«ميديترينيان فودز»... من بيع الفلافل من المنزل إلى أرفف أهم المحلات

جنان القاضي تقود المسيرة التي بدأها والداها في لندن

TT

«ميديترينيان فودز»... من بيع الفلافل من المنزل إلى أرفف أهم المحلات

وصلت الفلافل إلى العالمية وأصبحت من بين أهم الأطباق التي يعشقها العالم في الشرق والغرب على حد سواء.
استطاعت هذه الأكلة الشعبية أن تتطور وتسافر وتصبح عالمية، دخلت عليها نكهات كثيرة تتوافق مع الذائقة الغربية، تأقلمت ووصلت إلى أهم المحلات التجارية حول العالم.
لم تكن نكهات الفلافل محدودة، ولم تقتصر على الفول والحمص، إنما أضافت نكهات جديدة تماماً مثلما حصل مع طبق الحمص الذي وصل هو الآخر إلى العالمية ويباع في أهم المطاعم ومحلات بيع المواد الغذائية.
«ميديترينيان فودز» من الشركات العربية في المملكة المتحدة التي ساهمت في تطوير الفلافل، ولعبت دوراً كبيراً في إيصالها إلى أهم المتاجر مثل «ستارباكس» و«سابوي» وأكبر محلات السوبرماركت مثل «تيسكو» و«سينسبوريز»... في لندن وضواحيها، ومن معاملها في منطقة «أكسبريدج» وبقيادة سيدة عربية تدعى جنان القاضي استطاعت أن تتحدى المنافسة الكبرى في الأسواق وتنفرد بنكهات فريدة، وضعت القاضي بصمتها الواضحة عليها.
قصة Mediterreanean Foods هي قصة عائلة بدأت على نحو متواضع عام 1996 على يد والدة القاضي وأحد جيرانها؛ حيث كانا يعدان الفلافل في الفناء الخلفي لمنزل العائلة، وكانا يتوليان تسليمها إلى السوق المحلية للكباب.
في مقابلة لـ«الشرق الأوسط» مع صاحبة ومديرة الشركة جنان القاضي، سردت قصة نجاح الشركة، وقالت: «بدأت والدتي العمل في أوائل الأربعينات من عمرها من أجل ضمان مصدر للدخل، بعد أن قدمت إلى المملكة المتحدة لاجئة. وفي ذلك الحين، كانت مسألة تأسيس شركات ناشئة تنطوي على صعوبات مالية. أما والدتي، فكانت تطهو وتبيع الفلافل التي تعدها، بجانب عملها ممرضة بمجال طب الأسنان، في وقت كانت ما تزال تدرس للحصول على درجة الماجستير في علم الأحياء الدقيقة».
وتابعت القاضي: «انضم والدي، الذي كان طبيباً عاماً مؤهلاً في العراق والجزائر، لاحقاً إلى العمل لدعم والدتي ولإحراز تقدم أكبر ليتحول العمل من البداية المنزلية إلى منشأة التصنيع الفعلية، وكان هذا هو الوقت الذي شهد تدشين شركة البحر المتوسط للأغذية (ميديترينيان فودز)».
ومن خلال العمل كفريق مكون من زوج وزوجة، نجحا في توسيع نطاق النشاط، بحيث لم يعد يقتصر على الفلافل، وإنما امتد لتقديم عبوات البيع بالتجزئة الجاهزة للأكل، من الحمص والتبولة وبابا غنوج وسندويشات الفلافل وغيرها من الأطباق الشعبية في الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط.
وتسترجع ذكرياتها، وتقول: «في ذلك الحين، كنت في مرحلة المراهقة وأدرس في المدرسة، ثم أعود إلى المنزل لتقشير البصل وتصميم وطباعة الملصقات لوضعها على عبواتنا. وأتذكر جيداً أن رائحة الطعام كانت تملأ أرجاء المنزل طيلة الوقت، وتملأ عبوات الطعام كل ركن من أركانه».
