لمحة عن أبرز حكام ولاية نيويورك الـ57

لمحة عن أبرز حكام ولاية نيويورك الـ57
TT

لمحة عن أبرز حكام ولاية نيويورك الـ57

لمحة عن أبرز حكام ولاية نيويورك الـ57

لفترة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت ولاية نيويورك كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان قبل أن يفعل فعله نمو ولايات الغرب والجنوب، وبالذات كاليفورنيا وتكساس وفلوريدا. وكذلك، كان من يشغل منصب حاكم نيويورك يُعد من أعظم ساسة البلاد نفوذاً، كيف لا والولاية تضم مدينة نيويورك «العاصمة الاقتصادية» لأميركا وأكبر موانئها وعصب اتصالاتها وعلاقاتها الدولية. وفيما يلي نعرض بعد أسماء الساسة البارزين الذين تولوا حاكمية ولاية نيويورك «الولاية الإمبراطورية»... كما تلقب، وبين هؤلاء شخصيات فذة تقلدت مناصب رفيعة منها رئاسة الجمهورية. إذ سبق أن شغل المنصب من الرؤساء الأميركيين كل من: مارتن فان بورين وغروفر كليفلاند (الرئيس الوحيد الذي خدم فترتين غير متصلتين) وثيودور روزفلت (أصغر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة) وفرانكلن روزفلت (الرئيس الأطول حكماً). كذلك شغل منصب حاكم نيويورك من نواب الرؤساء كل من جورج كلينتون ودانيال تومبكينز وليفاي مورتون ونيلسون روكفلر. وأيضاً، شغله جون جاي أول رئيس للمحكمة العليا وقد تولى أيضاً وزارة الخارجية، وتشارلز هيوز الذي رئيس ترأس المحكمة العليا الذي عيّن أيضاً وزيراً للخارجية وكان مرشحاً للرئاسة.
ثم أن بين من شغلوا وزارة الخارجية الآخرين كل من وليم مارسي ووليم سيوارد (وزير الخارجية الذي عقد صفقة شراء آلاسكا من روسيا) وهاملتون فيش. وفي الشأن الخارجي هناك أفريل هاريمان وزير التجارة والمستشار والمفاوض السياسي الشهير والوسيط الدولي البارز. كما أن بين المرشحين الرئاسيين الآخرين ألفريد سميث وتوماس ديوي المرشح الرئاسي

أندرو كومو
الحاكم الديمقراطي المستقيل أندرو كومو، قبل أن يصير الحاكم الـ56 لنيويورك منذ 2011، سار على خطى أبيه. فأبوه هو السياسي والمحامي والخطيب اللامع ماريو كومو، الذي شغل قبله منصب حاكم نيويورك ثلاث فترات.
ولد أندرو كومو في ضاحية كوينز بمدينة نيويورك وتخرّج في جامعة فوردهام وكلية ألباني للحقوق. وهو وعلى الرغم من خروجه المهين من أرفع مناصب الولاية بعد اتهامه بالتحرش بـ11 امرأة، ينظر كثيرون إليه على أنه سياسي محنك. ثم إنه بدأ حياته المهنية مديراً لحملة والده في انتخابات حاكم نيويورك عام 1982، ثم عمل مساعداً للمدعي العام في المدينة قبل أن يمارس القانون في مكتبه الخاص. ولقد أسس مؤسسة إسكان غير هادفة للربح، وعيّنه رئيس بلدية المدينة ديفيد دينكينز رئيساً للجنة مدينة نيويورك للمشردين.
كذلك شغل أندرو كومو منصب مساعد وزير الإسكان والتنمية الحضرية. ثم عُيّن وزيراً للإسكان في إدارة الرئيس بيل كلينتون. وبعد فشله في الفوز بالانتخابات التمهيدية للديمقراطيين عام 2002، انتخب عام 2006 مدعياً عاماً لنيويورك. وفاز في انتخابات حاكم نيويورك عام 2010.

