رحيل حسين حبري بعد ثماني سنوات من حكم تشاد بالحديد والنار

الرئيس التشادي السابق حسين حبري يرافقه ضباط عسكريون خلال محاكمته عام 2013 في داكار (أ.ف.ب)
الرئيس التشادي السابق حسين حبري يرافقه ضباط عسكريون خلال محاكمته عام 2013 في داكار (أ.ف.ب)
TT

رحيل حسين حبري بعد ثماني سنوات من حكم تشاد بالحديد والنار

الرئيس التشادي السابق حسين حبري يرافقه ضباط عسكريون خلال محاكمته عام 2013 في داكار (أ.ف.ب)
الرئيس التشادي السابق حسين حبري يرافقه ضباط عسكريون خلال محاكمته عام 2013 في داكار (أ.ف.ب)

حياة رئيس تشاد الأسبق حسين حبري تلخص لوحدها وإلى حد بعيد تاريخ أفريقيا لما بعد الاستقلال. فالرجل الذي توفي أول من أمس بوباء كوفيد في أحد مستشفيات دكار، عاصمة السنغال، سلك مساراً قاده إلى السلطة عبر انقلاب عسكري وأخرج منها بانقلاب عسكري آخر. وما بين الانقلابين، تحول إلى ديكتاتور حكم بلاده بالحديد والنار ولعب على وتر التنافس بين القوى الغربية متنقلاً من حضن فرنسا إلى حضن الولايات المتحدة الأميركية.

تحول إلى بطل قومي لأنه قارع العقيد معمر القذافي الذي رأى أن من المفيد احتلال شمالي تشاد والتدخل في شؤونها الداخلية مستخدماً اللعبة القبلية. وفي فترة من حكمه، تحول حبري إلى شخصية فتحت أمامها أبواب مراكز السلطة. صورته إلى جانب الرئيس الأميركي الأسبق رونالد يغان في المكتب البيضاوي شهيرة وكما أنها شهيرة صورته إلى جانب الرئيس الفرنسي الاشتراكي الأسبق فرنسوا ميتران في قصر الإليزيه. ثم إن صداقاته لم تتوقف عند هذا الحد. أرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق تواصل معه وكذلك فعل الرئيس العراقي الأسبق صدام حسن حسين الذي دعمه بالكثير من المال. والأمر عينه يصح على سيسي سيكو موبوتو، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية.

كانت تلك فترة الصعود التي واكبت وأعقبت الحرب الليبية - التشادية. والكثير من الدعم الذي تلقفه حبري لم يكن حباً به وتقديراً لأهمية تشاد السياسية والاستراتيجية بقدر ما كانت رغبة في إضعاف الزعيم الليبي الذي نصب نفسه لاحقاً «إمبراطور أفريقيا». بيد أن دولاب الزمن دار دورته. ولأن حبري الذي تلقى تعليمه الجامعي في فرنسا وحظي بدعمها، ارتمى في الحضن الأميركي وأدار ظهره لباريس، فإن الأخيرة لم تتردد في دعم غريمه الجنرال أدريس ديبي. باريس كانت تملك الأداة العسكرية للتدخل المباشر بفضل أجهزة مخابراتها في البلاد وخصوصاً بفضل القاعدة العسكرية الرئيسية التي تحتفظ بها «حتى اليوم» في مستعمرتها السابقة. وسريعاً، انهار حكم حبري في المواجهة التي قادها ضده شريكه السابق ديبي الذي سبق له أن أولاه أعلى المناصب العسكرية قبل أن ينفصل عنه ويلاحقه. وليس سراً أن المخابرات الفرنسية وقوات باريس المرابطة في تشاد كانت عوناً للأخير الذي حظي أيضاً بدعم ليبي وسوداني. وثمة واقعة معروفة وهي أن مدير المخابرات الخارجية الفرنسية كلود سيلبرزان أقنع الرئيس فرنسوا ميتران بأن حبري انقلب على باريس ووضع نفسه في حضن واشنطن وحثه على دعم أدريس ديبي الذي تلقى تعليمه العسكري في المدارس الحربية الفرنسية. وهذا ما حصل، فقد انهارت قوات حبري أمام المتمردين المتدفقين من شمال تشاد الذين قادهم ديبي حيث لقي حتفه في شهر أبريل (نيسان) الماضي وهو يحاول التصدي لمتمردين كانوا يتوجهون جنوباً للوصول إلى العاصمة.

