هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

«دفاتر الورّاق» لجلال برجس الفائزة بـ«بوكر العربية» نموذجاً

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟
TT

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

لم يعد غريباً أن تجد روائياً له من الروايات والقصص بضعٌ لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ومع ذلك نال عن كل واحدة منها جائزة من الجوائز المعروفة وغير المعروفة في مدة قصيرة لا تتجاوز بضعة أعوام، وهو عمر يعد قصيراً بمقاييس الزمن الإبداعية.
وصار أمر توشيح الأغلفة الخلفية للروايات بهذه القوائم الجوائزية، يدفع الناقد - المقتنع بأن للجوائز تقييماتها كما لها مبتغياتها - إلى طرح أكثر من سؤال مثل، ما دوافع كتابة الرواية اليوم؟ وهل يصح أن تكون الغاية المبتغاة من وراء كتابة الرواية هي التباهي بالترشح للمسابقات والعمل بجد وبحسب شروطها من أجل الفوز فيها؟ أين الاهتمام بهمِّ الإنسان في الوجود الذي على الروائي تحمّله وهو يسير حافياً على أرض محروقة متلظياً بجمرها؟
لا يحق لنا أن نجرّد الكاتب من الإمكانات الفنية والقدرات السردية الهائلة التي تمكِّنه من نيل جائزة كل عام على كل عمل يكتبه، ولكن يحق لنا أن نفترض إدراك الكاتب مبتغيات الجوائز ومعرفة طرق اصطيادها، وهي طرق تحفز بالبحث عنها مغريات مادية ومعنوية تغدقها تلك الجوائز على الفائز.
وقد تتبادر أسئلة أخرى للناقد وهو بصدد روايات فاز كتّابها بجوائز كثيرة، ومنها رواية «دفاتر الورّاق» للكاتب الأردني جلال برجس الذي بدأ مشواره الأدبي شاعراً بمجموعته «كأي غصن على شجر» عام 2008، ثم ترك الشعر واتجه نحو الرواية فكان أول عمل سردي له هو مجموعة قصص «الزلزال» التي فازت بجائزة عام 2012، وتلتها أول رواية «مقصلة الحالم» وفازت بجائزة عام 2014، والرواية الثانية «أفاعي النار» وفازت بجائزة عام 2015، والثالثة «سيدات الحواس الخمس»، ووصلت عام 2019 إلى القائمة الطويلة للبوكر العربية ثم جاءت روايته «دفاتر الورّاق» 2020 لتفوز بهذه الجائزة عام 2021.
ومثل هذا المشوار الفتي إبداعياً والغزير جوائزياً، إن جاز التعبير، - قد يثير بعض الظنون التي يقطعها اليقين الذي هو التحليل النقدي المستند إلى النظر الموضوعي والمتوخي الدقة المنهجية.
وبدءاً، يدلنا تعدد الساردين الذاتيين في رواية «دفاتر الورّاق» على أنها رواية أحادية الصوت وليست رواية متعددة الأصوات؛ لأن الحدث السردي لا يتكرر من وجهات نظر مختلفة إنما كل شخصية من الشخصيات الثلاث تسرد أحداث قصتها الخاصة بها وبمعزل عن غيرها ولها دفاترها المذكراتية التي تنشغل بقراءتها.
ويؤدي إبراهيم الورّاق دور البطولة نظراً للمساحة التي أعطيت له داخل العمل والتي فيها تنشطر شخصيته إلى شطرين، أحدهما ذاته والآخر صوت مجهول ظل يرافقه مثل القرين «جاءني الصوت مفاجئاً - انفجر الصوت المجهول - جاء الصوت فيه كثير من الغضب ونبرة من البكاء يؤنبني على فعلتي»، وتأتي بعده شخصية ليلى اللقيطة التي تركت ملجأ الأيتام القاسي لتواجه مجتمعاً أكثر قسوة، والطبيب النفسي يوسف السماك، والموظف عماد الأحمر، والصحافية التي بدا وجودها مفبركاً واقتصر دورها على قراءة دفتر فيه سُردت قصة جاد الله والد إبراهيم، الإنسان النزيه الذي تجلت أصالته في نزاهته.
