ألمانيا بدأت العد العكسي لحكم أنجيلا ميركل

بعد 16 سنة من حكم الزعيمة التاريخية

ألمانيا بدأت العد العكسي لحكم أنجيلا ميركل
TT

ألمانيا بدأت العد العكسي لحكم أنجيلا ميركل

ألمانيا بدأت العد العكسي لحكم أنجيلا ميركل

لم يتبقَ كثير من عهد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ذلك أن فترة أقل من شهر تفصلها عن نهاية عهدها وتقاعدها بعد 16 سنة أمضتها وهي تحكم ألمانيا. وفي هذه الأثناء، ما زالت هوية خليفتها غير واضحة... والسباق بين المرشحين لخلافتها على أشده.
وحقاً، على الرغم من أن ميركل، على المستوى الشخصي، ستغادر منصبها بشعبية مرتفعة، على غير عادة الزعماء الذين يمضون وقتاً طويلاً في الحكم، من غير المضمون أن حزبها، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، سيبقى في السلطة بعد رحيلها. إذ الصعود المفاجئ لـ«اشتراكيّي» الحزب الديمقراطي الاجتماعي، الشريك اليساري في حكومة ميركل الائتلافية، قَلَب الطاولة على اللاعبين وأعاد خلط أوراق الانتخابات. فقبل أشهر قليلة فقط، كانت كل آمال الاشتراكيين مركّزة على التقليل من فداحة خسائرهم الانتخابية. لكن مع اقتراب موعد الانتخابات، وجد الاشتراكيون أنفسهم في الطليعة للمرة الأولى منذ 15 سنة، حتى أنهم تقدّموا في أحد استطلاعات الرأي هذا الأسبوع على الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم، وإن كان بنقطة واحدة، ليحصلوا على 23 في المائة من أصوات المستطلعة آراؤهم، مقابل 22 في المائة للديمقراطيين المسيحيين.
يبدو أن السباق الانتخابي إلى منصب المستشارية (أي رئاسة الحكومة الفيدرالية - الاتحادية) في ألمانيا انحصر في 3 شخصيات، أكثر منها الأحزاب التي تمثلها وبرامجها الانتخابية. ويُنظر إلى أرمين لاشيت، مرشح حزب ميركل لمنصب المستشار، على أنه مسؤول مباشر عن الخسائر الكبيرة لحزبه أخيراً. وفي حين تبدو متراجعةً جداً حظوظ مرشحة حزب «الخضر» أنالينا بيربوك التي كانت قد حصدت شعبية غير مسبوقة عند إعلان ترشيحها لمنصب المستشارية مطلع يوليو (تموز) الماضي، فإنها تتراجع منذ ذلك الحين بشكل مضطرد، ويظهر الآن أن المستفيد الأكبر من تغير المشهد السياسي مع تسارع العدّ العكسي للمعركة نائب المستشارة ووزير المالية الحالي أولاف شولتس، مرشح الاشتراكيين الذي أثبت فعلاً أنه مفاجأة هذه الانتخابات.

