يزدي.. وجه إيراني متشدد في زمن الانفتاح

رئيس مجلس الخبراء الجديد يحذر دائمًا من خطر التلوث مع العالم الغربي

يزدي.. وجه إيراني  متشدد في زمن الانفتاح
TT

يزدي.. وجه إيراني متشدد في زمن الانفتاح

يزدي.. وجه إيراني  متشدد في زمن الانفتاح

تصدر إشارات متضاربة من طهران فيما يخص استراتيجيتها بشأن الاتفاق المرتقب والمتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. أسندت الولايات المتحدة سياساتها نحو إيران على أمل «التغيير الإيجابي» في ميزان القوى المحلي داخل النظام الحاكم الإيراني.. ولكن إلى أي مدى يعد هذا الأمل واقعيا؟ جاءت إحدى الإجابات عن ذلك التساؤل الاثنين الماضي عندما اجتمعت مجموعة مكونة من 80 من كبار ملالي السياسة الإيرانية خلف الأبواب المغلقة في طهران، وانتخبوا فيما بينهم رئيسا جديدا لتلك الهيئة الغامضة المعروفة باسم «مجلس الخبراء».
ولكن، قبل أن نعرف مقدار أهمية هذه الخطوة، دعونا نرَ ما الذي يفترض على المجلس المذكور فعله، ومن هو الرجل الذي سوف يترأس مجلس الخبراء في دورة العام المقبل.

يمتلك المجلس، الذي يتألف من 86 عضوا من كبار الملالي الذين يمثلون كل الأقاليم الإيرانية، سلطة تنصيب وعزل المرشد الإيراني الأعلى والإشراف على أدائه في منصبه، ومحاسبته ومساءلته حين الاقتضاء كذلك.
وفقا للدستور الخميني الإيراني، فإن المرشد الأعلى يمثل سلطة الله على الأرض ويتمتع بصلاحيات هائلة، وأكثر من أي رئيس دولة آخر في جميع أنحاء العالم. وكثير من مواد الدستور الخميني، المصادق عليه في عام 1979، توضح بجلاء أن المرشد الأعلى هو، أيضا، زعيم الملالي حول العالم، سواء ارتضوا بذلك أم لا.
من الناحية النظرية، على أدنى تقدير، يمكن للمرشد الأعلى ذي النزعة الخمينية تقرير ما هو من الإسلام وما ليس منه في أي وقت من الأوقات. وكل ما يصدر منه أو يقوله يعد من قبيل «فصل الخطاب» مما يعني «إغلاق باب المناقشة تماما»، ما لم، بطبيعة الحال، ينقض مجلس الخبراء قراره، وهو الأمر الذي لم يحدث قط حتى الآن.
ومن الناحية العملية، يسيطر المرشد الأعلى على خزانة أموال الجمهورية الإسلامية، وهي من أغنى الخزائن السيادية في جميع أرجاء العالم الإسلامي. (لقد أشرف المرشد الإيراني الأعلى خلال العقود الثلاثة الماضية على إنفاق ما يقرب من تريليون دولار من عائدات النفط الإيرانية). ويتعين على المرشد الأعلى التصديق النهائي على الميزانية الوطنية للبلاد، ويحتل منصب القائد العام للقوات المسلحة والقوات الأمنية في الدولة. كما يتعين حصول كل تعيين في منصب وزاري، أو حكومي، أو دبلوماسي، على موافقته الشخصية. وعلى الرغم من اعتلاء رئيس الجمهورية الإسلامية سدة الحكم بطريق الاقتراع العام بين الناخبين، فإنه لا يمكنه تولي مهام منصبه من دون صدور مرسوم موقع بذلك الشأن من قبل المرشد الأعلى.
وكما قال السيد رولان دوما وزير الخارجية الفرنسي ذات مرة في فترة الثمانينات، فإن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية الإسلامية هو «كل شيء»، أما المسؤولون الآخرون فليسوا إلا لاعبين يؤدون أدوارا مثل الوزراء أو السفراء وخلافه.