نيلسون روكفلر
ارتقى الجمهوري نيلسون روكفلر، حفيد الملياردير جون دي. روكفلر وابن العائلة الثرية، مناصب عديدة قبل وبعد توليه منصب الحاكم الـ49 لنيويورك بين عامي 1959 و1973. واختير نائباً للرئيس الأميركي الـ41 في عهد الرئيس جيرالد فورد بين عامي 1974 و1977. وكان قبلاً قد عمل مساعداً لوزير الخارجية في عهدي الرئيسين فرانكلن روزفلت وهاري ترومان. ولفترة غير قصيرة كان نيلسون روكفلر يُعد زعيماً للجناح الليبرالي المعتدل في الحزب الجمهوري في وجه الجناح المحافظ بزعامة ريتشارد نيكسون واليميني المتشدد بزعامة رونالد ريغان. وبالفعل، كان روكفلر يُعد ليبرالياً وتقدمياً، أيام كان يُطلق على الليبراليين داخل الحزب الجمهوري «جمهوريو روكفلر». وبصفته حاكماً لنيويورك، تضمنت إنجازات روكفلر التوسع في جامعة ولاية نيويورك، والجهود المبذولة لحماية البيئة، وبناء إمباير ستيت بلازا في عاصمة الولاية ألباني، وزيادة المرافق والموظفين الطبيين، وإنشاء مجلس ولاية نيويورك للفنون. ومن جانب آخر، كان روكفلر جامع أعمال فنية ذواقاً وشغوفاً، وعزّز كثيراً وصول الجمهور إلى الفنون. وشغل منصب وصي وأمين صندوق ورئيس لمتحف الفن الحديث، وأسس متحف الفن البدائي عام 1954، وعمل أيضاً مديراً لـ«مركز روكفلر» في مانهاتن بقلب نيويورك.

فرانكلن روزفلت
الرئيس الديمقراطي فرانكلن ديلانو روزفلت، كان سياسياً فذاً شغل منصب الرئيس الـ32 للولايات المتحدة لأربع ولايات قياسية من عام 1933 حتى وفاته عام 1945، ولعله الشخصية الأشهر - مع قريبه الجمهوري ثيودور روزفلت - التي تبوأت منصب حاكم نيويورك.
«إف دي آر»، وهذا لقبه الشهير الذي يمثل الأحرف الثلاثة الأولى من اسمه الكامل، صار شخصية محورية في الأحداث العالمية خلال النصف الأول من القرن العشرين، وقاد الحكومة الفيدرالية خلال معظم فترات الكساد الكبير.
وُلد روزفلت في نيويورك لعائلة روزفلت التي اشتهرت بسمعة ثيودور روزفلت، الرئيس الأميركي الـ26 للولايات المتحدة. وتخرج في مدرسة غروتون الراقية ثم في جامعة هارفارد أعرق جامعات أميركا. ثم التحق بكلية الحقوق بجامعة كولومبيا الشهيرة في نيويورك، لكنه تركها بعد اجتياز امتحان المحاماة لممارسة القانون في مدينة نيويورك. بعد ذلك فاز بانتخابات مجلس شيوخ نيويورك عام 1910. ورغم إصابته بالشلل الذي عطّل قدرته على المشي من دون مساعدة، واصل صعوده السياسي، وعاد ليفوز في انتخابات حاكمية نيويورك عام 1928، وظل في المنصب إلى عام 1933.

