أفغانستان أمام «سيناريوهات» ما بعد الانتصار

وسط تبدل المعطيات والتكتيكات وحسابات لاعبي الداخل والخارج

أفغانستان أمام «سيناريوهات» ما بعد الانتصار
TT

أفغانستان أمام «سيناريوهات» ما بعد الانتصار

أفغانستان أمام «سيناريوهات» ما بعد الانتصار

كانت اللحظة التي استقل فيها الرئيس الأفغاني أشرف غني أحمد زي، في مطار كابُل الدولي، الطائرة المتجهة إلى جمهورية طاجيكستان بمثابة نهاية للجهود الأميركية التي استمرت على مدى 20 سنة متصلة لبناء دولة في أفغانستان. إذ ذهبت هباءً تريليونات الدولارات التي أنفقت على محاولة بناء مؤسسات دولة أفغانية، مع «اختفاء» القوات المسلحة الأفغانية، وانهيار الهيكل الحكومي بشكل كامل. وكل هذا حدث في غضون ساعات فقط من دخول رجال ميليشيا من أعضاء «حركة طالبان» العاصمة الأفغانية كابُل، صباح الأحد الفائت.
وحقاً، كان هذا الحدث خاتمة لـ20 سنة من الجهود الدولية، التي كانت قد بدأت في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على الولايات المتحدة بمحاولة تفكيك «حركة طالبان»، بيد أنها كما حصل، انتهت نهاية مخزية، إذ لم يحدث من قبل في التاريخ الحديث أن نفّذت قوة عظمى مثل هذه المغامرة العسكرية بهذه التكلفة المهدورة.
لقد مرّ استيلاء «طالبان» على العاصمة الأفغانية كابُل بشكل سلمي حتى الآن، إذ أصبحت كابُل الآن تحت السيطرة الكاملة لقوات الحركة، ولا سيما بعدما نشر قادة الميليشيا وحدات أمنية حول المدينة، وباتوا متغلغلين في جميع أنحائها، ناصبين نقاط تفتيش أمنية في كل زاوية فيها. ومن ناحية أخرى، لا يزال مطار حامد كرزاي الدولي - وهو الاسم الرسمي للمطار - المرفق الوحيد في كابُل الذي يخضع لسيطرة الجيش الأميركي، وذلك بعدما أنشأت «طالبان» نقاطاً أمنية في جميع أنحاء المطار، لكنها أحجمت عن الإقدام على أي محاولة لدخول مبانيه. وبالتالي، ولذلك فإن ثمة ما يشبه الهدنة غير المعلنة بين «طالبان» والقوات العسكرية الأميركية المسيطرة على المطار، مع العلم أن هذه القوات كانت قد أجلت الموظفين الدبلوماسيين الأميركيين من كابُل وأزالت العلم الأميركي عن مجمّع السفارة في المدينة.
جدير بالذكر أنه قبل ساعات معدودات من دخول رجال «طالبان» إلى مختلف أحياء كابُل ومناطقها، كان جميع أعضاء حكومة الرئيس أشرف غني تقريباً قد فرّوا منها، ومع ذلك، اختارت الحركة تحاشي الإخلاء القسري للمسؤولين الذين كانوا لا يزالون داخل المباني الحكومية أو في مقرّ الرئاسة. وبدلاً من ذلك، دخلت «طالبان» في مفاوضات مع كبار المسؤولين في الحكومة الأفغانية السابقة من أجل إنجاز انتقال سلمي للسلطة، ويقود الرئيس السابق حامد كرزاي والسياسي الحكومي البارز الدكتور عبد الله عبد الله فريق الحكومة الأفغانية في المباحثات، ولا تزال المفاوضات مستمرة حتى كتابة هذا التقرير.
من ناحية ثانية، لم ترد أنباء عن وقوع حوادث عنف تستحق في كابُل بعد دخول مسلحي «طالبان» المدينة، ومع ذلك، جرى الإبلاغ عن حدوث نزوح جماعي واسع النطاق خارج المدينة. إذ يخشى السكان الذين كانوا يتعاونون بشكل وثيق مع حكومة أشرف غني أو مع القوات الأميركية من التعرّض لهجمات انتقامية من قبل مسلحي «طالبان»، واتضحت هذه الصورة مع اقتحام عدد كبير من المواطنين بوابات المطار الدولي محاولين الصعود على متن طائرات عسكرية أو تجارية أميركية متجهة إلى خارج أفغانستان، كذلك عُلّقت الرحلات التجارية مع إعطاء الأولوية لرحلات الطيران العسكرية الأميركية التي تتولّى إجلاء الموظفين الدبلوماسيين.