هويات متعددة
لكن من هو الرئيس الجديد لمجلس الخبراء الإيراني؟
إنه آية الله محمد يزدي، وهو عضو بالمجلس يبلغ من العمر 84 عاما، وأحد ملالي الثورة الإيرانية البارزين، الذي تمكن من الجمع بين مهنة رجل الدين والشخصية السياسية رفيعة المستوى. يتمتع يزدي بشخصية متعددة الجوانب، فلقبه يشير إلى انحداره من أسرة تعود أصولها إلى مدينة يزد التاريخية العظيمة، التي تقع على حافة الصحراء الإيرانية، وهي آخر المدن الإيرانية اعتناقا للإسلام.
وحتى يومنا هذا، فإن مدينة يزد، حيث يوجد أكبر معبد للنار في العالم، تعتبر «المدينة المقدسة» من قبل أتباع الديانة الزرادشتية في جميع أنحاء العالم.
على الرغم من ذلك، فإن السيد يزدي، الذي ولد في مدينة أصفهان، لم يكد يعيش قبل أي وقت مضى في مسقط رأس أجداده. ومع ذلك، لا يمكن اعتباره أصفهانيا حقيقيا كذلك، نظرا لأنه إبان مرحلة المراهقة من عمره، قد انتقل إلى مدينة قم، وهي مركز الدراسات الدينية الشيعية، حيث تلقى تعليمه كي يصبح رجل دين شيعيا. وهناك، كان من بين أساتذته شخصيات دينية بارزة مثل آية الله الكلبايكاني، وآية الله المرعشي النجفي، وروح الله الخميني، المؤسس المستقبلي للجمهورية الإسلامية.
أكسبه عزوفه عن ربط هويته بأي مدينة أو إقليم بعينه اسما مستعارا وصفه خصومه فيه بالـ«شارد». ولقد انتخب عضوا في المجلس الإسلامي، وهو البرلمان الخميني. ويأتي أعضاء مجلس الخبراء من مختلف الأصقاع والأقاليم الإيرانية مثل مدينة قم المقدسة، ومن طهران العاصمة، وحتى من مدينة كرمانشاه، وهي مقاطعة كردية إلى حد كبير ولم يقم السيد يزدي بزيارتها ولا حتى على سبيل السياحة.
كان يزدي في الأربعينات من عمره حينما استولى الملالي على السلطة في عام 1979. ولم يكن عاقدا عزمه بشكل واضح على المسار الذي سوف ينتهجه في حياته المهنية، فقرر، عملا بالأحوط، أن يلعب مع كلا الفريقين؛ فعلى الجانب السياسي أصبح الرجل من الأعضاء المؤسسين وزعيما لرابطة رجال الدين المقاتلين، وهي مجموعة من الملالي الساعين إلى اعتلاء المناصب الحكومية الرفيعة. ثم أصبح قائما بأعمال إمام صلاة الجمعة في طهران، وتمكن من أن يكون عضوا في مجلس صيانة الدستور، وهو جهاز سيادي رفيع المستوى يملك حق الاعتراض على القوانين التي يمررها برلمان البلاد.
في الوقت ذاته، مع كل ذلك، استفاد الرجل من أهميته وبروزه الجديد في تأمين نفسه مدرسا للاهوت في مدينة قم المقدسة بهدف ترقية رتبته من «حجة الإسلام» إلى رتبة أرقى وهي «آية الله».
يتمتع يزدي ببراعة في إدارة حياته المهنية، حيث نجح في تأمين قطعة لنفسه من كل فطيرة من دون تعريض نفسه لسقطات وغدرات الصراعات السياسية. وعلى طول حياته الدينية والسياسية عقد صداقات مع الملالي الأصغر منه سنا، مثل: حجة الإسلام علي حسيني خامنئي، وهو آية الله العظمى المستقبلي، والإمام الأكبر، والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية.

صداقة مثمرة
أمن استثمار الرجل لصداقته مع الخميني فوائد جمة له عندما عين في عام 1989، بعد وقت وجيز من وفاة الخميني، رئيسا للقضاء الإسلامي، وهو أحد أكبر خمسة مناصب في نظام الخميني الحاكم، وتولى السيد يزدي ذلك المنصب لمدة عشر سنوات.