وكان ينبغي أن يكون لاسترجاع قصة حياة الأب ومماته تأثير في ولده، ولكن هذا لم يحصل... إلى جانب شخصيات أُخر أقل حضوراً؛ منها شخصية ناردا أو السيدة نون التي ظهرت في الربع الأخير من الرواية وهي تعترف.
وتلعب ثيمة القرين دوراً مهماً يضفي حيوية على شخصية إبراهيم ويجعله يخوض مغامرات ويدخل في جملة تضادات حياتية تتجه بالأحداث السردية إلى التصاعد والاحتباك وعلى وفق مسار واقعي مفنتز، يصور الواقع تصويراً يكشف عن مظاهره الفوقية ويخفق في غوصه إلى مخبوءاته الباطنية.
وما يميز الفنتازيا أنها تفسح لنظرية التحليل النفسي مجالاً داخلها، وهو ما لا تستطيعه أنماط أخرى من الواقعية كالنقدية والموضوعية والاشتراكية؛ نظراً لاهتمامها بمجملها بالتفاصيل اهتماماً فوتوغرافياً صرفاً أو لعنايتها بجوانب اجتماعية ومسائل إنسانية عامة.
والقرين واحد من مفاهيم نظرية التحليل النفسي الفرويدية، ووُظف في التحليل النقدي بوصفه «حصيلة التماثل الإسقاطي ينسلخ شخص عن ذاته وينسب إلى شخص آخر تلك الخصائص التي يُنكر أنها موجودة عنده، لكن بما أنه لا يزال يعترف لا شعورياً بالخصائص المسقطة على أنها (خصائصه فإنه بذلك يماثل نفسه مع الآخر)» (أدب الفنتازيا، ت. ي. ابتر، ص94). وأول من وظّف القرين في السرد هو الأميركي هوفمان في روايته «إكسير الشيطان» 1816، واستعمله دستويفيسكي في روايته «القرين» 1846، واستعمله ستيفنسون في قصته «الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد» 1886.
والطريقة التي بها وظف جلال برجس القرين كانت عبارة عن صوت مجهول، تتغير مواقفه وهو يرافق إبراهيم كالظل، فلا أحد يسمعه سواه، شاطراً ذاته الساردة إلى شطرين حسن وسيئ. فيكون الصوت في الفصول الخمسة من الرواية بمثابة الضمير الذي يحض السارد على الفضيلة والمذِّكر بالخير «جاءني الصوت من جديد يبدد لذة تمنيت لو طالت أكثر: ـ لا يغرنك ما أنت فيه. أنت تعيش حالة مؤقتة ستعود بعدها إلى بؤسك وضعفك» (الرواية، ص89). لكنه يغدو في الفصلين التاليين السادس والسابع مغوياً يحرِّض على الشر ويدفع نحو الجريمة حتى لا مجال للبطل في كتم رغباته غير المقبولة وإنقاذ سمعته ليكون الانسحاق هو حصيلة نبذ الآخرين له وقد تحول إلى لص محترف وكأنه لم يقرأ الروايات والقصص العالمية ولا اطلع على كتب الفلسفة فتثقف عقله خلال مدة عمله وراّقاً في كشك بيع الكتب... علماً بأن مَن يبيع الكتب لا يُسمى وراّقاً، بل هو«كُتبيّ».
وإذا كانت ثيمة القرين تجمع بين البعدين: الواقعي في صورته الفنتازية والتحليل النفسي في صورته العلمية، فإن التحدي الذي واجه الكاتب هو كيف يجعل السارد، المنشطرة ذاته، محوراً أساساً في تعقيد التحبيك السردي وصولاً به نحو الانفراج؟!
لا خلاف أن التوازن هو الطريق الأنجع في الجمع بين شطري السارد فلا يكون الاهتمام بالمرض النفسي على حساب التصوير الفنتازي كما لا اهتمام بالبعد الفنتازي على حساب التحليل النفسي. لتكون جدلية علاقة الجسد في بعده المادي الشهواني بالروح في بعدها الأخلاقي السامي واضحة، وعندها سيتمكن السارد من امتلاك الإرادة في مواجهة الإحباط ونقد الواقع والنقمة عليه.