نكسة لاشيت وتراجعه
أحياناً كثيرة، تصبح صورة محددة رمزاً لحدث معين. وأرمين لاشيت وجد فعلاً صورته هذه، لكنه قد يتذكرها لاحقاً على أنها الصورة التي شكلت نهاية حلمه بأن يصبح المستشار الألماني، في حال خسر الانتخابات. ففي منتصف يوليو الماضي، التقطت عدسات الكاميرات صوراً للاشيت وهو يضحك في خلفية لقطة للرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، الذي كان يتحدث للصحافيين من منطقة أورفشتات، التي كانت من أكثر المناطق تضرراً بالفيضانات الأخيرة التي ضربت ألمانيا.
وحقاً، ما كان ممكناً أن يكون التباين أكبر بين مظهري رجلين؛ الأول شتاينماير، وجهه جادّ يعكس مأساة الأشخاص الواقفين أمامه، الذين خسروا منازلهم، ومنهم من خسر أفراداً غرقوا في الفيضانات. وكان يتحدث باهتمام وتعاطف عن حجم المأساة والمساعدات التي ستقدمها الحكومة لهم. أما الثاني، لاشيت، في خلفية الصورة، فقد بدا واقفاً عند عتبة باب محاطاً ببضعة أشخاص عابسين، إلا هو ورجل بجواره كان يشاركه الضحك.
إزاء الغضب الشديد والانتقادات الحادة، اعتذر لاشيت علناً بعد يومين، واعترف أن ما فعله خاطئ، وما كان يجب أن يحدث. غير أن الضرر كان بالغاً، وبالتالي، لم يجد الاعتذار نفعاً. والدليل أن شعبيته أخذت تنخفض بشكل كبير بين الناخبين. وبالنسبة لكثيرين، كان تصرفه هذا «نقطة اللاعودة» بعد مجموعة «فضائح» أخرى لاحقته منذ انتخابه زعيماً للحزب. والواقع أن لاشيت المعرّض لارتكاب «هفوات»، قاتَل بشدة للظفر بترشيح الديمقراطيين المسيحيين، مع أن نسبة عالية منهم كانت تفضّل ترشيح منافسه ماركوس زودر، رئيس حكومة ولاية بافاريا وزعيم الاتحاد الاجتماعي المسيحي، الذي هو «التوأم» البافاري للديمقراطيين المسيحيين. ومع أن زودر رضي بالنتيجة، فإن الاقتتال الداخلي بين الطرفين ومؤيديهما لم يهدأ حتى بعد إعلان لاشيت مرشحاً رسمياً للحزبين المحافظين الشقيقين وإطلاق الحملة الانتخابية.
مع هذا، فإن هذا الاقتتال الداخلي لعب دوراً سلبياً لدى الناخبين. إذ تقول ميريام كوزميل، الباحثة في معهد برتلسمان شتيفتونغ في برلين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، على يبدو، يكرّر اليوم أخطاء الاشتراكيين الماضية بالاقتتال الداخلي... وتوجيه الاتهامات علناً للاشيت من داخل حزبه يضرّ كثيراً بالحزب كله». وهنا، نشير إلى أن البعض بدأ يطرح صراحةً فكرة تغيير مرشح الديمقراطيين المسيحيين لمنصب المستشار في اللحظة الأخيرة، محاولة لإنقاذ الحزب من خسارة آتية، والاستعاضة عنه بزودر، خاصةً بعد استطلاعات للرأي مطلع الأسبوع أظهرت أن 70 في المائة من الناخبين يعتقدون أن زودر هو المرشح الأفضل لمنصب المستشار، وليس لاشيت. لكن زودر نفسه رفض الأمر. إذ قال إنه الأوان الآن، وتابع أنه رشّح نفسه مرّة، فرُفض، وعليه فلن يكرّر التجربة الآن.

وحدة المحافظين
من جهته، يرى الصحافي والمحلل السياسي إيفالد كونيغ في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن تغيير لاشيت في هذه المرحلة من الانتخابات «قد يلحق بالفعل ضرراً فظيعاً بالحزب»، ولا يعد خياراً واقعياً، مع أن لاشيت «ارتكب كثيراً من الأخطاء التي أضرت به». وحسب رأي كوزميل: «من مصلحة زودر الآن الجلوس وانتظار دوره في المرة المقبلة، في حال أثبت لاشيت أنه فشل فعلاً بالوصول لمنصب المستشارية».
من ناحية أخرى، ناهيك من الهفوات «التصويرية»، يبدو لاشيت وكأنه دخل السباق مراهناً على إرث ميركل وإكماله من دون أن يحمل معه أفكاراً جديدة. وعندما سألته صحافية الأسبوع الماضي أن يحدد 3 أمور يريد أن يقوم بها عندما يصل السلطة، تحدث أولاً عن الرقمنة في المؤسسات التابعة للدولة، وثانياً تخفيف البيروقراطية، ثم توقف عن الكلام. وعندما سألته الصحافية عن النقطة الثالثة، ردّ بعد لحظات صمت مُربِكة، وهو يرفعه يديه قائلاً: «نعم... ما الذي سنقوم به أيضاً؟!!».
ولكن، قد تكون النقطة الوحيدة التي حاول التميز بها عن ميركل هو ما يتعلق بالهجرة. ومع أنه كان من مؤيدي قرار ميركل السماح لآلاف اللاجئين السوريين بدخول ألمانيا عام 2015. فهو يكرّر بأن ما حصل لا يمكن تكراره، وهي نغمة زادت مع بدء ألمانيا إجلاء مئات الأفغان، والمخاوف الأوروبية من موجة هجرة جديدة نحوها بعد عودة «طالبان» للسيطرة على أفغانستان. وتقول كوزميل، الباحثة في معهد برتلسمان، إن لاشيت «يحاول بهذا الخطاب أن يصطاد مؤيدين من المعادين للهجرة واللجوء، لأنه يعرف أن تأييد سياسات اللجوء سيخسره أصواتاً».

