حكومة رئيسي تستعد لحسم الجهاز المكلف التفاوض النووي

صحيفة مقربة من ولايتي أشارت إلى تمديد مهمة {الخارجية} في فيينا

وزير الخارجية الإيراني الجديد أمير عبد اللهيان وسلفه محمد جواد ظريف خلال مراسم انتقال صلاحيات الجهاز الدبلوماسي الخميس الماضي (تسنيم)
وزير الخارجية الإيراني الجديد أمير عبد اللهيان وسلفه محمد جواد ظريف خلال مراسم انتقال صلاحيات الجهاز الدبلوماسي الخميس الماضي (تسنيم)
TT

حكومة رئيسي تستعد لحسم الجهاز المكلف التفاوض النووي

وزير الخارجية الإيراني الجديد أمير عبد اللهيان وسلفه محمد جواد ظريف خلال مراسم انتقال صلاحيات الجهاز الدبلوماسي الخميس الماضي (تسنيم)
وزير الخارجية الإيراني الجديد أمير عبد اللهيان وسلفه محمد جواد ظريف خلال مراسم انتقال صلاحيات الجهاز الدبلوماسي الخميس الماضي (تسنيم)

تستعد الحكومة الإيرانية الجديدة لتسمية الجهاز الذي يحمل على عاتقه التفاوض حول البرنامج النووي، وسط معلومات بأنها تتجه لتمديد المهام التفاوضية لوزارة الخارجية، دون إحداث تغيير في سياسة الإدارة السابقة، في وقت تتسارع المشاورات فيه لإعادتها إلى طاولة المفاوضات، فيما واصلت وزارة الخارجية الإيرانية، أمس، التعامل بصيغة الإنكار لوجود أي وساطات دولية، ومفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك مسار فيينا لإحياء الاتفاق النووي المتجمد حالياً بانتظار استقرار حكومة إبراهيم رئيسي.
وقال المتحدث باسم الخارجية، سعيد خطيب زاده، في المؤتمر الأسبوعي، أمس، إن «الاتفاق النووي لا يحتاج إلى وساطات»، موضحاً أنه «ليس بيننا وبين أميركا مفاوضات مباشرة وغير مباشرة، في فيينا أو أي مكان آخر»، وزاد: «المفاوضات في فيينا تجري بين إيران ومجموعة (4+1)»، في إشارة إلى الدول المتبقية في الاتفاق النووي، وهي 4 دول دائمة العضوية في مجلس الأمن: فرنسا وبريطانيا والصين وروسيا، إضافة إلى ألمانيا.
وتلقى وزير الخارجية الجديد، أمير عبد اللهيان، اتصالاً من مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزف بوريل، ناقشا فيه مستقبل مباحثات فيينا. وقال المتحدث: «إن بوريل يعلم أن هنا تغييرات في الحكومة الإيرانية... وفي الوقت نفسه، طلب استئناف المحادثات على وجه السرعة». ومع ذلك، قال إن تحديد الموعد المؤكد للجولة الجديدة من المفاوضات «منوطة بمشاورات جميع الأطراف».
وعقب اتصال عبد اللهيان بنظيره الروسي، سيرغي لافروف، أفاد بيان للخارجية الروسية بأن موسكو دعت طهران لاستئناف مباحثات فيينا في أسرع وقت ممكن، لافتاً إلى أن «الجانب الإيراني تلقى الإشارة بمنتهى الجدية».
أما عن التغييرات المحتملة في طريقة التفاوض، والجهة المكلفة من حكومة رئيسي، في ظل المعلومات المتباينة حول احتمال عودة الحكومة الجديدة إلى صيغة ما قبل حكومة حسن روحاني؛ أي إحالة المفاوضات إلى المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني (شعام)، قال المتحدث: «سيقرر خلال الأيام المقبلة من يكون في الواجهة: الخارجية أم أماكن أخرى»، لكنه أوضح أيضاً أن «المفاوضات قبل أن تكون مفاوضات من أجل التوصل إلى نص جديد، هي مفاوضات فنية، تتابع تفاصليها عبر عدة قطاعات، بحضور أقسام مختلفة». وأضاف: «سيكون الأمر نفسه من الآن فصاعداً، وستتقدم وفق إجماع النظام».
وقبل ساعات من تصريحات المتحدث، حسمت صحيفة «فرهيختغان» إلى حد بعيد الجدل حول إدارة المفاوضات النووية. وكتبت الصحيفة المقربة من علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني في الشؤون الدولية، أن الملف سيبقي تحت إدارة وزارة الخارجية. وأفادت الصحيفة على صفحتها الأولى بأن مفاوضات فيينا «ستستأنف قريباً».