جورج كلينتون
يُعد جورج كلينتون أحد مؤسسي الولايات المتحدة، وهو عمل كأول حاكم لولاية نيويورك بين عامي 1777 و1795، ثم بين عامي 1801 و1804 قبل أن يصير نائباً للرئيس بين عامي 1805و1812. ولقد خدم كلينتون في الحرب الفرنسية والهندية ورُفع إلى رتبة ملازم في الميليشيات الاستعمارية. وخلال مهمته كحاكم للولاية، أيد كلينتون قضية الاستقلال خلال الحرب الثورية الأميركية وخدم في الجيش القاري. وكان من المعارضين الرئيسيين لدخول ولاية فيرمونت إلى الاتحاد أثناء وبعد الحرب بسبب الخلافات حول دعاوى الأراضي. وأصبح كلينتون من المناهضين البارزين للفيدرالية ودعا إلى إضافة وثيقة حقوق الولايات المتحدة، على رغم معارضته التصديق على دستور الولايات المتحدة. وظهر زعيماً للحزب الديمقراطي الجمهوري الأول في أوائل تسعينات القرن التاسع عشر، كان مرشح الحزب لمنصب نائب الرئيس في الانتخابات الرئاسية لعام 1792. وحصل كلينتون على ثالث أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات؛ إذ فاز كل من الرئيس جورج واشنطن ونائب الرئيس جون آدامز في الانتخابات. وترشح لمنصب نائب الرئيس عن الحزب الديمقراطي الجمهوري في انتخابات عام 1804، فأقال الرئيس توماس جيفرسون آرون بور من قائمة مرشحي الحزب. طلب كلينتون ترشيح حزبه للرئاسة في انتخابات عام 1808، لكن لجنة ترشيح الكونغرس للحزب رشحت جيمس ماديسون بدلاً منه، أعيد انتخاب كلينتون نائباً للرئيس على رغم من معارضته لماديسون.



مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
TT

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)

تكتسب مينيابوليس أهميةً تتجاوز كونها أكبر مدن ولاية مينيسوتا، ذات الكثافة السكانية الاسكندنافية بشمال وسط الولايات المتحدة، ومركزها الاقتصادي والثقافي، و«توأم» عاصمتها السياسية سانت بول.

في السنوات الأخيرة تحوّلت «رمزاً سياسياً» تختصر فيه الولاية تناقضات أميركا بين حالة ديمقراطية ليبرالية تقدّمية وسلطة فيدرالية جمهورية أكثر صدامية في عهد دونالد ترمب.

مينيابوليس تشتهر بكونها مدينة «الطبيعة داخل المدينة». إذ تحتضن شبكة بحيرات ومستنقعات وجداول داخل حدودها، إلى جانب نهر المسيسيبي، ومسارات مشي ودرّاجات تمتد لأميال ضمن منظومة حدائق تُقدَّم كميزة فريدة.

وبجانب هذا الوجه الطبيعي، لدى مينيابوليس حضور ثقافي لافت في الغرب الأوسط، من «ووكر آرت سنتر» وحديقة المنحوتات، إلى «غاثري ثياتر» الذي يُعدّ مؤسسة مسرحية مركزية في المدينة. وتضم عدداً كبيراً من مقار الشركات والمؤسسات، مثل شركة «تارغت» و«يو إس بان كورب» وغيرهما؛ ما يعزّز ثقلها كعقدة أعمال ومال وخدمات في مينيسوتا.

لكن شهرة مينيابوليس اليوم ليست سياحية فقط؛ فهي تُصنَّف مدينة تقدّمية؛ لأن سياساتها المحلية تراكمت لسنوات على قاعدة «خفض العوائق» أمام المشاركة والخدمات، والتوسّع في الحماية الاجتماعية. تعتمد المدينة «التصويت التفضيلي» في كل الانتخابات البلدية منذ 2009، وهو ما يُقدَّم كإصلاح ديمقراطي يعزز التمثيل ويحد من الاستقطاب داخل السباقات المحلية. وفي الاقتصاد الاجتماعي، كانت من أوائل مدن الغرب الأوسط التي أقرّت مسار رفع الحد الأدنى للأجور وصولاً إلى 15 دولاراً، مع مراحل تطبيق امتدت حتى 2024. وفي يناير (كانون الثاني) 2026 برزت المدينة مسرحاً مباشراً للصراع بين ترمب والديمقراطيين عبر ملف الهجرة.

