لعنة الوثائق الأميركية

من «كوكا كولا».. إلى ويكيليكس فهيلاري كلينتون.. قصص وحكايات

لعنة الوثائق الأميركية
TT

لعنة الوثائق الأميركية

لعنة الوثائق الأميركية

يوم السبت الماضي، لم يدافع الرئيس باراك أوباما عن غريمته هيلاري كلينتون، وزيرة خارجيته السابقة، التي ورطت نفسها في فضيحة يمكن أن تكون جريمة قانونية، تقودها إلى السجن، وليس إلى البيت الأبيض، حلمها من قبل أن يدخله أوباما. لم يدافع عنها أوباما، بل تندر عليها.
في العشاء السنوي في نادي «غريدايورن» (وتعني الكلمة «شواية»)، حيث يتناول صحافيون كبار العشاء مع مسؤولين كبار، يتهكمون، و«يشوون»، بعضهم بعضا، قال أوباما: «قرأت في الصحف أن هيلاري كلينتون عندها (مشغل) إنترنت (سيرفر) في منزلها. كنت أعتقد أنني أنا الرئيس الذي يستعمل أحدث تكنولوجيا الإنترنت. لكن، الآن تأكدت أنني متأخر جدا في هذا المجال».
وقال إنه صار يجيد تكنولوجيا «سيلفي» (التقاط صورة ذاتية بالتليفون). وفي إشارة غير مباشرة إلى كلينتون، قال «ليحذر الرئيس (الرئيسة) بعدي في البيت الأبيض من التقاط صور مهزوزة. ستكون هذه فضيحة أسوأ من إرسال خطاب إلى إيران». قصد، أيضا، السيناتور الجمهوري توم كوتون الذي قاد حملة إرسال خطاب تحذير من 47 من أعضاء الكونغرس إلى إيران ألا توقع اتفاقية القنبلة النووية مع أوباما.
ربما منذ أول وثيقة سرية أميركية احتفظت بها الحكومة الأميركية (مراسلات بين الرئيس الأول جورج واشنطن والملك جورج الثالث، ملك بريطانيا)، لم تتعرض الوثائق الحكومية الأميركية السرية لكوارث (لعنات؟) مثلما حدث خلال العشر سنوات الأخيرة: تسريب الوثائق العسكرية السرية الأميركية عن غزو واحتلال العراق. تسريب وثائق الخارجية الأميركية السرية، إلى ويكيليكس.. والآن، رفض هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة، الاحتفاظ بوثائق الوزارة السرية في بريد الوزارة الإلكتروني، والاحتفاظ بها في بريدها الخاص، لمدة 4 سنوات.

وثائق كوكا كولا
طبعا، توجد وثائق حكومية ووثائق غير حكومية. وإن تفاوتت واختلفت اللعنات.. ومن أشهر الوثائق الخاصة في الولايات المتحدة «وثائق كوكا كولا»، التابعة لمتحف كوكا كولا، في أتلانتا (ولاية جورجيا). ويظل أهم سر في هذه الوثائق هو طريقة صناعة مشروب «كوكا كولا». منذ عام 1936، صارت كل وثائق الحكومة الأميركية تجمع في «دار الوثائق الوطنية» في واشنطن العاصمة. حتى الآن، توجد فيها أكثر من 10 مليارات وثيقة (سرية وغير سرية). وفي عصر الإنترنت، صارت دار الوثائق تجمع الوثائق الإلكترونية (مليون وثيقة حتى الآن). وبالنسبة لوثائق وزارة الخارجية، صارت إلكترونية منذ 15 عاما.
في الأسبوع الماضي، راجع ستيف كونتورو، كاتب عمود «بلويتكوفاكتز» (حقائق سياسية) في صحيفة «تامبا نيوز» (ولاية فلوريدا) وزراء الخارجية الأميركية خلال العشرين عاما الماضية الذين احتفظوا بوثائق إلكترونية في حسابهم الخاص. ووجد الآتي:
أولا: مادلين أولبرايت (1997-2001): لم تكن عندها وثائق حكومية إلكترونية لأن الإنترنت كان في بداية دخوله الوزارات والمصالح الحكومية. ثانيا: كولين باول (2001-2005): كانت أغلبية وثائقه ورقية. وكان عنده حساب إلكتروني خاص، وضع فيه بعض الوثائق الحكومية. ثم أعادها إلى الخارجية.
ثالثا: سوزان رايس (2005-2009): لم تستعمل البريد الإلكتروني في أعمال حكومية.
رابعا: هيلاري كلينتون (2009-2013): لم تستعمل البريد الإلكتروني التابع لوزارة الخارجية أبدا. وخلال 4 سنوات وضعت كل الوثائق الحكومية في بريدها الخاص. وهذا هو سبب الضجة الحالية. إذا كان باول وضع «عددا قليلا» من الوثائق الرسمية في بريده الخاص، وقال إنه أعادها «كلها»، فقد وضعت كلينتون «كل» الوثائق الرسمية في بريدها الخاص. وقالت إنها أعادت (55 ألف وثيقة).

