هل لا يزال نجيب محفوظ «مهيمناً» على الرواية العربية؟

بعد 15 عاماً على رحيل صاحب جائزة نوبل

هل لا يزال نجيب محفوظ «مهيمناً» على الرواية العربية؟
TT

هل لا يزال نجيب محفوظ «مهيمناً» على الرواية العربية؟

هل لا يزال نجيب محفوظ «مهيمناً» على الرواية العربية؟

رغم رحيله قبل 15 سنة في مثل هذا اليوم، يرى بعض الروائيين والنقاد أن نجيب محفوظ لا يزال يحظى بهيمنة واسعة النطاق في المشهد الروائي العربي، بمعنى أنه لا يزال يغطي على كثير من الروائيين الجيدين. الكل يتفق أن صاحب «أولاد حارتنا» قد أرسى دعائم الرواية العربية الحديثة، وحقق عبر أعماله إنجازاً روائياً غير مسبوق، وأن روائيين كثيرين قد خرجوا من تحت معطفه، ولكن أيضاً هناك العديد من الروائيين في أكثر من بلد عربي قد حققوا منجزات مهمة، لكن لا يزال الحضور الطاغي الذي حققه محفوظ، يحجبهم إلى حد ما، حسب آراء أخرى.
هل يكمن السبب «في تنوع وثراء وحجم منجزه كماً وكيفاً، وبراعته في التعبير عن الجانب المظلم من النفس الإنسانية، فضلاً عن تنقله برشاقة بين العديد من المدارس والاتجاهات الإبداعية»، كما يعبر أحد الروائيين المشاركين في هذا الاستطلاع؟
أم أن الهيمنة والرهبة والمهابة التي حظي بها محفوظ، حولها البعض إلى «رهاب يحول دون إعادة النظر في أدبهِ، خشية الاتهام بالتطاول، أو البحث عن الشهرة أو الشوشرة أو الحسد والغيرة»، بحيث أصبح صاحب نوبل عصياً على المراجعة أو التقييم، ولا يتم الاقتراب منه إلا في سياق احتفالي؟ كما يعبر روائي آخر في هذا الاستطلاع.
هنا آراء عدد من الروائيين العرب من أجيال مختلفة:

كمال الرياحي (روائي تونسي): درس لم نستوعبه بعد
لم يكن نجيب محفوظ تجربة روائية واحدة لكي تطويها التجارب الأخرى. كان منجماً للتخييل والعطاء. اطلع على الشكل الروائي الغربي ولم يترك تياراً إلا واختبر نصه فيه؛ من الرواية الواقعية إلى التاريخية إلى الذهنية. لم يسقط في فخ الآيديولوجيا، وحمى نصوصه من «المباشرتية»، وظلت قوته في وعيه باللغة، فلم يحمل اللغة الروائية ما لا تحتمل وابتعد عن الاستعارة وبلاغة المجاز والشعرية فكانت اللغة عنده براغماتية وشعريتها في روائيتها، وروائيتها في إيهامها بالواقعية، تماست مع العامية دون أن تكونها ونطقت الشخصيات بأصواتها وهذا هو الدرس المحفوظي المفقود في الرواية العربية إلى اليوم، والذي لم يتعلمه بعض الروائيين وما زالوا يتحدثون عن البلاغة بمفاهيمها الشعرية على الرواية، بينما التقط الدرس عدد من الروائيين الآخرين وحققوا نجاحات مهمة مكنت نصوصهم من عبور العربية ذاتها.
كان محفوظ تلميذاً وفياً لبلزاك ولستاندال ومورياك، لكنه وطن الشكل الروائي الغربي في القاهرة. إن عبقريته تظهر بوضوح في إعادة اختراع الأمكنة وجعلها كائناً حياً عالمياً، ويكفي هنا الإشارة إلى «خان الخليلي». كتب محفوظ عن المهمشين من الفتوات في الحواري في «الحرافيش»، وعن المجرمين الصغار والغانيات. وضفر السياسة بذكاء في «اللص والكلاب»، وكتب عن المثقف والموظف البسيط والعامل والعاطل والفلاح والشخصية التاريخية. إن خطورة محفوظ كمفكر وفيلسوف في رواياته هو ما دفع بالمتطرفين إلى محاولة اغتياله لأنه أصبح ذهنية قوية تهدد ذهنية التحريم والتكفير التي يدينون بها.

