انطلاق مبكر للحملة الرئاسية الفرنسية واليمين الكلاسيكي غارق في مشاحناته

ميشال بارنيه كبير مفاوضي الاتحاد في ملف بريكست ينضم الى قافلة المنافسة الرئاسية (رويترز)
ميشال بارنيه كبير مفاوضي الاتحاد في ملف بريكست ينضم الى قافلة المنافسة الرئاسية (رويترز)
TT

انطلاق مبكر للحملة الرئاسية الفرنسية واليمين الكلاسيكي غارق في مشاحناته

ميشال بارنيه كبير مفاوضي الاتحاد في ملف بريكست ينضم الى قافلة المنافسة الرئاسية (رويترز)
ميشال بارنيه كبير مفاوضي الاتحاد في ملف بريكست ينضم الى قافلة المنافسة الرئاسية (رويترز)

عادت الحياة تدب في عروق الحياة السياسية الفرنسية بعد انتهاء العطلة الصيفية، وأعين الحكومة والمعارضة والأحزاب المختلفة شاخصة باتجاه الاستحقاق الرئاسي الذي سيحل موعده في شهر أبريل (نيسان) المقبل، أي بعد أقل من 8 أشهر. وفيما الأمور محسومة بالنسبة لترشح الرئيس إيمانويل ماكرون لولاية ثانية، وكذلك بالنسبة لمارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف ورئيسة حزب «التجمع الوطني»، وكما بالنسبة لليسار المتشدد، حيث المرشح السابق جان لوك ميلونشون أعلن عن خوضه المنافسة للمرة الثالثة، إلا أن الحزبين التقليديين في فرنسا، أي اليمين الكلاسيكي ممثلاً بحزب «الجمهوريون» واليسار الاشتراكي يعيشان حالة من التضعضع لغياب المرشح «الطبيعي» لدى الجانبين. يضاف إلى ذلك أن حزب الخضر يعاني من تنازعات داخلية ومن تكاثر الطامحين لخوض المعمعة الرئاسية. ويجمع المراقبون للحياة السياسية في فرنسا أن تكاثر المرشحين يميناً ويساراً من شأنه أن يخدم مصلحة الرئيس ماكرون الذي يراهن فريقه على منافسة تضع وجهاً لوجه ماكرون ولوبن، كما في انتخابات عام 2017، الأمر الذي من شأنه أن يضاعف حظوظ الرئيس الحالي بالبقاء خمسة أعوام إضافية في قصر الإليزيه. ورغم أن استطلاعات الرأي تضع أحياناً لوبن متقدمة على منافسيها في الدورة الانتخابية الأولى بمن فيهم ماكرون، إلا أن الجولة الثانية ستكون حكماً لمصلحة الرئيس الحالي باعتبار أن الفرنسيين ليسوا مؤهلين بعد لانتخاب رئيس «أو رئيسة» من اليمني المتطرف رغم المساعي الحثيثة التي تبذلها لوبن لإقناع الفرنسيين أن حزبها تغير و«تطبع».
ستكون الأسابيع القليلة المقبلة حاسمة بالنسبة للأحزاب الثلاثة الأخيرة التي تجتاز مخاضاً داخلياً عسيراً لاختيار الأنسب من مرشحيها في ظل كثرة الطامحين. وهذه، بداية، حال حزب «الجمهوريون» اليميني الذي أخرج من السلطة منذ عام 2012، حيث خسر مرشحه نيكولا ساركوزي عام 2012 المنافسة بوجه الاشتراكي فرنسوا أولاند، وفي عام 2017 بإخراج مرشحه فرنسوا فيون من السباق منذ الدورة الأولى. وسبب التدافع بين المرشحين مرده لبصيص الضوء الذي ظهر في نهاية نفق مظلم اجتازه الحزب المذكور بسبب نجاح ماكرون في تفجيره من الداخل بفضل مقاربته التي تقول بتخطي اليمين واليسار. وتبين نظرة سريعة على الحكومة الحالية أن رئيسها ووزراء الاقتصاد والداخلية والتجارة الخارجية وغيرها يشغلون مناصب رئيسية فيما السياسة التي تتبعها تميل إلى اليمين. ولكن مع النجاح الذي حازه اليمين في الانتخابات الإقليمية الأخيرة وتقهقر حزب ماكرون «الجمهورية إلى الأمام» أعادا الأمل إلى صفوف اليمين الذي أخذ يطرح نفسه بديلاً جدياً عن ماكرون.
