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي أن أمن عدن واستقرارها يمثلان أولوية لا تقبل المساومة، مشدداً على رفض أي محاولات لجر المدينة إلى صراعات أو فوضى سياسية. وأبدى دعمه الكامل للحكومة الجديدة، داعياً إلى التكاتف ونبذ الإشاعات وتعزيز المسؤولية الوطنية لحماية مؤسسات الدولة.

وأشار المحرمي إلى أهمية الحوار الجنوبي ـ الجنوبي برعاية سعودية، معتبراً إياه فرصة تاريخية لتوحيد الصف ومعالجة الخلافات السياسية بعيداً عن التصعيد الأمني الذي يضر بحياة المواطنين.

تأتي هذه الأحداث بعد إعلان مجلس القيادة الرئاسي تشكيل حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني، عقب تطورات سياسية متسارعة خلال الشهرين الماضيين، شملت إعادة تشكيل التوازنات داخل المجلس عقب فشل تمرد عضو المجلس عيدروس الزبيدي وهروبه إلى أبوظبي وتعيين الفريق محمود الصبيحي وسالم الخنبشي عضوين في المجلس، وكذا إسقاط عضوية فرج البحسني.