بيان دولي مشترك

على الصعيد السياسي الدولي، أصدر أكثر من 60 دولة بياناً مشتركاً يدعون إلى إعادة فرض الأمن والنظام المدني بشكل فوري، وكذلك طالب البيان «طالبان» بالسماح بمغادرة البلاد لكل الراغبين بذلك. وفي المقابل، يعرب النُشطاء عن مخاوفهم بشأن مصير النساء في أفغانستان وسط تقارير تفيد بأن «طالبان» تفرض بالفعل تغييرات على طريقة لباسهنّ واختيارهن للعمل، في بعض أنحاء البلاد، في حين واصلت محطات التلفزيون المحلية الخاصة الأفغانية بثّ برامجها المعتادة مع وجود الممثلات والمذيعات بشكل طبيعي على شاشات التلفزيون.
أيضاً واصل النُشطاء والمعلّقون السياسيون الإعراب عن مخاوفهم أيضاً من معاملة أقليات أفغانستان في ظل قيادة «طالبان» للبلاد. وقال الصحافي الباكستاني، طاهر خان، الذي يتكلم اللغة البشتوية - الباشتونية (لغة غالبية مسلحي «طالبان») وكان يغطي شؤون الحركة منذ استيلائها على كابُل لأول مرة: «توجد مؤشرات واضحة على أن الحركة ستكون مختلفة هذه المرة، فهناك بالفعل كثير من الضغوط التي تُمارس عليها من قبل المجتمع الدولي بشأن القضايا المتعلقة بالأقليات».
وأضاف خان أن 3 من قادة «طالبان» حضروا يوم الأحد مجلس عزاء شيعياً في مدينة كابُل، وهو في رأيه بمثابة إشارة واضحة إلى أن الحركة ستكون ليّنة في تعاملها مع الأقليات بعد تشكيل الحكومة الأفغانية. وتابع: «صحيح أنه سيكون من الصعب التكهّن بما سيحدث لاحقاً، لكنهم يستجيبون للضغوط الدولية في الوقت الحالي».

دور إيران المتنامي

يرتبط هذا التغيير في موقف «طالبان» الواضح تجاه الأقليات والنساء بخلفية استراتيجية يظهر أنها دُفعت إليه، وذلك بعدما تحسنت علاقات الحركة بشكل كبير مع الدول الإقليمية، بما في ذلك إيران والصين وروسيا. وحسب كلام طاهر خان: «إحدى الدول التي حسنّت (طالبان) علاقاتها معها بشكل كبير هي إيران، إذ تشاور أعضاء الحركة مع القادة الإيرانيين إبّان المباحثات مع الإدارة الأميركية، كما أنهم يزورون طهران بانتظام من أجل إجراء مشاورات».
ومن جانب آخر، هناك إدراك واضح داخل دوائر السياسة الخارجية الباكستانية بأن قرار الولايات المتحدة الأحادي بالانسحاب من أفغانستان يشير إلى أن واشنطن لم تعُد تركِّز على القضايا المتعلقة بالإرهاب، وهو ما يعني عملياً تضاؤل الأهمية الاستراتيجية لكل من باكستان وأفغانستان. لكن، مع ذلك، ثمة إشارات ضعيفة من قبل العواصم الإقليمية بأن «الأصول الاستراتيجية» التابعة للمؤسسة الأمنية الباكستانية، وهو التعبير الذي يستخدَم كثيراً في وسائل الإعلام الدولية للإشارة إلى «حركة طالبان» الأفغانية، تتمتع ببعض الدعم بين دول المنطقة مثل روسيا وإيران والصين.
وما يُذكر هنا أنه إبان ذروة الوجود الأميركي في أفغانستان، وردت تقارير تفيد بأن الاستخبارات الأميركية كانت قد رفعت معلومات إلى واشنطن تفيد بأن كلاً من إيران وروسيا كانتا تقدمان أسلحة ودعماً استخباراتياً وتمويلاً لـ«حركة طالبان» من أجل شن هجمات على القوات الأميركية داخل كابُل. كذلك، نفذت «طالبان»، بإيعاز من الروس والإيرانيين، عمليات ضد الجماعات الموالية لـ«تنظيم داعش» في شمال أفغانستان وشرقها، خلال الفترة ما بين 2014 و2016. عندما سجّل صعود مفاجئ لـ«داعش» في البلاد. ثم إن وكالة الاستخبارات الباكستانية استضافت رؤساء استخبارات موسكو وطهران وبكين في مؤتمر عُقد بالعاصمة الباكستانية إسلام آباد في يوليو (تموز) 2018. وفيه جرى الاتفاق على أن أجهزة الاستخبارات الأربعة ستنسق جهودها ضد صعود «داعش» في أراضي أفغانستان.
لكن هل يعني هذا أن روسيا وإيران لهما علاقة عمل مع «طالبان» الأفغانية؟ أو هل ذلك يعني أيضاً أن اللاعبين الإقليميين كانوا أكثر تقبُّلاً لـ«حركة طالبان» المحافظة من «تنظيم داعش» المتطرف، الذي - وفقاً لتقارير - كان يؤسس داخل أفغانستان؟