وثائق كولين باول
لأن كلينتون ديمقراطية، هب الجمهوريون ضدها. بدأ ديمقراطيون يبحثون في الدفاتر.. ثم تساءلوا عن كولين باول الجمهوري. في الأسبوع الماضي، ظهر باول في تلفزيون «إيه بي سي»، وسأله مقدم البرنامج «هل أعدت كل وثائق وزارة الخارجية التي كانت في بريدك الخاص؟» أجاب: «ليست عندي وثائق للخارجية الأميركية لأعيدها.. أعدتها كلها». وسأله مقدم البرنامج: «هل تحتفظ بأي وثيقة رسمية؟»، أجاب: «ليست عندي آلاف الوثائق».
صار واضحا أن أجوبة باول ليست مقنعة. وفي اليوم التالي، سأل صحافيون ماري هارف، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية عن وثائق باول. وأجابت: «قال لنا باول إنه يفتش الآن في بريده عن أي وثيقة رسمية». طبعا، إجابة المتحدثة باسم الخارجية ليست مقنعة، مثلما أن إجابة وزير الخارجية الأسبق ليست مقنعة. لهذا، هب ديمقراطيون يقولون إن كلينتون (الديمقراطية) فعلت ما فعل باول (الجمهوري). بل قال ديمقراطيون إن باول أخفى وثائق لها صلة بيوم ذهب إلى مجلس الأمن ورفع أنبوبة فيها سائل. وقال إن الرئيس العراقي صدام حسين يقدر على أن يقتل الملايين بأسلحة الدمار الشامل التي يملكها. كان ذلك يوم 5-2-2003، قبل شهر من غزو العراق.
لهذا، ردا على طلب الجمهوريين في الكونغرس «كل» وثائق الخارجية من هيلاري كلينتون، يتوقع أن يطلب الديمقراطيون في الكونغرس من باول «كل» وثائق الخارجية.
من بين هؤلاء الديمقراطيين السيناتور تشارلز شومر (ديمقراطي من ولاية نيويورك). في الأسبوع الماضي، وقف داخل قاعة مجلس الشيوخ، وقال: «هيلاري كلينتون هي الوحيدة التي أعادت كل الوثائق الرسمية». طبعا، ليس هذا صحيحا. لكن، في جو الاتهامات، والمناورات، والمؤامرات، في واشنطن العاصمة، يصير الخط الفاصل بين الصحيح والخطأ غامضا.