وبعد أن أنهت القاضي دراستها، ولكونها أكبر أختيها الشقيقين، رأت بوضوح مدى كدّ والديها في العمل ليل نهار من أجل العائلة، فشعرت أنه من واجبها دعمهما ومساعدتهما في العمل، بجانب استغلال شغفها بالتصميم والتسويق، سعياً لإحراز مزيد من التقدم في نطاق البيع بالتجزئة بحيث لا يبقى محصوراً داخل دائرة عرقية محددة، وإنما إضفاء جاذبية أوسع في عيون المستهلك البريطاني بوجه عام.
وتابعت القاضي: «استهدفت سلاسل محلات السوبر ماركت في المملكة المتحدة وزرت العملاء، وببطء أصبحت الشركة معروفة كواجهة للأطعمة المتوسطية. وسعيت نحو الحصول على اعتماد اتحاد التجزئة البريطاني لمنشآتنا في بارك رويال، وكنا من أوائل الشركات الصغيرة التي نالت هذا النوع من الاعتماد في وقت مبكر من تأسيسها».
عام 2012، انتقل المصنع إلى منشآت تصنيع أكبر، وتفسر القاضي هنا: «لإدراكنا لوجود مكان متاح لنا في السوق نتيجة نقص الجهات المصنعة لنوعية الأطعمة الجاهزة التي نقدمها داخل سوق بيع التجزئة. بالفعل، اتخذت خطوة استراتيجية للتركيز على نشاط توفير المكونات السائبة مثل الفلفل والحمص إلى أكبر مصنعي السندويتشات داخل المملكة المتحدة، حيث ستجد منتجاتنا ضمن المكونات التي تعتمد عليها. وبفضل هذه الاستراتيجية، تنامى حجم أعمالنا 3 مرات، وفي عام 2019 تمكن والداي أخيراً من الراحة والتقاعد للاستمتاع بالحياة. ولطالما شكل هذا حافزي الرئيسي».
وفي بداية عملها، ونظراً لكونها امرأة صغيرة في السن للغاية، كان الأمر يمثل تحدياً خاصاً أمامها لاقتحام هذه الصناعة، خاصة مسألة دفع الآخرين لأن يأخذوك على محمل الجد. وفي الغالب، كان العملاء يفترضون أنها عديمة الخبرة وما إلى ذلك... وشعرت أنه يتعين عليها بذل مجهود مضاعف للتركيز على خدمة العملاء والتواصل معهم على نحو أفضل وتعميق معرفتها بمجال العمل واكتساب مزيد من الخبرات فيه. وفي غضون فترة قصيرة، نجحت في اكتساب ثقة العملاء، وكثيراً ما كانوا يطلبون منها النصيحة والاستشارة.
وتقول القاضي بفرح عارم: «في الواقع، أشعر بفخر بالغ لحفاظي حتى يومنا هذا على سمعة شركتنا من حيث الجودة العالية وخدمة العملاء. عندما بدأنا العمل، لم تكن الفلافل معروفة في المملكة المتحدة، وكان عليّ توعية العملاء بكيفية استخدامها وتناولها كبديل لحشو شطائر اللحوم أو مع الحمص، الذي أصبح معروفاً على نطاق واسع في ذلك الوقت. وتمثل التحدي الأكبر مع الفلافل أنه عندما يجري تقديمها باردة، فإن الوصفات التقليدية غالباً ما تكون جافة وغير مناسبة للصناعة التي نخدمها. وبعد ذلك، حلت لحظة الإلهام، وفكرت لماذا لا نعيد تطوير وصفة تقليدية قديمة بحيث تتحول إلى طعام رطب مقبول للمستهلك البريطاني؟ وبحثت في السوق لمعرفة ماهية النكهات الرائجة في ذلك الوقت، وكان هذا هو الوقت الذي شهد ظهور أول فلافل (مختلفة). وأصبحت فلافل الجزرة والكزبرة المنتج (الأول) لي، وتفوقت على الفلافل التقليدية. كانت الفلافل الجديدة طرية، ومن الممكن تناولها ساخنة أو باردة، دون الحاجة إلى جرعة كبيرة من الماء».
