الشاعرة السودانية روضة الحاج: الجائحة فرضت «حالة كونية» سيعبّر عنها الأدب بطريقته

وزيرة الثقافة السابقة تقول إنها أرادت تجريب «الوصفة الثقافية» لحل المعضلات السياسية

روضة الحاج
روضة الحاج
TT

الشاعرة السودانية روضة الحاج: الجائحة فرضت «حالة كونية» سيعبّر عنها الأدب بطريقته

روضة الحاج
روضة الحاج

اشتهرت الشاعرة الإعلامية السودانية روضة الحاج أكثر ما اشتهرت، بصفتها شاعرة، بقصيدتها «بلاغ امرأة عربية» التي ألقتها في برنامج «أمير الشعراء» الذي يقدمه تلفزيون أبوظبي، والذي فازت بإحدى مراتبه، وأُطلق عليها لقب «أميرة الشعراء». وكانت روضة الحاج الشاعرة الوحيدة التي نافست الشعراء العرب في جائزة «سوق عكاظ»، وفازت في دورة عام 2012 بالجائزة، وارتدت بردة «شاعر عكاظ»، واختيرت من بين 35 شاعراً من 8 دول عربية.
وأصدرت روضة الحاج مجموعة من الدواوين، منها: «عش القصيد»، و«في الساحل يعترف القلب»، و«مدن المنافي»، و«للحلم جناح واحد»، و«ضوء لأقبية السؤال»، و«قصائد كأنها ليست لي».
وكانت قد اختيرت وزيرة للثقافة، إذ عينها الرئيس السوداني السابق عمر البشير وزيرة للثقافة والسياحة والتراث في آخر تعديل له في التشكيلة الحكومية، قبل عشرة أيام من إطاحته على يد الجيش السوداني... وهنا، لقاء معها عبر الهاتف:

