شبح الإرهاب يخيم على تونس في عيد الاستقلال

السبسي: نخشى من تحول العدالة الانتقالية إلى انتقامية > الصيد: حربنا ضد الإرهابيين ستكون طويلة وتتطلب الصبر

سياح أوروبيون شاركوا في مظاهرات ضد الإرهاب أمس وفي الصورة امرأة تحمل لافتة باللغة الفرنسية تقول: «أنا باردو وسأقضي الصيف المقبل في تونس» في جزيرة جربة التونسية أمس (أ.ف.ب)
سياح أوروبيون شاركوا في مظاهرات ضد الإرهاب أمس وفي الصورة امرأة تحمل لافتة باللغة الفرنسية تقول: «أنا باردو وسأقضي الصيف المقبل في تونس» في جزيرة جربة التونسية أمس (أ.ف.ب)
TT

شبح الإرهاب يخيم على تونس في عيد الاستقلال

سياح أوروبيون شاركوا في مظاهرات ضد الإرهاب أمس وفي الصورة امرأة تحمل لافتة باللغة الفرنسية تقول: «أنا باردو وسأقضي الصيف المقبل في تونس» في جزيرة جربة التونسية أمس (أ.ف.ب)
سياح أوروبيون شاركوا في مظاهرات ضد الإرهاب أمس وفي الصورة امرأة تحمل لافتة باللغة الفرنسية تقول: «أنا باردو وسأقضي الصيف المقبل في تونس» في جزيرة جربة التونسية أمس (أ.ف.ب)