بعد هزيمته في ساحة القتال، هرب حبري إلى السنغال. وسريعاً، لاحقه القضاء التشادي وأصدر عليه غيابياً حكماً بالإعدام. ولأن السلطات السنغالية رفضت استرداده، فقد انتهى به الأمر إلى المثول أمام محكمة خاصة أفريقية في العاصمة السنغالية أصدرت عليه حكماً بالسجن مدى الحياة. وكان يقضي محكوميته في أحد سجون العاصمة عندما أصابه وباء كوفيد 19، ولم يجد نفعاً إخراجه من السجن إلى المستشفى في إنقاذه فتوفي عن عمر ناهز الـ79 عاماً تاركاً وراءه الآلاف من الذين اضطهدهم طيلة سنوات حكمه. وعنه يقول ريد برودي، عضو لجنة العدل الدولية التي تساعد الضحايا منذ 1999 عن «حزنه لإعلان وفاة حبري جراء كوفيد»، مضيفاً في رسالة إلكترونية: «مضت أشهر ونحن نطالب بتلقيح حبري». وأردف ريدي، وفق ما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية: «سيبقى حبري في التاريخ أحد الديكتاتوريين الأكثر وحشية بوصفه رجلاً ذبح شعبه للاستيلاء على السلطة والبقاء فيها، وأحرق قرى بكاملها، وحكم على نساء بأن يكن في خدمة جنوده وأقام مخابئ مارس فيها صنوفاً من التعذيب بحق أعدائه تذكر بالقرون الوسطى». وقال وليم بوردون، أحد محامي ضحايا حبري إن الأخير «أحد أكثر الجزارين دموية في التاريخ».

إذا كان حبري قد احتل لعشر سنوات على الأقل المشهد العسكري والسياسي في تشاد، فذلك يعود بالدرجة الأولى لمؤهلاته الخاصة ولقدرته على استخدام العصب القبلي والتجاوب مع رغبات حماته من الغربيين. فقد نشأ حبري في صحراء جوراب الواقعة شمال تشاد، وسط بيئة رعاة يتنقلون مع قطعانهم في مساحات شاسعة. لكن حبري دخل المدرسة وحظي برعاية خاصة من أساتذته. ولما كانت السلطات التشادية بصدد إيلاء الوظائف إلى تشاديين بعد انتهاء الاستقلال عن فرنسا، فقد حظي الشاب حبري بتعيينه مساعدا لمحافظ ولاية موسورو. إلا أنه لاحقاً انتقل إلى فرنسا حيث درس في معاهدها «معهد الدراسات العليا لما وراء البحار ومعهد العلوم السياسية في باريس»، الأمر الذي مكنه من نسج علاقات ساعدته لاحقا في حياته السياسية وفي مسيرته نحو السلطة. وعقب عودته إلى تشاد في عام 1972، التحق حبري بـ«جبهة التحرير الوطنية» التي كانت تحارب النظام القائم المتهم باتباع سياسة تمييزية ضد قبائل الشمال والوسط من «التوبو». بعدها، عمد حبري إلى تأسيس «القوات الوطنية التشادية» التي تشكلت في أكثريتها من عناصر قبلية من «التوبو». ولم تتردد في ممارسة عمليات الخطف في السبعينات، في منطقة التيبستي «شمال تشاد» للحصول على الأموال. ومن الذين خطفتهم طبيب ألماني وموظف حكومي فرنسي وأشهرهم عالمة الأركيولوجيا فرنسواز كلوستر وزوجها. وينسب لحسين حبري تعذيب وقتل الكومندان الفرنسي غالوبان في شهر أبريل من عام 1975 الذي أرسل للتفاوض معه من أجل الإفراج عن الرهينتين الأخيريين.

استطاع حبري، بفضل قوات «جبهة التحرير» التي أسسها وقادها أن يفرض نفسه طرفاً سياسياً رئيسياً. لذا، عينه الرئيس فيليكس ملوم في أغسطس (آب) من عام 1878 رئيسا للوزراء وقد مارس هذا المنصب لأقل من عام. بعد ذلك، أسس حبري «مجلس قيادة قوات الشمال» الذي تحول لاحقاً إلى «قوات الشمال المسلحة». ولأنه كان طامعاً بالسلطة، فقد قام بانقلاب أطاح بالرئيس غوكوني عويدي في 7 يونيو (حزيران) 1982. وبوصوله إلى السلطة، عمد إلى احتلال منصب رئيس الجمهورية وإلى إلغاء رئاسة الوزراء ولاحق معارضيه السياسيين وأجهز على الكثير منهم مدشناً بذلك حكماً متسلطاً كان عماده «مديرية التوثيق والأمن» أي البوليس السياسي المسؤولة عن آلاف حالات التعذيب والخطف والقتل خلال سنوات حكم حبري التي دامت حتى أواخر عام 1990، إلا أن عويدي الذي كان يرأس حكومة «الاتحاد الوطني الانتقالية» فر إلى الشمال حيث حصل على دعم ليبي وكانت طرابلس قد احتلت شريط عوزو الذي كانت تعتبره أرضاً ليبية.