وصدرت رسائل عدة من عبد اللهيان، الأسبوع الماضي، حول الملف الذي يخضع قراره الأخير لصاحب كلمة الفصل في النظام، علي خامنئي، وقال إنه لن يهرب من طاولة المفاوضات، وصرح في مناسبة أخرى بأن وزارة الخارجية «لن تكون وزارة الاتفاق النووي». ونوه المتحدث بأن المفاوضات «ليست من أجل التوصل إلى نص جديد، إنما هي من أجل التأكد من التنفيذ الكامل من أميركا»، وقال: «ما حدث في فيينا يمر عبر هذا المسار، إذا عملت أميركا بالتزاماتها في الاتفاق النووي، والقرار 2231، بطريقة يمكن التحقق منها».
ويثير عبد اللهيان الذي تربطه صلات وثيقة بـ«فيلق القدس»، الذراع العسكرية لـ«الحرس الثوري»، مخاوف الأوساط المؤيدة للاتفاق النووي. ودعا سلفه، محمود جواد ظريف، في أول مشاركة بعد انتهاء ولايته، في تطبيق «كلوب هاوس»، ليلة الأحد - الاثنين، إلى دعم الوزير الجديد، ورئيسه إبراهيم رئيسي.
وتوقفت مفاوضات فيينا في 20 يونيو (حزيران)، غداة فوز المحافظ المتشدد إبراهيم رئيسي في سباق خلافة الرئيس المعتدل نسبياً حسن روحاني. وعلى مدى 6 جولات، بدأت في أبريل (نيسان)، تبادلت واشنطن وطهران سياسة رمي الكرة في الملعب الآخر، بشأن الطرف الذي يتعين عليه العودة إلى التزامات الاتفاق النووي. وذهبت طهران إلى مستويات أبعد في انتهاك نسبة التخصيب، إذ وصلت من 4.5 في المائة في زمن الرئيس دونالد ترمب، مهندس استراتيجية الضغط الأقصى، إلى 60 في المائة في ظل إدارة بايدن الذي يتبنى «الدبلوماسية أولاً» لمحاولة كبح البرنامج النووي الإيراني.
وانسحب ترمب من الاتفاق النووي بهدف التوصل إلى اتفاق جديد يطيل القيود على البرنامج النووي الإيراني، ويعالج سلوك إيران الإقليمي، ويضبط انتشار برنامجها للصواريخ الباليستية. وعلى خلاف نهج ترمب، تريد الإدارة الحالية من إعادة الاتفاق النووي أن يكون منطلقاً لمفاوضات تطيل أمد الاتفاق، وتعززه بمفاوضات أخرى حول الملفين الصاروخي والباليستي.
وقال المرشد علي خامنئي، لدى استقباله الحكومة الجديدة السبت الماضي، إن «الإدارة الأميركية الحالية لا تختلف عن سابقتها لأنها تطرح ما طرحه ترمب نفسه، ولكن بأسلوب آخر». وأضاف: «هو (ترمب) كان يقولها بطريقة، وهم (فريق بايدن) يقولونها بعبارات مختلفة».
وكرر خطيب زاده ما قاله خامنئي أمس، حيث قال إن «ما حدث حتى الآن من الإدارة الأميركية الإصرار على السياسة المهزومة لحكومة ترمب». وأضاف أنه «لم نر تعديلاً في السلوك من جانب واشنطن؛ إنهم يسعون وراء نتائج أفضل بالسلوك نفسه، وسياسات الإدارة السابقة ذاتها». وتابع: «عليهم إعادة النظر في الضغوط القصوى... سيرون أن مسير مفاوضات فيينا سيمضي بطريقة مطلوبة»، مؤكداً أن «ما تبقى من مفاوضات فيينا سببه عناد وسلوك غير عقلاني من الجانب الأميركي والغربي. وفي حال تغير هذا السلوك، فسيتم إحياء الاتفاق النووي».
ورداً على سؤال حول ما إذا تراجعت طهران عن تبادل السجناء، قال المتحدث إن «قضية الإفراج عن السجناء الإيرانيين المحتجزين بذرائع لا أساس لها في أميركا أو الدول الأخرى ليست قضية تخرج من جدول أعمالنا»، مشيراً إلى أنه «إذا سهلت أميركا هذا الموضوع، وعملت بالتزاماتها في القضية، سيكون ذلك أفضل لمحادثات فيينا».
وفي شأنٍ موازٍ، تسلم رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، محمد إسلامي، مهامه من سلفه علي أكبر صالحي، غداة مرسوم من الرئيس الإيراني بتعيينه المسؤول المشرف على المنشآت النووية الإيرانية.
ونقلت مواقع حكومية عن إسلامي قوله: «سنتحرك من أجل رفع الموانع من طريق تقدم البلاد، وإزالة الأفخاخ للأجانب»، وقال إن «منظمة الطاقة الذرية من الأجزاء الاستراتيجية للغاية، وهي مؤثرة على تنامي قوة البلاد».
وشغل إسلامي منصب وزير الطرق والتنمية الحضرية في الحكومة السابقة برئاسة روحاني، وهو من اختصاصي الهندسة المدنية والطيران، وقد شغل مناصب كثيرة في وزارة الدفاع، دون أن تكون لديه خبرة في مجال الصناعة النووية، على خلاف صالحي الذي يعد أبرز العلماء النوويين الإيرانيين، والذي عاد للمرة الثانية على رأس منظمة الطاقة الذرية في عام 2013، بعد توليه منصب وزير الخارجية في حكومة محمود أحمدي نجاد الثانية.