اختبار صعب لبيربوك
من جانب آخر، لا تبدو مرشحة حزب «الخضر» البيئي أنالينا بيربوك (40 سنة)، الأصغر سناً بين المرشحين والسيدة الوحيدة، أفضل أداءً من لاشيت. وهي أيضاً ارتكبت هفوات مسؤولة أيضاً عن تراجع حظوظ حزبها الذي كان متقدّماً طوال أشهر على اشتراكيّي الحزب الديمقراطي الاجتماعي، حتى إنه حصل في قمة صعوده، مطلع العام الحالي، على المرتبة الأولى بين كل الأحزاب بنسبة وصلت إلى 26 في المائة من التأييد.
لكن منذ اختيار بيربوك مرشحة لمنصب المستشارة، والفضائح تلاحقها. وهي بدأت باتهامها بسرقات أدبية في الكتاب الذي نشرته قبل الانتخابات ونقلها مقاطع من دون نسبتها. وتلت ذلك اتهامات لها بكتم كامل مدخولها، وغير ذلك من الخطوات «غير المدروسة»، مثل عجزها عن تقديم أجوبة حول كيفية تمويل خطط حزبها لمكافحة التغير المناخي وغيرها.
كوزميل تعتبر أن الهفوات في حملة بيربوك قد تكون نتيجة سوء تحضير حزب «الخضر» للمعركة الانتخابية وتواضع مستوى دعمه لمرشحته لمنصب المستشار. وهي تعيد السبب إلى أن «الحزب صغير نسبياً، ولا يملك فرقَ دعمٍ كافية، مثل الحزبين الكبيرين العريقين (المحافظ والاشتراكي)»، ثم تضيف أن الحزب «أخطأ في حساباته وقصّر بتقديم مستوى محترف لمرشحته». أما كونيغ فيعتقد أن بيربوك نفسها هي المشكلة. ويقول إنه لو انتخب «الخضر» الزعيم المشترك الآن للحزب، وهو روبرت هابيك، الذي يتمتع بكاريزما كبيرة، «لكان هو من أصبح المستشار المقبل».
مع هذا، فإن حزب «الخضر» قد يصبح «صانع المستشار» المقبل في هذه الانتخابات إن لم تأتِ منه المستشارة نفسها. ووفق كونيغ، فإن الحزب ما زال يتمتع بنسبة أصوات تتراوح بين 16 في المائة و18 في المائة، «وهذه نسبة جيدة جداً بالنسبة لهم مقارنةً مع الانتخابات الماضية».

