تحديات أمنية لإسرائيل لم يبلورها بنيت

في عهد إدارة أميركية ديمقراطية تختلف توجهاتها عن ترمب

تحديات أمنية لإسرائيل لم يبلورها بنيت
TT

تحديات أمنية لإسرائيل لم يبلورها بنيت

تحديات أمنية لإسرائيل لم يبلورها بنيت

حمل رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نفتالي بنيت بالأمس معه إلى العاصمة الأميركية واشنطن رؤية حكومته لما تعتبرها أولوياتها ورؤيتها لمستقبل في ظل الأوضاع السياسية والأمنية المتسارعة. ومما لا شك فيه أن الجديد في الأمر، ليس فقط أنه لأول مرة هناك رئيس حكومة إسرائيلي جديد منذ مارس (آذار) 2009 يحمل ملفاتها إلى الإدارة الأميركية، بل أن في البيت الأبيض أيضاً إدارة ديمقراطية تحمل مقاربات – إن لم يكن سياسات – مختلفة عن سابقتها الجمهورية تحت رئاسة دونالد ترمب. ثم إن لقاء بايدن - بنيت يأتي أمام خلفيات إقليمية مهمة، في مقدمها الملف الإيراني النووي الذي عادت واشنطن إلى التفاوض بشأنه، وتولي المتشدد الجديد إبراهيم رئيسي منصب الرئاسة في إيران، ومستقبل نفوذ طهران في العراق وسوريا ولبنان وغزة، وأخيراً، لا آخراً، الانسحاب الأميركي الإشكالي من أفغانستان، ما قد يعني إطلاق يد «حركة طالبان» والقوى المتعاطفة معها في الشرق الأوسط.
في الوقت الذي كانت المعارضة الإسرائيلية تهاجم نفتالي بنيت وحكومته، لأنها لم ترد على صاروخ أُطلق باتجاه إسرائيل من قطاع غزة، وتعتبره «متهرباً من المواجهة مع (حماس)»، هرع بنيت مهرولاً إلى مقر قيادة فرقة غزة في اللواء الجنوبي للجيش الإسرائيلي، التي تقف على أهبة الاستعداد لمواجهة أي توتر حربي جديد.
بنيت أخذ معه في حينه وزير الأمن في حكومته، الجنرال بيني غانتس، ورئيس أركان الجيش، أفيف كوخافي، ورئيس هيئة الأمن القومي في مكتب رئيس الوزراء، الدكتور إيال حولاتا، وقائد المنطقة العسكرية الجنوبية اللواء إليعيزر توليدانو، وقائد فرقة غزة العميد نمرود ألوني، ومسؤولين في المخابرات. واعتبرها يومذاك جلسة طارئة تحمل العنوان «تقييم الأوضاع في الحدود مع غزة»، وأطلق التصريح: «سنعمل في الوقت والمكان المناسبين، وفي الظروف المناسبة لنا، وليس لأي طرف آخر».
ثمة مَن حسب أنه يهدد «حماس»، إلا أنه في الواقع كان يخاطب الداخل الإسرائيلي أكثر. لقد حاول توضيح أن سكوته على الصاروخ لم يكن ضعفاً، بل لأنه اقتنع برسالة «حماس»، التي حاولت بعدة طرق وعن طريق أكثر من وسيط، تأكيد أنها لم تكن على علم بنية إطلاق هذا الصاروخ، وتنصلت منه بشكل تام.
كان بنيت قد اتخذ قراراً بألا يرد هذه المرة على الصاروخ، والجيش وافق معه. لكن هذا الموقف يبدو متناقضاً مع السياسة الجديدة التي وضعها بنيت نفسه وتباهى بها على الملأ في أعقاب الحرب الأخيرة على القطاع. وبموجبه، صار يرسل طائراته المقاتلة لقصف غزة، حتى بعد إطلاق بالونات متفجرة.