يأتي فوز السيد يزدي الاثنين الماضي برئاسة مجلس الخبراء بمثابة مفاجأة كبرى لكثيرين، وعلى الأخص نظرا لأنه لم يلمح إلى أنه من بين المرشحين للمنصب حتى الساعة الأخيرة قبل بدء الجلسة المغلقة.
يقول المحلل الإيراني ما شاء الله شمس الواعظين، المقرب من المرشح المهزوم علي أكبر هاشمي رفسنجاني: «لم يكن ذلك متوقعا أبدا. لقد أصابني ذهول كبير إثر فوز السيد يزدي».
جاء فوز يزدي بتأثير ساحق؛ فقد حاز أصواتا تساوي تقريبا ضعف ما حازه السيد رفسنجاني، بواقع 47 إلى 24 صوتا، مما يؤكد فشل الحملة الانتخابية التي امتدت لشهور من قبل الفصيل الموالي لرفسنجاني لتعزيز مرشحهم ووصفه بأنه «الفائز الحتمي».
قال السيد يزدي إنه لم يعلن عن نيته للترشح لأي شخص كان حتى ميعاد بدء انعقاد الجلسة، مضيفا: «نظامنا يختلف تماما عن النظم المتبعة في الدول الكافرة، حيث ينظمون الحملات الانتخابية. في نظامنا يقترب الإمام الغائب من القلوب المؤمنة ويهديها إلى السبيل القويم».
تفيد تصريحات يزدي بأنه لم يخبر خامنئي حول نيته الترشح للانتخابات، فهل هذا معقول أو مقبول؟ قد نعجز عن الوصول إلى الإجابة الشافية.
ومع ذلك، يتفق أغلب المحللين على أن مرشح خامنئي لقيادة مجلس الخبراء كان آية الله محمود هامشي شهرودي الذي صمد خلال الجولة الأولى من التصويت، ولكنه قرر الانسحاب حينما بدا واضحا أنه لن يفوز خلال الجولة الثانية. وبالتالي، وحتى مع عدم حصول يزدي على الموافقة المسبقة من خامنئي، فمن الواضح بجلاء تحويل أنصار خامنئي أصواتهم ناحية السيد يزدي خلال الجولة الثانية من الاقتراع.
صارت سعادة خامنئي بفوز يزدي برئاسة المجلس واضحة للعيان يوم الثلاثاء بعد يوم من الانتخاب، من واقع تعليق المرشد الأعلى على نتائج الانتخابات؛ حيث قال: «تظهر الإنجازات الماضية والحاضرة لآية الله يزدي على أنه أبرز الشخصيات القادرة على تولي تلك المهمة التي اختير لها».
كما تبدو سعادة يزدي مضاعفة بذلك الفوز نظرا لأن رفسنجاني، وهو الرجل الذي هزم في الانتخابات، ظل واحدا من أقدم وألد أعداء يزدي السياسيين.
رغم الخلافات السياسية، فإن هناك نقاط التقاء مشتركة بين الرجلين؛ حيث ينتمي كل منهما إلى الجيل نفسه مع كون رفسنجاني أصغر من يزدي بعام أو اثنين. وكل منهما نشأ في أسرة زراعية من الأسر المتوسطة الغنية التي عاشت على حافة الصحراء الإيرانية الكبرى. (ومسقط رأس رفسنجاني يعود إلى بهرمان بالقرب من كرمان). كلا الرجلين يعتمر العمامة البيضاء، مما يدل على نقاء أصولهما الإيرانية. أما الملالي الذين يزعمون انتسابهم لأصول عربية عبر النسب بالأئمة الشيعة فيعتمرون العمائم السوداء. حاول كل من يزدي ورفسنجاني تأمين طريق سياسي - ديني مزدوج لنفسه. أما الخلاف الوحيد، فيكمن في أن يزدي شدد على الجانب الديني من حياته المهنية، بينما ركز رفسنجاني على المنحى السياسي منها.
