المغرب: هزيمة قاسية لـ«العدالة والتنمية»... و«تجمع الأحرار» يتصدر الانتخابات

الأمانة العامة للحزب الخاسر قدمت استقالة جماعية وأعلنت التحول إلى المعارضة

عزيز أخنوش رئيس «التجمع الوطني للأحرار» خلال مؤتمر صحافي في الرباط أمس بعد الإعلان عن فوز حزبه بالانتخابات (أ.ف.ب)
عزيز أخنوش رئيس «التجمع الوطني للأحرار» خلال مؤتمر صحافي في الرباط أمس بعد الإعلان عن فوز حزبه بالانتخابات (أ.ف.ب)
TT

المغرب: هزيمة قاسية لـ«العدالة والتنمية»... و«تجمع الأحرار» يتصدر الانتخابات

عزيز أخنوش رئيس «التجمع الوطني للأحرار» خلال مؤتمر صحافي في الرباط أمس بعد الإعلان عن فوز حزبه بالانتخابات (أ.ف.ب)
عزيز أخنوش رئيس «التجمع الوطني للأحرار» خلال مؤتمر صحافي في الرباط أمس بعد الإعلان عن فوز حزبه بالانتخابات (أ.ف.ب)

مُني حزب «العدالة والتنمية» المغربي (مرجعية إسلامية) بهزيمة قاسية في الانتخابات التشريعية، التي جرت أول من أمس (الأربعاء)، بحصوله على 12 مقعداً فقط من مقاعد مجلس النواب (395)، متراجعاً بشكل كبير عن نتائجه في اقتراع سنة 2016 الذي فاز فيه بـ125 مقعداً، الأمر الذي مكّنه آنذاك من قيادة الحكومة لولاية ثانية. وفي المقابل تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار نتائج الاقتراع بحصوله على 97 مقعداً، حسب النتائج المؤقتة، التي أعلنها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت في ساعة مبكرة من صباح أمس (حصل على 37 مقعداً في اقتراع 2016).
وعاش قادة حزب «العدالة والتنمية» على إيقاع انتكاسة كبيرة، وهم يتابعون الليلة قبل الماضية نتائج الانتخابات من مقر الحزب المركزي بحي الليمون بالرباط. وقررت الأمانة العامة للحزب خلال اجتماع لها أمس، تقديم استقالة جماعية من قيادة الحزب.
وجاء في بيان تلاه نائب الأمين العام سليمان العمراني، أمس، في مؤتمر صحافي، أن الأمانة العامة «تتحمل كامل مسؤوليتها السياسية عن تدبيرها لهذه المرحلة، ويقرر أعضاؤها، وفي مقدمتهم الأخ الأمين العام، تقديم استقالتهم من الأمانة العامة». وذكر البيان أن القيادة الحالية ستستمر في تدبير شؤون الحزب طبقاً لمقتضيات النظام الداخلي للحزب.
ودعت الأمانة العامة لعقد دورة استثنائية للمجلس الوطني (أعلى هيئة تقريرية بعد المؤتمر) يوم السبت 18 سبتمبر (أيلول) الجاري، من أجل «تقييم شامل للاستحقاقات الانتخابية، واتخاذ القرارات المناسبة». كما دعت إلى التعجيل بعقد «مؤتمر وطني استثنائي للحزب في أقرب وقت ممكن».
من جهة أخرى، أوضح الحزب أنه سيواصل نضاله خدمةً للوطن والمواطنين «من موقع المعارضة»، الذي يعده «الموقع الطبيعي خلال المرحلة». واعتبرت الأمانة العامة أن النتائج المعلنة «غير مفهومة وغير منطقية، ولا تعكس حقيقة الخريطة السياسية ببلادنا، ولا موقع الحزب ومكانته في المشهد السياسي، وحصيلته في تدبير الشأن العام المحلي والحكومي، والتجاوب الواسع المواطنين مع الحزب خلال الحملة الانتخابية».
وكان سعد الدين العثماني، الأمين العام للحزب، قد صرح الليلة قبل الماضية بأن حزبه لا يتوفر على «نتائج حقيقية للانتخابات» لأنه لم يتسلم محاضر عملية التصويت من رؤساء مكاتب التصويت. بيد أن ذلك لم يُخفِ حالة الصدمة على وجهه بسبب الأصوات الضعيفة التي حصل عليها حزبه.
وأعلن لحسن الداودي، القيادي والوزير السابق، عن استقالته من الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية»، بسبب النتائج الضعيفة التي حصل عليها الحزب. فيما دعا عبد الإله ابن كيران، الأمين العام السابق للحزب، إلى استقالة العثماني من الأمانة العامة، وتولي نائبه سليمان العمراني، تسيير الحزب إلى حين عقد مؤتمر وطني لانتخاب قيادة جديدة. محمّلاً مسؤولية ما وصفها بـ«الهزيمة المؤلمة» التي حصدها الحزب، للأمين العام العثماني.
وحسب النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية صار بإمكان حزب التجمع الوطني للأحرار (97 مقعداً) ترؤس الحكومة. علماً بأن الفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر نتائج الانتخابات.
وقال عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، أمس، إن حزبه مستعد للعمل مع «كل الأحزاب التي تتقاطع مع حزبه في الرؤى والبرامج»، مشيراً إلى أن ما يهم حزبه هو «تقديم البديل الذي يتوق إليه المغاربة».
