سكري النوع الأول... مرض مناعي ذاتي لا يستثني حتى الأطفال

مريضة تخضع لاختبار السكري في لوس انجليس(أرشيفية- رويترز)
مريضة تخضع لاختبار السكري في لوس انجليس(أرشيفية- رويترز)
TT

سكري النوع الأول... مرض مناعي ذاتي لا يستثني حتى الأطفال

مريضة تخضع لاختبار السكري في لوس انجليس(أرشيفية- رويترز)
مريضة تخضع لاختبار السكري في لوس انجليس(أرشيفية- رويترز)

إنه لغز لم يحل بعد، في ألمانيا يعاني المزيد والمزيد من الأطفال والمراهقين من داء السكري من النوع الأول، وهو شكل من أشكال مرض السكري غير المرتبط بنظام غذائي غير صحي أو قلة ممارسة الرياضة. وبحسب الجمعية الألمانية لمرضى السكري (DDG)، يزداد معدل الإصابة بنسبة 3 إلى 4 في المائة كل عام، وخاصةً بين الأطفال الصغار.
يقول أندرياس نوي، رئيس الجمعية والمدير الطبي بالإنابة لقسم طب الأعصاب وعلم الأعصاب التنموي وطب الأطفال الاجتماعي في مستشفى توبينجن الألمانية للأطفال: «لا نعرف سبب ذلك حتى الآن».
يوضح نوي أنه غالبا ما يرتبط مرض السكري بالشيخوخة والسمنة وقلة ممارسة الرياضة، مشيرا إلى أن الكثير من الناس لا يدركون أن الأطفال والمراهقين الأصحاء والنشطين تماما يمكن أن يصابوا بمرض السكري أيضاً، حيث يتوقف الجسم فجأة عن إنتاج ما يكفي من الأنسولين، وهو أمر ضروري للحياة، وحينها يعتمد المرضى الصغار على محاقن أو مضخات الأنسولين لبقية حياتهم.
وبحسب الجمعية الألمانية لمرضى السكري، يعيش في ألمانيا ما يتراوح بين 30 و32 ألف طفل ومراهق - من سن يبدأ منذ الميلاد حتى 19 عاما - بسكري المناعة الذاتية.
لم تكن المواطنة البرلينية «آنه آدم» لتتخيل أن ابنها أوسكار يمكن أن يصاب بالسكري وهو في الشهر الرابع عشر من عمره. تتذكر الأم قائلة: «بعد التهاب في الأذن استمر لفترة طويلة، بدأ يشرب فجأة ما يصل إلى ثلاثة لترات من الماء يوميا». عزا طبيب الأذن والأنف والحنجرة لها ذلك إلى أن طفلها ربما يتعافى من عملية العلاج الطويلة. ولكن في أحد الأيام، عندما نام أوسكار لمدة 15 ساعة متواصلة، ولم يكن قادرا على الاستيقاظ، وكان خاملا وعاجزا، قادت الأم سيارتها ونقلته إلى أحد المستشفيات. تتذكر الأم 38 عاما والتي تشارك تجربتها على موقع التواصل الاجتماعي «إنستغرام»: «هناك تم على وجه السرعة تشخيصه بالنوع الأول من داء السكري».
يقول نوي: «يمكن أن تظهر الأعراض أيضاً مع أمراض أخرى أو لأسباب تتعلق بموسم العام. ولهذا السبب غالبا ما يستغرق الأمر بعض الوقت حتى يدرك الآباء أن طفلهم يمكن أن يكون مصابا بهذا المرض»، موضحا أنه إذا تم التعرف على الأعراض على نحو متأخر، فقد يؤدي ذلك إلى اضطراب خطير في التمثيل الغذائي، وهو ما يعرف باسم «الحماض الكيتوني السكري». فنقص الأنسولين يؤدي إلى تكوين أجسام كيتونية، وهي عبارة عن منتجات استقلابية تزيد من حموضة الدم ويمكن أن تؤدي إلى الدخول في غيبوبة.
يقول نوي: «قد يسبب ذلك تهديدا على الحياة، وحينها تصبح كل ساعة فارقة». في عام الجائحة 2020، ذهب عدد أكبر من الآباء مع أطفالهم المصابين بهذا الداء إلى الأطباء على نحو متأخر.