عمليات «آيس» في مينيابوليس، وما ارتبط بها من حوادث مثيرة للجدل، من مقتل الأميركية رينيه نيكول غود (37 سنة)، ثم أليكس بريتي، الممرّض الأميركي (37 سنة) أيضاً، ومحاولة عناصر «آيس» دخول القنصلية الإكوادورية وما أثارته من احتجاج دبلوماسي، قدمت للبيت الأبيض فرصة لإظهار «قبضة إنفاذ» أمام الجمهور المحافظ. في المقابل، منحت الديمقراطيين مادة تعبئة حول «تغوّل السلطة الفيدرالية» وحدودها داخل المدن الملاذ. وحقاً، لم تعُد المدينة ساحة مواجهة بين ترمب والديمقراطيين فقط، بل غدت مرآة انقسام الديمقراطيين: بين تيارٍ مؤسساتي - براغماتي يركز على الأمن والخدمات وإدارة المدينة، وتيار يساري يرى أن زمن «الترقيع» انتهى. وإعادة انتخاب العمدة جاكوب فراي في 2025 عبر التصويت التفضيلي بوجه تحدٍ يساري بارز، بيّنت أن المدينة، ولو أنها أكثر تقدمية، لا تمنح تفويضاً تلقائياً للشعارات، بل تبحث عن توازن صعب بين العدالة والسلامة.

لهذا كله؛ تبدو مينيابوليس (مع سانت بول) بالنسبة لمينيسوتا «عاصمة سياسية» بقدر ما هي عاصمة اقتصادية. وإذا أراد ترمب أن يثبت أن الدولة الفيدرالية قادرة على فرض أجندتها داخل المدن، فهي المكان الأكثر رمزية. وإذا أراد الديمقراطيون أن يبرهنوا على أن الدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن قدرة الحكم المحلي على إدارة الأزمات، فهي أيضاً مختبرهم الأكثر شهرة.


براغماتية موسيفيني وعقدة «الدولة الحبيسة» تؤطّران تحرّكات أوغندا

ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
TT

براغماتية موسيفيني وعقدة «الدولة الحبيسة» تؤطّران تحرّكات أوغندا

ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)

في ظل ظروف إقليمية مضطربة، تتقاطع فيها أزمات دول القرن الأفريقي مع صراع على موانئ البحر الأحمر ومياه نهر النيل، تبرز أوغندا، الدولة الحبيسة الواقعة في شرق أفريقيا، بوصفها لاعباً دبلوماسياً، متغلغلاً في عمق النزاعات الأفريقية ببراغماتية سياسية تؤطّر أسلوب الرئيس يوويري موسيفيني، كزعيم مخضرم أمضى قرابة أربعة عقود في السلطة.

تلعب أوغندا أدواراً حسّاسة في ملفّات إقليمية عدّة، وتبرز كمحرّك أساسيّ لملف مياه النيل بصفتها «دولة منبع»، ترفض الاعتراف بالاتفاقيات القديمة باعتبارها «اتفاقيات استعمارية».

ثم إنها تطلّ كلاعب محوَري في أزمات دول القرن الأفريقي عبر تاريخ طويل من التدخّلات الإقليمية في شؤون دول الجوار، وتؤطّر عقدة «الدولة الحبيسة» سياساتها الخارجية. وهذا الواقع يجعل العاصمة الأوغندية، كمبالا، تتحرّك على تخوم ملفات شديدة الحساسية؛ من نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، إلى مستقبل اتفاقيات النيل، وخطط إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء بربرة في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي.

حالة اسمها موسيفيني

منذ وصول يويري موسيفيني إلى الحكم في أوغندا عام 1986 إثر تحرك عسكري أطاح بسلفه الجنرال تيتو أوكيلو، قدّم الرجل «نموذجاً براغماتياً» للحكم يقوم على أولوية الأمن والنمو لتحقيق مصالح بلاده الاقتصادية والاستراتيجية.

أيمن شبانة، الأستاذ في معهد الدراسات الأفريقية بالقاهرة، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن هذا «النموذج» لم ينحصر في الداخل الأوغندي، بل تمدّد إقليمياً من خلال سياسة تدخلية نشطة في دول الجوار، حيث حاول موسيفيني إبراز دوره ودور بلاده كمحرك وحكيم ولاعب مؤثر في الإقليم.