استقبلت تونس أمس الذكرى 59 للاستقلال في ظروف أمنية غير عادية، فقد تعززت الدوريات الأمنية وأعادت المؤسسة العسكرية والأمنية انتشار عناصرها حول المنشآت الحساسة وفي المناطق السياحية الكبرى. وخلافا للسنوات الماضية التي كانت فيها الاحتفالات مركزة على الماضي واسترجاع مراحل التحرر الوطني وأبطال الحركة الوطنية، فإن الجهود والرسائل هذه السنة تمثلت في كيفية محاربة الإرهاب والقضاء على إحدى الآفات التي تهدد البناء المجتمعي التونسي وتوشك على إدخال تونس في ظرف اقتصادي كارثي.
وبمناسبة ذكرى الاستقلال انتظمت بشارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية مسيرة شعبية شارك فيها الآلاف من التونسيين خصصت لمناهضة الإرهاب والمجموعات الإرهابية. ورفع المشاركون عدة شعارات ضد الإرهاب من بينها «لا للإرهاب في تونس... تونس الاستقلال» و«لن تمروا» و«لا مكان للإرهابيين في تونس».
وقال الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إن أول رهان للدولة التونسية اليوم هو كسب المعركة ضد الإرهاب، وأكد: «سنعمل من أجل وحدة الوطن وسيادة الدولة».
وأضاف خلال موكب انتظم بمناسبة الذكرى 59 لاستقلال تونس أن توفر الأمن يعد شرطا أساسيا للخروج من الأزمة، ودعا القوى الوطنية للوقوف صفا واحدا من أجل مكافحة آفة الإرهاب ودحرها. وحذر السبسي من احتمال تحول العدالة الانتقالية إلى عدالة انتقامية، واعتبر أن المصالحة الوطنية خطوة ضرورية لتجاوز مجموعة من الملفات العالقة. وقال إن المصالحة الوطنية تفتح الطريق أمام الإسهام الجدي في البناء الوطني وتذليل العقبات. واقترح السبسي معالجة ملف رجال الأعمال التونسيين الممنوعين من السفر، وقال إن المصالحة يمكن أن تعيدهم إلى سالف أنشطتهم الاقتصادية بعد إبرام اتفاقيات تهم ملفاتهم السياسية والمالية.
وربط السبسي بين المصالحة الاقتصادية والمصالحة الوطنية، ودعا التونسيين إلى تفعيل مبادئ الوحدة الوطنية مثلما فعلوا ذلك بنجاح زمن الاستعمار الفرنسي لتونس.
وفي نطاق رد تونس على المجموعات الإرهابية وتحديها، أعلنت لطيفة لخضر وزيرة الثقافة والمحافظة على التراث عن قرار إعادة فتح متحف باردو أمام الزوار ابتدء من يوم الثلاثاء المقبل.
وأكدت في مؤتمر صحافي عقدته بالمناسبة، على ضرورة تأمين المعالم الأثرية والمتاحف في كل أنحاء تونس حتى لا تكون هدفا للاعتداءات الإرهابية مثلما حصل لمتحف باردو. وأشارت إلى تشكيل خلية سلامة تتكون من 600 حارس سيضاف لهم 400 آخرون في وقت لاحق، بالإضافة إلى تعيين ملحق أمني بالمعهد الوطني للتراث ليتولى إرساء شبكة لحماية المواقع الأثرية.
وفي السياق ذاته، وخلال اجتماع جمع الحبيب الصيد رئيس الحكومة بأحزاب ومنظمات تونسية ومكونات المجتمع المدني، قال الصيد إنه يمثل رسالة قوية في وجه الإرهابيين وكل أعداء المسار الديمقراطي في تونس، سواء في الداخل والخارج، وأضاف قوله: «إن جميع التونسيين يمثلون جبهة صماء لمقاومة عصابات الإرهاب والقتل والإجرام».
وعبر رئيس الحكومة التونسية عن يقينه بأن تونس تواجه أخطارا جمة هدفها زعزعة الأمن والاستقرار وبث الفوضى، ودعا جميع التونسيين إلى أن «يدركوا أن تونس تخوض حربا شرسة ضد الإرهاب لحماية النظام الجمهوري والمسار الديمقراطي ونمطها المجتمعي، نمط الوسطية والاعتدال والتسامح»، على حد تعبيره.
وقال الصيد مخاطبا مجموعة كبيرة من رؤساء الأحزاب التونسية إن «الحرب ضد الإرهاب، حرب طويلة تتطلب الصّبر وطول النفس والتضحية واليقظة المستمرة والجاهزيّة الدّائمة والوحدة الوطنية المقدسة والوقوف صفا واحدا وراء أبطال المؤسستين الأمنية والعسكرية».
وأوضح أن هذه العملية الإرهابية التي جدت في متحف باردو تؤكد تخبط الإرهابيين بعد الضربات الموجعة التي تلقوها والعمليات الاستباقية للوحدات الأمنية والنجاح في تفكيك كثير من الخلايا النائمة والقضاء على عناصر إرهابية خطيرة وإيقاف عشرات الإرهابيين واكتشاف مخابئ للأسلحة.
وقال رئيس الحكومة: «نحن بصدد التعمّق في ملابسات هذه العمليّة الإرهابيّة وفي كلّ الظروف المحيطة بها وفيما قد يكون حصل من أخطاء أو تقصير». وأكد أن الإسراع في استكمال الخطة الأمنيّة التي تم الشروع فيها جار وبنسق حثيث وهدفها دعم التنسيق والتكامل بين قوات الأمن الدّاخلي والجيش الوطني على الصعيد الميداني ودعمهما بالمعدات والتجهيزات اللازمة، على حد تعبيره.
ومن الناحية الأمنية، عززت المؤسسة الأمنية والعسكرية وجودها في عدة أماكن حساسة في تونس، وشهد محيط مقر الإذاعة التونسية وسط العاصمة تعزيزات أمنية غير معهودة ومنعت قوات الأمن مرور العربات بالقرب من مقر الإذاعة في منطقة «لافيات» وسط العاصمة مما عطل حركة المرور، وقال محمد علي العروي المتحدث باسم وزارة الداخلية التونسية في تصريح إعلامي إن الوزارة اتخذت إجراءات ميدانية وعدة تعزيزات أمنية في عدة مناطق أملتها العملية الإرهابية التي عرفها متحف باردو.
وطالبت عدة مؤسسات ومنشآت كبرى بتدعيم الحماية الأمنية وأبدى الساهرون عليها خشيتهم من تكرر الهجوم الإرهابي في مناطق أخرى وبصيغ مختلفة. وقدمت المؤسسة العسكرية دعما قويا لقوات الأمن الوطني وهي قرارات اتخذها الباجي قائد السبسي الرئيس التونسي خلال الاجتماع الاستثنائي الذي جمع لأول مرة أعضاء المجلس الأعلى للجيوش والمجلس الأعلى للأمن.
وأكدت مصادر برلمانية لـ«الشرق الأوسط» أن مشروع قانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال بات جاهزا ومن المرجح عرضه على أنظار مجلس وزاري برئاسة الحبيب الصيد بداية من يوم 25 مارس (آذار) الحالي على أن يودع في اليوم الموالي بمكتب مجلس نواب الشعب (البرلمان). وأفادت المصادر بأن هذا القانون الذي سيعوض قانون 2033 سيمكن أكثر من طرف أمني وقضائي من عمل أكثر ضمانا من الناحية القانونية.
ومن ناحيته، قال المنصف المرزوقي الرئيس التونسي السابق إن محاربة الإرهاب يجب أن لا تتحول إلى ذريعة لضرب حقوق الإنسان بأي حال من الأحوال أو التعدي على الحريات الفردية والجماعية. ودعا إلى الموازنة بين الجوانب الأمنية والعسكرية، وبين الجوانب الثقافية والأخلاقية حتى يكتمل انتصار تونس على آفة الإرهاب.
في غضون ذلك، أعلن رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني أنهما سيتوجهان إلى تونس في 31 مارس لتعزيز التعاون بينهما في مجال الأمن خصوصا.
وقالت موغيريني: «يمكننا تعزيز التعاون بيننا في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب بالتأكيد». ووعدت في الوقت نفسه بتعاون اقتصادي واجتماعي متزايد مع تونس. وأضافت أنه «يجب أن يجد الشباب التونسيون مكانهم في المجتمع وقد يكون ذلك مفتاحا لمنع انجذابهم إلى منظمات إرهابية تستغل شعورهم بالاستياء».
كما أفادت تقارير إعلامية، أمس، في تونس، بإيقاف عدد من العناصر المتشددة كانت احتفلت بالهجوم الإرهابي على متحف باردو الأربعاء الماضي.
وأفادت إذاعة «شمس إف إم» الخاصة بأن الأجهزة الأمنية نفذت حملة أمنية واسعة بعدد من المدن في ولاية نابل (60 كيلومترا جنوب شرقي العاصمة) إثر معلومات عن احتفاء عدد من المتشددين دينيا بالعملية الإرهابية في باردو.
وأوضحت الإذاعة أن وحدات من الأمن داهمت عددا من المنازل المشبوهة في مدن نابل وقربة وتازركة وبني خيار وقرمبالية وأوقفت مجموعة من المشتبه بهم من بين المتشددين.
يذكر أن تنظيم داعش أعلن المسؤولية عن الهجوم على المتحف، ما أسفر عن سقوط العشرات ما بين قتيل وجريح.
وفي سياق منفصل، اتصل الرئيس الأميركي باراك أوباما أمس بالرئيس التونسي السبسي وقدم تعازيه ومواساته بعد هجوم باردو الذي شهدته تونس الأربعاء الماضي.



الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.


مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

في وقت جدّد فيه التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية، كشف مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن فتح تحقيق شامل في الأحداث الأخيرة بعدن، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض عليها أو تمويلها.

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

جاء ذلك خلال اجتماع عقده المجلس برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، وعضوية سلطان العرادة، وعبد الرحمن المحرمي، وعبد الله العليمي، وسالم الخنبشي، وبمشاركة طارق صالح ومحمود الصبيحي عبر الاتصال المرئي. وحذّر المجلس من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية» تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة.

واستعرض الاجتماع تطورات الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن، على خلفية الأحداث التي شهدتها المدينة، ومحاولات الاعتداء على مؤسسات الدولة وتعطيل أعمالها، واستخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية «غير مشروعة»، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وكانت قوات «درع الوطن»، وألوية «العمالقة» عززّت انتشارها في محيط المجمع الرئاسي بمدينة عدن، حيث رصدت «الشرق الأوسط» انتشار وحدات عسكرية إضافية في الطرق المؤدية إلى المنطقة التي تضم مقر إقامة مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، إضافة إلى عدد من المؤسسات السيادية والخدمية؛ بينها البنك المركزي، ومكتب الجوازات، ومصلحة الأحوال المدنية.

وأكد المجلس عزمه الرد بحزم على أي مساعٍ لتعطيل مؤسسات الدولة، والعمل على فتح تحقيق شامل في هذه الأحداث، ومساءلة كل من يثبت ضلوعه في التحريض أو التمويل، مشيداً في الوقت ذاته بـ«اليقظة العالية» للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية في حماية المدنيين والممتلكات العامة والخاصة، وصون السلم الأهلي.

وعبّر مجلس القيادة عن تقديره لموافقة المملكة العربية السعودية على استضافة مؤتمر الحوار الجنوبي، معتبراً ذلك «مستوى متقدماً وغير مسبوق» في مقاربة القضية الجنوبية، بوصفها قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، تتطلب معالجة منصفة ضمن إطار الدولة ومرجعياتها الضامنة.

قوات درع الوطن تمركزت إلى جانب قوات الأمن في مداخل عدن (إعلام محلي)

وفي السياق نفسه، شدد المجلس على ضرورة عدم التفريط في هذه الفرصة تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة، داعياً إلى حماية المكاسب المتحققة أمنياً وخدمياً واقتصادياً، واستلهام العبر من «المغامرات الطائشة» لميليشيات الحوثي التي عزلت أكثر من 20 مليون يمني، وحرمتهم من الرواتب وفرص العيش الكريم.

وجدد المجتمعون إشادتهم بالدعم السعودي «السخي» للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، مؤكدين اعتزازهم بالشراكة الاستراتيجية مع المملكة، وخصوصية العلاقات الراسخة القائمة على الجوار والمصير المشترك والأمن المتبادل، ومهنئين قيادتها بمناسبة يوم التأسيس وما حققته من تحولات تنموية شاملة.

كما أكد المجلس دعمه الكامل للحكومة وتمكينها من ممارسة صلاحياتها الدستورية، والمضي في تنفيذ خطة التعافي وبرنامج الإصلاحات الشاملة، بما يشمل الإسراع في إعداد مشروع الموازنة العامة، وتعزيز الإيرادات، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتنفيذ مشاريع خدمية ذات أثر مباشر في حياة المواطنين.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي إلى جوار رئيس الحكومة الزنداني في عدن (إكس)

وتطرق الاجتماع إلى مستجدات التطورات الإقليمية في ظل استمرار ما وصفه بـ«تعنت» النظام الإيراني وميليشياته في اليمن والمنطقة إزاء المساعي الرامية إلى خفض التصعيد، وانعكاسات ذلك على الأمنين الوطني والإقليمي، مؤكداً جاهزية الدولة لردع أي تهديدات محتملة بالتنسيق الوثيق مع تحالف دعم الشرعية والمجتمع الدولي.