هل أصبحت الأندية الغنية الوحيدة القادرة على الفوز بالبطولات في إنجلترا؟

كرة القدم الحديثة تشهد فوارق هائلة بين «الكبار» و«الصغار» بشكل صارخ

خسارة ليدز أمام مانشستر يونايتد بخماسية منطقية نظراً للفوارق المالية بين الناديين (أ.ب)
خسارة ليدز أمام مانشستر يونايتد بخماسية منطقية نظراً للفوارق المالية بين الناديين (أ.ب)
TT

هل أصبحت الأندية الغنية الوحيدة القادرة على الفوز بالبطولات في إنجلترا؟

خسارة ليدز أمام مانشستر يونايتد بخماسية منطقية نظراً للفوارق المالية بين الناديين (أ.ب)
خسارة ليدز أمام مانشستر يونايتد بخماسية منطقية نظراً للفوارق المالية بين الناديين (أ.ب)

أسهل شيء في عالم كرة القدم هو أن تلقي بالمسؤولية على المدير الفني عند خسارة الفريق. وأصبح هذا الأمر شائعاً للغاية عند حدوث أي أزمة، فإذا تعثر الفريق أو خسر في مباراة مهمة تتم إقالة المدير الفني على الفور. ودائماً ما تلجأ الأندية إلى الحل السهل عند حدوث أي أزمة، وهو تغيير المدير الفني، ويعود السبب في ذلك إلى أن إعادة بناء الفريق يتطلب وقتاً طويلاً وأموالاً طائلة ومجهوداً هائلاً من حيث البحث عن لاعبين جيدين في دوريات أقل مثل البرتغال أو اليونان، أو دوري الدرجة الأولى في إنجلترا ومتابعتهم بشكل جيد والتعاقد معهم في نهاية المطاف. وهناك بعض العوامل الهيكلية الأخرى، ناهيك عن الأزمة الاقتصادية الحالية التي تعاني منها كل الأندية بسبب تداعيات تفشي فيروس كورونا.
ويمكن أن نتخذ في ذلك مثلاً من مواجهة مانشستر يونايتد وليدز في الجولة الافتتاحية للدوري الإنجليزي الممتاز. فبعد فوز مانشستر يونايتد بخمسة أهداف مقابل هدف وحيد على ليدز، كان هناك الكثير من الأمور والنقاط التي يجب مناقشتها والحديث عنها: هل يعتمد ليدز يونايتد بشكل مبالغ فيه على الدولي كالفين فيليبس، الذي لم يشارك في تلك المباراة؟ ولماذا تؤدي طريقة الضغط العالي التي يعتمد عليها المدير الفني الأرجنتيني مارسيلو بيلسا إلى هزائم ثقيلة في كثير من الأحيان؟ وهل تألق ماسون غرينوود يمكن أن يجعل المدير الفني لمانشستر يونايتد، أولي غونار سولسكاير، يفكر في إشراك بول بوغبا وبرونو فرنانديز معاً من دون التضحية بلاعب خط وسط مهاجم، وإذا حدث ذلك، فكيف سيكون وضع ماركوس راشفورد؟
ومع ذلك، كانت هناك وجهة نظر غريبة تشير إلى أن سولسكاير قد تفوق بطريقة ما على بيلسا، بل وذهب البعض إلى المطالبة بإقالة المدير الفني الأرجنتيني من منصبه إذا كان ليدز يونايتد يريد حقاً المضي قدماً! ويبدو أن هؤلاء قد نسوا أن بيلسا قاد ليدز يونايتد لإنهاء الموسم الماضي في المركز التاسع برصيد 59 نقطة، وهو أعلى عدد من النقاط يحصل عليه فريق صاعد حديثاً إلى الدوري الإنجليزي الممتاز منذ عقدين كاملين من الزمان!
من الممكن أن تتراجع النتائج تحت قيادة بيلسا، ومن الممكن أن يرحل عن الفريق، خاصة أنه لم يسبق له طوال مسيرته التدريبية أن استمر مع نادٍ واحد لأربعة مواسم. ويجب أن يكون هناك بعض القلق من أن ليدز يونايتد، الذي خسر أمام مانشستر يونايتد على ملعب «أولد ترافورد» الموسم الماضي أيضاً برباعية، لم يتعلم الدرس مما حدث، حتى لو قال بيلسا، إن فريقه قدم أداءً أفضل هذه المرة. لكن يجب ألا ننسى أن فاتورة أجور لاعبي مانشستر يونايتد تبلغ خمسة أضعاف فاتورة أجور لاعبي ليدز.
وعلاوة على ذلك، فإن إيفرتون، الذي أنهى الموسم الماضي متأخراً بمركز عن ليدز يونايتد، لديه فاتورة رواتب أكبر بثلاث مرات من فاتورة رواتب لاعبي ليدز. ومن بين جميع أندية الدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي، كان وست بروميتش ألبيون وشيفيلد يونايتد فقط هما من لديهما فاتورة رواتب أقل من فاتورة رواتب ليدز. وبالتالي، فإن إنهاء ليدز يونايتد الموسم الماضي في المركز التاسع يعد إنجازاً كبيراً، ولا ينبغي لأحد أن يعتقد أن تراجع الفريق ثلاثة أو أربعة مراكز هذا الموسم سيكون بمثابة فشل أو إخفاق. ويجب على الجميع أن يدرك حقيقة أن كرة القدم الحديثة تشهد فوارق هائلة بين الأندية الكبرى والأندية الصغيرة بشكل صارخ، وأنه على الرغم من أن بعض الأندية يمكنها في كثير من الأحيان تحدي المنطق المالي لبعض الوقت، فإن الارتقاء إلى مستوى الأندية الكبرى والغنية يكون صعباً للغاية.