ادعى يزدي لنفسه دائما الاحتفاظ باللقب الديني، بينما بدأ رفسنجاني في استخدام لقب «آية الله» قبل أكثر قليلا من عقد من الزمان. أما مزاعم يزدي الدينية فهي أكثر قبولا وتصديقا من رفسنجاني، وذلك لأن يزدي أشرف على دورة دينية في مدينة قم المقدسة، بينما لم يعمل رفسنجاني في التدريس الديني قط.

التجارة والفساد
يعد كل من رفسنجاني ويزدي من رجال الأعمال الناجحين، وتمكنا من تكديس الثروات الهائلة منذ قيام الثورة. وفي أوقات مختلفة نالت اتهامات الفساد كلا الرجلين؛ ففي عام 2009، وجه السيد محمود أحمدي نجاد، الذي تولى رئاسة البلاد، اتهاما على الهواء في مناظرة تلفزيونية إلى رفسنجاني وعائلته بالتصرف وكأنهم منظمة مافيا محلية، وزعم امتلاكه «جبلا من الأدلة» لتأكيد اتهاماته.. ولكنه لم يفعل. وقام الفصيل الموالي لرفسنجاني بالانتقام عندما قام عباس باليزدار، وهو عضو في اللجنة القضائية بالمجلس الإسلامي، بتوجيه اتهامات بالفساد وغسل الأموال إلى يزدي. ولكنه، أيضا، لم يتقدم بأي أدلة.
وحيث إن توجيه الاتهامات بالفساد ضد الخصوم السياسيين يعد من الممارسات الاعتيادية في أغلب دول الشرق الأوسط، فيجب ألا تؤخذ الاتهامات ضد يزدي ورفسنجاني بمزيد من الأهمية. المؤكد في الأمر، رغم ذلك، هو الاختلاف العميق القائم بين منهج كلا الرجلين حول دور الدين في السياسة. يبدو أن يزدي مقتنع بصورة أكيدة أنه ينبغي على السياسة، وكل شيء آخر في واقع الأمر، أن يكون في خدمة الدين، على الرغم من الرواية الرسمية المقدمة من قبل الجمهورية الإسلامية. وفي المقابل، يعتقد رفسنجاني أن الدين ينبغي أن يكون في خدمة السياسة. ومن زاوية يزدي، يجب أن ينشأ حكم الدولة من داخل المسجد. أما رفسنجاني، فيرى أن الدولة، خصوصا في «نسختها المحمدية النقية»، ينبغي أن تحتل مركز القيادة. كما أن هناك موضع خلاف وحيدا وأخيرا بين الرجلين.. يبدو أن رفسنجاني يأخذ جزءا كبيرا من الخطاب الديني للنظام الحاكم على محمل الجدية.. على سبيل المثال، فهو يتعامل من باب الاستعارة والكناية فقط مع المقولة الشائعة لدى الشيعة بأن الله قد خلق الكون بأسره لأجل «آل البيت»، أما يزدي، فيصر من خلال خطاباته وكتاباته على الحقيقة الحرفية للمقولة. بالنسبة إلى رفسنجاني، يعتبر الدين آلية من آليات السيطرة على الجماهير غير المتعلمين من خلال قواعد للسلوك تفرض عليهم فرضا من قبل الدولة. أما يزدي، فيعتبر أن الدين للجميع؛ المتعلم منهم والأمي، والغني منهم والفقير.
كثيرا ما ينظر إلى رفسنجاني باعتباره الأب الروحي للحركة الإصلاحية الإيرانية، حيث يفضل الانفتاح على العالم الخارجي ما دام ذلك لا يمثل تهديدا لقبضة الملالي على مقاليد السلطة في البلاد. تعلم الرئيس الأسبق اللغة الإنجليزية وأرسل أولاده للدراسة في الخارج، بما في ذلك كندا وبلجيكا وبريطانيا. وقاد رفسنجاني النظام الحاكم خلال فترتي رئاسته للجمهورية الإسلامية عبر عدد من العواصف الدبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي في الوقت ذاته الذي كان يسعى فيه للحوار مع الإدارات الأميركية المتعاقبة.
وظل رفسنجاني على الدوام مهتما بتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية.