وأردف شبانة أن «أوغندا مارست منذ أواخر الثمانينات سياسة تدخل مباشر وغير مباشر في دول الجوار، بحجة حماية أمنها القومي ومنع نقل الصراعات إلى داخلها». وأشار في هذا الصدد إلى «دعم كمبالا للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق ثم سلفا كير، وكذلك دعمها للجبهة الوطنية الرواندية عام 1994... في محطات مفصلية ساهمت بإعادة تشكيل الإقليم».

وفق شبانة، لم تتوقف تدخلات أوغندا عند السودان ورواندا. ففي أواخر التسعينات، «لعب موسيفيني دوراً محورياً في الإطاحة برئيس الكونغو الديمقراطية موبوتو سيسي سيكو، بضوء أخضر أميركي، لصالح لوران كابيلا. لكن التحالف لم يدم طويلاً. فمع ميل كابيلا لاحقاً نحو الصين والكتلة الشرقية، انقلبت كمبالا عليه، ودخلت في صراع مفتوح داخل الكونغو الديمقراطية».

وحقاً، اتهمت تقارير أممية أوغندا بدعم المتمردين في الكونغو الديمقراطية، ما عزز الصراع داخل البلاد. لكن رغم ذلك، حافظ موسيفيني على علاقاته الدولية، مبرّراً تدخلاته في شؤون دول الجوار بالرغبة في «تأمين بلاده»، وعززت تدخلاته سعيه لتقديم كمبالا «حليفاً أمنياً» للغرب في شرق أفريقيا.

سد النهضة في إثيوبيا (آ ب)

«اتفاقية عنتيبي» ... ومياه النيل

في ملف مياه النيل، تتبنى أوغندا موقفاً صلباً يستند إلى رفض اتفاقيتي 1929 و1959 لتوزيع حصص مياه النهر، إذ تعتبرهما اتفاقيتين «استعماريتين» لم تكن دول المنابع طرفاً فيها. ويوضح شبانة هنا أن «هذا الموقف يستند إلى ما يُعرف بمبدأ نيريري – جوليوس نيريري الرئيس التنزاني الأسبق – القائم على رفض الاعتراف بأي التزامات موروثة عن الاستعمار».

هذا الموقف برز مع استضافة كمبالا توقيع «اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل» المعروفة باسم «اتفاقية عنتيبي»، يوم 14 مايو (أيار) 2010، بعد اجتماع ضم 6 دول، هي إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا وبوروندي. ومن ثم، دخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في خطوة اعتبرتها مصر والسودان «تهديداً مباشراً لأمنهما المائي».

مع هذا، لم يؤثر ذلك بشكل كبير على علاقات أوغندا مع مصر، ولا سيما أن كمبالا «لا تتبنّى خطاباً تصعيدياً ضد القاهرة... وإن حافظت على التنسيق مع دول المنبع لتكوين كتلة تفاوضية ضاغطة»، بحسب شبانة، الذي يصف موقف كمبالا بـ«الحياد» في ملف «سد النهضة» الإثيوبي.

بدورها، ترى هاجر علي، الباحثة في المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية (GIGA)، في ما يتعلق بحوض النيل، «أن دور أوغندا ومصالحها واضحان نسبياً. فهي تُعد من دول المنبع لنهر النيل، ولديها مصلحة مباشرة في الحفاظ على استقلالية قرارها في كيفية استخدام المياه، ولا سيما اعتمادها الكبير على الطاقة الكهرومائية». وتشير الباحثة المتخصصة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «أحد خطوط التصدّع التاريخية في أي نقاش يتعلق باستخدام مياه النيل هو الخلاف بين دول المنبع ودول المصبّ، فحين وقّعت أوغندا، مثلاً، على اتفاقية الإطار التعاوني لتكريس مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه بين دول الحوض، تبدي كل من مصر والسودان مخاوف عميقة بشأن أمنهما المائي، خاصة مع إدارة دول المنبع لاستخدامات المياه بشكل مستقل». وتضيف: «هذا السياق يفسّر موقف أوغندا من سد النهضة الإثيوبي. فبوجه عام، اتسم موقف كمبالا بالحياد المائل إلى الدعم تجاه السد... حيث تتقاطع مصالح أوغندا مع إثيوبيا، بوصفهما دولتين من دول المنبع، في رفض أن تحدد دول المصب، ولا سيما مصر، كيفية استخدام مياه النيل».

