قشرة التعايش الهشة في المدن الإسرائيلية المختلطة

شهد الفلسطينيون تراجع مكانتهم ولغتهم بفضل قانون الدولة القومية

عايدة توما - سليمان النائبة عن عكا «لقد ثار البركان الخامد» (نيويورك تايمز)
عايدة توما - سليمان النائبة عن عكا «لقد ثار البركان الخامد» (نيويورك تايمز)
TT

قشرة التعايش الهشة في المدن الإسرائيلية المختلطة

عايدة توما - سليمان النائبة عن عكا «لقد ثار البركان الخامد» (نيويورك تايمز)
عايدة توما - سليمان النائبة عن عكا «لقد ثار البركان الخامد» (نيويورك تايمز)

كشفت جولة صحافية عبر العديد من المدن والبلدات الإسرائيلية المختلطة التي شهدت اضطرابات وأعمال شغب، عن سوء الإدراك المتبادل بين الطرفين، فبعد مرور 73 عاماً على نشأة إسرائيل عام 1948. عندما فر مئات الآلاف من العرب أو طردوا تحت تهديد السلاح، يعيش اليهود ومن صمد من العرب في إسرائيل، جنباً إلى جنب، ولكنهم مع ذلك يغفلون عن حياة بعضهم بعضاً إلى حد كبير.
وفي حين أن نحو 2.7 مليون فلسطيني يعيشون تحت الاحتلال العسكري في الضفة الغربية، فإن ما يقرب من مليوني مواطن فلسطيني في إسرائيل يطالبون على نحو متزايد بحقوق متساوية مع اليهود الإسرائيليين. التوترات في المدن المختلطة، والشعور بعدم المساواة الكامن وراءها، يطرح التساؤل عما إذا كانت إسرائيل يمكن أن تصبح يوماً ما دولة يهودية وديمقراطية، «هذا إذا كانت الديمقراطية تنطوي على المساواة الكاملة بموجب القانون بالنسبة إلى 21 في المائة من السكان الفلسطينيين»، يقول مراسل «نيويورك تايمز»، الذي أعد تقريراً عن التعايش في المدن الإسرائيلية المختلطة.

منارة المسجد العمري والكنيسة الأرثوذكسية في اللد المختلطة تنعكسان على زجاج سيارة مكسور خارج معبد يهودي في أحداث مايو الماضي (أ.ب)

عدّ أوري جيريمياس، أحد مشاهير الطهاة الإسرائيليين، نفسه، من جملة المحسنين، بتوفيره فرص العمل وجلب السائحين والاستثمار إلى البلدة العربية الرئيسية بمدينة عكا الساحلية، فقد اعتقد أنه سيُنظر إليه بأنه يدعو للتعايش بين اليهود والعرب، إلى أن أحرق حشد من العرب مطعم «يوري بوري» في شهر مايو (أيار) الماضي، في أسوأ أعمال شغب بين الطوائف منذ عقود.
من منزله في «نهاريا»، إلى الشمال من عكا، قال جيريمياس (76 عاماً): «لقد استهدفني بلطجية متطرفون لأنني يهودي، ولكن العديد من العرب جاءوا لمساعدتي في إخماد الحرائق أكثر ممن جاءوا لحرق المكان. لا يجوز لنا أن نسمح لأقلية عنيفة بالانتصار علينا».
أصبح جيريمياس مثالاً يُحتذى به في مجلات السفر الراقية، حيث تم تصويره على أنه «يطهو لأجل التعايش» إلى جانب الجدران العثمانية المتوهجة لمدينة عكا القديمة. إذ تعهد بترميم المطعم قريباً وهو يرغب في استعادة 62 موظفاً نصفهم من العرب.
لن يكون الأمر سهلاً. فإن المزج بين الشخصيات المختلفة أصعب بكثير من مزج النكهات. فالفلسطينيون، الذين يشكلون 30 في المائة من سكان البلدة البالغ عددهم 56 ألف نسمة، اعتبروا مبادرة جيريمياس إقصاء، أكثر من كونها فرصة للتعايش السلمي. وبالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون مع إحساس متزايد بالغربة الداخلية، فقد بدت أعمال الشغب وكأنها انفجار حتمي لبركان كامن. تقول النائبة العربية في الكنيست عن مدينة عكا، عايدة توما - سليمان: «لقد ثار البركان الخامد». لقد شهد الفلسطينيون تراجع مكانتهم ولغتهم بفضل قانون الدولة القومية لعام 2018، الذي قدمه رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو. لقد كشف القانون بلغة واضحة عن التمييز في أنظمة الأراضي والتعليم ومجالات الحياة الأخرى الذي كان مطبقاً منذ عقود. يقول أشرف عامر، وهو اختصاصي اجتماعي وناشط فلسطيني في عكا: «نحن مواطنون من الدرجة الثانية».