ولا يزال هناك ميل للحديث عن «الأندية الستة الكبرى» في كرة القدم الإنجليزية، وعلى الرغم من أن فاتورة الرواتب الأسبوعية في هذه الأندية الستة قد تجاوزت 2.5 مليون جنيه إسترليني، فمن الصحيح أيضاً أنه حتى ضمن هذه الأندية الستة هناك ثلاثة أندية تتفوق بفارق كبيرة عن غيرها، وهي مانشستر سيتي (الذي كان قد أبقى على فاتورة رواتبه منخفضة نسبياً، على الرغم من أنه في حال التعاقد مع هاري كين إلى جانب جاك غريليش، فإن ذلك سيتغير بوضوح)، وتشيلسي لأن تمويله لا يعتمد على النجاح في كرة القدم، ومانشستر يونايتد بسبب تاريخه المميز الذي سمح له بإبرام صفقات تجارية مع مجموعة هائلة من المنتجات الكبرى في جميع أنحاء العالم.
ربما يكون ليفربول قادراً على المنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم، لكن يجب أن نعرف أن إجمالي ما ينفقه النادي على الرواتب يمثل 74 في المائة فقط من فاتورة رواتب لاعبي مانشستر يونايتد. وبالتالي، فإن ليفربول قد حقق إنجازاً استثنائياً خلال موسمي 2018 - 2019 و2019 – 2020، لكن الموسم الماضي أظهر مدى معاناة الفريق في حال غياب بعض لاعبيه الأساسيين بسبب الإصابة؛ نظراً لأنه لا يملك بدلاء على المستوى نفسه. وبالمثل، فإن نجاح ليستر سيتي في احتلال المركز الخامس مرتين رغم أنه يأتي في المركز الثامن ضمن قائمة أعلى الأجور يعد إنجازاً مذهلاً، كما أن تراجع نتائج الفريق في نهاية الموسمين الماضيين يأتي نتيجة عدم امتلاك بدلاء على نفس مستوى الأساسيين، كما هو الحال مع ليفربول.
ويأخذنا هذا للحديث عن العضوين الآخرين فيما يعرف بالأندية الستة الكبار، وهما آرسنال وتوتنهام. لقد حقق توتنهام الفوز في آخر مباراة على ملعب «وايت هارت لين» في عام 2017 على مانشستر يونايتد بهدفين مقابل هدف وحيد، ليضمن إنهاء الموسم في المركز الثاني. ومن ذلك الحين، اشترى توتنهام كلاً من دافينسون سانشيز، ولوكاس مورا، وسيرج أورييه، وفرناندو يورينتي، وخوان فويث، وتانغوي ندومبيلي، وستيفن بيرغوين، وريان سيسيغنون، وجوفاني لو سيلسو، وكريستيان روميرو، وبريان غيل، بينما اشترى مانشستر يونايتد عدداً كبيراً من اللاعبين، من بينهم أليكسيس سانشيز، وفيكتور ليندلوف، ونيمانيا ماتيتش، وروميلو لوكاكو، وفريد، ودانيال جيمس، وآرون وأن بيساكا، وبرونو فرنانديز، وهاري ماغواير، ودوني فان دي بيك، ورافائيل فاران وجادون سانشو. قد لا يكون المال كل شيء في عالم كرة القدم، لكنه يلعب دوراً كبيراً بكل تأكيد.
وتكمن المفارقة في أن الاستثمار في البنية التحتية الذي كان يجب أن يساعد توتنهام على الحصول على إيرادات إضافية وتطوير الفريق بشكل أفضل هو الذي أدى إلى عدم القدرة على التعاقد مع لاعبين جدد وتراجع النتائج بشكل ملحوظ، وبالتالي إقالة المدير الفني الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو من منصبه. وتفاقمت المشكلة بشكل كبير عندما قرر مالك النادي، دانيال ليفي، التعاقد مع المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو.
وقد مر آرسنال بعملية مماثلة خلال العقد الماضي، حيث استثمر بكثافة في بناء ملعب جديد على حساب تدعيم الفريق، ليكتشف أنه بحلول الوقت الذي أصبح فيه الملعب الجديد جاهزاً أن المشهد المالي قد تغير تماماً، وأن حقبة الأندية التي تعتمد على الملاك الأثرياء قد بدأت! وبعد الأداء السيئ لآرسنال أمام برينتفورد في الجولة الافتتاحية للموسم الجديد للدوري الإنجليزي الممتاز، كان من السهل إلقاء اللوم على المدير الفني للمدفعجية ميكيل أرتيتا، لكن من عدم الإنصاف القيام بذلك.
ونظراً لأن آرسنال قد أنهى الموسمين الماضيين بشكل جيد نسبياً، فإن هذا النقد سيزداد إذا لم يظهر الفريق علامات على التطور والتحسن. لكن الحقيقة هي أن هناك فجوة هائلة بين آرسنال وبين أندية القمة، وأن رغبة آرسنال في سد هذه الفجوة أو تقليلها جعله يتصرف بطريقة غريبة ويتعاقد مع عدد من اللاعبين الذين لم يقدموا الإضافة المأمولة. هذا لا يعني أن المديرين الفنيين لا يتحملون قدراً من المسؤولية أو أن آرسنال لا يستحق النقد بعد الأداء المتواضع الذي قدمه أمام برينتفورد. لكن بالمقابل، يجب أن نتذكر أن نتائج أي فريق في الدوري الإنجليزي الممتاز باتت تعتمد على النواحي المالية أكبر من اعتمادها على أي شخص في الوقت الحالي!


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.