قناة سرية مع واشنطن
فتح رفسنجاني خلال فترة الثمانينات قناة سرية مع إدارة الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان في واشنطن، وأرسل نجله مهدي ليعقد صفقة مع الجنرال أوليفر نورث الذي تولى منصب مستشار رئيس الولايات المتحدة لاحقا.
في المقابل، حذر يزدي دائما من «خطر التلوث» الناجم عن تفعيل الاتصالات مع العالم «الكافر».
عارض يزدي، بوصفه عضوا بارزا في «رابطة رجال الدين المقاتلين»، ترشح رفسنجاني في كلتا المناسبتين عندما انتخب الأخير رئيسا للبلاد. وفي وقت لاحق، عارض يزدي أيضا الترشيحات الرئاسية لكل من محمد خاتمي، وحسن روحاني، الذي ينظر إليه الملالي من الصف الثاني على أنه محسوب على الفصيل الموالي لرفسنجاني. ما لعب يزدي دورا مؤثرا في التصويت لترشح رفسنجاني للحصول على مقعد في المجلس الإسلامي، وفي الآونة الأخيرة، رئاسة الجمهورية. يقول المحلل الإيراني أحمد خفراني: «ليس الدين إلا صفقة تجارية بالنسبة إلى رفسنجاني. أما بالنسبة إلى يزدي، فإن عمله هو الدين». ساند يزدي، خلال الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في عام 2009، المرشح محمود أحمدي نجاد، بينما ألقى رفسنجاني بثقله داعما للمرشح مير حسين موسوي، خصمه السابق. وعندما زعم المرشحون الخاسرون بوقوع عمليات تزوير واسعة النطاق، أيد رفسنجاني مزاعمهم بينما وصفها يزدي بأنها جزء من الفتنة التي أشرفت عليها إسرائيل والولايات المتحدة. إن دل كل ذلك على شيء، فهو يدل على أن الخيار الذي تعامل معه مجلس الخبراء كان خيارا واضحا بين استراتيجية إغلاق فصل الثورة الإسلامية لصالح التطبيع في الداخل والخارج من ناحية، واغتنام الفرصة لإقامة «قوة إسلامية عظمى» تقودها إيران من ناحية أخرى.
في حين أن خطابات رفسنجاني يملؤها الرثاء حول المخاطر التي تواجه النظام الخميني، لا تزال لهجة يزدي تعلو بالظفر والانتصار. ويحذر رفسنجاني من أنه ما لم تغير إيران مسارها، فإنها لا تتجه إلا صوب المتاعب بكل تأكيد.
في المقابل، يصر يزدي على أن خصم إيران الحقيقي والوحيد، الولايات المتحدة الأميركية، تعاني من انهيارها الأخير، وأن انتصارات الجمهورية الإسلامية الباهرة في لبنان وسوريا والعراق واليمن تشير إلى تحول استراتيجي في موازين القوى على المستوى الإقليمي، على أدنى تقدير.
من المثير للاهتمام، التفاف الملالي الأكثر تطرفا حول عباءة يزدي، من ذوي العيون اللامعة إثر الهيمنة الإيرانية الموعودة على منطقة الشرق الأوسط.

انتصار مباغت
بالتالي، قد يظهر يزدي بوصفه حالة وسطا بين رفسنجاني، داعية التسوية والتطبيع، وآية الله محمد تقي مصباح يزدي الذي يدعو إلى «تصدير الثورة الإسلامية» إلى كل الدول ذات الأغلبية المسلمة. (لا تربط مصباح يزدي علاقة بمحمد يزدي). ولكن، ما أهمية انتصار محمد يزدي المباغت؟
يميل المحللون المؤيدون لرفسنجاني إلى التقليل من أهمية انتخاب يزدي استنادا إلى حجتين: لأولى، التي يعرضها صادق زيبا كلام، وهو كاتب عمود صحافي في صحيفة «الشرق» اليومية الموالية لرفسنجاني في طهران؛ حيث يدفع بأنه قد تم انتخاب يزدي لعام واحد فقط، حيث إن مجلس الخبراء بكامله سوف يخوض انتخابات جديدة على مستوى الأعضاء بحلول فبراير (شباط) 2016.