وتحولت المناوشات إلى حرب حقيقية بين القوات الليبية والتشادية التي حسمت لصالح الثانية بفضل الدعم الأميركي والدور الحيوي الذي لعبته القوة الجوية الفرنسية في إطار «عملية أيبرفيه» العسكرية. وثمة معلومات عن قيام الطرف الأميركي بإنشاء قاعدة تدريب سرية على الأراضي التشادية لعناصر من الأسرى الليبيين الذين استسلموا لمحاربة نظام العقيد القذافي وبينهم خليفة حفتر. وانتهت الحرب في عام 1987 باستعادة القوات التشادية كامل الأراضي بما فيها شريط عوزو البالغ عرضه مائة كلم. عقبها وبعد أشهر قليلة، تم تطبيع العلاقات بين طرابلس ونجامينا.

إذا كان أنصار حبري ينظرون إليه على أنه شخصية استثنائية نجح في إقامة دولة وحافظ على وحدتها وعمد إلى تحديث مؤسساتها، إلا أن المرجح أن ما سيحفظه التاريخ عنه أنه كان ديكتاتورياً متسلطاً لا يرتدع أمام أي وسيلة للحفاظ على مركزه وحكمه. حبري كان يقضي عقوبة السجن لمدى الحياة في سجن سنغالي بعد أن أدانته محكمة سنغالية - أفريقية في دكار بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم اغتصاب وإعدامات وعبودية وخطف. وقدرت لجنة تشادية بأربعين ألف شخص، عديد ضحايا القمع الذي مارسه نظام حبري. إلا أن سنوات كثيرة قضاها الأخير في السنغال دون أن يرف له جفن رغم الضغوط الدولية والمحاكمة الغيابية في نجامينا التي أصدرت ضده حكماً بالإعدام. إلا أن الأمور أخذت بالتغير بعد 13 عاماً من لجوئه إلى السنغال حيث إن الضغوط الدولية أفضت إلى توقيفه في عام 2013 ثم إلى تشكيل محكمة أشئت بالتعاون بين السنغال والاتحاد الأفريقي. وصدر حكم نهائي بالسجن مدى الحياة في 30 مايو (أيار) من عام 2016. ورفض حبري طوال فترة المحاكمة أن يتكلم أو أن يمثله أحد أمام سلطة قضائية ظل يرفضها. وواصل أنصاره المطالبة بالإفراج عنه فيما كان بالسجن في داكار. وتم الإفراج عنه لمدة شهرين بإذن خاص السنة الماضية بهدف حمايته من فيروس كورونا. وطالبت عائلته ومحاموه منذ أشهر باعتماد نظام سجن آخر غير الاعتقال بسبب سنه وتدهور وضعه الصحي. وحذروا من احتمال إصابته بكوفيد - 19 في السجن. ووافق القضاء السنغالي في أبريل 2020 على السماح له بالخروج من السجن لمدة 60 يوماً بسبب مخاطر تعرضه للفيروس. وعاد آنذاك إلى منزله في داكار تحت حراسة دائمة. ولاحقاً، أرجع حبري إلى سجن كاب مانويل، الواقع في قلب العاصمة دكار. وبعد تدهور حالته الصحية، أدخل قبل أيام إلى المستشفى حيث توفي. ورحل حبري دون أن ينفذ حكم المحكمة التي طلبت منه دفع تعويضات لضحايا القمع تصل قيمتها إلى 125 مليون دولار. وتؤكد لجنة عن أهالي الضحايا أنه حمل معه ثروة طائلة وبالتالي يتعين أن ينفذ حكم المحكمة.
 



رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أوضح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، الثلاثاء، أن شعبه لا يرغب مطلقاً في أن يصبح جزءاً من الولايات المتحدة تحت أي ظرف.

وقال نيلسن في مؤتمر صحافي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في كوبنهاغن: «إذا كان لا بد لنا أن نختار بين الولايات المتحدة الأميركية والدنمارك، فسنختار الدنمارك».

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن متحدثاً من مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وشددت فريدريكسن على أنه ليس من السهل أن يتم تحمّل «الضغط غير المقبول تماماً من أقرب حلفائنا».

وأضافت أنه لا يمكن للمرء أن يحرّك الحدود بالقوة أو أن يشتري شعباً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحذّرت من أن «الجزء الأصعب لم يأتِ بعد».

ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسين مع جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن غداً الأربعاء، لبحث النزاع حول مزاعم الولايات المتحدة الخاصة بغرينلاند.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعرب مراراً عن رغبته في امتلاك غرينلاند، ولم تستبعد إدارته استخدام القوة العسكرية لبسط السيطرة، مستشهدة بالمصالح الأمنية وما تعتبره تهديداً صينياً وروسياً في المنطقة.

وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في الدفاع عن سيادة غرينلاند.

وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا مؤخراً والقبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة، حيث تجري محاكمته بتهم التآمر على «ارتكاب إرهاب مرتبط بالمخدرات».


الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.