وهو ما حاول الكاتب تحقيقه من خلال مسألتين: الأولى كانت في صالح العمل الروائي، وذلك حين جعل إبراهيم يعي أنه واقع تحت مطرقة الحقيقة وسندان الواقع وقد طالته يد العولمة باستهلاكيتها فأزيل كشكه بأمر البلدية وحل محله متجر عصري سيتبين فيما بعد أنه يبيع المخدرات ليصير عاطلاً عن العمل «ككل العاطلين عن العمل وعن الحياة مثلي» (الرواية، ص26). وهنا تأخذ تصوراته الفنتازية للعالم بالتشكل، مدللة في إشارة استشرافية على المآل القادم الذي ينتظر الإنسان وهو في خضم هذا الانجراف نحو الاستهلاكية العولمية.
ومما يحسب للرواية المشاهد والأوصاف الواقعية والحوارات المباشرة والمونولوجية المعبرة عن رؤية العالم وكيف أن الاستهلاك جعل الأخلاق تنحدر انحداراً خطيراً يهدد المجتمع وقيمه المثالية «عد بذاكرتك أيها الوراق إلى عدالة أرسطو التي رأى أنها علاقة الأفراد بالمؤسسات وإلى الفضيلة التي رآها علاقة الأفراد ببعضهم ستكتشف أن لا عدالة ولا فضيلة» (الرواية، ص29). وكان يمكن لهذه الرؤية أن تتصاعد وتصل بالرواية إلى تحصيل فلسفي. وكثير من الفلاسفة كانوا يستمدون فلسفاتهم من الروايات والقصائد مستعينين بما فيها من أوضاع عقلية حسية وروحية تجاه الذات والأشياء كما يقول د. هـ. لورانس، بيد أن رواية «دفاتر الورّاق» شتت هذه الرؤية بمسألة لم تكن في صالحها، وهي: تصدير بعض فصول الرواية بمقولات فرويدية ويونغية مفتاحها الضمير واللاشعور، وقد تقصّد الكاتب وضعها مركزاً على البعد النفسي التحليلي لشخصياته، ولو تخلى عنها لأعطى لعمله تشويقاً ولجعل القارئ أكثر اقتناعاً بفنتازية ما يقرأ. وثانياً، أن اختياره هيأة القرين في شكل صوت فنتازي يأتي تارة ناقداً موبخاً ومؤاخذاً ومعنفاً ومصارحاً ويكون تارة أخرى ساخراً ومتشفياً ومغوياً وملغزاً إنما هو اقتباس واضح من قصتي «بورخس وأنا» و«شكل السيف» لخورخي لوي بورخس.
والمحصلة، أن جاء ختام الرواية مخيباً لأفق التوقع، فلقد أطلق الكاتب على سارده (إبراهيم) رصاصة الرحمة متمثلة بآخر جملة نطقها «علينا الصمت إذا ما اختلط الوهم بالحقيقة» مما ينطبق عليه قول لورنس «ما هو أنا حين أكون ذاتي سيلعنها بالتأكيد أولئك الذين يكرهون تكامل الفرد ويريدون أن يعيشوا في حشود» (كتابه «فنتازيا الغريزة»، ص69).
فلم يتغلب إبراهيم على القرين بل ظل مؤسلباً أحرق كتبه غارقاً بواهمية ما يريد تصديقه، غير مرتفع بوعيه الممكن إلى وعي قائم تتجلى فيه رؤية واضحة تنتقد المجتمع العربي المهدرة طاقاته وثرواته بالسياسة، بل فضَّل البقاء في الماضي قارئاً في دفاتره ومترحِّماً على زمن لن يعود.
وإذا كان الكاتب قد اختار لبطله ألا يكون واعياً، فإنه اختار لقارئه أن يكون مستهلكاً. وكأن للاستهلاك عدوى تنتقل من الماديات إلى ما غير الماديات، وفي مقدمتها التفكر في الحال والنقمة على المآل.
ويدلل هذا الذي نتحصله من قراءة رواية «دفاتر الورّاق» على المستوى الذي صارت الرواية العربية تنجرف نحوه بقوة، أعني اتباع ما تريده الجوائز من تصالحية مع الواقع المادي والتطامن معه استسلاماً كما نتحصل أنّ الروائي العربي يملك رؤية، لكنه منشطر الذات وقد صارت الجوائز قريناً له. أما كيف يتخلص الكاتب من هذا الاقتران، فبالصدمة التي بها يستعيد وحدة ذاته، فتعود الرواية إلى عهدها السابق تعبِّر بصوت عال، لا يعرف مهادنة ولا مماراة.



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».