المستفيد الأكبر... اشتراكي
وهكذا، يرجح المراقبون أن يكون المستفيد الأكبر من كل هذه الهفوات للشخصيتين المعرّضتين للفضائح والأقاويل، أولاف شولتس، وزير المالية الحالي ونائب المستشارة ومرشح الاشتراكيين. وعلى الرغم من أن شولتس لا يتمتع بـ«كاريزما» جماهيرية تجعله قادراً على جذب أعداد كبيرة من الناخبين، فإن هذا بالضبط ما استطاع تحقيقه أخيراً. وهنا تعلّق كوزميل قائلةً: «شولتس من دون أدنى شك يستفيد من أخطاء وهفوات لاشيت وبيربوك، لكنه أيضاً يستفيد من كونه نائب المستشارة... وهو قادر بفضل ذلك على إظهار ثقة بالنفس وتقليد أسلوب ميركل بظهوره كمرشح الهدوء والتفكير المنطقي والشخصية الموثوقة التي يمكن الاعتماد عليها». من ناحية أخرى، رغم مزايا شولتس، فإن انتعاش حظوظ الاشتراكيين فاجأ كثيرين. ذلك أن الحزب العريق كان يحتل المرتبة الثالثة في مطلع العام. ثم إنه كان يتراجع بشكل مستمر منذ الانتخابات الماضية التي وافق بعدها على دخول الحكومة الائتلافية على مضض. وآنذاك كانت تعلو أصوات داخل الحزب تدعو علناً إلى الجلوس في صفوف المعارضة والخروج من ظل ميركل، من أجل التقاط الأنفاس وإعادة تجميع القاعدة.

براغماتي وذو خبرة
ثم إنه لفترة طويلة، ظل الحزب يرفض أن يقوده أولاف شولتس، الذي يُعد من قيادات جناحه اليميني. ومع أن الجناح اليساري هو الذي فاز بزعامة الحزب واختار زعيمين مشتركين لقيادته، فإن عجز هذين الزعيمين عن التواصل بفاعلية مع القاعدة الشعبية منذ انتخابهما وتحقيق أي تقدم يذكر، دفع الحزب إلى اختيار شولتس مرشحاً عنه لمنصب المستشار. ومنذ ذلك الحين، وشعبية الاشتراكيين في ارتفاع مطّرد، بينما اختار الجناح اليساري أن يترك لشولتس مهمة انتشال الحزب من الغرق.
ومقارنةً بلاشيت وبيربوك، يبدو شولتس أيضاً الأكثر جدارة على صعيد الخبرة في الحكم وإدارة البلاد. هنا تقول كوزميل إن شولتس روّج لنفسه «على أنه الخليفة الطبيعي لميركل والشخص الذي يتمتع بالخبرة الضرورية للمنصب». ومع أن لاشيت هو رئيس حكومة أكبر ولاية ألمانية من حيث عدد السكان (هي الراين الشمالي ووستفاليا) ويديرها من دون مشكلات ظاهرة، فهو لم ينجح في تقديم نفسه بالصورة ذاتها. وفي الفترة الأخيرة وجّه جزءاً كبيراً من اللوم إلى الحكومات المحلية في التعامل مع الفيضانات التي ضربت 3 ولايات في غرب ألمانيا، وكانت ولاية الراين الشمالي ووستفاليا الأكثر تضرراً. ورغم معرفة الحكومات المحلية مسبقاً بكمية الأمطار التي هطلت آنذاك، وإمكانية تسببها بفيضانات، فقد قصّرت في إرسال إنذارات للسكان بالإخلاء، ما ضاعف من كمية الخسائر البشرية والمادية في تلك الكارثة.
في المقابل، لم يتأثر شولتس بالانتقادات الكبيرة التي توجه حالياً لحزبه بسبب ما يحصل في أفغانستان. وللعلم، فإن وزير الخارجية هايكو ماس – وهو مثل شولتس من الاشتراكيين - يواجه دعوات له بالاستقالة لتأخر البدء بعمليات الإجلاء في وقت أبكر والتغاضي عن نصائح الأمنيين لوزارته بذلك. وواقع الأمر، أن الانتقادات تبدو موجهة لماس شخصياً وليس للحزب. و«في كل الأحوال - حسب كوزميل - القضايا الخارجية لم تكن يوماً دافعاً للناخبين لاختيار أحزابهم في الانتخابات». وبالفعل، يظهر أن ما يساعد على رفع شعبية شولتس، إمساكه بنجاح بالحقيبة المالية لألمانيا منذ سنوات، ومن ثم، اتخاذه قرارات ساعدت على انتشال كثير من الشركات من الافلاس إبّان أزمة «كوفيد 19» على صعيد ألمانيا وعلى المستوى الأوروبي أيضاً، وبعدها أيضاً خلال الفيضانات التي ضربت البلاد.