محمد بركة (روائي مصري): التجاوز ورفض الوصاية
أعتقد أن نجيب محفوظ هو القدر السعيد الذي يلازم كل مبدع روائي في خطواته الأولى، فمثلما لا يمكن أن تكون مطرباً جيداً دون التعرف على عالم أم كلثوم، يصعب أن تكون روائياً مهماً دون أن تدلف عبر بوابة هذا الرجل الذي يستحق لقب «عميد الرواية العربية» بامتياز. والسبب ببساطة يكمن في تنوع وثراء وحجم منجزه كماً وكيفاً، وبراعته في التعبير عن الجانب المظلم من النفس الإنسانية، فضلاً عن تنقله برشاقة بين العديد من المدارس والاتجاهات الإبداعية، لكن ثمة مشكلة حقيقية تبرز في هذا السياق في اتجاهين أساسيين يحكمان نظرتنا لمنجز هذا الرجل: الأول يراه في سياق مقدس، يخلع عليه الكثير من الحصانة ضد النقد، بحيث يصبح صاحب نوبل برأيهم عصياً على المراجعة أو التقييم، ولا يتم الاقتراب منه إلا في سياق احتفالي تغشاه الأضواء المبهرة. الثاني ينال منه بشكل متعسف ولأسباب غير موضوعية تبدو أقرب إلى «الغيرة» و«مماحكات أبناء المهنة الواحدة».
من تجليات النوع الثاني ما وجدناه لدى يوسف إدريس في اتهامه الشهير لمحفوظ بأنه حصل على «نوبل» نظراً لميوله السياسية وموقفه المؤيد للسلام مع إسرائيل، وأن الرواية هي فن المدينة، لكن نجيب محفوظ حوّلها إلى فن الحارة من خلال أعمال «بلزاكية» تقليدية تفتقر إلى العمق والحداثة، وكذلك الكاتب المغربي محمد شكري في كتابه «غوايات الشحرور الأبيض»، حيث اتهم محفوظ بـ«الأسلوب المتلاعب»، و«النقص في التجربة العميقة»، فضلاً عن انتقاص الناقد د. لويس عوض الذي لم يَرَ في روايات محفوظ سوى أنها وصف آخر لمصر، على غرار كتاب «وصف مصر» الذي وضعه فنانون وباحثون فرنسيون رافقوا حملة بونابرت على مصر.
نحن بحاجة إلى طريق ثالث في النظر إلى الإرث المحفوظي يعلي من قيمته لكن يركز على قيمة تجاوزه وعدم البقاء طويلاً تحت وصاية أبوته، تلك القيمة التي نستشرفها من تجارب الرجل نفسه فقد تجاوز جميع أساتذته ثم معاصريه، بل سعى لتجاوز ما سبق أن قدمه هو ذاته، ساعتها سيظل محفوظ مهيمناً على الفضاء الإبداعي العربي عبر الدروس المهمة التي نستخلصها من مسيرته مثل الاستمرارية والدأب والتخطيط والصرامة في إدارة الوقت.