وتوضح هاجر علي أنه «غالباً ما يُفسَّر غياب التأييد الصريح من جانب أوغندا على أنه ضوء أخضر أو دعم ضمني لنهج إثيوبيا الأحادي في بناء وتشغيل سد النهضة». وحقاً، تشترك أوغندا مع إثيوبيا في الرغبة في «الاستخدام المنصف» للمياه وتوليد الطاقة الكهرومائية. إذ لدى كمبالا مشاريع طموحة لبناء سدود على النيل الأبيض، وهي تدعم دول المنبع بإقامة مشاريع دون إخطار مسبق لدول المصب. لكنها في الوقت نفسه تحاول لعب دور «الوسيط العاقل» لتقريب وجهات النظر بين القاهرة وأديس أبابا، مستفيدة من علاقة موسيفيني القوية بالطرفين. وفي مؤتمر صحافي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأوغندي في القاهرة العام الماضي، قال موسيفيني إن إشكالية أزمة السد الإثيوبي ترتبط «بنهج التعامل مع الأزمة... مصر تستند في مطالبها إلى حقوق تاريخية نصَّت عليها اتفاقات جرى توقيعها في فترات استعمارية، والطرف الآخر يتكلّم عن حقوقه في التنمية»، لافتاً إلى «إمكانية البحث عن سبل تحقق التوافق والرخاء لجميع الأطراف». ولكن، وفق شبانة، «تبدو تحركات موسيفيني مقلقة بقدر ما هي مغلفة بخطاب هادئ». ويضيف أن كل ما من شأنه تقويض استقرار حوض النيل أو إضعاف الموقف التفاوضي لدول المصب يصب، ولو بشكل غير مباشر، في غير صالح القاهرة. و«الوضع يزداد حساسية في ظل العجز الواضح للجانب السوداني عن لعب دور داعم للموقف المصري، نتيجة الانقسام الداخلي والحرب المستمرة، ما يترك القاهرة شبه منفردة في مواجهة تكتل منسق سياسياً وقانونياً».

اقرأ أيضاً

موسيفيني (آ ف ب)

عقدة «الدولة الحبيسة»

تشترك أوغندا مع إثيوبيا في معضلة «الدولة الحبيسة». إذ تعتمد كمبالا بشكل شبه كامل على مواني كينيا وتنزانيا. وهو اعتماد ترى أوغندا أنه «يخنقها اقتصادياً»، ويضعها في «تبعية جيوسياسية» لدول العبور.

وفي تقرير نشره «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» العام الماضي، قال حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة، إن «مظلومية أوغندا في سياق عقدة الدولة الحبيسة أقل عسكرة من إثيوبيا، لكنها لا تقل خطورة من حيث التداعيات». وأردف أن موسيفيني يشعر بإحباط مما يصفه بـ«القبضة الخانقة» لكينيا على التجارة الأوغندية، ما يدفعه للبحث عن ترتيبات وصول بحري أفضل، وربما شبه سيادية.

في هذا الإطار، تبرز مبادرة «ممر ديسو» DESSU (جيبوتي - إثيوبيا - جنوب السودان - أوغندا) كمحاولة لكسر الاحتكار الكيني لمسارات التجارة، وتعزيز التكامل الإقليمي بديلاً للتبعية، وفقاً لعبد الرحمن.