حتى أول من أمس، كان هناك أربعة طامحين أولهم كزافيه برتراند، الوزير السابق ورئيس منطقة شمال فرنسا الذي تبين استطلاعات الرأي أنه الأكثر شعبية. وتليه على بعد خطوات فاليري بيكريس، الوزيرة السابقة ورئيسة منطقة إيل دو فرانس الاستراتيجية (أي باريس وضواحيها القريبة والبعيدة). والمرشح الثالث النائب أريك سيوتي، والرابع فيليب جوفان، رئيس بلجية غارين ــ كولومب (غرب باريس). وانضم إلى القافلة ميشال بارنيه، الذي شغل سابقاً منصبي وزارة الزراعة ثم الخارجية، وعمل لسنوات داخل مفوضية الاتحاد الأوروبي وآخر المهام التي أداها أنه كان كبير مفاوضي الاتحاد في ملف الخروج البريطاني (بريكست). ويتكئ بارنيه الذي كان في بداية حياته السياسية أصغر برلماني سناً ينضم إلى الجمعية الوطنية على صورته الأوروبية، وعلى أنه إلى حد ما كان بعيداً عن المسرح السياسي الداخلي. الجديد لدى حزب «الجمهوريون» أن رئيسه السابق لوران فوكييز الذي كان متوقعاً له أن يخوض السابق أعلن عزوفه.
يعاني جميع هؤلاء المرشحين من صعوبتين رئيسيتين: الأولى عنوانها كيفية التفرد والتمايز عن الآخرين في إطار الخط الحزبي اليميني العام. والثانية تحديد الاستراتيجية السياسية بوجه الرئيس ماكرون انطلاقاً مما يعتبرونه نقاط ضعف ظهرت خلال السنوات الأربع والنصف سنة المنقضية من ولايته. وفيما خص بارنيه، فقد اختار زاوية الهجرات للتمايز، وقال في حديث تلفزيوني، أمس، بعد الإعلان عن ترشحه إن أحد مداميك برنامجه الانتخابي «الحد من الهجرة والسيطرة عليها»، ولكن أيضاً «وضع العمل والكفاءة في قلب المجتمع» الفرنسي. وقال بارنيه كذلك في حديث لصحيفة «لو فيغارو» اليمينية، إنه مرشح ليكون «رئيساً يحترم الفرنسيين، ويفرض احترام فرنسا التي تعيش أوقاتاً عصيبة»، مضيفاً أن «العالم من حولنا خطر وغير مستقر وهش، وبلدنا يسير بشكل سيئ». ويرى المرشح الجديد أن فرنسا لا تستطيع استضافة جميع الراغبين بمغادرة أفغانستان، لا بل إنه يدعو إلى «وقف مؤقت للهجرات» إلى فرنسا، والدفع باتجاه التوصل إلى اتفاقات مع الدول مصدر الهجرات التي يتعنى مساعدتها مالياً مقابل السيطرة على تدفق الهجرات من أراضيها. إضافة إلى ذلك، يدعو بارنيه في برنامجه الانتخابي إلى تعزيز الحرب على الإرهاب «في كل مكان» وتعزيز الإنفاق الدفاعي.
واضح أن مقترحات بارنيه لا تحمل حقيقة أي فكرة جديدة، الاقتراحات التي يطرحها وجل ما تؤشر إليه أنها تستعيد الطروحات اليمينة الكلاسيكية التي لا يختلف بشأنها المرشحون الأربعة. لكن مسألة رئيسية تبقى عالقة بالنسبة لحزب «الجمهوريون»، وهي كيفية اختيار المرشح الرسمي حيث من يدعو إلى إجراء انتخابات داخلية على الطريقة الأميركية، كما حصل نهاية عام 2016، وكانت نتيجتها كارثية، وبين من يرفضها أصلاً مثل كزافيه برتراند، وهو حتى اليوم المرشح الأفضل لليمين وفق استطلاعات الرأي.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...