أسئلة إسرائيلية
وإذا كانت الصحافة الإسرائيلية تتعاطى مع بنيت وحكومته بقفازات من حرير، باعتبار أنه لم تمر 100 يوم بعد، ولا تجوز مهاجمتها، فإن المعارضة بقيادة بنيامين نتنياهو راحت تهاجمه بشدة، وتطرح تساؤلاً لاذعاً، وتقول؛ إذا كان بنيت يخاف من «حماس»، فماذا سيفعل عندما يطلق «حزب الله» 1000 صاروخ في اليوم، ويدفع بقوات الكوماندوز عنده للتسلل إلى البلدات الإسرائيلية لتنفيذ عمليات؟ والسؤال الصعب؛ ماذا ستفعل عندما تفتح الميليشيات الإيرانية جبهة جديدة على إسرائيل في الشمال الشرقي؟ بل ماذا ستفعل عندما تقرر إيران، وهي بقيادة رئيس يميني محافظ ومتطرف مثل إبراهيم رئيسي؟
الحقيقة أن هذه التساؤلات تدور أيضاً داخل أروقة الحكومة وبين أقطابها، ولم يجدوا جواباً عليها حتى الآن. فهم عندما شكلوا هذه الحكومة كانوا يهدفون أولاً وقبل كل شيء للتخلص من حكم بنيامين نتنياهو. بعضهم رأوا أنه حكم فاسد يجب التخلص منه. وبعضهم اتخذ موقفاً عدائياً منه، فانضم إلى الهبة المتصاعدة بغرض التغيير، مجرد التغيير. وبعضهم دخلها حرباً انتقامية. وآخرون لمسوا اتجاه الريح في واشنطن، فقرّروا دخول السباق للفوز بقلبها، ولذلك هاجموا كل قوى التطرف من حزب كهانا، برئاسة إيتمار بن جبير، الممثل بـ6 مقاعد في الكنيست، حتى «طالبان».
وبنيت، الذي يعرف مكانة الولايات المتحدة في قلوب الإسرائيليين، سيبحث في واشنطن مع الرئيس جو بايدن، وحشد من القادة الآخرين في الخارجية والدفاع جملة من القضايا. وستوجه إليه عدة أسئلة في هذه القضايا، بدءاً من الموضوع الإيراني حتى موضوع أفغانستان. وكذلك سوريا ولبنان... حتى الصين. وستوجه إليه أسئلة في الموضوع الفلسطيني أيضاً. ولكي يجيب، يفترض أن يكون قد حدد مع وزرائه وجيشه ومخابراته رؤية استراتيجية واضحة.

التحديات الجدّية
بنيت قبل التوجه إلى واشنطن أعرب عن رغبته في وضع قضية إيران على رأس سلم أولويات مباحثاته في واشنطن. وهناك سيقول إن طهران استغلت انسحاب إدارة دونالد ترمب من الاتفاق النووي واكتسبت المعرفة والخبرة اللازمتين للاقتراب من تطوير الأسلحة النووية. فهي حققت تقدماً في تخصيب اليورانيوم إلى مستويات عالية وتشغيل أجهزة طرد مركزي متقدمة، وبدأت في إنتاج اليورانيوم المعدني. وسيضيف إنه من غير الواضح بعد إذا كانت طهران في عهد الرئيس الجديد، إبراهيم رئيسي، مهتمة بالعودة إلى الاتفاق.
التقديرات الإسرائيلية تقول إن القيادة الإيرانية تماطل وتكسب الوقت في «لعبة الاتهامات»، ولذا يجب التعامل مع السيناريوهات المحتملة بصرامة وحزم. وسيحاول وضع الدور الإيراني في الساحة الإقليمية، باعتبار أنها تواصل ترسيخ نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتدير دفتر حسابات مفتوحاً مع إسرائيل.
حكومة بنيت أحدثت بالفعل تغييراً ملموساً في الموقف الذي وضعه رئيس الحكومة السابق، بنيامين نتنياهو، من الاتفاق النووي. وبنيت يرى اليوم ضرورة التعاون الوثيق مع واشنطن، لا الصدام معها. وبدلاً من معارضة أي اتفاق جديد سيسعى للتأثير على موقفها بحيث يجري إدخال بنود تلائم السياسة الإسرائيلية من جهة... كأن يكون هذا اتفاقاً «أوضح أطول وأقوى وأشد قيوداً»، مع الحفاظ على حرية إسرائيل في العمل. ويريد أيضاً ضمانات لوجود خيار عسكري إسرائيلي ذي مصداقية تجاه إيران والتحسب لسيناريوهات الفشل في الوصول إلى اتفاق، والوصول إلى «عتبة قريبة» حتى تحقيق «اختراق (النووي)». ويريد إدخال بند يتعلق بأنشطة إيران الإقليمية وتقييد إنتاج الصواريخ الباليستية.
موضوع الساحة الحربية المحيطة بإسرائيل، والخاضعة لتأثير مباشر لإيران، مرشح للبحث جدياً. فمع ظهور التطورات الجديدة في أفغانستان، سيعيد قول ما سبق وطُرح في التصريحات الإسرائيلية. ففي تل أبيب يرون في هذه الأحداث برهاناً على أنه «لا يمكن الوثوق بالاتفاقيات مع تيارات إسلامية شبيهة بـ(حركة طالبان)، من إيران حتى (حزب الله) و(حماس) وغيرهما». وسيعبر عن القلق الإسرائيلي من الأوضاع في لبنان؛ حيث يسود انهيار اقتصادي وسلطوي ويسيطر على المشهد صراع القوى الذي لا ينتهي، وتبدو فيه إيران مصرة على التدخل والحسم لصالحها. لديها «حزب الله»، الذي يبدو منضبطاً أمام إسرائيل ومنفلتاً في دفع المصالح الإيرانية... وقد تنشأ أوضاع ودينامية للتصعيد الحربي.