والحقيقة أنه منذ توقيع مذكرة التفاهم بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مع زعيم «أرض الصومال» موسى بيهي عبدي، مطلع عام 2024، لم تتوقّف ردود الفعل الإقليمية والدولية. وجلّها غلب عليه رفض الاتفاق، سواء لاعتباره «انتهاكاً للسيادة الصومالية»، أو من زاوية التحذير من تداعياته المحتملة بزيادة منسوب التوتر في منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أزمات سياسية وأمنية.

مصر رفضت، وأبرمت في أغسطس (آب) من العام نفسه، اتفاقاً عسكرياً مع الصومال، وأمدتها بمعدات وأسلحة في الشهر الذي يليه. كذلك عزّزت دعمها للصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال دولة مستقلة». ولكن بعكس إثيوبيا، ليس لأوغندا مصلحة مباشرة في ميناء بربرة بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، ولا تعتمد عليه في تجارتها الخارجية. لذلك يظل انخراطها في هذا الملف محدوداً ومنسجماً مع موقف الاتحاد الأفريقي الرافض للاعتراف بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً، وفق هاجر علي، التي ترى أن إعلان أوغندا، بالتنسيق مع كينيا، نيّتها التوسط بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، إنما «يعكس سعي كمبالا لترسيخ نفسها كوسيط إقليمي داخل إطار (إيغاد)، مع ادعاء قدر من الحياد».

تحدٍ دبلوماسي لأوغندا

يمثل مشروع تأمين منفذ بحري لإثيوبيا في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي تحدياً دبلوماسياً لأوغندا، فإثيوبيا هي الشريك الأمني الأكبر لأوغندا في محاربة «حركة الشباب» في الصومال ضمن بعثات الاتحاد الأفريقي. وهذا يعني أن أي تقوية لإثيوبيا اقتصادياً وعسكرياً ربما يصبّ في مصلحة استقرار الحليف الأوغندي. لكن تأييد طموح أديس أبابا يحمل في طياته اعترافاً بـ«أرض الصومال»، وهذا يناقض موقف كمبالا الداعم لسيادة دولة الصومال. ثم إن كمبالا، بحسب مراقبين، تسعى للحفاظ على ثقلها السياسي في شرق أفريقيا، ولا تريد تغيير موازين القوى بمنح نفوذ أكبر لإثيوبيا.

الصومال من القوة ... إلى الوساطة

من جهة أخرى، شكّلت مشاركة أوغندا العسكرية في بعثات حفظ السلام الأفريقية بالصومال أحد أعمدة نفوذها الإقليمي. لكن الإعلان أخيراً عن سحب القوات الأوغندية، بسبب نقص التمويل وأولوية الأمن الداخلي، يعكس تحوّلاً استراتيجياً. ووفق هاجر علي، وبشأن السؤالين الأخيرين، «يفتح السحب المجال أمام انتشار أكبر للقوات المصرية، خصوصاً في ظل الاتفاقيات الثنائية بين مصر والصومال، وطبعاً في إطار (أوسوم) AUSSOM، وهو ما لا تنظر إليه إثيوبيا بعين الرضا». وتوضح الخبيرة أن «انسحاب أوغندا يؤدي إلى إزالة المنطقة العازلة بين الوجودين العسكريين المصري والإثيوبي في الصومال من جهة، ومن جهة أخرى قد يمنح كمبالا هامشاً أوسع من الحياد في لعب دور الوسيط بين الطرفين».

براغماتية بلا شعارات

في أي حال، تتحرك أوغندا وفق ما يمكن وصفه بـ«البراغماتية الاستراتيجية»... لا آيديولوجيا حاكمة بقدر ما تحكمها بوصلة المصالح؛ بقاء النظام، واستقراره، وتقليل التكلفة مقابل العائد.

