اتهامات لقوات تيغراي باستخدام المساعدات سلاحاً... ونزوح الملايين

اتساع المعارك يفاقم الأزمة الإنسانية والمجاعة تهدد أمهرة وأقاليم أخرى

وكالات دولية تتهم جبهة تحرير تغراي بنهب المساعدات.. وفي الصورة مدنيون يتلقون مساعدات من اهالي مدينة ديسي شمال إثيوبيا (أ.ف.ب)
وكالات دولية تتهم جبهة تحرير تغراي بنهب المساعدات.. وفي الصورة مدنيون يتلقون مساعدات من اهالي مدينة ديسي شمال إثيوبيا (أ.ف.ب)
TT

اتهامات لقوات تيغراي باستخدام المساعدات سلاحاً... ونزوح الملايين

وكالات دولية تتهم جبهة تحرير تغراي بنهب المساعدات.. وفي الصورة مدنيون يتلقون مساعدات من اهالي مدينة ديسي شمال إثيوبيا (أ.ف.ب)
وكالات دولية تتهم جبهة تحرير تغراي بنهب المساعدات.. وفي الصورة مدنيون يتلقون مساعدات من اهالي مدينة ديسي شمال إثيوبيا (أ.ف.ب)

منذ بدء العمليات العسكرية التي نفّذتها القوات الاتحادية الإثيوبية على إقليم «تيغراي» في الشمال الإثيوبي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بدأت تُتداول بكثافة قضية «سرقة مواد الإغاثة» في إقليم تيغراي الإثيوبي أو حوله، وهي مخصصة لمواجهة «المأساة الإنسانية» التي تواجه ملايين السكان هناك، فتارة تتهم بها القوات الإريترية الحليفة لقوات أديس أبابا والمرابطة حول الإقليم، وتارة تتهم بها جهات أخرى، بما فيها قوات الحكومة الإثيوبية، لكن الجديد أن الاتهامات بلغت «حلقوم» الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
واتسعت المعارك في إثيوبيا، ودخلت أقاليم أخرى، إلى جانب طرفي الصراع، لكن الأزمة الإنسانية وشبح المجاعة باتا يهددان السكان، خاصة في إقليم أمهرة المجاور لتيغراي، في ظل نزوح ملايين السكان من مدنهم وقراهم، حسب تقارير الأمم المتحدة.
واتهمت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في إثيوبيا قوات إقليم تيغراي بنهب مستودعات خاصة بها في إقليم أمهرة خلال الأسابيع الماضية، ونقلت وكالات أنباء عن مدير بعثة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في إثيوبيا، شون جونز، تأكيده نهب مستودعات وكالته في إقليمي أمهرة وتيغراي، ولا سيما أمهرة، نفذته قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، ونسبت إليه قوله: «أعتقد أن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي كانت انتهازية جداً».
وقال الخبير في شؤون القرن الأفريقي عبد المنعم أبو إدريس لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن وزير الإعلام الإثيوبي السابق، والمتحدث باسم جبهة تحرير تيغراي «قيتاشو رضا»، نفى بشكل قاطع اتهامات المعونة الأميركية، وقال إن مجموعات محلية هي التي قامت بنهب المخازن.
وتقدر الوكالة الأميركية المعروفة شعبياً بـ«المعونة الأميركية» عدد المواطنين الإثيوبيين في إقليم تيغراي الذين يعانون من المجاعة الفعلية بنحو 900 ألف شخص، مع وجود نحو 5 ملايين بحاجة عاجلة لمساعدات إنسانية.