عودة الصراع التقليدي!
هكذا، مع استمرار تراجع حزب «الخضر»، يرى مراقبون ومعلّقون أن السباق لخلافة ميركل انحصر الآن بين لاشيت مرشح الديمقراطيين المسيحيين عن اليمين، وشتولتس مرشح الاشتراكيين عن اليسار. لكن، في النهاية، قد يكون حزب «الخضر» هو القوة التي تقرر أي الرجلين سيصبح المستشار المقبل، وذلك حسب مَن سيختاره للتحالف معه ودخول الحكومة. وحالياً، يستبعد محللون أن تحمل الحكومة الجديدة التحالف نفسه الذي تحمله الحكومة الحالية، أي الاشتراكيين (الحزب الديمقراطي الاجتماعي) والمحافظين (الاتحاد المسيحي الديمقراطي).
الحل المفضل بالنسبة للاشتراكيين قد يتمثل بدخول السلطة عبر تحالف مع «الخضر» والليبراليين الوسطيين (الحزب الديمقراطي الحر) الذين يحصلون الآن على نسبة 11 في المائة تقريباً من الأصوات، رغم وجود خلافات عقائدية بين الطرفين. حتى إن صيغة دخول الحكم بائتلاف يساري محض مطروحة، مع أنها مستبعدة. وللعلم، شولتس نفسه لم يشأ استبعاد هذا الاحتمال عندما سئل عن إمكانية دخول السلة الائتلافية مع «الخضر» وحزب «دي لينكا» اليساري المتشدد... فيما يبدو وكأنه الامتداد الطبيعي لائتلاف يساري.
بطبيعة الحال، لاشيت يودّ استغلال هذا «السيناريو» تحديداً في محاولة لاستعادة بعض الناخبين الذين هجروه لصالح شولتس، وهو يكرر القول: «إن حكومة يسارية ستكون كارثية، وتؤدي إلى رفع كبير في الضرائب». وبالفعل، يخيف هذا «السيناريو» الشركات الألمانية وأصحاب الأعمال، خاصة أن للأحزاب الثلاثة تجربة حكم محلية في ولاية برلين، وهي تجربة تعكس كثيراً من المشكلات، ويصفها البعض بـ«الكارثية». وهنا يقول كونيغ إن هكذا ائتلاف «ممكن، ولكن يصعب حصوله، لأنه لا أحد يريده». ويضيف أن «لدى الاشتراكيين والليبراليين مشكلات أساسية، لكن يمكن تخطيها من أجل تشكيل الائتلاف».
في المقابل، قد يقرر «الخضر» دعم الديمقراطيين المسيحيين في الحكومة الجديدة، بهذا يصبح لاشيت المستشار المقبل. وعندها سيدخل معهما ليبراليّو الحزب الديمقراطي الحر... الأقرب عقائدياً إلى المحافظين منهم إلى الاشتراكيين. وحقاً، بدا لاشيت خلال الحملة الانتخابية - وخاصة بعد الفيضانات - وكأنه اقتنع بضرورة إضافة جزءٍ متعلق بالتغير المناخي وحماية البيئة في حملته، ربما في محاولة لجذب «الخضر» لدعم حكومته لاحقاً.
أخيراً، وأياً كانت نتيجة الانتخابات، وبغضّ النظر عمّن سيخلف ميركل، فإن الانتخابات المقبلة مرشحة لأن تكون الانتخابات الأهم في ألمانيا منذ عقود. ومعها ستطوى صفحة حكم طويلة لمستشارة عاصرت 4 رؤساء أميركيين، ونجحت أن تغادر وهي في قمة شعبيتها.



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.