ووفق أيمن شبانة، لا تسعى أوغندا إلى الاصطدام المباشر، لكنها لا تتردد في دعم أو عرقلة مسارات إقليمية إذا هدّدت توازناتها. «موسيفيني ينخرط أحياناً في مسائل تسوية الصراعات، لكن ليس لديه الثقل الذي يمنع أو يمنح أو يؤثر في موازين القوى».وهنا يرى حمدي عبد الرحمن أن «أي إعادة رسم لخرائط النفوذ في القرن الأفريقي، خاصة خارج الأطر التعاونية، ستنعكس بالضرورة على أمن البحر الأحمر. والقدرات العسكرية المتنامية لإثيوبيا وأوغندا، إلى جانب عزلتهما الجغرافية، تفضيان إلى سيناريو متقلب، إذ قد تُشعل الأزمة الإقليمية المقبلة حروباً تخاض صراحةً من أجل الوصول إلى المحيط، ما يُحوّل مشكلة اقتصادية إلى صراع متحرك قد يُدمر استقرار القرن الأفريقي الهشّ». لكن هاجر علي ترى أن «أوغندا تسير نحو ترسيخ موقعها كوسيط وفاعل دبلوماسي في المنطقة، أكثر من كونها لاعب قوة مباشراً... فالتورّط النشط في شؤون القرن الأفريقي لا يبدو مجزياً في ظل مخاوف داخلية تتعلق بالاستقرار، وحاجة النظام إلى توجيه قدراته العسكرية لضمان تماسك الجبهة الداخلية».


محطات بارزة من العنف إلى الاستقرار في أوغندا

عيدي أمين (غيتي)
عيدي أمين (غيتي)
TT

محطات بارزة من العنف إلى الاستقرار في أوغندا

عيدي أمين (غيتي)
عيدي أمين (غيتي)

في شرق القارة الأفريقية بعيداً عن منافذ البحر، تقع دولة أوغندا، التي استطاعت تحقيق قدر من الاستقرار في منطقة تشوبها الاضطرابات، وإن لم تسلم من تأثيرها وانعكاساتها على أوضاعها الداخلية.

إذ شهدت أوغندا منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1962، انقلابات عسكرية عدة، أعقبها حكم عسكري في سبعينات القرن الماضي بقيادة عيدي أمين، ثم حرب استمرَّت 5 سنوات أوصلت الرئيس الحالي يويري موسيفيني إلى السلطة عام 1986.

أيضاً واجهت أوغندا تمرداً طال لنحو 20 سنة في شمال البلاد، أدى لمقتل الآلاف وتشريد الملايين. ويُنسب إلى موسيفيني الفضل في استعادة قدر من الاستقرار والازدهار الاقتصادي بعد سنوات من الاضطرابات، وإن شابت فترة حكمه تدخلات عسكرية في دول الجوار.

وهنا أبرز المحطات التاريخية:

* 1894: بريطانيا تضم مملكة بوغندا والأقاليم المجاورة لتشكيل «محمية أوغندا»؛ بهدف حماية طريق التجارة عبر نهر النيل.

* 1962: وضع دستور فيدرالي يجعل ملك بوغندا، رئيساً للدولة.

* 1963: إعلان أوغندا جمهورية.

ميلتون اوبوتي (غيتي)

* 1962 - 1966: صراع سلطة بين الحكومة المركزية وأكبر الممالك الإقليمية (بوغندا).

* 1967: ميلتون أوبوتي يستولي على السلطة بانقلاب، ويلغي الممالك القبلية في أوغندا.

* 1971 - 1979: الجنرال عيدي أمين يستولي على السلطة ويحكم البلاد.

* 1972: عيدي أمين يطرد عشرات الآلاف من الآسيويين الأوغنديين.

1978 - 1979 - أوغندا تغزو تنزانيا، لكن تنزانيا تتمكَّن من الرد.

* 1980: عودة ميلتون أوبوتي إلى السلطة.

* 1980 - 1986: «حرب الأدغال» الأوغندية بين حكومة أوبوتي وعدد من الجماعات المتمردة، أبرزها «الجيش الوطني للمقاومة»، يُقتَل فيها نحو 500 ألف شخص.

* 1986: زعيم المتمردين يويري موسيفيني يستولي على السلطة، إيذاناً بمرحلة من الاستقرار ويعاد انتخابه أكثر من مرة ليحكم البلاد لأربعة عقود.