وأضاف: «لا نعلم لمن ستكون الأغلبية في انتخابات العام المقبل، ولن يكون من قبيل الحكمة شطب اسم رفسنجاني». أما رفسنجاني ذاته فقد ذهب إلى أبعد من ذلك لما زعم أنه مستمر في ممارسة «نفوذه الحقيقي» على المجلس؛ حيث قال الأسبوع الماضي إن «المهمة الحقيقية للمجلس هي اختيار المرشد الأعلى المقبل وقتما تسمح الظروف بذلك. وفي مثل تلك اللحظات، سأقول كلمتي بصفتي عضوا في المجلس. ولست في حاجة لأن أكون رئيسا للمجلس لكي أدلي برأيي». غير أن معلقين آخرين، رغم ذلك، اعتبروا تحليل رفسنجاني للوضع بأنه من قبيل الأمنيات الحالمة. يقول حسين راسم، وهو محلل سياسي سابق لدى السفارة البريطانية في طهران إن «الرسالة الرئيسية لتلك الانتخابات تكمن في رفض الصقور تخفيف قبضتهم على السلطة في أجهزة الدولة الرئيسية. وحينما يأتي اليوم، فإن فرص اعتلاء خليفة متشدد لآية الله خامنئي سدة الحكم في البلاد، «تستمر قوية حتى الآن». يعتبر انتخاب محمد يزدي، وبصورة أكثر إلحاحا، من قبيل الانتكاسات لسياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما حول إيران، التي تستند إلى مساعدة من يوصفون بالمعتدلين على إحكام السيطرة على كل مقاليد السلطة في طهران وتوجيه مسار الجمهورية الإسلامية تدريجيا نحو الحياة الطبيعية.
لمح أوباما إلى أنه يعتقد أن مثل ذلك المسار قد يستغرق 10 سنوات ليكتمل، وهي الفترة ذاتها المحددة للاتفاق النووي الذي يجري التفاوض بشأنه مع طهران.
خلال ذلك العقد من الزمان، قد يكون خامنئي، البالغ من العمر 76 عاما ويقال إن حالته الصحية معتلة، خارج المشهد السياسي أو يدفع إلى مغادرته من قبل الفصيل الموالي لرفسنجاني. تعود مصادر الشائعات واسعة الانتشار حول «الوفاة الوشيكة» لخامنئي، إلى شخصيات وثيقة الصلة بفريق رفسنجاني، وهي تكهنات حول عواقب إجراء خامنئي جراحة سرطان البروستاتا.

سيناريو التغيير
يبدو السيناريو الذي يحاول الفصيل الموالي لرفسنجاني بيعه لباراك أوباما على هذا النحو: يسيطر رفسنجاني على مجلس الخبراء وبالتالي يعقد السيف المسلط على عنق خامنئي. وفي عام 2016، يفوز فصيل رفسنجاني بالأغلبية في انتخابات كل من مجلس الخبراء والمجلس الإسلامي في حين لا يزال يقبض على زمام السلطة في مؤسسة الرئاسة من خلال حسن روحاني المحسوب على فصيل رفسنجاني.
أعرب رفسنجاني علنا في أكثر من مناسبة أنه دائما ما يفضل نظام القيادة الجماعية؛ حيث تكون وظيفة «المرشد الأعلى» للجمهورية الإسلامية موزعة بين 3 و5 من الملالي بدلا من واحد. من شأن ذلك الإصلاح أن يعمق من مكانة الرئيس المنتخب عن طريق السماح له بالعمل بصفته رئيسا حقيقيا للسلطة التنفيذية في الحكومة، وفي الوقت ذاته السماح أيضا للمجلس الإسلامي (البرلمان) بالعمل بصفته سلطة تشريعية حقيقية وليست مصطنعة. كما يجري دمج مجلس صيانة الدستور مع مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي ظل رفسنجاني رئيسا له لما يقرب من 20 عاما.
