الشاعرة السودانية روضة الحاج: الجائحة فرضت «حالة كونية» سيعبّر عنها الأدب بطريقته

وزيرة الثقافة السابقة تقول إنها أرادت تجريب «الوصفة الثقافية» لحل المعضلات السياسية

روضة الحاج
روضة الحاج
TT

الشاعرة السودانية روضة الحاج: الجائحة فرضت «حالة كونية» سيعبّر عنها الأدب بطريقته

روضة الحاج
روضة الحاج

اشتهرت الشاعرة الإعلامية السودانية روضة الحاج أكثر ما اشتهرت، بصفتها شاعرة، بقصيدتها «بلاغ امرأة عربية» التي ألقتها في برنامج «أمير الشعراء» الذي يقدمه تلفزيون أبوظبي، والذي فازت بإحدى مراتبه، وأُطلق عليها لقب «أميرة الشعراء». وكانت روضة الحاج الشاعرة الوحيدة التي نافست الشعراء العرب في جائزة «سوق عكاظ»، وفازت في دورة عام 2012 بالجائزة، وارتدت بردة «شاعر عكاظ»، واختيرت من بين 35 شاعراً من 8 دول عربية.
وأصدرت روضة الحاج مجموعة من الدواوين، منها: «عش القصيد»، و«في الساحل يعترف القلب»، و«مدن المنافي»، و«للحلم جناح واحد»، و«ضوء لأقبية السؤال»، و«قصائد كأنها ليست لي».
وكانت قد اختيرت وزيرة للثقافة، إذ عينها الرئيس السوداني السابق عمر البشير وزيرة للثقافة والسياحة والتراث في آخر تعديل له في التشكيلة الحكومية، قبل عشرة أيام من إطاحته على يد الجيش السوداني... وهنا، لقاء معها عبر الهاتف:

> أولاً، في حالة الترقب والقلق العالمي من جائحة كورونا... هل هناك دور للشعر؟
- ما يحدث أمر معقد إنسانياً، وبالتالي فهو معقد شعرياً: فرض العزلة والتباعد الاجتماعي، وتجنب التواصل، والانغلاق على الذات، وتضييق خيارات البشر لأقصى حد ممكن، كلها تمثل حالة «كونية شعرية» سيعبر عنها الأدب بطريقته، سواء كان قصة أو رواية أو مسرحاً أو شعراً أو غير ذلك.
> كيف تعاملت بصفتك شاعرة أديبة مع العزلة التي فرضتها جائحة كورونا؟ وما تأثيرها عليك بصفتك كاتبة؟
- لطالما أحببت العزلة، على الرغم من تصنيفي على أنني كائن اجتماعي جداً، لكنني كنت أعرف في قرارة نفسي أن هذه هي حقيقتي التي لم تتح لي طبيعة عملي واهتماماتي تجربتها على الإطلاق، فقد كنت منذ طفولتي «تحت الضوء»، بطريقة أو بأخرى، فمنذ السادسة من عمري وأنا أقدم طابور الصباح المدرسي. وقد تواصل هذا «الضوء» عبر عملي الإعلامي في الإذاعة والتلفزيون ومجلة السمراء (بنتي المدللة) ونشاطي الثقافي وحضوري في المشهد العام إجمالاً.
لكن توقي للعزلة لم يخمد يوماً. وعندما فرضت الجائحة بصرامة شديدة، خاصة في الأيام الأولى، شروط الحياة في ظلها، كان جانب مني سعيداً بذلك، مع خشيتي البشرية العادية من عواقب ذلك بالطبع. وقد أنجزت خلال هذه الفترة ديوانين، صدر أحدهما وسيصدر الآخر قريباً، وكتبت مسرحية شعرية (حرة غرناطة)، وأنجزت رواية، وأعمل خلال هذه الأيام على إنجاز الرواية الثانية.
> برأيك، أين موقع المرأة في خريطة الإبداع الشعري العربي اليوم؟
- المرأة موجودة، وبقوة. وأزعم أن الفترة الحالية هي أخصب فترات الإبداع النسوي في المجالات كافة. فالمجتمعات أصبحت أكثر تقبلاً وتصالحاً مع نتاجاتهن، وقد أسهمت النقلات الفكرية التي شهدها العالم العربي إلى حد كبير في توسيع مساحاتهن الضيقة، وفك كثير من القيود عن أقلامهن. وصاحب ذلك زيادة في حالة الوعي الجمعي العام الذي شمل المبدعات أنفسهن، فقد تجاوزن مرحلة التصادم والتمرد والعصيان بصفته نوعاً من رد الاعتبار، واندمجن في حركة التنوير والإبداع العامة بأقلام تشعر بالندية، وليس بعقدة النقص أو الرغبة في الانتقام، وأصبح بالإمكان الحديث عن ملامح مكتملة لمشروع نسوي إبداعي.
> هل تعتقدين أن لشعرك السياسي الذي رافق مسيرتك الأدبية دوراً في انتشارك الإعلامي؟
- لا أعتقد. وعموماً، قصائدي الوطنية والقومية قليلة جداً، مقارنة ببقية شعري، وأكثرها لم يصدر حتى الآن ولم يجمع أيضاً، بينما بقية شعري صدرت في 7 دواوين، وأستعد لإصدار الديوان الثامن قريباً إن شاء الله.
كما أن عملي الأساسي هو الإعلام، فقد شغلت وظيفة مذيعة ومعدة برامج بالإذاعة القومية السودانية والتلفزيون وقنوات أخرى، ووثقت وحاورت معظم المبدعين السودانيين على مدى سنوات وسنوات؛ أي بمعنى آخر كنت أنا من يقدم الآخرين من واقع عملي بصفتي محاورة أكثر من كوني ضيفة يحاورها الآخرون، وأفخر بأنني وثقت تجارب أهم الشعراء والأدباء السودانيين، وقدمت أول برنامج يستضيف الأدباء العرب والسودانيين، ويحاورهم عبر قناة الشروق الفضائية، بل حصلت على جائزة أفضل محاور من مهرجان القاهرة للإذاعات والتلفزيونات العربية.
> يبدو المشهد الثقافي بالسودان في حالة نكوص منذ سنوات طويلة... لأي سبب ترجعين ذلك؟
- أول وزارة تمت الإطاحة بها من قائمة الوزارات هي وزارة الثقافة التي ضغط المثقفون والأدباء على صناع القرار السياسي طويلاً لاعتمادها في السابق بصفتها وزارة مستقلة. وعلى الرغم من أن الشعب السوداني معروف بثقافته العالية، وحبه للأدب بشكل عام، وللشعر على وجه الخصوص، فقد لاحظ كثيرون ضعف النتاجات الأدبية المعبرة عما حدث من تغيير، مقارنة بثورة أكتوبر (تشرين الأول) 64 مثلاً، أو حتى أبريل (نيسان) 85. ويبدو أن السبب ضيق العيش، وصعوبة الحياة التي يكابدها السودانيون حالياً بمختلف قطاعاتهم، والتي ألقت بظلالها على كل شيء، بما في ذلك المشهد الثقافي والإبداعي.
> زرتِ المملكة العربية السعودية، وكنتِ أول امرأة تتلحف ببردة عكاظ... كيف وجدت بيئتها الأدبية ومشهدها الثقافي بشكل عام، ومكانة المرأة تحديداً؟
- المملكة من أغنى بلدان المنطقة ثقافياً، ولا غرو، فمن هنا بدأ كل شيء: الشعر والحداء والغناء والنشيد. والمتلقي السعودي متلقٍ مذهل جداً، يقدر الشعر ويحبه، ويعرف قيمته ويتجاوب معه. وفي الوقت الذي تصاب فيه أشجار الشعر في كثير من أنحاء العالم العربي بالعطش وتساقط الأوراق والتصحر والآفات، تزداد أشجار الشعر في المملكة خضرة وارتفاعاً، يدعم ذلك كليات آداب ذات ثقل معرفي عالٍ، وأقسام لغة عربية وأدب ونقد قوية البناء والمنهج، وملاحق ثقافية ومواقع على الشبكة وقنوات؛ كل هذه الأشياء تجعل من المملكة ميداناً راقياً للإبداع والثقافة والأدب.
أما المرأة السعودية، فهي حالة نادرة مبهرة من الذائقة النسوية المتميزة في التلقي والتفاعل الشعري والثقافي. وأنا بصدق مبهورة جداً بالمرأة السعودية المتذوقة المتفاعلة مع الشعر والأدب في المملكة، وأحد مفاخري الكبرى محبتهن لما أكتب، وتواصل قطاعات واسعة منهن معي دائماً.
> يبدو أن صوت قصيدتك «بلاغ امرأة عربية» أعلى من باقي قصائدك... كيف تفسرين ذلك؟
- ربما لأنها من أقدم نصوصي، فقد كتبتها في عشرينياتي، وكانت مفتاحاً سحرياً بحق قدمني إلى كل العواصم العربية، وأتاح لي القراءة في منصة واحدة مع كبار الشعراء السودانيين والعرب، كذلك كانت هذه القصيدة محظوظة بحصولها على قراءات نقدية متنوعة من نقاد كبار.
> ما علاقتك بوسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل ترين مثل هذه العلاقة تؤثر على النشاط الأدبي؟
- وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت واقعاً لا نستطيع إلا التعاطي معه، ولكني أؤمن جداً بالاعتدال، وهو ما أمارسه معها. فمثلاً، صفحتي على «فيسبوك» يتابعها كثير من محبي الشعر في السودان والعالم العربي وأفريقيا، ويمثل تفاعلهم مع ما أكتب قيمة مهمة جداً، وكذلك الأمر بالنسبة لـ«تويتر» وبقية المنصات. والتواصل مع الجمهور بشكل مباشر مهم، ولكنه قد يتحول إلى عائق إذا لم نحسن إدارته بشكل جيد، وهذا ما أحاوله.
> ماذا لو استمرت روضة الحاج وزيرة للثقافة؟ ماذا كنتِ ستفعلين للثقافة والمثقفين السودانيين؟
- توليت لعامين (2016 - 2018) منصب نائب رئيس لجنة الشباب والرياضة والثقافة والإعلام والسياحة بالبرلمان السوداني (بدرجة وزيرة دولة)، وأتاح لي هذا التكليف الإشراف المباشر على ملفي الثقافة والسياحة تحديداً، والاطلاع على أداء هاتين الوزارتين (قبل دمجهما لاحقاً) فيما يلي التشريعات والقوانين والميزانيات المالية والمشاريع المستقبلية والمشكلات الأساسية وغير ذلك، وكانت تلك هي (الإضافة العملية) لصلاتي السابقة من واقع كوني فاعلة ثقافية بشكل عام.
ولو قدر الله لي الاستمرار، لوددت (تجريب الوصفة الثقافية) لتكون حلاً للمعضلات السياسية المزمنة في بلادنا، وذلك بإحسان إدارة التنوع الثقافي بصفته مصدراً للقوة، وليس الضعف، وتفعيل مبدأ (الاحترام الثقافي)، بصفته بديلاً (للاستعلاء الثقافي)، وذلك ببناء جسور للتواصل الثقافي والإبداعي مع محيطنا العربي والأفريقي، وإبراز ميزتنا بصفتنا بلداً يجمع الثقافتين العربية والأفريقية.
وكنت سأكمل ما بدأته من مشاريع فردية للتعريف والتوثيق للمبدعين السودانيين في شتى المجالات، وجعل (المكتبة الوطنية) معلماً من معالم الخرطوم، وملء المدن بالنصب التذكارية للرموز الكبيرة، وإعادة الحياة للمجلات الثقافية والجمعيات الأدبية والمسرح المدرسي، بالتعاون مع وزارة التربية، ونفض الغبار عن تجارب الكبار، وتكريم سيرهم، وإنشاء مدينة الثقافة السودانية، وكثير من الأفكار التي آمل أن يهيئ الله لبلادنا من يقوم بها أو بأفضل منها، من المهمومين والمؤمنين بالفعل الثقافي.



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».