المعونة الأميركية نفسها كشفت في 27 أبريل (نيسان) الماضي، وفقاً لما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، أن الجنود الإرتريين الموجودين في تيغراي يمنعون وصول المواد الإغاثية للإقليم، بل يقومون بـ«نهبها» علناً، ما يهدد بحدوث وفيات بسبب المجاعة.
وعرضت الوكالة وثيقة، تقول إن جنود إرتريين أجبروا عناصر إغاثة على مغادرة أجزاء في إقليم تيغراي، ثم قاموا بنهب نقاط التوزيع، عقب فرار المستفيدين من المساعدات خوفاً من القتل على يد الإريتريين، وإن عمال الإغاثة يشعرون بالامتعاض من عدم استطاعتهم الوصول لبعض أجزاء إقليم تيغراي، بجانب خوفهم من التعرض لعمليات انتقامية. ووقتها نفت إريتريا على لسان وزير إعلامها، يماني قبرميسكل، اتهامات وكالات الإغاثة.
ويرى الخبير بالشؤون الإثيوبية، أبو إدريس، أن عملية نهب مخزن الوكالة الأميركية الموجود في مدينة تقع في إقليم أمهرة، تؤشر - لو صحت الأنباء - بأن جبهة تيغراي هي التي قامت به، لاشتداد الصراع بين عرقيتي أمهرة وتيغراي. وقال إن نهب المساعدات الإنسانية التي تُقدم للمدنيين غير المشاركين في القتال يشير إلى عودة الاتهامات القديمة باستخدام الغذاء كسلاح ضد المدنيين في الأمهرة. وأضاف: «كأنما الصراع اتجه ليكون أكثر إثنية وعرقية بين أمهرة وتيغراي».
وأوضح أن المعاناة الإنسانية في إقليم تيغراي والمناطق التي تشهد قتالاً بين الأطراف الإثيوبية تتزايد باضطراد، وأن منظمات الأمم المتحدة تتحدث وتحذر بشكل مضطرد من نقص حاد في الغذاء في إقليم تيغراي، ومناطق أخرى، وأنها عاجزة عن توصيل المساعدات الغذائية.
ووفقاً لأبو إدريس، فإن الأمم المتحدة تهدف إلى توصيل نحو 100 شاحنة يومياً لمواجهة الأزمة الإنسانية في تيغراي، بيد أنها لم تفلح إلا في توصيل 10 شاحنات فقط، تصل المدن الرئيسية، ولا تصل المناطق النائية التي يقطنها اللاجئون الإريتريون في تيغراي، وقالت إنها قدمت لهم آخر مساعدات في يونيو (حزيران) الماضي. وأضاف أن التطورات القتالية في إقليم عفر بالشرق الإثيوبي شهدت عمليات نزوح جديدة، وتقول الحكومة الإثيوبية إن أكثر من 700 ألف نزحوا أخيراً، ما أدى إلى إغلاق 7 آلاف مدرسة أبوابها، بجانب نزوح نحو نصف مليون من إقليم أمهرة، ما يزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية في أنحاء إثيوبيا كافة.
ويشير أبو إدريس إلى أزمة لجوء أخرى قد تستفحل إثر تصاعد العمليات في إقليم أمهرة أو حوله، ويقول إن أغسطس (آب) الماضي شهد لأول مرة تدفق لاجئين من إقليم أمهرة للسودان، بعد أن كانت حركة اللجوء مقتصرة على إقليم تيغراي، ويقول إن أقليات «قمز، وكومنت» بدأت مجموعات منها تلجأ للسودان، عقب المعارك التي استعرت في شمال غوندر، ما يرجح احتمالات لجوء مجموعات من عرقية أمهرة للسودان.