البُعد الروسي للصورة

لا توجد إجابات واضحة على مثل هذه الأسئلة حتى الآن. لكن الواضح أن إيران رحّبت «بسحب القوات الأجنبية»، وأبدت روسيا استعدادها لاستخدام القوة العسكرية لحماية حلفائها الإقليميين مثل طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان (والجمهوريات الثلاث جمهوريات سوفياتية سابقة في آسيا الوسطى)، في حين لم يُشَر إلى «طالبان» على أنها تشكّل تهديداً لهذه الجمهوريات في أي من البيانات الروسية، وهذا على الرغم من حتمية رفض موسكو العنف المتزايد والقلاقل هناك.
وفي هذا السياق، وفقاً لمسؤولين وخبراء باكستانيين، فإن الروس يشعرون بالقلق بشكل خاص من صعود «داعش» في شمال أفغانستان بالقرب من حدودها مع دول آسيا الوسطى كلها، بما فيها طاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان. إذ لا تزال موسكو تعتبر أمن دول آسيا الوسطى مسؤوليتها الرئيسة، لكن الروس كانوا يناقشون هذه المشكلة مع قادة «طالبان»، ويرون أن الحركة تُعدّ بمثابة حليف محتمل لهم ضد «داعش» والجماعات المتطرفة الأخرى الناشئة في المنطقة الحدودية.
وحقاً، فإن قصة «داعش» في أفغانستان تتمحور أيضاً حول تراجع هذا التنظيم المستمر هناك. إذ إنه بعد الصعود الدراماتيكي في كابُل خلال الفترة بين عامي 2014 و2016 ووصول عدد أعضائه إلى الآلاف، بات التنظيم في حالة تراجع مستمرة. ثم إنه على مدى السنتين الماضيتين، عانى «داعش» من خسائر متتالية في مواجهته للعمليات العسكرية الأميركية والأفغانية في ولايتي كونر وننغرهار الشرقيتين، وقد تفاقمت هذه الخسائر بسبب الحملة العسكرية المنفصلة التي شنها مسلحو «طالبان» ضد التنظيم.
ومع ورود أنباء تشير إلى استدعاء «داعش» نحو 2200 مقاتل، فإن المسار بالنسبة لـ«طالبان» إجمالاً، يعجّ بانشقاقات بين صفوف القادة والمقاتلين، وخسارة أراضٍ، وتمزّق الحلفاء على أرض المعركة وفقاً لتقرير يشمل قراءات خبراء غربيين. ويرى بعض هؤلاء أن «طالبان» لا تتمتع بالكفاءة والتطور الكافي لمعالجة مشكلة عنف المفسدين الذي يمكن أن يظهر، ويكشف عن نفسه بأشكال متعددة في أفغانستان وربما يؤثر على دول المنطقة.