طالما نظر أنصار رفسنجاني إليه باعتباره النسخة الإيرانية من الزعيم الشيوعي الصيني دينغ شياو بينغ الذي ساعد في قيادة جمهورية الصين الشعبية إلى الخروج من الأزمة الثورية في اتجاه الحياة الطبيعية على الصعيد السياسي والتنمية الاقتصادية. كثيرا ما سلط رفسنجاني الضوء على نزعته البراغماتية، مشيرا إلى استعداده للتضحية بالآيديولوجية في مقابل الحفاظ على ممارسته للسلطة. في عام 1989، حينما جرى انتخابه رئيسا للبلاد، بعد وقت وجيز من وفاة الخميني، فاجأ كثيرين بقوله إنه مع كثير من الملالي السياسيين «على استعداد لنزع عباءاتهم التقليدية وارتداء الملابس العادية إذا كان ذلك ضروريا ويصب في خدمة الشعب الإيراني».
كتب رفسنجاني بنفسه السيرة الذاتية لأحد رؤساء الوزراء الإيرانيين من القرن التاسع عشر ويدعى ميرزا تقي خان أمير كبير، الذي يعتبره أنموذجه السياسي المثالي. ومن الأعمال البارزة التي يذكر بها أمير كبير كانت محاولته تقديم العلوم وقواعد الحكومات الغربية إلى قاجار إيران في وجه المعارضة الشديدة من جانب الملالي الرجعيين. وبدلا من محاولته تأسيس شخصية دينية لذاته، استخدم رفسنجاني وسائل الإعلام في الترويج لنفسه تحت اسم «جنرال البناء»، مؤكدا على التنمية الاقتصادية بدلا من التقوى الدينية.
وهكذا، يشمل سيناريو رفسنجاني حول التغيير، انخفاضا تدريجيا في النغمة الدينية للنظام الحاكم لصالح الخطاب الجديد الذي يعنى بالنمو الاقتصادي، والتقدم العلمي، والإصلاح الاجتماعي.
أما يزدي، على الناحية المعاكسة، فيعتقد أن خفض وتيرة الثيمات الدينية يمكن أن يؤدي إلى سقوط حتمي للنظام الحاكم.
إذا كان الناس يسعون وراء النمو الاقتصادي والإنجازات العلمية، فلماذا ينبغي الحصول عليها من الملالي بدلا من خبراء الاقتصاد والعلماء؟
على أي حال، فإن المهم بالنسبة ليزدي، وقبل كل شيء، هو بناء مجتمع يستند على القيم الدينية وتحكمه الشريعة الإسلامية (القانون الإسلامي)؛ حيث قال: «إننا لم نقم بالثورة من أجل الأسباب الاقتصادية؛ بل اندلعت ثورتنا على أيدي أناس متعطشين للإسلام»
عانى سيناريو رفسنجاني دوما من عدد من العيوب.. أولا، ليس هناك ما يضمن سهولة إقصاء خامنئي عن واجهة المشهد في إيران. ووفقا لكل الروايات، لا يزال الرجل أبرز الشخصيات وأكثرها شعبية في النظام الإيراني الحاكم وبشكل متزايد داخل دائرة الدعم الضيقة حوله. وفي أي انتخابات يجري تنظيمها على يد النظام الحاكم وبالتالي تعتبر مغلقة في وجه الغرباء، فإن خامنئي أو أي شخصية يؤيدها سوف تفوز بتلك الانتخابات ضد أي شخصية أخرى مدفوعة من قبل فصيل رفسنجاني.
كذلك، ليس من سبب يدعو إلى عدم نجاة خامنئي من جراحة سرطان البروستاتا، فإذا ما قدر له طول العمر مثل سلفه الخميني، فلا يزال أمام خامنئي ما لا يقل عن 10 سنوات في الحكم، وهي الفترة ذاتها التي تصورها الرئيس أوباما في مسعاه لعقد اتفاق مع الملالي.
يعتقد المحلل الإيراني حميد زمردي أن انتخاب محمد يزدي يوم الاثنين الماضي يظهر أن العجلة الأولى من آلية التغيير التي يقودها رفسنجاني قد انفرط عقدها، ويقول: «حتى مع دعم أوباما لموقف فصيل رفسنجاني عن طريق منحه مظهرية (الانتصار الدبلوماسي)، فليس من ضمان بأن العجلات الأخرى لآلية التغيير المتداعية سوف تأتي بجديد في انتخابات عام 2016».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.