وثائق كلينتون
لكن، ليس هناك غموض في أن هيلاري كلينتون احتفظت بكل وثائق الخارجية لمدة 4 أعوام في بريدها الخاص. وفي مؤتمرها الصحافي اعترفت بذلك. بدأت الفضيحة في بداية هذا الشهر، عندما كشفتها صحيفة «نيويورك تايمز». لكن، صمتت كلينتون 10 أيام قبل أن تعقد مؤتمرا صحافيا عن الفضيحة. خلال فترة صمتها، وفي مناورة سياسية (دراسة الاتهامات قبل التسرع في الرد عليها) أمرت نيك ميريل، المتحدث باسم حملتها الانتخابية، إصدار بيان مقتضب ينفي الاتهامات (لم تنجح المناورة لأن معارضيها قالوا إنها صمتت لتبحث عن «حيلة أخرى»). وحسب وكالة «أسوشييتد برس» استخدمت كلينتون حسابا شخصيا مسجلا لمنزلها في ضاحية شاباكوا، في ولاية نيويورك. ويتبع الحساب لمؤسسة كلينتون، والحساب هو: «إتش آر (هيلاري رودام) 22 آت كلينتون ميل دوت كوم».
يرتبط هذا الحساب مع حساب زوجها بيل كلينتون في نفس مؤسسة كلينتون. وأيضا، مع الحساب الثاني لزوجها «بريزيدانت (الرئيس) كلينتون دوت كوم». وأيضا، مع حساب ثالث «دبليو جي سي أوفيس (مكتب وليام جفرسون كلينتون) دوت كوم». وقالت صحيفة «واشنطن بوست»، اعتمادا على مصادر في الخارجية الأميركية، إن كلينتون أعادت 55 ألف وثيقة حكومية، لكن يعتقد أنها لم تعد 50 ألف وثيقة أخرى. وكانت مواقع في الإنترنت قالت، قبل ذلك، إن كلينتون مسحت 50 ألف وثيقة، أو 100 ألف، أو ..
ولم ينتظر قادة الحزب الجمهوري حتى غروب الشمس ليشنوا هجمات عنيفة على كلينتون.
قال تري غودي (جمهوري، ولاية ساوث كارولينا): «لا يحتاج أي شخص لشهادة في القانون ليقول إن كلينتون خرقت القانون. وخرقت التقاليد. بل خرقت القيم الأخلاقية». وقال غودي إنه طلب من وزارة الخارجية كل وثيقة خلال الأربع سنوات التي كانت كلينتون خلالها وزيرة. وإنه سيستدعي كلينتون للشهادة أمام لجنته في مجلس النواب.
هذه هي اللجنة الخاصة التي كان الجمهوريون في مجلس النواب أسسوها قبل عامين للتحقيق في الهجوم الإرهابي على القنصلية الأميركية في بنغازي، في ليبيا، حيث قتل السفير الأميركي في ليبيا، ودبلوماسيون أميركيون آخرون
وقال جيب بوش، الحاكم السابق لولاية فلوريدا، والذي يتوقع أن يترشح باسم الحزب الجمهوري لرئاسة الجمهورية (ضد كلينتون، إذا لم تتفاقم الفضيحة): «هذا شيء يدعو للاستغراب. لماذا فعلت ذلك؟ وهل فكرت قبل أن تفعله، وخلال فعلها له؟»
وقالت د. جنيفر لوليس، أستاذة القانون في الجامعة الأميركية في واشنطن العاصمة: «ليس هذا غريبا لمن تابع سنوات الرئيس كلينتون الثماني في البيت الأبيض، ومعه زوجته السيدة الأولى في ذلك الوقت. رغم إنجازات كلينتون الداخلية والخارجية، كان هناك جو من عدم الوضوح، وعدم الثقة في معاملاتهما مع الناس، هو وزوجته. كان هناك جو خوف من شيء ما، جو توقع انتقادات، والاستعداد للدفاع ضدها».