فبحسب دراسة، زادت حالات الإصابة بالحماضية الكيتونية في الدم بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة. واستند طبيب الأطفال في مستشفى جيسن الألمانية، كليمينس كامرات، وباحثون آخرون في دراستهم إلى بيانات 532 طفلا ومراهقا أصيبوا بمرض السكري من النوع الأول خلال الفترة من منتصف مارس ومنتصف مايو 2020 وقارنوها ببيانات عامي 2018 و2019.
وفي عام 2020 بلغت نسبة الأطفال الذين عانوا من اضطراب في التمثيل الغذائي وقت التشخيص حوالي 45 في المائة من إجمالي الأطفال الذين تم تشخيصهم بداء السكري من النوع الأول في تلك الفترة، وكانت تبلغ نسبتهم 25 في المائة في عام 2019 و24 في المائة في عام 2018. ولا يمكن سوى التكهن بأسباب هذا الارتفاع.
وقال كامرات إن أحد الأسباب المحتملة هو أن الآباء، خوفا من الإصابة بفيروس كورونا، ذهبوا إلى عيادات الأطباء والمستشفيات في وقت متأخر عما كان عليه الحال قبل الجائحة.
يبلغ أوسكار الآن من العمر نحو أربع سنوات ويتلقى منذ ما يقرب من ثلاث سنوات حتى الآن كمية أساسية منتظمة من الأنسولين عبر مضخة. ويقوم جهاز استشعار بقياس مستوى السكر في الدم لهذا الغرض. وأثناء الوجبات يجب أن يحصل أوسكار على كمية إضافية من الهرمون، بحسب كمية الطعام.
وبعد ذلك يتعين على الآباء والعاملين في الرعاية النهارية حساب كمية الأنسولين التي يحتاجها أوسكار وتحديد كميته في المضخة باستخدام جهاز تحكم عن بعد.
تروي آدم أن الحياة اليومية أصبحت الآن أكثر تعقيدا، وقالت: «السكري عبارة عن عمل بدوام 24 ساعة/سبعة أيام في الأسبوع. يجب أن نكون حاضرين ومنتبهين دائما، حتى في الليل عندما تطلق المضخة إنذاراً لأن مستويات السكر في الدم غير جيدة»، مضيفة أنها في دار الرعاية النهارية قامت بتدريب العاملين على الأمور المتعلقة بالتعامل مع مرض السكري، لكنها لا بد أن تظل رغم ذلك متاحة في أي وقت للتواصل خلال وجود ابنها هناك. وتروي الأم أنه وفقاً لمديرة الدار كان من الممكن ألا يحصل أوسكار على مكان في دار الرعاية هذه بسبب طبيعة مرضه. تقول آدم: «لا أريد الآن تخيل كيف سيكون الحال عند دخوله مدرسة».
لا يمثل الحصول على مكان في مدرسة مشكلة مثل الحصول على مكان في الرعاية النهارية، كما تقول ساندرا نويمان، رئيسة مجموعة المساعدة الذاتية فيبرلين «Diafüchse» والموظفة في منظمة الإغاثة الألمانية لمرضى السكري.
تقول نويمان: «يتعين على المدارس الحكومية قبول الأطفال المصابين بداء السكري لأن التعليم إلزامي»، مضيفة في المقابل أن تلقي الأطفال رعاية في المدرسة على يد مساعدين أو متخصصين في الاندماج ليس مضمونا دائما.
يمكن أن يؤدي مرض السكري من النوع الأول إلى مضاعفات خطيرة إذا لم يتم علاجه على النحو الكافي. يقول نوي: «هي نفس المضاعفات التي نعرفها مع مرض السكري من النوع الثاني الأكثر انتشاراً»، موضحا أنه في حال إهمال العلاج يهاجم السكر مع مرور الوقت العيون والكلى والأوعية الدموية والأعصاب. يقول نوي: «في أسوأ الحالات يحدث لاحقا العمى ونوبات قلبية، ويمكن أن تصبح عمليات البتر وغسيل الكلى ضرورية أيضاً»، مؤكدا ضرورة اتباع علاج جيد منذ البداية، خاصةً بسبب العمر الطويل الذي لا يزال أمام المرضى الصغار.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.