أي مصداقية تاريخية للأرشيف الرسمي؟

كشف الوثائق وتوفيرها للعموم شيء ومحتواها شيء آخر

أي مصداقية تاريخية للأرشيف الرسمي؟
TT

أي مصداقية تاريخية للأرشيف الرسمي؟

أي مصداقية تاريخية للأرشيف الرسمي؟

تعتز الدول الكبرى بهيئات أرشيفها الرسمي كمؤسسات مختصة بحماية التراث القومي للأمة، ومرجع موثوق للوثائق الحكومية والوطنية التي تمثل واحدة من أهم مصادر المادة الخام الضرورية لعمل المؤرخين. وتخضع هذه المؤسسات إلى إجراءات مشددة تنظمها قوانين مخصوصة تحدد طريقة حفظ الوثائق وسبل الاستفادة منها، وتفرض قيوداً زمنية وإجرائية معينة قبل أن يتاح للعموم الاطلاع على بعضها مما قد يعد حساساً من الناحية الأمنية أو الاقتصادية. وينتظر المؤرخون بفارغ الصبر أحياناً لعقود طويلة رفع تلك القيود عن الوثائق موضع اهتمامهم، ومن ثم قد يجدون فيها ما يعين في إعادة صياغة السردية التاريخية عن مرحلة معينة أقله في بعض الجوانب التي لم تكن بغير تلك الوثائق لتعرف.
في كتابة تاريخ الاتحاد السوفياتي مثلاً، وحيث كان الأرشيف الرسمي مغلقاً دائماً للعموم، كان كثير من السرديات عن تاريخ روسيا منذ ثورة 1917 وحتى انحلال الاتحاد في 1991 منحازة لأحد طرفي الحرب الباردة من شرق وغرب ولذا كان لكل حدث من تلك الفترة صورتان متناقضتان على الأغلب. فيما بعد وفقط بعدما سمحت الدولة الروسية في وقت لاحق بفتح أوراق الاتحاد أمام الباحثين أصبحت السرديات أكثر عقلانية وواقعية باستنادها إلى وثائق رسمية تدعم ادعاءاتها. فيما تمكنت مجموعة من الباحثين سميت بالمؤرخين الإسرائيليين الجدد من تقديم صياغة مختلفة تماماً عن السردية الرسمية للدولة العبرية لتاريخ القضية الفلسطينية خلال النصف الأول من القرن العشرين، وذلك بعدما تسنى لهم الاطلاع على وثائق الأرشيف العبري من تلك الفترة التي رفعت عنها السرية بعد عقود طويلة.
لكن الكشف عن الوثائق وتوفيرها للعموم شيء، ومحتوى تلك الوثائق شيء آخر. بل إن تجربة الأرشيف الوطني البريطاني الذي يضم أكثر من 110 أميال من الأرفف لحفظ وثائق الدولة منذ 500 عام ويعده البعض بمثابة نموذج ذهبي لما يجب أن تكون عليه عملية حفظ التراث القومي للأمم، لا توحي بكثير من الثقة بمحتويات الأرشيفات الرسمية. ففي العام 2005 مثلاً، اكتشفت السلطات أن مجموعة من الوثائق اعتمد عليها المؤرخ مارتن ألين في صياغة رواية نقيضة للسردية الرسمية عن مصير القائد الألماني هنريتش هيملر كانت مزورة. وبحسب ألين في كتابه «حرب هيملر السرية – 2005»، فإن الرجل قتل على يد عميل بريطاني مستنداً إلى وثائق من الأرشيف البريطاني تناقض مع ما كان متفقاً عليه سابقاً بين مؤرخي الدولة البريطانية من أنه انتحر وهو في قبضة الجيش البريطاني عند نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقتها أثار أحد الباحثين شكوكاً لناحية طبيعة النص الوارد في إحدى الوثائق التي استند إليها ألين في كتابه، مشيراً إلى صبغة أدبية ظاهرة لا تتوفر عادة في طريقة الكتابة الرسمية المعتادة في أروقة حكومة لندن. وقد دفع ذلك السلطات إلى إرسال مجموعة الوثائق التي أشار إليها ألين في كتابه إلى خبراء الكشف عن التزوير في سكوتلاند يارد (الشرطة البريطانية) الذين اكتشفوا أن الوثائق طبعت بطابعة ليزرية لم تتوفر إلا بعد نصف قرن من تاريخها المزعوم (1945)، وأن التوقيعات عليها كانت مزورة. وبعد بحث مضن في ملفات الأرشيف تبين أن 29 منها تعود لتلك الفترة لم تكن حقيقية، وقد تم زرعها بين الوثائق الأخرى في الفترة 2000 – 2003. وكان ألين نشر قبل ذلك كتاباً آخر، «الأجندة الخفية: كيف خان دوق ويندسور الحلفاء؟ - 2002»، ادعى فيه معتمداً على وثائق من الأرشيف البريطاني أيضاً بأن دوق ويندسور، إدوارد الثامن، مرر معلومات استراتيجية لجاسوس ألماني ساعدت في انتصار النازيين الكاسح على فرنسا عام 1940.