سكان طهران يفرون من القصف شمالاً إلى «الريفييرا» الإيرانية الهادئة

أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
TT

سكان طهران يفرون من القصف شمالاً إلى «الريفييرا» الإيرانية الهادئة

أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)

تبدو الحرب الدائرة في إيران بعيدة كل البعد عن منتجعات بحر قزوين الهادئة، حيث لا انفجارات ولا حواجز تذكر، ومتاجر مليئة بالبضائع. وتقول امرأة ثلاثينية لجأت إلى هناك هرباً من طهران: «يبدو أن الناس بالكاد يدركون وجود حرب».

وتضيف في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، طالبة عدم كشف اسمها: «إنهم لا يولون الأمر اهتماماً كبيراً».

وكانت تتحدث من بابلسر، إحدى المدن الواقعة على ساحل بحر قزوين، المعروف باسم «ريفييرا» إيران لما يتصف به من شواطئ وأجواء أكثر استرخاء من المدن الكبرى.

وتتابع: «لم تتعرض المنطقة لهجمات صاروخية، باستثناء هجوم واحد في بهشهر»، وهي بلدة صغيرة في محافظة مازندران.

يقع ساحل بحر قزوين على بُعد نحو 200 كيلومتر شمال العاصمة، خلف جبال البرز، وهو وجهة سياحية معروفة لسكان طهران الذين يتوافدون إليه في الأوقات العادية لقضاء عطلات الأسبوع والأعياد.

ويتميز الساحل بجو ألطف مقارنة بطهران خلال أشهر الصيف الحارة. وكان عالم أثرياء طهران الذين يقضون عطلاتهم على ساحل بحر قزوين موضوع فيلم بعنوان «عن إيلي» (About Elly) الصادر عام 2009 للمخرج الإيراني الحائز جائزة أوسكار أصغر فرهادي.

ارتفاع الأسعار

منذ بداية الحرب فرّ سكان العاصمة من الغارات الجوية اليومية في جميع الاتجاهات، معتمدين في كثير من الأحيان على تضامن أفراد عائلاتهم أو أصدقائهم.

بالنسبة للشابة في بابلسر، يُمثّل توفير الوقود التحدي الأكبر. وتوضح: «ليس بالإمكان الحصول على أكثر من 10 لترات، فيما طوابير الانتظار أمام محطات الوقود لا تنتهي».

وفي تنكابن، وهي بلدة أخرى عل ساحل قزوين، يقول أحد الأهالي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه لاحظ ارتفاعاً «كبيراً» في الأسعار.