أوري جيريماس من ساعدني من العرب في إخماد الحرائق أكثر ممن جاءوا لحرق المكان (نيويورك تايمز)

وكان من اللافت أن الأعلام الفلسطينية ظهرت خلال الاشتباكات الأخيرة، ونادراً ما كانت تُشاهد في إسرائيل. كما شمل الإضراب العام في 18 مايو (أيار)، الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة وإسرائيل، وهو أول احتجاج عمالي مشترك من نوعه في إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عقود. ومعظم هؤلاء يشيرون إلى أنفسهم منذ فترة طويلة بأنهم «عرب إسرائيل»، والآن غالباً ما يتم تعريف أنفسهم بـ«فلسطينيين»، المصطلح الذي يستاء منه العديد من اليهود الإسرائيليين، لأنه يعني رفضاً لإسرائيل.
بالنسبة للعرب الذين مكثوا بعد النكبة، فإن البحث الممل عن الاندماج في دولة يهودية جديدة، قد تحول إلى تحدٍ مباشر للدولة من أجل التغيير. لقد ساعد جيريمياس على جذب الانتباه لهذا الجزء من المدينة الذي تسكنه أغلبية فلسطينية، رافضاً فرضية بأن المدينة القديمة لم تكن أكثر من قطعة من الفولكلور العربي القديم لزبائنه الأثرياء. «عندما بدأت العمل، كان نظام الكهرباء، ونظام الصرف الصحي، وكل شيء تقريباً خارج الخدمة. فجأة أصبح لدينا سياح يرغبون في البقاء في المدينة، مع الكثير من الأماكن المملوكة للعرب في نظام تأجير الغرف لاستقبال السياح الأجانب.
يقول الفلسطينيون إن المشكلة تكمن في التمييز والتفرقة. إذ تفرض هيئة الإسكان الإسرائيلية معايير تجديد باهظة التكاليف في عكا القديمة، الأمر الذي يجعل الحصول على هذه القروض عسيراً بالنسبة للفلسطينيين الذين يُحرمون دوماً من قروض الرهن العقاري. ويعتبر عامر الناشط الاجتماعي، أن «النكبة فعل مستمر لم تنته بعد. فما يحدث في حي الشيخ جراح، وما يحدث هنا من مشكلات الوظائف، والإهمال وعدم القدرة على الوصول إلى القروض، كل ذلك من شأنه أن يدفع الفلسطينيين إلى الإقصاء».
بالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل، إن حالة عدم الاستقرار، والشعور بأن بيوتهم يمكن أن تؤخذ منهم، هي حالة دائمة ومستمرة، إذ باستثناء سبع بلدات بدوية تأسست في صحراء النقب، لم يتم بناء أي بلدات أو قرى عربية جديدة منذ عام 1948. ويظل التعليم منفصلاً على نحو معقد: العرب في المدارس العربية واليهود في المدارس اليهودية. أما البلديات العربية، التي تحتل أقل من 3 في المائة من مساحة الأراضي الإسرائيلية، فهي غير قادرة على التوسع بسبب قوانين الأراضي التعسفية، وباتت مُحاطة بأكثر من 900 قرية وبلدة يهودية جديدة. وقد أدى عدم الحصول على الأراضي، إلى موجة بناء غير مرخص بها في بلدات مختلطة، مثل الناصرة. وكثيراً ما تفرض السلطات الإسرائيلية العقوبات والغرامات على هذه المباني العربية، فضلاً عن أوامر الهدم، وهو باعث آخر من بواعث الغضب الذي فاض به الكيل في مايو الماضي.

مطعم أوري بوري في عكا الذي تعرض لهجوم في مايو الماضي (أ.ف.ب)

في المدينة القديمة، كان الشباب الذين يرتدون قمصاناً سوداء يتسكعون في الجوار، متكئين على الجدران المتداعية، إذ يعيش ما يقرب من نصف الفلسطينيين في عكا في فقر واضح، حيث ينتشر تعاطي المخدرات والجريمة بمعدلات مرتفعة، وكلاهما عادة يقابل بلامبالاة من جانب الشرطة، كما يقول الفلسطينيون.
أما في حيفا، وهي مدينة مختلطة مثل عكا، يُطلق عليها «تل أبيب العربية»، فتمتزج الحياة بين اليهود والفلسطينيين هناك، وحيث حالة حيوية للفنون والحفلات. وفي جامعة «تكنيون» التقنية الإسرائيلية، أكثر من 20 في المائة من الطلاب الفلسطينيين.
يقول وديع أبو نصار، وهو رجل أعمال مسيحي فلسطيني يشغل منصب القنصل العام الفخري لإسبانيا في حيفا: «يوجد هنا أدنى مستوى من الكراهية بين الطوائف، وهذا أفضل ما يمكن أن نتمناه». ولكن في 12 مايو الماضي، تعرضت ابنته «سما» (22 عاماً)، لاعتداء خارج منزل العائلة في حي المستوطنة الألمانية، من قبل حشد من المحتجين اليهود، وكانت عائدة من عملها في محل للنظارات، عندما شاهدت مجموعة من نحو 30 شاباً يهودياً يلوحون بالأعلام الإسرائيلية يرافقهم ضابط شرطة. قالت إن الرجال كانوا يصرخون عليها بإهانات مسيئة ويرشقونها بالحجارة بعد أن سمعوها تتحدث العربية مع الجيران: «ركضت إلى رجل الشرطة، طالبة المساعدة لكنه قابلني ببرود». كان والدها في فندق في طبرية عندما تلقى منها اتصال استغاثة، فاتصل بالشرطة، وبعد نصف ساعة اتصل بهم ثانية. ولم تأتِ الشرطة. قضت سما وشقيقتها سبع ساعات في المستشفى.

عائلات عربية في القسم القديم من مدينة عكا الساحلية (نيويورك تايمز)

وفقاً لجعفر فرح، مدير مركز «مساواة» للدفاع عن المواطنين العرب في إسرائيل، فقد تم توجيه الاتهام بحق 35 مواطناً يهودياً فقط في مختلف أنحاء البلاد، لدورهم في أعمال العنف، بينما وجهت الاتهامات إلى 450 مواطناً عربياً».
يقول المحامي الفلسطيني كميل عودة ابن الجليل شمال إسرائيل: على المستوى الأساسي تتباعد الحقوق كثيراً، فأي يهودي يستطيع أن يصبح مواطناً إسرائيلياً بشكل تلقائي. الحصول على الجنسية الإسرائيلية أمر غير متكافئ. لقد اعتبر الفلسطينيون الذين هربوا بأرواحهم في عام 1948، «من الفارين»، بموجب القانون، ولا يحق لهم المطالبة بالأراضي التي تركوها. ويضيف: «الآن النصف المميز من المواطنين في معالوت (بلدة يهودية في الجليل مجاورة لبلدة ترشيحا العربية)، يتحدثون عن التعايش، (يعني شرب القهوة وتناول الحمص سوياً)، ثم يعودون إلى منازلهم للتخطيط لمستقبل أطفالهم. في حين أننا نعود إلى منازلنا «لمواصلة القلق على مستقبل أطفالنا».
كان الجيل العربي الأول في مرحلة ما بعد 1948 يريد أن يبقى بعيداً عن الأضواء وأن يتعايش ويندمج. وأدرك أبناء الجيل الثاني أنهم بحاجة لتعليم أنفسهم والعمل على كسب المال. أما أبناء الجيل الثالث، تقول النائبة في الكنيست توما – سليمان: «فقد نظروا إلى ما واجهه آباؤهم ويواجهون هم من عنصرية، وأمعنوا النظر في هويتهم الحقيقية وكيفية تعزيزها. إنهم متعلمون جيداً ويعرفون كيف يدافعون عن حقوقهم. إننا نعيش الآن في الموجة الثالثة».
تقول تامي هوفمان، خبيرة التعليم في إسرائيل: «يتعلم العرب اللغة العبرية من الصف الثالث. واليهود بحاجة إلى تعلم العربية من الصف الثالث أيضاً. وإذا لم نكن نعرف اللغة، فكيف يمكننا تجاوز القوالب النمطية؟» وتتابع: «يجب أن تمنح الطلاب العرب مكاناً في المدرسة للحديث عن النكبة، لأنه إذا لم تفعل ذلك في المدارس، سوف يذهب شخص ما إلى الجانب الآخر ويصبح أكثر تطرفاً».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.