وتتهم المعونة الأميركية «يو إس أيد» أديس أبابا بإغلاق مسارات الإغاثة، مثلما يتهمها مقاتلو تيغراي، فيما يشكو صندوق الغذاء العالمي من بطء الحصول على أذونات لإيصال المساعدات لإقليم تيغراي، وهو الأمر الذي تُرجعه الحكومة الاتحادية إلى دواعٍ أمنية، ولا سيما أن البوابة الوحيدة لإيصال المساعدات الإنسانية لتيغراي تمر عبر إقليم عفر كمنفذ وحيد للوصول إلى تيغراي. ويشير أبو إدريس إلى مقترح تقدمت به جهات إغاثة دولية، ينص على إدخال المساعدات الإنسانية إلى تيغراي المحاصرة عبر السودان، وفتح منافذ لدخول العون الإنساني هناك، لكن الحكومة الإثيوبية لم توصل رسائل إيجابية بشأنه.
إزاء الأزمة الإنسانية ومخاطر المجاعة، يتزايد الوضع الميداني اتساعاً وخطورة، ويقول أبو إدريس إن قوات تيغراي ما تزال تواصل التوغل في إقليم أمهرة، ويشير إلى تقارير تتحدث عن معارك تدور جنوب «غوندر» العاصمة التاريخية لإقليم أمهرة، وأخرى على الطريق الرابط بينها ومدينة «بحر دار» الثانية في الإقليم، ومعارك أخرى في شمال غوندر، ما يعني أن قوات تيغراي فتحت جبهة جديدة في إقليم أمهرة.
والأسبوع الماضي، قالت جبهة تحرير تيغراي إنها أعادت بناء جسر «تيكيزي»، الذي يربط بين إقليمي تيغراي وأمهرة، الذي تم تدميره أثناء المعارك التي دارت هناك، وتتهم كل جهة الأخرى بتدميره، ويقول أبو إدريس إن إعادة بناء الجسر الذي تم تدميره يتيح لقوات تيغراي العبور إلى منطقة غرب تيغراي، الموازية للشريط الحدودي مع السودان. وبرغم زعم القوات الإريترية الحليفة لآبي أحمد الانسحاب من إقليم تيغراي، فإن تقارير أشارت إلى أنها ما تزال تتمركز على الشريط الحدودي مع السودان، وقال مسؤول العلاقات الخارجية بجبهة تحرير تيغراي، برهاني قبرخرستوس، إن القوات الإريترية هي التي تسيطر عليه بالكامل، ما يدعم اتهامات أميركية بعودة القوات الإريترية لتيغراي مجدداً، إلى جانب قوات «فانو» التابعة لعرقية أمهرة، وهي تقوم بتأمين مناطق ومدن صغيرة في الإقليم، مثل «الحمرة، وعبد الرافع» قرب الحدود مع السودان.
ويشير أبو إدريس إلى ما أسماه تطوراً جديداً في النزاع الإثيوبي، بإعلان جبهة تحرير «سيداما» في الإقليم الذي يقع في أقصى جنوب إثيوبيا، تمردها على الحكومة وتحالفها مع تيغراي، ويضيف أن ذلك توسع لمساحات التوتر والقتال وحدّته، ونقله إلى مناطق بعيدة من مناطق جبهة تحرير تيغراي، ويتابع: «كذلك أُعلن في كندا عن تحالف جديد بين إثنية العفر في كل من إثيوبيا وإريتريا، وإعلانهما التحالف مع تيغراي، والعمل على الإطاحة بكل من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، والرئيس الإريتري آسياس أفورقي».
وبإعلان تحالف العفر والسيداما وإعلانهما التحالف مع تيغراي، تكون الأوضاع في أديس أبابا قد بلغت مرحلة متقدمة و«خطيرة» في ذات الوقت، تهدد بمزيد من الاقتتال وأعمال العنف ومزيد من النزوح واللجوء. بمقابل ذلك، تقول أديس أبابا إنها تتحرك سياسياً، وتسعى لعقد «مؤتمر الحوار السياسي»، بيد أن أبو إدريس يقول: «لا أحد يعرف كيف ستكون الاستجابة له، ومدى مشاركة جهات مؤثرة فيه، بما يمكن أن يوصل لحل»، ويتابع: «أنا لا أثق في قدرته على حل المشكلة، وأن يلقى استجابة مع المجموعات المسلحة المتقاتلة في إثيوبيا».



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».