ويضيف علي (49 عاماً): «كل شيء متوافر بكميات كبيرة والمتاجر الكبرى مفتوحة كما كانت من قبل».

ويقول إن الأجواء شبه طبيعية خلال النهار لكنها «تتغير في المساء».

وكما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» من مواقع أخرى في أنحاء البلاد، أن أنصار الحكومة ينزلون إلى الشارع رافعين الأعلام، وهم يهتفون.

ومن أبرز المستفيدين من اقتصاد الحرب الجديد على ما يبدو، محلات بيع خدمات الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وباقات الإنترنت التي تتيح للناس تجاوز القيود المشددة على الاتصالات، والتي ازدادت صرامة منذ بدء الحرب.

وتقول إحدى العاملات في بابلسر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «معظم محلات الوجبات السريعة في بابلسر تحولت إلى هذا النشاط. ظاهرياً يبيعون السندويشات، لكن نشاطهم الرئيسي هذه الأيام هو بيع خدمات في بي إن (VPN) والإنترنت بأسعار باهظة».


البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
TT

البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)

عجل الأوروبيون في قطع الطريق على دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحثهم على إرسال قطعهم العسكرية البحرية إلى مياه الخليج من أجل مواكبة ناقلات النفط والغاز والسفن الأخرى لعبور مضيق هرمز الاستراتيجي المغلق فعلياً إلا بوجه عدد محدود من الدول التي توصلت إلى تفاهمات مع إيران كالصين والهند للسماح لناقلاتها أو تلك المتجهة إليها بالعبور الآمن.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً لمجلس الدفاع والأمن القومي في قصر الإليزيه مخصصاً للوضع في الخليج والشرق الأوسط (أ.ب)

كذلك لجأت عدة دول أوروبية أعضاء في الحلف الأطلسي إلى تذكير ترمب بأن مهام الحلف الأطلسي لا تشمل مضيق هرمز. وما لا يريده الأوروبيون، بأي شكل من الأشكال، أن يكونوا جزءاً من الحرب الدائرة منذ 18 فبراير (شباط) الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وجاء إلحاح ترمب، الذي وجهه إلى الحلف الأطلسي والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ليضع الأوروبيين في وضع بالغ الدقة، حيث إنهم ليسوا مستعدين للحاق بترمب، ولا هم قادرون على تجاهله، والأكثر من ذلك مواجهته.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وبان التردد الأوروبي في عجز وزراء خارجية دول الاتحاد في اجتماعهم الاثنين في بروكسل للتوصل إلى مخرج يتخطى رفضهم الاستجابة لما يريده الرئيس الأميركي.

بيد أن الخط العام الذي يسير عليه الأوروبيون، بشكل عام، لخصته كايا كالاس، في مقابلة مع وكالة «رويترز» الثلاثاء، وجاء في حرفيته أن «لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في ‌مضيق هرمز، ولذا علينا إيجاد سبل ⁠دبلوماسية ⁠لإبقاء هذا المضيق مفتوحاً، حتى لا نواجه أزمة غذاء أو أزمة أسمدة أو أزمة طاقة أيضاً».

ويعني كلام المسؤولة الأوروبية الاستبعاد الكلي للجوء إلى القوة العسكرية للمحافظة على حرية الإبحار في المضيق الاستراتيجي. غير أن هذا الموقف الذي يحظى، كما بينت مناقشات وزراء خارجية الاتحاد، بدعم غالبية أعضائه، لا يكفي لإخراج الأوروبيين من ورطتهم؛ الأمر الذي برز من خلال عدم تبنيهم لأي قرار في اجتماع الاثنين.

«مهمة أسبيدس»

بوسع الاتحاد الأوروبي، نظرياً، أن يختار واحداً من الحلول الثلاثة الممكنة، في حال وضع الخيار الأميركي جانباً، وأولها توسيع إطار ما يسمى «مهمة أسبيدس» التي تعني باليونانية «الدروع». وهذه «المهمة» الأوروبية أطلقت في عام 2024 لحماية الملاحة في البحر الأحمر من الهجمات الحوثية التي كانت تستهدف السفن العابرة فيه. والفارق الرئيسي بين هذه «المهمة» وما قام به الطرف الأميركي أنها «محض دفاعية»؛ بمعنى أن القطع الأوروبية المشاركة فيها (وليست كثيرة وهي تعد ثلاث فرقاطات) كانت تمتنع عن استهداف مواقع إطلاق الصواريخ والأراضي اليمنية.