حالة «حزب الله»
يورام شفايتسر، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، يرى أن «قيام (حزب الله) بإطلاق 19 صاروخاً على قطاع جبل روس (في مزارع شبعا) في 6 أغسطس (آب) الحالي، رداً على غارة جوية شنتها القوات الجوية الإسرائيلية على لبنان، وبعد صمته على نيران المدفعية الإسرائيلية على جنوب لبنان في اليوم السابق، كان أمراً غير عادي. فمن جهة تجرأ على إطلاق صواريخ، وفي المقابل، أكد أنه غير معني بحرب... بل وجّه صواريخه إلى مناطق مفتوحة، تعبيراً عن ضبط النفس». ويضيف الباحث؛ ينبع ضبط النفس الطوعي الذي ينتهجه «حزب الله» من الوضع المتردي في لبنان المنهار، الذي يؤثر عليه أيضاً. هناك تفسير يدعي أن «حزب الله» مهتم حالياً بتسخين الحدود من أجل ترسيخ مكانته الحصرية كـ«مدافع عن لبنان» أمام منتقديه في الساحة الداخلية، وصرف الأنظار عن انتقاده اللاذع لدوره في فساد المؤسسات وانهيار الاقتصاد اللبناني والنظام السياسي، وكذلك بفعل الادعاءات بشأن مسؤوليته عن الانفجار الرهيب في مرفأ بيروت قبل عام بالضبط. ومن ناحية أخرى، هناك الادعاء الحاسم ضده بأن تأجيج النار المتعمد مع إسرائيل لا يخدم التنظيم، خاصة في ظل اتساع الاحتجاجات ضده، لأن ذلك يجرّ لبنان إلى مواجهة مع إسرائيل، لا يريدها أحد، خدمة لرعاته الإيرانيين.
الجولة الأخيرة عززت هذا الادعاء، بل إن خصومه باتوا يجرؤون على انتقاده علناً أكثر مما كان عليه في الماضي. وتجلى التعبير الملموس عن معارضة تحركاته في حادثة وقعت في قرية شويا الدرزية، عندما هاجم سكانها بغضب عناصر «حزب الله» العائدين من إطلاق الصواريخ على إسرائيل، بحجة أن القصف من محيط القرية كان من الممكن أن يؤدي إلى هجوم إسرائيلي عليها. وأثار نشر الفيديوهات الخاصة بالحدث على مواقع التواصل الاجتماعي ردود فعل غاضبة ضد «حزب الله»، لكن في المقابل، كان هناك من سارع للدفاع عن «المقاومة» اللبنانية، من أجل تهدئة التوتر بين الدروز والشيعة. وقام نصر الله الذي خشي من تضرر صورة التنظيم داخل لبنان، بتبني لهجة تصالحية في خطابه الأخير، وأوضح أن إطلاق النار وقع في منطقة مفتوحة وغير مأهولة، بل نشر مقطع فيديو يظهر أن إطلاق النار تم من بين أشجار كثيفة وليس من داخل البلدة. لكن رجال «حزب الله»، قاموا في الوقت نفسه، بإرسال رسائل تهديد إلى القرية الدرزية لردع سكانها عن القيام بعمل مماثل في المستقبل ودفع قادتهم إلى تهدئة النفوس في صفوف الطائفة.