وبرأي القاضي، فمزيد من الطهاة التقليديين سوف يطلقون النار عليها من أجل ما أدخلته من تغيير على وصفة قديمة. ومع ذلك، نجحت هذه الاستراتيجية في أعمالها وجذبت بالفعل سوقاً أوسع، وكانت الشركة أول من توسع في هذا النطاق وأول من أضاف البطاطا الحلوة والسبانخ إلى الوصفة.
وبمرور الوقت، زاد شغف جنان بهذه الفئة من الطعام، وتركز دورها بدرجة أكبر على الوصفات وتطوير منتجات جديدة. وحرصت بالفعل على الاستفادة من قدرات المصنع الإنتاجية والتصنيعية وعملت على توسيع نطاق عملها من خلال دمج نكهات شهيرة، مثل باكورا، سعياً لدفع النشاط نحو التيار الرئيسي من السوق.
علاوة على ذلك، طورت نكهات أخرى جديدة مثل الفلفل الأحمر والمحمص والهالابينو المدخن وغير ذلك.
وعن سؤالها عن الوصفة التي طوّرتها، والمفضلة لديها، تقول جنان: «من جانبي، فإن نكهة الفلافل المفضلة لديّ الجزر والكزبرة، يليها (سوبر غرين) فلافل برغر (التي يجري إعدادها من كل شيء أخضر، مثل البازلاء الخضراء والفاصوليا العريضة والسبانخ والبروكلي والفلفل الأخضر). ونتعامل من جانبنا مع بعض أكبر الأسماء بمجال صناعة المواد الغذائية، ومعظمها من الشركات الممتازة التي تخدم تجار التجزئة مثل (تسكو) و(سنسبري) و(موريسون)».
وعن تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على الشركة، تقول القاضي: «خلال عملنا، واجهنا كثيراً من التحديات، لكن جائحة فيروس (كوفيد 19)، بجانب البريكست، كانا أكبر التحديات الراهنة على الإطلاق، ذلك أن الناس توقفوا عن شراء الأطعمة الجاهزة بسبب غياب السائحين وتوقف الموظفين عن ارتياد المكاتب، (وكانت هذه الفئة الأسرع نمواً قبل تفشي الجائحة). وبسبب القيود التي جرى فرضها لمواجهة الجائحة، تعرضت سوق خدمات الطعام للانهيار، وتوقفت عجلة الاقتصاد.
وبسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، زادت العوائق البيروقراطية أمام تصدير منتجاتنا إلى أوروبا. وأصبحت عملية نقل المنتجات مكلفة وتتعرض للتأخير في الموانئ بسبب إجراءات الفحص الإضافية واختبارات فيروس (كوفيد 19)، التي كان من شأنها الإخفاق في تسليم المنتجات تبعاً للمواعيد الزمنية النهائية المتفق عليها مع العملاء.
بجانب ذلك، ارتفعت تكاليف المكونات والشحن، وارتفعت التكاليف في المجمل أكثر من 8 أضعاف مستويات ما قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ما أدى بدوره إلى زيادة تكاليف جميع المنتجات التي نشتريها».
لكن مع ذلك، فهي ما تزال صامدة ومؤمنة بقوة أن ما لا يكسرك، يزيدك قوة.
وختمت اللقاء بالقول: «في الواقع، صناعة المواد الغذائية تعايش بطبيعتها تغييراً مستمراً، ولكي نبقى على قيد الحياة علينا أن نستمر في التحرك والتكيف مع الزمن، وأعتقد أن هناك المزيد أمامنا إنجازه في المستقبل، الأمر الذي يجعلني أشعر بحماس شديد».


مقالات ذات صلة

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

مذاقات «ساوردو»...  من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات «سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص

براكريتي غوبتا (نيودلهي)

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».