ومن تلك الوثائق كانت رسالة من الدوق بالألمانية إلى الفوهرر أدولف هتلر شخصياً. وقد أثار تكرار تصادف عثور ألين على وثائق من الأرشيف تناقض الرواية الرسمية إلى إثارة الشكوك بشأنه، وتبين للسلطات بأنه شخصياً كان وراء إضافة وثائق للأرشيف الرسمي اعتمدها لاحقاً لنشر كتبه، وقدمته للمحاكمة، لكن القاضي ما لبث أن أسقط الملاحقة القانونية عنه في 2007 نظراً لتدهور صحته. وقد أثارت تلك الحادثة وقتها قلقاً عميقاً بين المؤرخين البريطانيين، واعتبر بعضهم أن تسرب وثائق مزورة إلى الأرشيف الرسمي يمثل خطراً بالغاً بالنظر إلى الانعكاسات السياسية التي قد تترتب على اعتمادها كمصادر تاريخية، لا سيما عن مرحلة قلقة مثل الحرب العالمية الثانية المغلفة بكثير من الشكوك والادعاءات المتناقضة. وقد أعادت الإدارة القائمة على الأرشيف الوطني البريطاني تنظيم إجراءات التفتيش وأضافت شبكة مكثفة من الكاميرات لمراقبة غرف القراءة ليس لمنع اللصوص من سرقة الوثائق أو إتلافها فحسب، وإنما أيضاً لمنع جلب وثائق مزورة من خارج المبنى وزرعها داخل الملفات.
وإذا كان مارتن ألين بالفعل مزوراً صغيراً أضاف 29 وثيقة للأرشيف، فإن الدولة البريطانية ربما تستحق لقب المزور الأكبر. وهذه السمعة المستحقة بنيت على أساس جهد منظم للبروباغاندا ونشر الأكاذيب تولته الأجهزة البريطانية بالتعاون مع الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، وتضمن نشر مئات الألوف من الوثائق المزورة أو المواد التي تحمل أخباراً كاذبة أو المقالات المتفق عليها مع الصحف والمجلات – بما فيها مجلات علمية وتقنية مرموقة – بغرض التعمية على الحقائق، ناهيك عن شبكة من محطات الإذاعة السرية التي كان بعضها يبث بالألمانية ويدعي بأنه صوت نازي بينما ينشر معلومات مغلوطة تتسبب في اهتزاز معنويات الجنود والمواطنين الألمان.
لكن الأمر يمتد لأبعد من ذلك، إذ اعترفت السلطات البريطانية (2011) بأن حوالي 1500 ملف تشغل 200 قدم من الرفوف قد أخفيت من الأرشيف الرسمي في مخزن سري داخل أحد مراكز الحكومة وجميعها تتعلق بالحملة الدموية التي نفذتها سلطات الاحتلال البريطاني ضد الماو ماو في كينيا خلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي.
وقد اتهمها مؤرخون بأنها تعمدت إتلاف عشرات الآلاف من الوثائق عن كينيا، وأخفت وثائق أصبحت ذات صلة بأحداث جارية مثل الأوراق التي تتحدث عن الادعاءات البريطانية بشأن جزر الفوكلاند و(تبخرت) لدى اندلاع الصراع العسكري مع الأرجنتين للاستحواذ عليها (1982)، كما أوراق تتحدث عن خطط بريطانيا لقصف قرى كردية عام 1919 بغاز الماسترد القاتل والتي اختفت بقدرة قادر في 1991 وقت حرب الخليج الأولى وغيرها، مما يشير إلى جهد سياسي واع وفاعل تقوم به إدارة الأرشيف الوطني لتحديد ما يمكن للجمهور الوصول إليه خلال فترة معينة من الزمن، وبحيث لا ينعكس سلباً على سمعة الحكومة البريطانية أو يكشف عن أسرار تتعارض مع السرديات الرسمية المعتمدة.
ولذلك، لا ينبغي أن يتبادر للذهن أن الإفراج عن وثائق رسمية ورفع السرية عنها من الحكومات الغربية يعني بالضرورة أن كل ما فيها مصدر للثقة أو يمكن الاعتماد عليه لتشييد سردية تاريخية دقيقة ما لم تتقاطع معلوماتها مع مصادر أخرى. ولا شك بأن عصر الإنترنت والبريد الإلكتروني يمنح السلطات اليوم قدرات مضاعفة لإخفاء أجزاء من أرشيفها من الوجود دون ترك آثار تذكر، أو تعديل محتوياتها بالإضافة والإزالة بشكل يسير.
وإذا كان البريطانيون – أساتذة التوثيق – وهذا حال أرشيفهم الوطني، فإن الصورة في العالم العربي أكثر قتامة بما لا يقاس. إذ لا يمتلك كثير من دوله نظاماً محترفاً لأرشفة الوثائق الوطنية أو تركت تلك في المنعطفات المختلفة نهباً للضياع التام، أو أنها أخفيت بعناية دون أي خطط لتوفيرها للعموم في أي وقت قريب، مما يجعل التأريخ للعالم العربي من وجهة نظر بديلة لما تمليه المصادر الغربية مسألة أقرب للتنجيم والروايات المنحازة المزعومة والتمنيات بأثر رجعي.



مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».