جبهتا فلسطين وسوريا
من جهتها، تقول أورنا مزراحي، الباحثة في المعهد نفسه، إن النيران المتقطعة التي أطلقتها الفصائل الفلسطينية على الحدود، في الآونة الأخيرة، حلقة في سلسلة عمليات «محور المقاومة» بقيادة إيران، في إطار المواجهة مع إسرائيل... وشملت تجنيد «حماس» و«الجهاد الإسلامي» الفلسطيني، سواء أكان ذلك في قطاع غزة أو في التجمعات الفلسطينية في لبنان. ثم إن مشاركة زعيم «حماس» إسماعيل هنية في حفل تنصيب رئيسي في طهران، وإعلانه أن تنظيمه يعتبر نفسه شريكاً في محور المقاومة، إلى جانب زياد النخالة زعيم «الجهاد الإسلامي» في فلسطين، نعيم قاسم، نائب نصر الله، صورٌ تعبّر عن تعاون أوثق بين مركبات هذا «المحور». ويبدو تورط إيران أخيراً في تسخين الحدود الإسرائيلية اللبنانية، من قبل الفصائل الفلسطينية بديهياً تقريباً. إذ درّبت إيران مبعوثيها؛ «حزب الله» و«الجهاد الإسلامي» الفلسطيني و«حماس» (جنباً إلى جنب مع الميليشيات الشيعية في سوريا والعراق واليمن)، طوال سنوات وحثّتها على مضايقة إسرائيل وخلق شعور لديها بالحصار، وكان آخر ذلك فتح جبهة أخرى ضدها من لبنان. هذا، في ظل تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل في سوريا وفضاء «السايبر» والحلبة البحرية.
أيضاً، في إسرائيل هناك جهد يكرس لمتابعة التطورات في سوريا أيضاً؛ حيث تصرّ إيران على التموضع فيها عن طريق ميليشيات خاصة بها جلبتها من أفغانستان وباكستان والعراق، فضلاً عن ضباط «الحرس الثوري» وطبعاً «حزب الله». وهي - حسب التقديرات في الجيش الإسرائيلي - تعمل على بناء جبهة حربية مباشرة مع إسرائيل؛ خصوصاً في الجولان ودرعا وغيرهما من مناطق الجنوب السوري. ومع أن سلاح الجو الإسرائيلي ينفذ مئات الغارات الحربية على مواقع هذه الميليشيات ومخازن الأسلحة وقوافل نقل الأسلحة، تدرك إسرائيل أن جهودها يمكن أن تعطل وتعرقل وتؤخر... لكنها لن تمنع نشوء هذه الجبهة في النهاية.