منظر جوي لجزيرة قشم المفصولة عن البر الإيراني الرئيس بمضيق كلارنس (رويترز)

والفكرة التي راجت أوروبياً أن بالإمكان تعزيز «أسبيدس» ومد انتدابها لتشمل مياه الخليج ومضيق هرمز. وهذا الخيار يحظى بدعم فرنسا وعدد آخر من الدول التي ترى فيه مخرجاً للهروب من الضغوط الأميركية. لكن المناقشات الوزارية لم تفض إلى نتيجة إيجابية أقله في الوقت الحاضر. وما يهم الأوروبيين راهناً هو كسب الوقت وعدم الانجرار وراء الأميركيين وترقب مسار التطورات العسكرية رغم الأزمة التي ضربت سريعاً قطاع الطاقة. بيد أن كالاس أسفت مع نهاية الاجتماع الوزاري أن «الدول الأعضاء لا ترغب بالوقت الراهن في تغيير انتداب (مهمة أسبيدس) وأن لا أحد يرغب في المشاركة النشطة في الحرب».

Leaders of the "European Troika" with the Ukrainian President at the entrance to the British Prime Minister's headquarters in London on Monday (AFP)

هل سيرى التحالف الدولي النور؟

ثمة خيار آخر متاح للأوروبيين عنوانه إقامة «تحالف دولي» من الجهات الراغبة بالمشاركة بعيداً عن الأميركيين، وتنحصر مهمته بتوفير الإبحار الآمن في الخليج ومضيق هرمز، من خلال مواكبة الناقلات بقطع عسكرية أوروبية وغير أوروبية.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من طرح المشروع الذي لا يمكن السير به في ظل الحرب القائمة. ووفق تصوره، فإن مهمة التحالف المشار إليه «محض دفاعية».

ورغم مرور عشرة أيام على مقترحه، فإن الأمور ما زالت ضبابية. واستبعد ماكرون، بعد ظهر الثلاثاء، وبمناسبة اجتماع جديد لمجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه، مشاركة بلاده في أي عمليات مواكبة في ظل الحرب المشتعلة، مكذباً بذلك تأكيدات ترمب الذي أشار نهاية الأسبوع إلى أن باريس تدعم جهود بلاده. وقال ما حرفيته: «لسنا طرفاً ‌في ‌النزاع، وبالتالي لن تشارك فرنسا أبداً في ‌عمليات فتح أو تحرير ‌مضيق هرمز في السياق الراهن».

سفينة الحاويات «سورس بليسنغ» التي أصيبت بمقذوفات أصابتها بالقرب من مضيق هرمز راسية في هامبورغ (رويترز)

بيد أنه أردف قائلاً: «نحن مقتنعون بأنه بمجرد أن تهدأ الأوضاع - وأنا أستخدم هذا المصطلح على نحو فضفاض عن قصد - أي بمجرد توقف القصف الرئيسي، سنكون مستعدين، إلى جانب الدول الأخرى، لتحمل مسؤولية نظام المرافقة».

ما يفهم من المصادر الفرنسية أن الغرض إنشاء قوة بحرية - جوية يكون حضورها رادعاً. ورغم سلمية المهمة والميل للتفاهم بشأنها مع إيران، فإن القوة ستكون مؤهلة للرد على الاعتداءات التي تستهدف السفن العابرة. وحتى اليوم، فإن دولاً أوروبية رئيسية مثل ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وأخرى غير أوروبية مثل الهند وكندا وأخرى خليجية أبدت انفتاحاً على المقترح المذكور الذي يحتاج للكثير من البحث والتأطير، والوقت.

وأفاد مصدر عسكري قبل يومين بأن باريس تقوم بمجموعة من الاتصالات مع دول يرجح أن تكون مهتمة بالمقترح ولن يكون ممكن التحقيق إلا بعد أن تتوقف الحرب عملياً. ويمكن تلخيص المبادرة الفرنسية بأنها أقرب إلى الدبلوماسية، ويراد لها أن تكون دفاعية ودولية وألا يتم الخلط بينها وبين النشاط الأميركي - الإسرائيلي في المنطقة في الخليج والمضيق.