> أولاً، في حالة الترقب والقلق العالمي من جائحة كورونا... هل هناك دور للشعر؟
- ما يحدث أمر معقد إنسانياً، وبالتالي فهو معقد شعرياً: فرض العزلة والتباعد الاجتماعي، وتجنب التواصل، والانغلاق على الذات، وتضييق خيارات البشر لأقصى حد ممكن، كلها تمثل حالة «كونية شعرية» سيعبر عنها الأدب بطريقته، سواء كان قصة أو رواية أو مسرحاً أو شعراً أو غير ذلك.
> كيف تعاملت بصفتك شاعرة أديبة مع العزلة التي فرضتها جائحة كورونا؟ وما تأثيرها عليك بصفتك كاتبة؟
- لطالما أحببت العزلة، على الرغم من تصنيفي على أنني كائن اجتماعي جداً، لكنني كنت أعرف في قرارة نفسي أن هذه هي حقيقتي التي لم تتح لي طبيعة عملي واهتماماتي تجربتها على الإطلاق، فقد كنت منذ طفولتي «تحت الضوء»، بطريقة أو بأخرى، فمنذ السادسة من عمري وأنا أقدم طابور الصباح المدرسي. وقد تواصل هذا «الضوء» عبر عملي الإعلامي في الإذاعة والتلفزيون ومجلة السمراء (بنتي المدللة) ونشاطي الثقافي وحضوري في المشهد العام إجمالاً.
لكن توقي للعزلة لم يخمد يوماً. وعندما فرضت الجائحة بصرامة شديدة، خاصة في الأيام الأولى، شروط الحياة في ظلها، كان جانب مني سعيداً بذلك، مع خشيتي البشرية العادية من عواقب ذلك بالطبع. وقد أنجزت خلال هذه الفترة ديوانين، صدر أحدهما وسيصدر الآخر قريباً، وكتبت مسرحية شعرية (حرة غرناطة)، وأنجزت رواية، وأعمل خلال هذه الأيام على إنجاز الرواية الثانية.
> برأيك، أين موقع المرأة في خريطة الإبداع الشعري العربي اليوم؟
- المرأة موجودة، وبقوة. وأزعم أن الفترة الحالية هي أخصب فترات الإبداع النسوي في المجالات كافة. فالمجتمعات أصبحت أكثر تقبلاً وتصالحاً مع نتاجاتهن، وقد أسهمت النقلات الفكرية التي شهدها العالم العربي إلى حد كبير في توسيع مساحاتهن الضيقة، وفك كثير من القيود عن أقلامهن. وصاحب ذلك زيادة في حالة الوعي الجمعي العام الذي شمل المبدعات أنفسهن، فقد تجاوزن مرحلة التصادم والتمرد والعصيان بصفته نوعاً من رد الاعتبار، واندمجن في حركة التنوير والإبداع العامة بأقلام تشعر بالندية، وليس بعقدة النقص أو الرغبة في الانتقام، وأصبح بالإمكان الحديث عن ملامح مكتملة لمشروع نسوي إبداعي.
> هل تعتقدين أن لشعرك السياسي الذي رافق مسيرتك الأدبية دوراً في انتشارك الإعلامي؟
- لا أعتقد. وعموماً، قصائدي الوطنية والقومية قليلة جداً، مقارنة ببقية شعري، وأكثرها لم يصدر حتى الآن ولم يجمع أيضاً، بينما بقية شعري صدرت في 7 دواوين، وأستعد لإصدار الديوان الثامن قريباً إن شاء الله.
كما أن عملي الأساسي هو الإعلام، فقد شغلت وظيفة مذيعة ومعدة برامج بالإذاعة القومية السودانية والتلفزيون وقنوات أخرى، ووثقت وحاورت معظم المبدعين السودانيين على مدى سنوات وسنوات؛ أي بمعنى آخر كنت أنا من يقدم الآخرين من واقع عملي بصفتي محاورة أكثر من كوني ضيفة يحاورها الآخرون، وأفخر بأنني وثقت تجارب أهم الشعراء والأدباء السودانيين، وقدمت أول برنامج يستضيف الأدباء العرب والسودانيين، ويحاورهم عبر قناة الشروق الفضائية، بل حصلت على جائزة أفضل محاور من مهرجان القاهرة للإذاعات والتلفزيونات العربية.
> يبدو المشهد الثقافي بالسودان في حالة نكوص منذ سنوات طويلة... لأي سبب ترجعين ذلك؟
- أول وزارة تمت الإطاحة بها من قائمة الوزارات هي وزارة الثقافة التي ضغط المثقفون والأدباء على صناع القرار السياسي طويلاً لاعتمادها في السابق بصفتها وزارة مستقلة. وعلى الرغم من أن الشعب السوداني معروف بثقافته العالية، وحبه للأدب بشكل عام، وللشعر على وجه الخصوص، فقد لاحظ كثيرون ضعف النتاجات الأدبية المعبرة عما حدث من تغيير، مقارنة بثورة أكتوبر (تشرين الأول) 64 مثلاً، أو حتى أبريل (نيسان) 85. ويبدو أن السبب ضيق العيش، وصعوبة الحياة التي يكابدها السودانيون حالياً بمختلف قطاعاتهم، والتي ألقت بظلالها على كل شيء، بما في ذلك المشهد الثقافي والإبداعي.