حيرة في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي
> في خلفية المداولات التي يجريها مجلس الأمن القومي الإسرائيلي حول هذه التحديات، تظهر حيرة إزاء التعاطي معها، وآراء مختلفة، وفي بعض الأحيان متناقضة، حول سبل العمل. وثمة من يقول إن إسرائيل تواجه تحدياً مزدوجاً.
من جهة، يوجد ضعف في معادلة الردع القائمة التي بموجبها سيقابل أي هجوم إسرائيلي في لبنان بردّ، كما وعد «حزب الله». حرص إسرائيل على الالتزام بقواعد اللعبة هذه ساعد في إرساء هدوء نسبي على مدى العقد الماضي، على طول الحدود اللبنانية، لكنه سمح في الوقت نفسه للمنظمة بمواصلة تعزيز قوتها، لتصبح التهديد العسكري التقليدي الرئيس لإسرائيل في طليعة محور المقاومة الإيراني.
ومن جهة ثانية، يرون محاولة «محور المقاومة» بقيادة إيران، لتحويل الحدود الإسرائيلية - اللبنانية إلى ساحة صراع نشطة، بطريقة تخدم إيران و«حزب الله» و«حماس» على حد سواء، من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق... لأن هذا المحور يثق بأن إسرائيل هي التي ستتجنب المغامرة في الظروف الحالية في لبنان، كي لا تتسبب في اندلاع حرب شاملة تشمل القتال على عدة جبهات.
فكيف ستتصرف؟ هل تستمر في الحفاظ على السياسة الحالية، والرد بشكل منضبط، وفقاً لقواعد اللعبة، على أي محاولة لإيذاء جنودها أو مدنيّيها، مع الحفاظ على قواعد اللعبة ضد «حزب الله»، أم تُقدم على تعزيز الردع بالرد على أي عملية من لبنان، لكن بقوة أكبر من ذي قبل، وبشكل أساسي عبر الضربات الجوية الكفيلة بتقويض معادلة الردع التي يحاول «حزب الله» ترسيخها، أم تستغل إسرائيل ضائقة «حزب الله» والمبادرة إلى تحرك عسكري مفاجئ وموضعي، يقوض قدرات التنظيم (مع التركيز على مشروع الدقة الصاروخية)، في محاولة لإعادة الهدوء إلى الحدود بعد جولة قصيرة من الاشتباكات، لكن مع الأخذ بالاعتبار والاستعداد لردّ قاسٍ (هجوم على الجبهة الداخلية) متوقع من «حزب الله»؟
يعتقد الجنرال إسحاق إبريك، وهو عضو سابق في رئاسة أركان الجيش، أن قوة الردع الإسرائيلية تصدّعت من جراء هذه الحيرة. ويرى إبريك، الذي يمثل تياراً في المؤسسة العسكرية والسياسية، أن المحور الإيراني يعد نفسه لحرب شاملة على عدة جبهات في آن واحد. وبالتالي، على إسرائيل استباق الحدث وتوجيه ضربة مسبقة تردع هذا المحور عن الإقدام على حرب كهذه. ويتساءل تيار إبريك: «ما المصلحة في الاستمرار بهذه الحيرة؟ ولماذا ننتظر حتى يكملوا مشروعهم ويجهزوا أنفسهم لحرب كهذه، بينما نحن قادرون على توجيه ضربات رادعة؟».
ثم يجيبون: «إذا كان خوفنا هو من ردّ فعل قاسٍ يفجّر حرباً شاملة بضرب الجبهة الداخلية، وإيقاع إصابات شديدة في صفوف المدنيين الإسرائيليين، فينبغي علينا إذاً أن نعد الجمهور لمثل هذه الحالة، ونوضح أن أي حرب متأخرة ستكون أسوأ، وستكون نتائجها أقسى».
أيضاً، يرى أصحاب هذا التيار ضرورة رفع مستوى التنسيق مع واشنطن، وإعداد الرأي العام العالمي أيضاً لهذه التحديات كي يكون أي حراك إسرائيلي في هذا الاتجاه مفهوماً دولياً ومدعوماً أميركياً بشكل فاعل.
إلا أن الحسم في هذه القضايا لم يأتِ بعد. والآراء في الحكومة الإسرائيلية تبدو منقسمة. وفي كل الأحوال، لم يبلور بنيت بعد موقفاً محدداً منها. وهو يحتاج إلى اللقاءات في واشنطن حتى تتبين له حدود المناورة. وهنا قد يساعده القادة الأميركيون في بعض القضايا... لكن سيكون عليه أن يتوقع أيضاً مواقف أميركية لا تعجبه ولا تعطيه إجابات شافية.



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.