الاحتذاء بالنموذج الأوكراني

خلال اجتماع الاثنين، وبعد أن أكدت كالاس أن الحرب الدائرة حالياً «ليست حرب أوروبا، ولكن المصالح الأوروبية معنية بها بشكل مباشر»، اقترحت حلاً شبيهاً بما يسمّى «مبادرة البحر الأسود»، التي تم التوصل إليها في يوليو (تموز) من عام 2022؛ أي بعد الأشهر الأولى من الحرب الروسية - الأوكرانية.

وهدف المبادرة وقتها، إتاحة الإبحار الآمن في البحر الأسود للبواخر المحملة بالحبوب والأسمدة إن من أوكرانيا أو من روسيا. والدول التي كانت ضالعة في الاتفاق، إلى جانب الأمم المتحدة، هي روسيا وأوكرانيا وتركيا. وتقوم «المبادرة» على إيجاد ممرات بحرية آمنة مع مركز للتنسيق قائم في إسطنبول. وقد سمحت المبادرة بإخراج آلاف الأطنان من الحبوب والمساهمة في استقرار الأسواق. وبالنظر إلى ما قامت به الأمم المتحدة، فإن كالاس اتصلت بأمينها العام غوتيريش للتنسيق معه. وسيكون الأخير في أوروبا هذا الأسبوع بمناسبة القمة التي ينوي قادة الاتحاد عقدها، والتي ستدور غالبية أعمالها عن الحرب في الخليج والشرق الأوسط.

وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في عام 2020، أطلق الأوروبيون «مهمة دولية» للمحافظة على الأمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ويشار إليها بـEMASOH. لكن هذه «المهمة» تراجع دورها بعد أن انسحبت منها عدة دول وتقلص القطع العسكرية المخصصة لها، إما بسحبها أو بتحويلها إلى مهمة «أسبيدس». وكان لهذه المهمة جناح عسكري يسمى «AGENOR» ومركز قيادة في أبوظبي. وبسبب هذه التطورات فرغت هذه «المهمة» التي كانت تجمع ما بين الدبلوماسية وإمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية من أي محتوى. ولذا، ليس من المستبعد أن الدول التي كانت ناشطة فيها وغير الراغبة بالاستجابة لنداء ترمب أن تكون مستعدة، عندما تتوافر الظروف، في الانخراط بـ«التحالف الدولي» الذي يستعيد «فلسفتها»، والذي يريده الأوروبيون بالدرجة الأولى.


«الباسيج»… ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري»

دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
TT

«الباسيج»… ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري»

دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)

لا ينظر إلى «الباسيج» في إيران، بوصفه مجرد تشكيل ميليشياوي تابع لـ«الحرس الثوري»، بل هو أحد أكثر أدوات «الجمهورية الإسلامية» تشعباً داخل المجتمع الإيراني، وأقربها إلى وظيفة الربط بين الأمن والعقيدة والسياسة.

فمنذ تأسيسه عقب ثورة 1979، تطور من قوة تعبئة شعبية استدعيت أولاً لحماية النظام الوليد والمشاركة في الحرب العراقية - الإيرانية، إلى جهاز واسع الحضور يؤدي أدواراً متداخلة في الضبط الداخلي، والمراقبة الاجتماعية، والتعبئة الآيديولوجية، ودعم نفوذ «الحرس الثوري» داخل الدولة والمجتمع.

من «تعبوي» إلى جهاز أمن داخلي

تأسس «الباسيج» بأمر من المرشد الأول (الخميني) في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في إطار فكرة إنشاء «جيش العشرين مليوناً» للدفاع عن الثورة والنظام الجديد.

وفي بداياته، اضطلع بأدوار أمنية وخدمية محدودة، قبل أن يتحول سريعاً خلال الحرب مع العراق إلى خزّان بشري للتعبئة. وهناك ارتبط اسمه بما عُرف بـ«الموجات البشرية»، حين زُجّ بمتطوعين، كثير منهم من صغار السن أو قليلي التدريب، في جبهات القتال والحقول الملغومة.