وحل حزب «الأصالة والمعاصرة» في الرتبة الثانية بحصوله على 82 مقعداً، بينما حصل حزب الاستقلال على 78 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 36 مقعداً، وحزب الحركة الشعبية على 26 مقعداً، وحزب التقدم والاشتراكية على 20 مقعداً، والاتحاد الدستوري على 18 مقعداً، وحزب العدالة والتنمية على 12 مقعداً، فيما حصلت الأحزاب الأخرى على 12 مقعداً. وتُظهر النتائج المؤقتة أن الأحزاب الثلاثة الأولى لديها أغلبية مريحة لتشكيل الحكومة. ومن أبرز الوجوه التي فازت بمقعد في مجلس النواب، هناك عبد اللطيف وهبي، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي فاز بمقعد في دائرة تارودانت الشمالية (شرق أغادير)، ونزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي فاز بمقعد في دائرة العرائش (شمال الرباط). أما عزيز أخنوش فترشح في الانتخابات المحلية في مدينة أغادير (وسط)، وحصلت لائحته على أغلبية أصوات مجلس المدينة.
وفي أصيلة فاز محمد بن عيسى، وزير خارجية المغرب الأسبق، الذي ترشح مع حزب الأصالة والمعاصرة، بغالبية ساحقة في الانتخابات المحلية، إذ فاز بـ23 مقعداً في بلدية أصيلة من مجموع 30. ولم يتمكن سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، من الفوز بمقعد في مجلس النواب، بعدما ترشح في دائرة المحيط بالرباط. ونفس الأمر بالنسبة لنبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، الذي لم يسعفه الحظ في الحصول على مقعد في الدائرة ذاتها. وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات على المستوى الوطني 50.35% من مجموع الهيئة الناخبة، مقابل 42% سنة 2016. وقال وزير الداخلية إن اقتراع 8 سبتمبر عرف مشاركة 8 ملايين و789 ألفاً و676 ناخباً وناخبة، بزيادة مليونين و152 ألفاً و252 ناخباً، مقارنةً مع الانتخابات التشريعية لسنة 2016. مشيراً إلى أنها «نسبة جد مهمة تعكس مدى الأهمية القصوى، التي يوليها المواطن المغربي لهذه المحطة الانتخابية المهمة، ولمختلف المؤسسات المنتخبة».
وسجل وزير الداخلية أن إقبال المواطنين على صناديق الاقتراع كان «كثيفاً كالعادة في الأقاليم الجنوبية» (الصحراء المغربية)، حيث وصلت هذه النسبة إلى 66.94% بجهة العيون - الساقية الحمراء، و63.76% بجهة كلميم - واد نون، و58.30% بجهة الداخلة - وادي الذهب، «مما يعد خير دليل على تشبث المواطنين بهذه الأقاليم العزيزة بمغربيتهم، وانخراطهم الفعلي في مؤسسات البلاد، وفي تطوير مسار الديمقراطية وتعزيز المكتسبات».
في المقابل، تم تسجيل أقل نسبة مشاركة بجهة الدار البيضاء - سطات، حيث بلغت 41.04%.
ورداً على اتهامات حزب العدالة والتنمية، الذي اشتكى من عدم تسلم محاضر نتائج الانتخابات، قال وزير الداخلية إنه بعد انتهاء عملية الفرز وإحصاء الأصوات «تم تسليم نسخ من محاضر التصويت لجميع ممثلي المرشحين». وبخصوص تطور عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، أشار وزير الداخلية إلى أن السلطات بذلت «مجهودات كبيرة بمناسبة عملية تجديد اللوائح الانتخابية»، حيث بلغ عدد الناخبين الجدد ما مجموعه مليون و806 آلاف و724 ناخباً، لتصبح الهيئة الناخبة الوطنية محددة في 17 مليوناً و509 آلاف و316 ناخباً. كما تم تقريب صناديق الاقتراع من الناخبين، بإحداث 40 ألفاً و628 مكتباً للتصويت. وبلغ عدد الملاحظين الذين قاموا بتغطية العملية الانتخابية 5020 ملاحظاً، منهم 4323 ينتمون إلى جمعيات المجتمع المدني، و568 تابعون للمجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة دستورية تهتم بحقوق الإنسان). بالإضافة إلى 129 ملاحظاً أجنبياً، قاموا بتغطية عمالات (محافظات) وأقاليم المملكة كافة.
كما أوضح وزير الداخلية أن مصالح وزارة الداخلية حرصت «على تبني الحياد التام» إزاء جميع الفاعلين الحزبيين حتى نهاية الاقتراع، و«كانت في مستوى الرهانات الانتخابية» من خلال حرصها على «توفير الظروف المواتية للحفاظ على مصداقية ونزاهة وشفافية العملية الانتخابية». وعقب ظهور نتائج الانتخابات، بادر عبد اللطيف وهبي، أمين عام «الأصالة والمعاصرة» بروح رياضية إلى تهنئة أخنوش على تصدر حزبه لنتائج الاقتراع، وتمنى له التوفيق في مهمته. وقال معلقاً على نتائج الاقتراع إن حزبه استطاع الحفاظ على مكانته خلال انتخابات أعضاء مجلس النواب.
كما هنّأ الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، أيضاً مناضلات ومناضلي الحزب على كل «ما قدموه من تضحيات وعلى مساهمتهم في العملية الانتخابية، والتزامهم الحزبي بالمشاركة فيها».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.