احتمالات المستقبل

على صعيد آخر، يتوقّع المراقبون أن تسعى «طالبان» الآن لبناء نوع من العلاقات الجيدة مع الأقليات الأفغانية، وبالأخصّ أقلية الهزارة الشيعية (في وسط أفغانستان) تفادياً لإزعاج إيران أو استفزازها. وللعلم، كان عدد كبير من الطاجيك والأوزبك والتركمان حتى بعض الهزارة قد انضم إلى «حركة طالبان». وكان هذا هو سبب بدء الحركة هجومها في شمال أفغانستان؛ حيث الأكثرية من غير قبائل الباشتون، ومن شأن هذا الواقع الجديد تشجيع «طالبان» على أن تكون لطيفة ومتعاونة مع الأقليات العرقية والطائفية.
في المقابل، قد يتخذ عنف المفسدين شكل هجمات إرهابية داخل الأراضي الباكستانية، وإذا صدّقنا أقوال خبراء الاستخبارات الغربية يمكن أن تصبح الاستخبارات الهندية ذراعاً تستخدم فلول الجماعات الإرهابية ضد باكستان. ولا يبدو هذا الأمر مستبعداً لدى النظر إليه في ضوء الادعاءات الباكستانية عن اختراق الاستخبارات الهندية لحركة «تحريك طالبان باكستان»، وأنه جرى استخدام هذه الجماعة المسلحة نحو تنفيذ هجمات إرهابية في قلب باكستان. ويوجد عدد لا يحصى من التقارير والادعاءات التي تشير إلى الشبكات التي تربط حركة «طالبان باكستان» بجماعات إرهابية دولية مثل «القاعدة» و«داعش».
بالمثل، قد يأتي هذا العنف في شكل استخدام باكستان للجماعات الإرهابية لتنفيذ هجمات إرهابية ضد المصالح الهندية في أفغانستان. وإذا ما نظرنا إلى الماضي القريب لن يبدو هذا مستبعداً، إذ من المعلوم والموثق كيف يستخدم الهنود الأصول العسكرية الاستخباراتية في أفغانستان ضد باكستان. كذلك لا تزال حيّة في الذاكرة القومية والدولية أيضاً الذكريات المريرة لما حدث من تحميل الإدارة الأميركية الاستخبارات الباكستانية مسؤولية الهجوم الإرهابي على السفارة الهندية في كابُل.
ويمثل هذا جانباً آخر من الصراع الأفغاني الذي يفرز قيحاً كجرح لم يندمل، فليس لدى الجهازين الأمنيين الباكستاني والهندي «قواعد لعبة» راسخة واضحة لحماية مصالح كل منهما في أفغانستان. ويشعر الباكستانيون بالقلق من رغبة واشنطن في منح الهند دوراً غير متناسب في أفغانستان بعد الانسحاب، في حين يشعر الهنود بالقلق والخوف من احتمال تأثر مصالحهم الاقتصادية في أفغانستان سلباً بسبب أعمال أعدائهم اللدودين في ثوب «طالبان». لذا لا يعد عنف المفسدين مستبعداً في هذا «السيناريو»، بل إن له سوابق في الأراضي الأفغانية، فقد اتهمت الإدارة الأميركية روسيا وإيران بدعم «طالبان» في أفغانستان لتنفيذ أعمال عنف ضد القوات الأميركية هناك. واتهمت روسيا الأميركيين بشكل غير مباشر بجلب مقاتلين تابعين لـ«تنظيم داعش» في شمال أفغانستان بالقرب من حدود جمهوريات آسيا الوسطى التي تعدّها روسيا جزءاً من حدودها الأمنية. وبالفعل، أوت فلول «القاعدة» و«داعش» في أفغانستان جماعات إرهابية ظهرت في مجتمعات آسيا الوسطى، وشاركت في صراع عسكري مع حكومة آسيا الوسطى.
ولا يقلّ قلق الصينيين إزاء ما يحدث من تطورات في أفغانستان، فهم يعلمون جيداً بتحالف العناصر الانفصالية الصينية، خاصة الأويغور المسلمين، مع كل من «داعش» و«طالبان» و«القاعدة». كذلك تتحالف بعض تلك العناصر مع «طالبان باكستان» التي كانت توفر لهم ملجأ حتى وقت قريب. وبينما يقول خبير يقيم في إسلام آباد: «إن المخاوف من عنف المفسدين التي تصل إلى الأراضي الصينية حقيقية»، عبّرت الصين بالأمس عن نيتها العمل والتعاون مع حكومة «طالبان» الجديدة.