لكن نهاية الحرب لم تعنِ تراجع دوره. على العكس، أعيد توجيه «الباسيج» تدريجياً نحو الداخل، ليتحول إلى أحد الضامنين الأساسيين للأمن الداخلي. ومنذ تسعينات القرن الماضي، ومع اتساع الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية، صار الباسيج أداة رئيسية في مواجهة الاضطرابات، وخصوصاً في احتجاجات 1999 ثم الحركة الخضراء عام 2009، وصولاً إلى موجات الاحتجاج اللاحقة.

موقعه داخل القوات المسلحة

من الناحية الهيكلية، لا يعمل «الباسيج» كقوة مستقلة بالكامل، بل يخضع لـ«الحرس الثوري»، الذي يتولى قيادته وإعادة تنظيمه وتحديد وظائفه. وقد مرّ بعدة مراحل تنظيمية، قبل أن يُدمج بصورة أوثق داخل بنية الحرس، ويصبح جزءاً من منظومة الأمن الموازي التي يقودها الأخير.

أعضاء الباسيج الطلابي يستقبلون المرشد السابق علي خامنئي بترديد هتافات (أرشيفية - موقع خامنئي)

وبذلك، لا يُقاس وزن «الباسيج» بعدد أفراده فقط، وهو رقم محل جدل كبير بين التقديرات الرسمية وغير الرسمية، بل أيضاً بموقعه كامتداد اجتماعي لـ«الحرس الثوري» داخل المدن والجامعات والمدارس والنقابات والأحياء.

وعلى هذا الأساس، يشكل «الباسيج» طبقة وسيطة بين المؤسسة العسكرية الصلبة والمجتمع. فهو ليس جيشاً نظامياً بالمعنى التقليدي، ولا مجرد ميليشيا شوارع، بل شبكة تعبئة تتغلغل في البنية المدنية، وتتيح لـ«الحرس الثوري» الوصول إلى المجتمع، ومراقبته، والتأثير فيه، واستدعاء عناصره عند الحاجة.

بنية متشعبة تتجاوز الأمن المباشر

تكشف المواد الواردة عن بنية واسعة ومعقدة لـ«الباسيج»، تشمل وحدات قتالية وأخرى اجتماعية وثقافية ومهنية. فإلى جانب كتائب مثل «عاشوراء» و«الزهراء» و«بيت المقدس» و«الإمام علي» و«الإمام الحسين» و«كوثر»، التي تضطلع بأدوار تتراوح بين مكافحة الشغب، والدعم اللوجستي، والحماية، والتدريب العسكري، توجد أيضاً فروع موجهة إلى شرائح المجتمع المختلفة: الطلاب، والتلاميذ، والجامعيون، والموظفون، والعمال، والقبائل، والمهندسون، والأطباء، والفنانون، والإعلاميون، والرياضيون، حتى رجال الدين والمنشدون الدينيون.

ولا تعد هذه البنية مجرد اتساع تنظيمي، بل فلسفة عمل تقوم على تحويل «الباسيج» إلى «مجتمع موازٍ» داخل المجتمع الإيراني. فوجوده في المدارس والجامعات والمساجد والأحياء والدوائر الرسمية يجعله جهازاً للفرز والتعبئة والرقابة، لا مجرد قوة تُستدعى عند اندلاع الاضطرابات.

العمود الفقري للأمن الداخلي

تكمن الأهمية العملية لـ«الباسيج» في كونه أحد أول خطوط الاستجابة عند وقوع الاحتجاجات كجهاز موازٍ لـ«قوات إنفاذ القانون (الشرطة)». فبحسب المواد أعلاه، تظهر عناصره سريعاً في الشوارع، على دراجات نارية أو في مجموعات ميدانية، ويتولون تفريق المحتجين، واعتقالهم، ومطاردتهم، ورصد النشطاء، والعمل أحياناً بملابس مدنية أو عبر مخبرين داخل التجمعات. كما يضطلع بدور في مراقبة المجتمع، وفرض المعايير السلوكية، ومساندة أجهزة الأمن والشرطة في ضبط المجال العام.

عناصر من «الباسيج» خلال عرض عسكري في طهران (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا المعنى، يؤدي «الباسيج» وظيفة حاسمة للنظام: تخفيض تكلفة القمع الرسمي المباشر عبر الاعتماد على شبكة تعبئة عقائدية - أمنية موزعة على القاعدة الاجتماعية. ولذلك، لا يُفهم حضوره من خلال عدد البنادق أو الكتائب فقط، بل من خلال قدرته على إنتاج حضور أمني يومي داخل المجتمع.