البيت الأبيض لا يدافع
حسب قانون الوثائق الفيدرالية، يجب الاحتفاظ بجميع رسائل البريد الإلكتروني الرسمية. ولا تقبل النسخ الورقية من الرسائل الإلكترونية كوثائق رسمية وفقا للقانون. ورغم وجود استثناءات للمواد السرية، يجب الاحتفاظ بالمستندات ورقيا حتى يطلع عليها الصحافيون ولجان الكونغرس والمؤرخون عندما يحين وقت عرضها للجمهور.. وقال مسؤولون عن هيئات رقابة حكومية، ومسؤولون سابقون في إدارة الوثائق والأرشيفات، إن استخدام كلينتون للبريد الشخصي لأغراض حكومية خرق خطير للقانون. وإن البريد الشخصي أكثر عرضة للاختراق من قبل القراصنة.
رغم كل هذه الانتقادات، خاصة من قادة في الحزب الجمهوري قالوا إن ترشيح كلينتون لرئاسة الجمهورية صار غير مضمون، لم يهب البيت الأبيض للدفاع عن كلينتون. وهكذا، بدأت مرحلة جديدة من علاقة كلينتون المتأرجحة مع أوباما، منذ أن نافسته في انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2008.
قال جوش ايرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، دون أن يدافع عن كلينتون: «حسب معلوماتنا، لم يكن لوزيرة الخارجية السابقة حساب في وزارة الخارجية. واستعملت حسابا خاصا بها. حسب القانون الذي ينطبق على كل المراسلات الحكومية، يمكن أن يحدث هذا بشرط أن تتحول كل محتويات هذه الحسابات الشخصية إلى قسم الأرشيف في كل وزارة، أو مصلحة حكومية».
وأضاف: «منذ أول يوم في إدارة الرئيس أوباما، أرسلت أوامر واضحة ومحددة بأن كل من يعمل فيها يجب أن يستخدم الحساب الرسمي للجهة التي يعمل فيها. لكن، إذا رأى مسؤول أن يستعمل حسابا خاصا، يجب أن تتحول محتوياته إلى قسم الأرشيف، كما ينص قانون الأرشيف والوثائق الأميركي».
فاكت جيك
يتابع موقع «فاكت جيك» (مراجعة الحقيقة) تصريحات كبار السياسيين والمسؤولين، ويدقق في صحتها. هذه تدقيقات من تصريحات كلينتون:
قالت: «كان سهلا أن أحمل تليفونا واحدا، وأستعمل حسابا واحدا». لكن لم تقل إن جيشا من المساعدين والمرافقين كان يمكن أن يفعل ذلك. قالت: «سمحت لي وزارة الخارجية استعمال حسابي الخاص للأعمال الرسمية».
لكن لم تقل من في الوزارة سمح لها، وهي الوزيرة.
قالت: «أرسلت جزءا كبيرا من بريدي إلى المسؤولين في الخارجية الذين أتعامل معهم، وكانوا يحفظونها في كومبيوترات الوزارة». لكن قبل أسبوعين، قالت جين بساكي، المتحدثة باسم الخارجية، إن حفظ البريد لم يكن أوتوماتيكيا إلا بعد بداية هذا العام. وقبل ذلك، لم يكن هناك مقياس عن حفظ البريد، أو عدم حفظه. قالت: «بعد أن تركت وزارة الخارجية، اتصلوا بي، وطلبوا البريد الذي له صلة بالعمل الرسمي. وفي الحال، أرسلت لهم ما يعادل 55 ألف صفحة مكتوبة». لكن: لم تقل إن الخارجية طلبت منها ذلك بعد 3 أعوام من عملها وزيرة للخارجية. عندما طلبت لجنة في الكونغرس البريد الذي له صلة بالهجوم الإرهابي على القنصلية الأميركية في بنغازي (عام 2013).
قالت: «بعد أن أرسلت كل البريد الرسمي إلى الخارجية، قررت مسح بريدي الخاص. عن أشياء مثل: زواج ابنتي ووفاة والدتي، وحصص اليوغا التي كنت أذهب إليها».
لكن لم تقل ماذا كان مقياس «الرسمي» و«الخاص». قالت: «طلبت من الخارجية نشر كل البريد الرسمي الذي أرسلته. حتى يراه الشعب الأميركي، وحتى يتأكد من العمل الذي قمت به، وأفتخر به، كوزيرة للخارجية». لكن، حسب قانون الوثائق، لا تنشر الوثائق السرية إلا بعد 30 عاما. لماذا تريد نشر وثائقها الآن؟ ولماذا الحديث عن «الفخر»؟
قالت: «في النهاية، أعلن أنني التزمت بكل القوانين المطلوبة هنا».
لكن: صار واضحا أن هذا ليس صحيحا. ويبدو أن العاملين في الوزارة هم الذين التزموا بالقوانين الذي وزعتها هي عليهم، والتي تقول: «لا تستعملوا بريدكم الخاص لعمل الوزارة». وأخيرا، تبدو هذه فضيحة سياسية، وتاريخية، وقانونية. يبدو أن جزءا ليس قليلا من وثائق 4 أعوام لوزيرة الخارجية الأميركية زورت، أو اختفت، أو مسحت، سواء صارت هيلاري كلينتون رئيسة للجمهورية، أم لم تصر.

* فضائح بيل وهيلاري

- ترافيل غيت: نقل أصدقاء ومتبرعين سياسيين بالطائرة الرئاسية.
- هوايتوتر: استثمارات مشبوهة؛ شراء قطعة أرض في ولاية أركنسا.
- كاتيل غيت: استثمارات مشبوهة في بورصة المحاصيل والحيوانات في شيكاغو.
- جنيفر فلاورز: مغنية نادي ليلي، صديقة بيل عندما كان حاكم ولاية أركنسا.
- فنس فوستر: صديق ومستشار في البيت الأبيض، انتحر مع إشاعة علاقة جنسية مع هيلاري.
- بولا جونز: سكرتيرة وصديقة بيل عندما كان حاكما لولاية أركنسا.
- جوانيتا برودريك: صديقة بولا جونز، وأيضا بيل.
- غرفة لنكولن في البيت الأبيض: «للإيجار» لدافعي تبرعات سياسية.
- المعبد البوذي: علاقة مشبوهة وتبرعات سياسية من مهاجرين من الصين.
- ويب هابل: وزير العدل، اضطر لأن يستقيل بسبب فضيحة سياسية.
- كينيث ستار: المحقق الفيدرالي الذي قاضى كلينتون لأنه كذب عن علاقات جنسية.
- مونيكا لوينسكي: سكرتيرة البيت الأبيض بطلة علاقة جنسية مع بيل.
- إلينور روزفلت: قالت هيلاري إنها تتكلم معها في غرفتها في البيت الأبيض.
- العفو الرئاسي: في آخر يوم رئيسا، أعفى عن أصدقاء أدينوا.
- جيفري ابستين: في بداية هذا العام. رفعت قاصر قضية اغتصاب ضده، وقالت إن بيل كلينتون كان يعرف. وإن الأمير البريطاني أندرو كان هناك أيضا (نفى الأمير).



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.