أفغانستان... أمام خلفية تقاطع الحسابات الباكستانية ـ الهندية
> حركة طالبان» لم تواجه حتى هذه اللحظة أي مقاومة لنصرها العسكري في أفغانستان، ومع ذلك تشير التقارير إلى أن المسلحين الموالين لأحمد شاه مسعود، القائد العسكري السابق الراحل، قد بدأوا في التجمع في وادي بنجشير، المعقل القديم للقادة العسكريين الطاجيك.
المعلومات تحدثت عن أن أمر الله صالح، نائب الرئيس الأفغاني موجود في وادي بنجشير مع رجاله، وأنه قد يبدأ حراك مقاومة من شمال كابُل. والمعروف أن هناك تاريخاً طويلاً من تقديم الهند مساعدات عسكرية لقوات مسعود. وإذ ذاك لم يكن التهديد الإرهابي الدولي قد تبلور بالكامل عام 1996، وهو العام الذي شهد بداية الهنود تقديم المساعدة العسكرية الجوية لجماعات «التحالف الشمالي»، كذلك لم تكن وسائل إعلام العواصم الإقليمية والدولية قد بدأت تولي أهمية لهذا التهديد بعد. لذا كان المسؤولون العسكريون الهنود قلقين من صعود القوى الموالية لباكستان في أفغانستان، وبالتالي، كانوا يرون «طالبان» تهديداً للهند داخل أفغانستان، وهو ما كان له دور حيوي في تشكيل الفكر الاستراتيجي والسياسي للهند. وفي ظل هذه الجهود والمحاولات انضمت دول أخرى إلى الهند مثل إيران وروسيا وطاجيكستان حيث كانت أشكال الدعم الهندي تتدفق باستمرار إلى أحمد شاه مسعود (وهو طاجيكي) بمساعدة الجمارك الطاجيكية.
خوف الهند الاستراتيجي من أن تصبح باكستان متحكمة في أفغانستان، خلال مرحلة ما بعد الانسحاب، نابع من نظرة المسؤولين الهنود إلى الجهاز الأمني الباكستاني باعتباره مهيمناً على المسلحين السنة و«الإرهاب القادم من أفغانستان». وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن الهند مهتمة كثيراً بالعلاقات داخل أفغانستان من أجل ضمان اختراق أفغانستان (البعيدة عن البحار) من خلال الموانئ الإيرانية. لكن، كان لها أيضاً خطط للوصول إلى الجمهوريات الغنية بالنفط والغاز في آسيا الوسطى باعتبارها أسواقاً وموردين للطاقة في الوقت ذاته، وذلك لتلبية طلب الاقتصاد الهندي المتنامي والمتعطش للنفط. وبهذه الطريقة يستهدف المخططون الاستراتيجيون الهنود خفض الأهمية الاستراتيجية لباكستان. ومع اتجاه أفغانستان حالياً نحو سيطرة «طالبان» العسكرية الكاملة، من المرجح أن يضيع الاستثمار الهندي الكبير في الطرق والاتصالات في أفغانستان، وهذا ما يخشاه المسؤولون الهنود.
على أي حال، الإعلاميون والمفكرون الاستراتيجيون الهنود مقتنعون أن وضع الهند جيد بين المواطنين الأفغان، ويرون أن نيودلهي اختارت الاستثمار الصحيح وفي البلد المناسب، لكن ربما ليس في التوقيت السليم. فقد كان صعود «طالبان» عام 2014 أمراً واضحاً ومتوقعاً، عندما شهد ذلك العام بدء الاستخبارات الأميركية والغربية والمسؤولين الدبلوماسيين إشراك «طالبان» في المباحثات السرية. وأخذت التقارير عن هذا الأمر تتصدّر العناوين الرئيسة في الصحف ووسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم؛ ومع ذلك تجاهل الهنود التسريبات، وبدا أنهم لم يخططوا لـ«سيناريو» أفغانستان بعد رحيل القوات الأميركية، وواصلوا تقديم أنفسهم بوصفهم داعمي الحركات المناهضة للإسلام السياسي و«الإرهاب».
هذه المرة الوضع مختلف. وإذا قرّرت الهند تقديم الدعم إلى مسلحي بنجشير في مواجهة «طالبان»، فمن المؤكد أنها لن تحظى بدعم إيران أو الاتحاد الروسي. إلى جانب ذلك، بعدما كانت الأقليات العرقية في أفغانستان، كالطاجيك والأوزبك والتركمان، قاعدة الدعم الأساسية لمقاتلي أحمد شاه مسعود، نجد أن «طالبان» اجتذبت أخيراً كثيرين من أبناء هذه الأقليات، ما سهل لها الاستيلاء على المدن والبلدات الشمالية.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.