النفوذ السياسي والاقتصادي

لم يعد «الباسيج» مجرد أداة أمنية. فمع الوقت، اتسع نفوذه السياسي والاقتصادي، سواء عبر دعمه لتيارات محافظة في الانتخابات، أو من خلال حضوره في الجامعات والإعلام، أو عبر شبكات المنح والامتيازات والتوظيف. كما دخل في مشاريع اقتصادية وإنشائية وتنموية، مستفيداً من صلاته بـ«الحرس الثوري» ومؤسساته المالية والتعاونية.

هذا التمدد جعل «الباسيج» جزءاً من منظومة السلطة، لا من هامشها. فهو يساعد على حماية التوازن السياسي الداخلي، ويدعم نفوذ «الحرس الثوري» في مؤسسات الدولة، ويؤمن قاعدة اجتماعية وآيديولوجية للنظام في لحظات التوتر.

ذراع الحرب الناعمة والميليشيا الرقمية

ولا يقتصر دور «الباسيج» على الشارع أو الأمن الميداني، بل توسّع في العقدين الأخيرين ليشمل ما تسميه السلطات الإيرانية «الحرب الناعمة». وفي هذا السياق، أنشأ «الحرس الثوري» و«الباسيج» بنية دعائية وسيبرانية واسعة تهدف إلى مواجهة الخصوم السياسيين والإعلاميين للنظام، داخل إيران وخارجها.

عناصر من «الباسيج» في عرض عسكري بطهران 10 يناير 2024 (أ.ب)

ويعمل «مقر الحرب الناعمة» التابع لـ«الباسيج» على تنظيم الأنشطة في الفضاء الإلكتروني، بما في ذلك إدارة المواقع الإلكترونية والمدونات ومنصات التواصل الاجتماعي، وتدريب آلاف الأعضاء على إنتاج المحتوى السياسي والدعائي ومواجهة المعارضين على الإنترنت. وتشير تقارير إلى أن آلاف عناصر الباسيج تلقوا تدريبات على التدوين، ومراقبة الشبكات الاجتماعية، والإبلاغ عن الحسابات المعارضة، إضافة إلى المشاركة في حملات إلكترونية منظمة.

كما يدير «الباسيج» شبكة إعلامية موازية تضم مؤسسات، مثل: وكالة أنباء تحمل اسمه و«وكالة أنباء دانشجو» المرتبطة بـ«الباسيج الطلابي» الذي ينشط بالجامعات، فضلاً عن ارتباطه الوثيق بوسائل إعلام قريبة من «الحرس الثوري»، مثل «تسنيم» و«فارس». وتُستخدم هذه المنصات لترويج خطاب النظام، وتعبئة المؤيدين، ومهاجمة الخصوم السياسيين والنشطاء.

أكثر من ميليشيا

تحوّل «الباسيج» تدريجياً إلى قوة هجينة تجمع بين الميليشيا الميدانية والميليشيا الرقمية، إذ يعمل أعضاؤه في الشارع وفي الفضاء الإلكتروني معاً، ضمن استراتيجية أوسع لـ«الحرس الثوري» تهدف إلى السيطرة على المجالين الأمني والإعلامي في آن واحد.

ويبلغ عدد أفراد «الباسيج» مئات الآلاف. في المحصلة، يُعد أحد أعمدة النظام الإيراني في الداخل: ذراع تعبئة، وأداة ضبط اجتماعي، وخزاناً بشرياً للأمن، وقناة اختراق للمجتمع، ومكملاً مؤسسياً لـ«الحرس الثوري». قوته الحقيقية لا تكمن في قدرته على النزول إلى الشارع فقط، بل في اتساع شبكته داخل الدولة والمجتمع معاً. ولهذا، فإن فهم الباسيج لا يمر عبر اعتباره ميليشيا متشددة فحسب، بل بوصفه مؤسسة هجينة تجمع بين العقيدة والسلاح والتنظيم الاجتماعي، وتحتل موقعاً مركزياً في الهيكل الأمني والسياسي للجمهورية الإسلامية.