هوشنك أوسي (روائي كردي سوري): هيمنة بحاجة إلى مراجعة
لا يزال نجيب محفوظ يحظى بهيمنة واسعة النطاق في المشهد الروائي العربي، بشكل عام، وفي مصر على وجه الخصوص. ويكاد يتحول إلى رمز قومي مصري أو عربي. ويمكنني إحالة خلفية تلك الهيمنة إلى أسباب ثلاث هي:
أولاً: الجهد الإبداعي الثري والمهم الذي بذله محفوظ، خلال مسيرته، قبل فوزه بجائزة نوبل. ما يعني أن خزانته من التجارب الإبداعية غنية ومتنوعة، أمنت وتؤمن له رصيداً ورأسمالاً أدبياً كبيراً، يمنح أدبه التفويض في استمرار السلطان والهيمنة.
ثانياً: صحيح أن نجيب محفوظ هو نجيب محفوظ، مع أو بدون جائزة نوبل. لكن، الصحيح أيضاً أنه لا يمكن إغفال دور ووزن وأهمية جائزة نوبل للآداب، التي حصل عليها بعرق جبينه وكد يمينه، في ترسيخ وتكريس محفوظ روائياً ذا مهابة وسلطة وهيمنة على المشهد، تكاد تصل لحد العصمة والرهبة.
ثالثاً: حركة النقد التي كانت (مع وضد) محفوظ، قبل فوزه بجائزة نوبل، أصبحت بعد وفاته معه وزادت من ترسيخه وتكريسه، وكأنه «ليس كمثله شيء» في عالم والأدب والرواية، ناهيك عن حصر الإبداع في «السلف الصالح» من الأدباء، وفي طليعتهم نجيب محفوظ. وبعد مرور عقد ونصف العقد على رحيله، لا نكاد نعثر على ملمح من ملامح النقد (المثلبي) الذي يرى في أدب نجيب محفوظ ما يمكن تسجيل النقاط عليه، وليس تسجيل المزيد من النقاط له. ليس هذا وحسب، بل كل مَن يحاول إعادة النظر في أدب محفوظ، بنسبة أقل افتتاناً، ويشير إلى بعض نقاط الضعف في تجربته الروائية، نرى بعض النقاد أو أغلبهم، يستشيطون غيظاً وغضباً، ويردون: مَن يمكنه انتقاد نجيب محفوظ، يجب أن يكون من وزنه! وحتى لو توفر ذلك الشرط المنتقد، لأثيرت الشبهة على الناقد، وتم التعامل معه على أنه يستهدف مصر أو الأدب العربي.
إن الهيمنة والرهبة والمهابة التي حظي بها محفوظ، حولها بعض النقاد إلى رهاب يحول دون إعادة النظر في أدبهِ، خشية الاتهام بالتطاول، أو البحث عن الشهرة أو الشوشرة أو الحسد والغيرة؛ وهذا ليس انتقاصاً من أهمية ووزن محفوظ، بل رغبة في التعامل معه، بمزيد من الإنصاف والتوازن.

هيلانة الشيخ (روائية سعودية): جماليات لا تنتهي
مات كل الحكاءين ولم يمت نجيب، وهل كان محفوظ حكاءً أم روائياً؟ هذا السؤال يراودني كلما مرت ذكرى وفاته، رغم يقيني أنه الروائي العربي الوحيد الذي لم ولن يموت. وأتساءل: هل خلدت جائزة نوبل نجيب محفوظ؟ أم خلدها هو؟ لولا انفراد محفوظ بهذه الجائزة المثيرة للشك لما أصبحت هاجس كل روائي أو شاعر عربي. كنت طفلة عندما تردد اسم هذا النجيب فأثار فضولي فبدأت أقرأ له بنهم، بعدها استوعب عقلي أن بعض الأفلام التي أعشقها هي صنيعة قلمه الجبار، وأصبت بعشق الكتابة والقراءة، ولما نضجت سرقني إحسان عبد القدوس من نجيب لوهلة وقلت: لماذا مات إحسان عبد القدوس ولم يمت نجيب؟ ومع مرور السنوات أيقنت أن نجيب محفوظ هو الروائي الوحيد المُخلد في كل الأجيال مهما حاول الحاقدون اقتلاع جذوره من رؤوسنا.
خمسة عشر عاماً على وفاته في كل عام يحتفي العالم بذكراه التي يُغضب المصريون المساس بها، مات بعد ثمانية عشر عاماً من حصوله على نوبل. وقعت عيني على قصته «زعبلاوي» التي ربما لم تحظ بشهرة باقي أعماله لكني وجدت فيها ما لم أجده في سواها؛ كيف ابتدعها هذا الرجل وكتبها بهذه الفلسفة العبثية قبل حوالي ستين عاماً، ونحن اليوم نسير كالسلاحف الهرمة نحمل أسفارنا ونبحث عن الحداثة! اختزل في هذه القصة كل مناهج الحداثة فبدأ رحلته من الفوق إلى الأسفل، من المعرفة إلى الجهل، والبحث عن الوجودية محاكاة مع رواية «في انتظار غودو» للآيرلندي صمويل بيكيت، توغل نجيب في هذه القصة في فلسفة عبثية بين الواقعية والخيالية، ستون عاماً وما زلت أنبش في سطوره عن جماليات السرد وعوالم وسحر الرواية ولم أنته.

