في كتابه الهام «المنافسة على القمة وتحوّل القوة نحو الشرق»، دار «جداول» للنشر والترجمة في بيروت، يدرس الباحث السعودي د.إبراهيم المهنا، مستشار وزير البترول والثروة المعدنية في السعودية، التغيرات التي عصفت بالعالم منذ القرن الماضي، من صعود وانحسار القوى المهيمنة، وصعود قوى أخرى، وصولا إلى إيمانه أن المستقبل سيشهد تبدلا في خارطة القوى التي تتربع على القمة، متوقعا للقوى الآسيوية (الصين والهند) أن تحتل الصدارة.
وبعد دراسة مستفيضة للتحولات التي شهدها العالم منذ النصف الأول من القرن الماضي، يخلص إلى أن «العقود الأربعة القادمة - ستكون - حاسمة في تاريخ ومستقبل البشرية والنظام العالمي، على ضوء التطورات المتسارعة على المستويات كافة، والبطء في الاستجابة لها». وهو يدعو الدول العربية إلى تبني أفكار جديدة نحو تطوير النظام العالمي، بالتضامن مع القوى الدولية الجديدة والقوى التقليدية.
ويتناول الكتاب التغييرات السريعة التي يمرّ بها العالم على مختلف الأصعدة، وصعود المنافسة بين الدول والتجمعات السياسية، ويرى أن «هذا التغير يشمل جميع الجوانب والأبعاد، بما في ذلك الأفراد وحياتهم العادية، وأساسه مواقع الدول والمجتمعات في النظام الدولي، وترتيب العلاقات بينها: سياسيا، اقتصاديا، عسكريا، اجتماعيا، وحتى علميا، وفنيا».
ينطلق هذا الكتاب من نظرة جديدة تتمثل في التفريق بين الجانب السياسي أو النظام السياسي، والجانب الإداري، داخل الدول وفي العلاقات الخارجية، ويولي أهمية خاصة للجوانب الاقتصادية والعلمية، والتقنية في قوة الأمم وبروزها، مع تركيز الدول في علاقاتها على المصالح الذاتية الملموسة. وهو يرى أن «عالم اليوم يختلف عن عالم الأمس، وفي الغد سيكون عالما مختلفا وأكثر تغيرا، مع المحافظة على أساسيات الدولة من سلطة وسيادة». ويمثل هذا الكتاب دراسة لهذه المتغيرات، التي بدأت بسقوط الاتحاد السوفياتي، وكيف أدى ذلك إلى سيادة مطلقة لأميركا، وكيف أضاعت أميركا سيادتها العالمية عن طريق المغامرات العسكرية الخارجية، وبالذات في العراق، وأزماتها المالية. وفي الجانب الآخر برزت الصين، كقوة منافسة (اقتصاديا في الوقت الحاضر، وربما أبعد من ذلك مستقبلا)، مع ظهور قوى أخرى إلى مركز الصدارة. وبجانب هذه القضايا الرئيسية يناقش الكتاب مكانة العالم العربي وأفريقيا من هذه المتغيرات، والربيع العربي وتأثيراته الحالية والمستقبلية، كما يحلل القضايا الضائعة (الدين والسياسة، والإرهاب، والبيئة). وفي الفصل الأخير والخاتمة، ينظر إلى مستقبل النظام الدولي، ويلقي نظرة مستقبلية على مختلف أبعاده. وعبر 10 فصول يستعرض الباحث المهنا التطورات التي شهدها العقد الأخير من القرن العشرين، معتبرا أنها مثلت تطورات كبرى وأحلام ضائعة، وكذلك ما مثله القرن الحادي والعشرون من بداية ضعف القوة التي لا تقهر، ثم نهوض أمم أخرى وعودة الروح الوطنية التي حاولت أن تطوي حقبة الاستعمار، وجاء الفصل الرابع ليسلط الضوء على بروز الولايات المتحدة، ودورها من الهيمنة المطلقة إلى البحث عن حلفاء، وفي الفصل الخامس، ناقش المؤلف بروز الصين كقـوة بديلة أو موازية، وفي الفصل السادس، تناول القوى العالمية الكبرى، وفي الفصل السابع، سلط الضوء على القوى الإقليميـة ودورها في النظام الدولي، وكذلك التحولات نحو بروز نظام عالمي جديد، وفي الفصل الثامن، بحث عن قضية العرب وأفريقيا. وجاء الفصل التاسع، ليبحث القضايا المثيرة للجدل، من بينها: الإعلام، والبيئة والإرهاب، وكذلك الدين، وفي الفصل العاشر سلط الضوء على موضوع شيق هو: مستقبل العالم نحو نظام جديد ومتغير.
ويقول المؤلف إن فكرة الكتاب جاءت «في صيف عام 2008، حين كان العالم يمر بأزمات متتالية، فالمشروع الأميركي من غزو العراق اتضح فشله، والأزمة الاقتصادية والمالية ضربت في صميم القوى الغربية، وبالذات الولايات المتحدة، ما أثبت ضعف نموذجها الاقتصادي، وعدم مقدرتها على قيادة العالم. وأسعار السلع وبالذات البترول، ارتفعت بشكل فاحش في منتصف العام، ثم انهارت انهيارا غير مسبوق قبل نهايته»،
بينما كانت «الصين تنمو بقوة وثبات، حيث تخطت اليابان، كثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، واستطاعت أن تنجو من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية».
يلاحظ المؤلف أن النصف الأول من القرن الماضي بدأ «بتحولات هائلة، لعل من أهمها: نشوب الحربين العالميتين الأولى والثانية، بنتائجهما المدمرة والدموية، وانتشار الفكر الشيوعي والاشتراكي، وتأسيس الاتحاد السوفياتي، وبروز قوتين عالميتين مهمتين هما: اليابان، وألمانيا، ثم توسعهما ثم انهيارهما، وكذلك نهاية الدولة العثمانية التي سادت العالم الإسلامي لستة قرون، وانهيار الإمبراطورية البريطانية التي سادت العالم لقرنين، وبروز الولايات المتحدة بوصفها قوة كبرى، واستيلاء الحركة الشيوعية على الصين، والانهيار المالي والاقتصادي العالمي الكبير في عام 1929. وإنشاء الأمم المتحدة، والمنظمات التابعة لها، وتأسيس النظام الاقتصادي والمالي العالمي الحالي (..) والبنك الدولي للتنمية، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية الغات التي تحولت إلى منظمة التجارة العالمية».
ورأى أن النصف الثاني من القرن العشرين شهد «استقرارا نسبيا، وتحديدا خلال العقود الأربعة الأولى، إذ تميزت تلك المدة بجانبين مهمين؛ الأول: وجود قوتين عظميين، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، مع توازن للقوة العسكرية بينهما. (..) وثانيهما: استقلال عشرات الدول من آسيا وأفريقيا عن الاستعمار الغربي».
ويدرس المؤلف جانبا مهما هو التحول الذي شهده العالم منذ القرن الماضي، حتى اليوم، وهو يرى أن «العالم يمر بمرحلة تطور وتغيير كبيرة، وسيكون لحقبة التحول تأثير كبير في جميع مناحي العلاقات الدولية، وهذا التأثير سيتضح كثيرا خلال السنوات والعقود القادمة»، وأن «بداية التحول الكبير كانت خلال العقد الأخير من القرن الماضي، مع ضعف الاتحاد السوفياتي ثم انهياره، ومع التعاون والتحالف الدولي لتحرير الكويت، وبروز الولايات المتحدة بوصفها القوة العالمية الوحيدة والمهيمنة على النظام العالمي، والنمو الاقتصادي العالمي ككل، وبالذات في دول العالم الثالث ذات الثقل السكاني، إضافة إلى السيطرة على التضخم، والاستقرار النسبي لسـوق المال، وارتفاع مستوى الاندماج الاقتصادي والمالي الأوروبي».
يلاحظ كذلك أن التحول ساق اليمين الأميركي إلى زعامة البيت الأبيض في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) «ما أدى إلى هزة في العقلية الأميركية، وسيطرة المحافظين الجدد الأكثر يمينية، وتوجيههم سياسة واشنطن».
وأمام أزمات الغرب «استطاعت دول مثل الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل، وبعض دول الشرق الأوسط وأفريقيا، تسجيل فوائض مالية مرتفعة. وأصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بينما لم تكن من ضمن أكبر 5 اقتصادات في العالم قبل نهاية القرن الماضي».
كما شهد هذا العقد «بروز الهند بوصفها قوة نووية، وقوة اقتصادية مهمة، وبروز البرازيل، بوصفها قوة سياسية واقتصادية عالمية. كما اتضحت أهمية القوى الإقليمية في النظام العالمي، مثل تركيا، وإيران، وجنوب أفريقيا، وإندونيسيا والسعودية».
إضافة إلى ذلك «برزت منظمات جديدة، بعيدة عن السيطرة الغربية، ولها أهمية دولية متزايدة، لعل من أهمها: بركس، التي تضم الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، ومجموعة شنغهاي التي تضم الصين، وروسيا، وبعض دول وسط آسيا».
وفي عام 2011. حدثت «ثورات وحركات شعبية غير مسبوقة، وغير آيديولوجية، ضد أنظمة فاسدة ومتسلطة في بعض البلدان العربية» وكانت تهدف لتحقيق حقوق المواطنين «وتحكيم القانون، ومحاربة الفساد بجميع أشكاله، ومحاربة الجمود الفكري والسياسي والاحتكار السياسي لفئة معينة، حزبية أو أسرية أو غيرها».
وهو يحذر من أن «الخوف من أن المخرج من هذا النفق الدولي الضيّق هو حصول هزات اقتصادية وسياسية واجتماعية كبيرة، تخلف أضرارا ومشكلات واضحة (..) وهذا ما حصل مع الهزة المالية في عام 2008»، أما الهزة الثانية «فهي ولادة داعش في أجزاء كبيرة من العراق وسوريا عام 2014 بشكل مفاجئ، وهي أول حالة والدة لدولة جديدة عابرة للحدود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.. وقد أدى والدة هذه الدولة، المخالفة لشكل النظام والقانون الدولي، إلى بناء تحالف وتنسيق عالمي مباشر أو غير مباشر، ضم دول متعارضة بما فيها إيران والولايات المتحدة وروسيا».
وهو يدعو «الدول العربية والأفريقية وبقية دول العالم الثالث العمل على تبني أفكار جديدة نحو تطوير النظام العالمي، وبالتضامن ليس مع القوى الدولية الجديدة فحسب، وإنما أيضا مع القوى التقليدية (الولايات المتحدة وأوروبا) في حالة استعدادها للاعتراف بالتغيرات الدولية الجديدة والتعامل معها بإيجابية».
باحث سعودي: ميزان القوى العالمي يتجه نحو الصين وعلى العرب إعادة حساباتهم
د. إبراهيم المهنا يكتب عن «المنافسة على القمة وتحول القوة نحو الشرق»
غلاف «المنافسة على القمة»
باحث سعودي: ميزان القوى العالمي يتجه نحو الصين وعلى العرب إعادة حساباتهم
غلاف «المنافسة على القمة»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