> زرتِ المملكة العربية السعودية، وكنتِ أول امرأة تتلحف ببردة عكاظ... كيف وجدت بيئتها الأدبية ومشهدها الثقافي بشكل عام، ومكانة المرأة تحديداً؟
- المملكة من أغنى بلدان المنطقة ثقافياً، ولا غرو، فمن هنا بدأ كل شيء: الشعر والحداء والغناء والنشيد. والمتلقي السعودي متلقٍ مذهل جداً، يقدر الشعر ويحبه، ويعرف قيمته ويتجاوب معه. وفي الوقت الذي تصاب فيه أشجار الشعر في كثير من أنحاء العالم العربي بالعطش وتساقط الأوراق والتصحر والآفات، تزداد أشجار الشعر في المملكة خضرة وارتفاعاً، يدعم ذلك كليات آداب ذات ثقل معرفي عالٍ، وأقسام لغة عربية وأدب ونقد قوية البناء والمنهج، وملاحق ثقافية ومواقع على الشبكة وقنوات؛ كل هذه الأشياء تجعل من المملكة ميداناً راقياً للإبداع والثقافة والأدب.
أما المرأة السعودية، فهي حالة نادرة مبهرة من الذائقة النسوية المتميزة في التلقي والتفاعل الشعري والثقافي. وأنا بصدق مبهورة جداً بالمرأة السعودية المتذوقة المتفاعلة مع الشعر والأدب في المملكة، وأحد مفاخري الكبرى محبتهن لما أكتب، وتواصل قطاعات واسعة منهن معي دائماً.
> يبدو أن صوت قصيدتك «بلاغ امرأة عربية» أعلى من باقي قصائدك... كيف تفسرين ذلك؟
- ربما لأنها من أقدم نصوصي، فقد كتبتها في عشرينياتي، وكانت مفتاحاً سحرياً بحق قدمني إلى كل العواصم العربية، وأتاح لي القراءة في منصة واحدة مع كبار الشعراء السودانيين والعرب، كذلك كانت هذه القصيدة محظوظة بحصولها على قراءات نقدية متنوعة من نقاد كبار.
> ما علاقتك بوسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل ترين مثل هذه العلاقة تؤثر على النشاط الأدبي؟
- وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت واقعاً لا نستطيع إلا التعاطي معه، ولكني أؤمن جداً بالاعتدال، وهو ما أمارسه معها. فمثلاً، صفحتي على «فيسبوك» يتابعها كثير من محبي الشعر في السودان والعالم العربي وأفريقيا، ويمثل تفاعلهم مع ما أكتب قيمة مهمة جداً، وكذلك الأمر بالنسبة لـ«تويتر» وبقية المنصات. والتواصل مع الجمهور بشكل مباشر مهم، ولكنه قد يتحول إلى عائق إذا لم نحسن إدارته بشكل جيد، وهذا ما أحاوله.
> ماذا لو استمرت روضة الحاج وزيرة للثقافة؟ ماذا كنتِ ستفعلين للثقافة والمثقفين السودانيين؟
- توليت لعامين (2016 - 2018) منصب نائب رئيس لجنة الشباب والرياضة والثقافة والإعلام والسياحة بالبرلمان السوداني (بدرجة وزيرة دولة)، وأتاح لي هذا التكليف الإشراف المباشر على ملفي الثقافة والسياحة تحديداً، والاطلاع على أداء هاتين الوزارتين (قبل دمجهما لاحقاً) فيما يلي التشريعات والقوانين والميزانيات المالية والمشاريع المستقبلية والمشكلات الأساسية وغير ذلك، وكانت تلك هي (الإضافة العملية) لصلاتي السابقة من واقع كوني فاعلة ثقافية بشكل عام.
ولو قدر الله لي الاستمرار، لوددت (تجريب الوصفة الثقافية) لتكون حلاً للمعضلات السياسية المزمنة في بلادنا، وذلك بإحسان إدارة التنوع الثقافي بصفته مصدراً للقوة، وليس الضعف، وتفعيل مبدأ (الاحترام الثقافي)، بصفته بديلاً (للاستعلاء الثقافي)، وذلك ببناء جسور للتواصل الثقافي والإبداعي مع محيطنا العربي والأفريقي، وإبراز ميزتنا بصفتنا بلداً يجمع الثقافتين العربية والأفريقية.
وكنت سأكمل ما بدأته من مشاريع فردية للتعريف والتوثيق للمبدعين السودانيين في شتى المجالات، وجعل (المكتبة الوطنية) معلماً من معالم الخرطوم، وملء المدن بالنصب التذكارية للرموز الكبيرة، وإعادة الحياة للمجلات الثقافية والجمعيات الأدبية والمسرح المدرسي، بالتعاون مع وزارة التربية، ونفض الغبار عن تجارب الكبار، وتكريم سيرهم، وإنشاء مدينة الثقافة السودانية، وكثير من الأفكار التي آمل أن يهيئ الله لبلادنا من يقوم بها أو بأفضل منها، من المهمومين والمؤمنين بالفعل الثقافي.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.