ريم بسيوني (روائية مصرية): الحارة الشعبية طريقه للعالمية
نجيب محفوظ سيظل مهيمناً على فضاء الرواية العربية بسبب اتساع «قماشة» أعماله وشموليتها وتنوع الموضوعات التي قام بمعالجتها عبر حقبات تاريخية مختلفة. صحيح أنه اتخذ من الحارة الشعبية مسرحاً لأعماله، إلا أنه استطاع بمهارة فائقة أن يصل للعالمية من خلال تجسيد صراعات البشر وأشواقهم للحرية في كل مكان وزمان عبر أحلامهم وتمزقهم بين الخير والشر. قدم الرجل قوالب روائية متنوعة مثل عالم الواقعية السحرية في «ليالي ألف ليلة»، وقضايا الوجود الإنساني كما في «قلب الليل» و«الشحاذ» ورواية الجريمة كما في «اللص والكلاب»، كما مزج الواقعية السحرية بالتاريخ في «أولاد حارتنا» و«الحرافيش». أضف إلى كل ذلك لغته الواضحة السلسلة التي لا تتنازل عن الفصحى ولكنها تبقى سهلة الوصول للقارئ العادي.

الغربي عمران (روائي يمني):
كان وسيظل مهيمناً
محفوظ ليس مجرد أديب عابر. فمن قبل أن ينال نوبل، وهو أستاذ لجيل عريض من الأدباء العرب. سيل إبداعه مثل حالة لم تتكرر في الأدب العربي، موضوعياً وفنياً، خاصة بعد أن تحولت أكثر أعماله إلى أعمال فنية تلفزيونية وسينمائية ليتجاوز النخبوية إلى الشعبية، إذ أن الأعمال المأخوذة عن رواياته أوصلته وبقوة إلى جميع الشرائح حتى الأميين في أقطارنا العربية. وبهذا وصلت أعماله وانتشرت لتسهم وبقوة في تشكل الوعي الجمعي للمجتمعات. محفوظ برقي أعماله من خلال نوبل إلى العالمية وترجمتها أضحى في مصاف العظماء عربياً وعالمياً والسفير الأوحد للأدب العربي. خدم الرجل الأدب العربي بل غير الكثير في الوعي الإنساني بغوصه في أعماق الشخصية العربية. كان مهيمناً وإلى اليوم وسيظل كنجم كبير تتبعه نجوم كبيرة؛ استطاع أن يحتوينا جميعاً، وسبر أغوار المجتمع من خلال شخصياته الروائية المتنوعة. أيضاً ألاعيبه الفنية نهل الجميع منها، لا سيما قدرته على تصوير ورسم الشخصيات من الداخل. فكل كاتب في بداية طريقه يتأثر بمحفوظ وفنه، ثم يسعى كلما نضج لتجاوز أبوته والبحث عن ذاته.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended