قشرة التعايش الهشة في المدن الإسرائيلية المختلطة

شهد الفلسطينيون تراجع مكانتهم ولغتهم بفضل قانون الدولة القومية

عايدة توما - سليمان النائبة عن عكا «لقد ثار البركان الخامد» (نيويورك تايمز)
عايدة توما - سليمان النائبة عن عكا «لقد ثار البركان الخامد» (نيويورك تايمز)
TT

قشرة التعايش الهشة في المدن الإسرائيلية المختلطة

عايدة توما - سليمان النائبة عن عكا «لقد ثار البركان الخامد» (نيويورك تايمز)
عايدة توما - سليمان النائبة عن عكا «لقد ثار البركان الخامد» (نيويورك تايمز)

كشفت جولة صحافية عبر العديد من المدن والبلدات الإسرائيلية المختلطة التي شهدت اضطرابات وأعمال شغب، عن سوء الإدراك المتبادل بين الطرفين، فبعد مرور 73 عاماً على نشأة إسرائيل عام 1948. عندما فر مئات الآلاف من العرب أو طردوا تحت تهديد السلاح، يعيش اليهود ومن صمد من العرب في إسرائيل، جنباً إلى جنب، ولكنهم مع ذلك يغفلون عن حياة بعضهم بعضاً إلى حد كبير.
وفي حين أن نحو 2.7 مليون فلسطيني يعيشون تحت الاحتلال العسكري في الضفة الغربية، فإن ما يقرب من مليوني مواطن فلسطيني في إسرائيل يطالبون على نحو متزايد بحقوق متساوية مع اليهود الإسرائيليين. التوترات في المدن المختلطة، والشعور بعدم المساواة الكامن وراءها، يطرح التساؤل عما إذا كانت إسرائيل يمكن أن تصبح يوماً ما دولة يهودية وديمقراطية، «هذا إذا كانت الديمقراطية تنطوي على المساواة الكاملة بموجب القانون بالنسبة إلى 21 في المائة من السكان الفلسطينيين»، يقول مراسل «نيويورك تايمز»، الذي أعد تقريراً عن التعايش في المدن الإسرائيلية المختلطة.

منارة المسجد العمري والكنيسة الأرثوذكسية في اللد المختلطة تنعكسان على زجاج سيارة مكسور خارج معبد يهودي في أحداث مايو الماضي (أ.ب)

عدّ أوري جيريمياس، أحد مشاهير الطهاة الإسرائيليين، نفسه، من جملة المحسنين، بتوفيره فرص العمل وجلب السائحين والاستثمار إلى البلدة العربية الرئيسية بمدينة عكا الساحلية، فقد اعتقد أنه سيُنظر إليه بأنه يدعو للتعايش بين اليهود والعرب، إلى أن أحرق حشد من العرب مطعم «يوري بوري» في شهر مايو (أيار) الماضي، في أسوأ أعمال شغب بين الطوائف منذ عقود.
من منزله في «نهاريا»، إلى الشمال من عكا، قال جيريمياس (76 عاماً): «لقد استهدفني بلطجية متطرفون لأنني يهودي، ولكن العديد من العرب جاءوا لمساعدتي في إخماد الحرائق أكثر ممن جاءوا لحرق المكان. لا يجوز لنا أن نسمح لأقلية عنيفة بالانتصار علينا».
أصبح جيريمياس مثالاً يُحتذى به في مجلات السفر الراقية، حيث تم تصويره على أنه «يطهو لأجل التعايش» إلى جانب الجدران العثمانية المتوهجة لمدينة عكا القديمة. إذ تعهد بترميم المطعم قريباً وهو يرغب في استعادة 62 موظفاً نصفهم من العرب.
لن يكون الأمر سهلاً. فإن المزج بين الشخصيات المختلفة أصعب بكثير من مزج النكهات. فالفلسطينيون، الذين يشكلون 30 في المائة من سكان البلدة البالغ عددهم 56 ألف نسمة، اعتبروا مبادرة جيريمياس إقصاء، أكثر من كونها فرصة للتعايش السلمي. وبالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون مع إحساس متزايد بالغربة الداخلية، فقد بدت أعمال الشغب وكأنها انفجار حتمي لبركان كامن. تقول النائبة العربية في الكنيست عن مدينة عكا، عايدة توما - سليمان: «لقد ثار البركان الخامد». لقد شهد الفلسطينيون تراجع مكانتهم ولغتهم بفضل قانون الدولة القومية لعام 2018، الذي قدمه رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو. لقد كشف القانون بلغة واضحة عن التمييز في أنظمة الأراضي والتعليم ومجالات الحياة الأخرى الذي كان مطبقاً منذ عقود. يقول أشرف عامر، وهو اختصاصي اجتماعي وناشط فلسطيني في عكا: «نحن مواطنون من الدرجة الثانية».

أوري جيريماس من ساعدني من العرب في إخماد الحرائق أكثر ممن جاءوا لحرق المكان (نيويورك تايمز)

وكان من اللافت أن الأعلام الفلسطينية ظهرت خلال الاشتباكات الأخيرة، ونادراً ما كانت تُشاهد في إسرائيل. كما شمل الإضراب العام في 18 مايو (أيار)، الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة وإسرائيل، وهو أول احتجاج عمالي مشترك من نوعه في إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عقود. ومعظم هؤلاء يشيرون إلى أنفسهم منذ فترة طويلة بأنهم «عرب إسرائيل»، والآن غالباً ما يتم تعريف أنفسهم بـ«فلسطينيين»، المصطلح الذي يستاء منه العديد من اليهود الإسرائيليين، لأنه يعني رفضاً لإسرائيل.
بالنسبة للعرب الذين مكثوا بعد النكبة، فإن البحث الممل عن الاندماج في دولة يهودية جديدة، قد تحول إلى تحدٍ مباشر للدولة من أجل التغيير. لقد ساعد جيريمياس على جذب الانتباه لهذا الجزء من المدينة الذي تسكنه أغلبية فلسطينية، رافضاً فرضية بأن المدينة القديمة لم تكن أكثر من قطعة من الفولكلور العربي القديم لزبائنه الأثرياء. «عندما بدأت العمل، كان نظام الكهرباء، ونظام الصرف الصحي، وكل شيء تقريباً خارج الخدمة. فجأة أصبح لدينا سياح يرغبون في البقاء في المدينة، مع الكثير من الأماكن المملوكة للعرب في نظام تأجير الغرف لاستقبال السياح الأجانب.
يقول الفلسطينيون إن المشكلة تكمن في التمييز والتفرقة. إذ تفرض هيئة الإسكان الإسرائيلية معايير تجديد باهظة التكاليف في عكا القديمة، الأمر الذي يجعل الحصول على هذه القروض عسيراً بالنسبة للفلسطينيين الذين يُحرمون دوماً من قروض الرهن العقاري. ويعتبر عامر الناشط الاجتماعي، أن «النكبة فعل مستمر لم تنته بعد. فما يحدث في حي الشيخ جراح، وما يحدث هنا من مشكلات الوظائف، والإهمال وعدم القدرة على الوصول إلى القروض، كل ذلك من شأنه أن يدفع الفلسطينيين إلى الإقصاء».
بالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل، إن حالة عدم الاستقرار، والشعور بأن بيوتهم يمكن أن تؤخذ منهم، هي حالة دائمة ومستمرة، إذ باستثناء سبع بلدات بدوية تأسست في صحراء النقب، لم يتم بناء أي بلدات أو قرى عربية جديدة منذ عام 1948. ويظل التعليم منفصلاً على نحو معقد: العرب في المدارس العربية واليهود في المدارس اليهودية. أما البلديات العربية، التي تحتل أقل من 3 في المائة من مساحة الأراضي الإسرائيلية، فهي غير قادرة على التوسع بسبب قوانين الأراضي التعسفية، وباتت مُحاطة بأكثر من 900 قرية وبلدة يهودية جديدة. وقد أدى عدم الحصول على الأراضي، إلى موجة بناء غير مرخص بها في بلدات مختلطة، مثل الناصرة. وكثيراً ما تفرض السلطات الإسرائيلية العقوبات والغرامات على هذه المباني العربية، فضلاً عن أوامر الهدم، وهو باعث آخر من بواعث الغضب الذي فاض به الكيل في مايو الماضي.

مطعم أوري بوري في عكا الذي تعرض لهجوم في مايو الماضي (أ.ف.ب)

في المدينة القديمة، كان الشباب الذين يرتدون قمصاناً سوداء يتسكعون في الجوار، متكئين على الجدران المتداعية، إذ يعيش ما يقرب من نصف الفلسطينيين في عكا في فقر واضح، حيث ينتشر تعاطي المخدرات والجريمة بمعدلات مرتفعة، وكلاهما عادة يقابل بلامبالاة من جانب الشرطة، كما يقول الفلسطينيون.
أما في حيفا، وهي مدينة مختلطة مثل عكا، يُطلق عليها «تل أبيب العربية»، فتمتزج الحياة بين اليهود والفلسطينيين هناك، وحيث حالة حيوية للفنون والحفلات. وفي جامعة «تكنيون» التقنية الإسرائيلية، أكثر من 20 في المائة من الطلاب الفلسطينيين.
يقول وديع أبو نصار، وهو رجل أعمال مسيحي فلسطيني يشغل منصب القنصل العام الفخري لإسبانيا في حيفا: «يوجد هنا أدنى مستوى من الكراهية بين الطوائف، وهذا أفضل ما يمكن أن نتمناه». ولكن في 12 مايو الماضي، تعرضت ابنته «سما» (22 عاماً)، لاعتداء خارج منزل العائلة في حي المستوطنة الألمانية، من قبل حشد من المحتجين اليهود، وكانت عائدة من عملها في محل للنظارات، عندما شاهدت مجموعة من نحو 30 شاباً يهودياً يلوحون بالأعلام الإسرائيلية يرافقهم ضابط شرطة. قالت إن الرجال كانوا يصرخون عليها بإهانات مسيئة ويرشقونها بالحجارة بعد أن سمعوها تتحدث العربية مع الجيران: «ركضت إلى رجل الشرطة، طالبة المساعدة لكنه قابلني ببرود». كان والدها في فندق في طبرية عندما تلقى منها اتصال استغاثة، فاتصل بالشرطة، وبعد نصف ساعة اتصل بهم ثانية. ولم تأتِ الشرطة. قضت سما وشقيقتها سبع ساعات في المستشفى.

عائلات عربية في القسم القديم من مدينة عكا الساحلية (نيويورك تايمز)

وفقاً لجعفر فرح، مدير مركز «مساواة» للدفاع عن المواطنين العرب في إسرائيل، فقد تم توجيه الاتهام بحق 35 مواطناً يهودياً فقط في مختلف أنحاء البلاد، لدورهم في أعمال العنف، بينما وجهت الاتهامات إلى 450 مواطناً عربياً».
يقول المحامي الفلسطيني كميل عودة ابن الجليل شمال إسرائيل: على المستوى الأساسي تتباعد الحقوق كثيراً، فأي يهودي يستطيع أن يصبح مواطناً إسرائيلياً بشكل تلقائي. الحصول على الجنسية الإسرائيلية أمر غير متكافئ. لقد اعتبر الفلسطينيون الذين هربوا بأرواحهم في عام 1948، «من الفارين»، بموجب القانون، ولا يحق لهم المطالبة بالأراضي التي تركوها. ويضيف: «الآن النصف المميز من المواطنين في معالوت (بلدة يهودية في الجليل مجاورة لبلدة ترشيحا العربية)، يتحدثون عن التعايش، (يعني شرب القهوة وتناول الحمص سوياً)، ثم يعودون إلى منازلهم للتخطيط لمستقبل أطفالهم. في حين أننا نعود إلى منازلنا «لمواصلة القلق على مستقبل أطفالنا».
كان الجيل العربي الأول في مرحلة ما بعد 1948 يريد أن يبقى بعيداً عن الأضواء وأن يتعايش ويندمج. وأدرك أبناء الجيل الثاني أنهم بحاجة لتعليم أنفسهم والعمل على كسب المال. أما أبناء الجيل الثالث، تقول النائبة في الكنيست توما – سليمان: «فقد نظروا إلى ما واجهه آباؤهم ويواجهون هم من عنصرية، وأمعنوا النظر في هويتهم الحقيقية وكيفية تعزيزها. إنهم متعلمون جيداً ويعرفون كيف يدافعون عن حقوقهم. إننا نعيش الآن في الموجة الثالثة».
تقول تامي هوفمان، خبيرة التعليم في إسرائيل: «يتعلم العرب اللغة العبرية من الصف الثالث. واليهود بحاجة إلى تعلم العربية من الصف الثالث أيضاً. وإذا لم نكن نعرف اللغة، فكيف يمكننا تجاوز القوالب النمطية؟» وتتابع: «يجب أن تمنح الطلاب العرب مكاناً في المدرسة للحديث عن النكبة، لأنه إذا لم تفعل ذلك في المدارس، سوف يذهب شخص ما إلى الجانب الآخر ويصبح أكثر تطرفاً».



اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين الجماعة وتنظيمات إرهابية، في الوقت الذي كثّفت فيه تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي أوسع لتعزيز قدرات جهاز مكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات المتزايدة التي تطول الأمنين الإقليمي والدولي.

ووفق مصادر رسمية، ترى الحكومة أن استمرار هذا التصعيد يُقوّض فرص السلام، ويعزز بيئة الفوضى التي تستغلها التنظيمات المتطرفة، مشددة على أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستدامة دون إنهاء الانقلاب الحوثي، وتجفيف منابع الإرهاب بكل أشكاله.

وخلال لقاء جمع رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في اليمن اللواء شلال شايع مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، ناقش الجانبان التهديدات الأمنية الراهنة، وفي مقدمتها ما وصفه المسؤول اليمني بـ«التخادم الميداني» بين الحوثيين وتنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» وحركة «الشباب» الصومالية.

اليمن يتطلع إلى مزيد من الدعم الدولي لجهاز مكافحة الإرهاب (إعلام حكومي)

وأوضح شايع أن هذا التنسيق لا يقتصر على تبادل المصالح، بل يمتد إلى تنسيق عملياتيّ يهدف إلى زعزعة الاستقرار، وخلق بؤر توتر تستنزف قدرات الدولة، وتهدد أمن الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وأشار إلى أن التصعيد الحوثي الأخير في عدد من الجبهات يأتي ضمن استراتيجية أوسع لخلط الأوراق، وإرباك المشهد الأمني، بما يمنح التنظيمات الإرهابية مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها، وتنفيذ عمليات نوعية.

جهود أمنية

في موازاة التحذيرات، استعرض رئيس جهاز مكافحة الإرهاب اليمني سلسلة من العمليات الأمنية التي نفّذتها القوات المختصة، وأسفرت عن تفكيك خلايا إرهابية، وإحباط مخططات استهدفت منشآت حيوية، إلى جانب ضبط شبكات تهريب أسلحة ومخدرات.

وأكد أن هذه النجاحات تحققت بفضل التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مُشيداً بالدعم الذي يقدمه «تحالف دعم الشرعية» في دعم الاقتصاد اليمني، بما يسهم في تقليص بيئة الفقر التي تستغلها الجماعات المتطرفة.

تنسيق يمني بريطاني لمواجهة الأنشطة الإرهابية (إعلام حكومي)

كما أشار شائع إلى أهمية تطوير قدرات الجهاز في مجالات التدريب والتأهيل، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّنه من مواكبة التحديات الأمنية المتغيرة، خاصة في ظل تشابك التهديدات بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية حرص بلادها على دعم اليمن في هذا المجال، مشددة على أهمية بناء قدرات المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات المشتركة، وضمان استقرار المناطق المحرَّرة.

في سياق متصل، بحث المسؤول اليمني مع السفير الأميركي لدى اليمن، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب، حيث جرى التركيز على تطوير التعاون في مجالات التدريب، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات الفنية.

وخلال اللقاء، شدد شائع على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة ما وصفه بـ«التحالف غير المعلَن» بين الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، محذراً من تداعيات هذا التنسيق على الأمن الإقليمي، وسلامة الملاحة الدولية.

كما دعا إلى تنفيذ صارم للعقوبات الدولية المفروضة على الحوثيين، خاصة ما يتعلق بحظر تهريب الأسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، مؤكداً أن استمرار تدفق الأسلحة يسهم في إطالة أمد الصراع، ويعزز قدرات الجماعة على تهديد الأمن البحري.

وأشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، وعدَّ أن هذا الدعم يشكل عنصراً حاسماً في تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية اليمنية على مواجهة التحديات الراهنة.

تحركات رئاسية

على الصعيد السياسي، كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد ناقش مع السفيرة البريطانية سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وأولويات الدعم الدولي لليمن، خاصة في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء المؤسسات، وتعزيز الأمن والاستقرار. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي أن استقرار اليمن يرتبط بشكل وثيق بإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيطرة الحكومة على كامل الأراضي، مشيراً إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة تعزز قناعة المجتمع الدولي بخطورة الدور الذي تلعبه إيران في زعزعة استقرار المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل السفيرة البريطانية (إعلام حكومي)

كما شدد على أهمية تشديد العقوبات على الحوثيين، وردع انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف المدنيين والنازحين، والتي تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.

وتطرّق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك إقرار الموازنة العامة، وتنفيذ برنامج إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.


تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
TT

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

يتصاعد القلق الدولي من تداخل المسارين العسكري والإنساني في اليمن، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال انخراط الجماعة الحوثية في الحرب الدائرة إلى جانب إيران، بالتوازي مع تحذيرات أممية من تدهور غير مسبوق في مستويات الأمن الغذائي، خلال الأشهر المقبلة.

وتُجمِع التقديرات على أن أي تصعيد عسكري جديد لن يقتصر أثره على الجبهات، بل سيمتدّ إلى حياة ملايين اليمنيين الذين يواجهون، بالفعل، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

يأتي ذلك في وقتٍ تشير فيه تقارير حديثة إلى أن توقيت انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية لا يزال مرتبطاً بحسابات استراتيجية أوسع تقودها طهران، وسط مخاوف من أن يتحول اليمن إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد الغذائي والاقتصاد الهش.

في السياقين السياسي والعسكري، تعززت المؤشرات على أن قرار انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية لا يزال مؤجَّلاً بانتظار توقيت مناسب تُحدده القيادة الإيرانية، وتحديداً دوائر صنع القرار المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

مخاوف من أن يؤدي تصعيد الحوثيين عسكرياً إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وتؤكد تصريحات قيادات في الجماعة أن الجاهزية العسكرية قائمة، لكن تفاصيل التحرك تبقى رهناً بما وصفوه بـ«عنصر المفاجأة»، وهو ما يعكس طبيعة الدور الوظيفي الذي قد تؤديه الجماعة، ضِمن شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.

وتذهب تحليلات دولية إلى أن هذا التأجيل لا يعكس حياداً بقدر ما يمثل جزءاً من استراتيجية إدارة التصعيد، حيث يجري الاحتفاظ بالحوثيين كورقة ضغط يمكن تفعيلها في مراحل لاحقة من الصراع. ويُنظَر إلى هذا التكتيك على أنه يهدف إلى رفع كلفة المواجهة على الخصوم، دون استنزاف مبكر للأدوات الإقليمية.

أزمة تتجه نحو الأسوأ

بالتوازي مع هذه التطورات، حذّرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من أن أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن مرشحة للتفاقم، خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، وهي فترة الذروة السنوية لاحتياجات المساعدات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 16 مليون يمني قد يحتاجون إلى مساعدات غذائية خلال هذه الفترة، في ظل استمرار تدهور سُبل العيش وارتفاع معدلات الفقر، إلى جانب التراجع الحاد لفرص العمل والدخل.

كما أن معظم مناطق اليمن، وفق هذه البيانات، ستظل ضمن المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي أو أسوأ، ما يعني أن شريحة واسعة من السكان تُواجه أزمة حقيقية في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ثلاث محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

ويُعزى هذا التدهور إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، وفي مقدمتها استمرار النزاع، والانهيار الاقتصادي، وتقلبات المناخ، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة التجارة والإمدادات. كما أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مستمر يزيد من صعوبة حصول الأُسر على الغذاء، خصوصاً في ظل تآكل القدرة الشرائية.

وتُظهر البيانات أن حدة الأزمة تختلف من منطقة لأخرى، إلا أن ثلاث محافظات خاضعة لسيطرة الحوثيين هي الحديدة، وحجة، وتعز ( الأخيرة خاضعة جزئياً)، مرشحة للوصول إلى مستوى الطوارئ في انعدام الأمن الغذائي، وهو من أخطر المراحل التي تسبق المجاعة.

ولا تبدو المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً بمنأى عن الأزمة، حيث يُتوقع أن تواجه بعض الأُسر في محافظات مثل لحج والضالع وأبين وشبوة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتفاقمت الأزمة، بشكل أكبر، بسبب تعليق المساعدات الغذائية في مناطق سيطرة الحوثيين منذ سبتمبر الماضي، ما أثّر على أكثر من تسعة ملايين شخص كانوا يعتمدون عليها بشكل أساسي.

في المقابل، يخطط برنامج الغذاء العالمي للوصول إلى نحو 1.6 مليون مستفيد في مناطق الحكومة الشرعية، خلال العام الحالي، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، مقارنة بحجم الاحتياجات.

مؤشرات مُقلقة

تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن الوضع الغذائي في اليمن لا يزال عند مستويات مُقلقة، حيث لم تتمكن 64 في المائة من الأسر من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية مع نهاية عام 2025، في حين يعاني 37 في المائة من السكان الحرمان الغذائي الحاد.

كما تضطر الأسر إلى إنفاق نحو 72 في المائة من دخلها على الغذاء، ما يترك هامشاً ضيقاً للغاية لتغطية بقية الاحتياجات مثل الصحة والتعليم. ولجأت نحو 59 في المائة من الأسر إلى استراتيجيات تكيُّف قاسية، من بينها تقليص الوجبات أو التسول، مع تسجيل نسب أعلى في مناطق سيطرة الحوثيين.

غلاء الأسعار يشكل قيوداً كبيرة على حصول الأُسر اليمنية على الغذاء (الأمم المتحدة)

وتبرز مشكلة سوء التغذية كأحد أخطر أوجه الأزمة، إذ يعاني نحو 2.5 مليون طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم نصف مليون في حالة حرجة، إضافة إلى تأثر 1.3 مليون امرأة حامل ومرضع. وترتبط هذه الأرقام بانتشار الأمراض، وتدهور الخدمات الصحية، وفقدان مصادر الدخل.

كما سجلت تقارير الرصد ارتفاعاً في مؤشرات الإنذار المرتبطة بواردات الغذاء والوقود، حيث تجاوزت الأسعار المستويات العالمية بشكل كبير، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويحدّ من قدرة السكان على التكيف.


مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تنخرط إسرائيل في معارك حرب إيران، مبتعدة عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والتزاماته، فيما تواصل «حماس» حراكاً آخر في القاهرة، بحثاً عن مخرج للتعثر الذي يتواصل منذ إعلان المرحلة الثانية من الاتفاق منتصف يناير (كانون الثاني) دون تقدم.

تلك المشاورات تعول «حماس» أن تحقق اختراقاً في مشهد التعثر الحالي للاتفاق لأسباب بينها استمرار حرب إيران، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لافتين إلى أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد اتفاق غزة لطريقه ووقف الخروقات وبحث حلول للأزمات اليومية في القطاع جراء الحصار الإسرائيلي.

مشيِّعون يشاركون في جنازة فلسطينيين قُتلوا خلال ضربة إسرائيلية استهدفت منزلاً بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

وأجرت «حماس» سلسلة لقاءات مع مسؤولين في جهاز المخابرات العامة المصرية، إضافة إلى اجتماع مع المبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف، جرى خلالها استعراض مجمل التطورات السياسية والميدانية المرتبطة بملف غزة، وفق تقارير نقلتها وسائل إعلام بالبلدين الوسيطين مصر وقطر.

وقف الخروقات ودمج عناصر «حماس»

وقال مصدران مقربان من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، إن وفداً للحركة برئاسة نزار عوض الله، وضم أيضاً القيادي غازي حمد، التقى مسؤولين أمنيين بمصر وكذلك مبعوثين لمجلس السلام، وناقشوا ملفات عديدة بينها خروقات إسرائيل لاتفاق غزة، ودمج موظفي «حماس» بالشرطة، وتشغيل معبر رفح، وعمل لجنة إدارة غزة التي يفترض أن تتسلم مهامها من الحركة بالقطاع.

وتحدث أحد المصدرين عن أن موضوع نزع سلاح «حماس» كان مطروحاً في أحد المناقشات، ولكن حسمه مؤجل لحين نشر الشرطة الفلسطينية ونشر قوات الاستقرار الدولية، لافتاً إلى أن «حماس» تنتظر دفعاً أميركياً لاتفاق غزة ووقف إسرائيل لخروقاتها.

في سياق متصل، أكد مصدر من لجنة إدارة قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، أن اللجنة لم تلتق وفد «حماس»، متحفظاً على تقديم أسباب.

وكانت ثلاثة مصادر تحدثت إلى «رويترز»، الاثنين، وأفادت بأن مبعوثين من «مجلس السلام»، الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التقوا مطلع الأسبوع ‌بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة في محاولة للحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، متوقعين عقد اجتماعات إضافية هذا الأسبوع، دون تحديد موعدها.

وعقب الاجتماع، أعلنت إسرائيل، في بيان، الأحد، أنها ستعيد قريباً فتح معبر رفح بين غزة ومصر، والمغلق منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.

ونقلت «رويترز» عن أحد المصادر قوله إنه يعتقد أن ما أعلنته إسرائيل كان نتيجة مباشرة للاجتماع بين «حماس» و«مجلس السلام»، المكلف بالإشراف على قطاع غزة بعد توقف القتال فيه.

وكشفت إذاعة «مونت كارلو» الدولية، الثلاثاء، أن حركة «حماس» تستعد لبدء جولة محادثات جديدة في القاهرة، رغم التوتر الأمني في المنطقة، لبحث سبل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي توقفت منذ اندلاع الحرب مع إيران مطلع الشهر الجاري.

أسرة فلسطينية فوق مبنى مدمر جراء القصف العسكري الإسرائيلي جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الدكتور أحمد فؤاد أنور، إن زيارة وفد «حماس» تأتي في توقيت مهم وتتواكب مع تصعيد إسرائيلي بالمنطقة، لافتاً إلى أن مباحثات الحركة بالقاهرة التي شهدت أكثر من مستوى، سواء مع مجلس السلام أو الجانب المصري، تعطي تطمينات بأن الاتفاق لا يزال قائماً وتبحث خروقات إسرائيل، وبالوقت ذاته تبحث عن صياغة للمستقبل القريب، خاصة القضايا المرتبطة بعمل لجنة إدارة القطاع وملف نزع السلاح وغيرهما.

إبقاء الملف في دائرة الضوء

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، أن مشاورات «حماس» في القاهرة تقول إن ثمة زخماً جديداً بشأن «اتفاق غزة»، ومحاولة مصرية لإبقاء الملف في دائرة الضوء وعدم توقفه، متوقعاً أن يستمر هذا الزخم لإعادة فك تجميد الاتفاق المتعثر حالياً.

ومنتصف يناير الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. وحتى الآن لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، في حين ترفض «حماس» إلقاء سلاحها.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

غير أن «هيئة البث الإسرائيلية»، تحدثت السبت، بأن القوة الدولية سيبدأ نشرها في قطاع غزة اعتباراً من مايو (أيار) المقبل.

والاثنين، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «أهمية الإسراع بتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الاضطلاع بمهامها من داخل القطاع، باعتبار ذلك خطوة أساسية في إدارة المرحلة الانتقالية وتثبيت التهدئة»، وفق بيان للخارجية المصرية.

ويرى أنور أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد «اتفاق غزة» لطريقه في ظل الاضطرابات العالمية جراء حرب إيران، متوقعاً استمرار مثل هذه اللقاءات واستمرار الموقف المصري الداعم لوقف إطلاق النار وإعمار القطاع.

ويتوقع الرقب استمرار زخم دفع اتفاق غزة للأمام بحراك مصري على أمل أن يحدث اختراق أو انفراجة في المشهد المتعثر منذ أسابيع.