انقسام مناطقي وطائفي عراقي حول «مظاهرات الأنبار»

جماعات «تشرين» نأت بنفسها عن التحرك

جانب من احتجاجات عراقيين في الرمادي ودعواتهم لاطلاق سراح المعتقلين (أ.ف.ب)
جانب من احتجاجات عراقيين في الرمادي ودعواتهم لاطلاق سراح المعتقلين (أ.ف.ب)
TT

انقسام مناطقي وطائفي عراقي حول «مظاهرات الأنبار»

جانب من احتجاجات عراقيين في الرمادي ودعواتهم لاطلاق سراح المعتقلين (أ.ف.ب)
جانب من احتجاجات عراقيين في الرمادي ودعواتهم لاطلاق سراح المعتقلين (أ.ف.ب)

بدا جلياً، خلال اليومين الأخيرين، أن التحرك الذي قاده الناشط ضرغام ماجد الذي يتحدر من محافظة بابل للتظاهر، أول من أمس، في محافظة الأنبار، معقل رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، أحدث انقساماً هائلاً، لا على مستوى الجماعات المحسوبة على حراك «تشرين» وحسب، إنما على مستويات مناطقية وطائفية وسياسية أكثر خطورة.
فالخطوة التي بدت طبيعية بالنسبة للمتحمسين للتظاهر من أبناء الوسط والجنوب بـ«اعتبار أن بلادهم كلها ساحة للتظاهر»، وضمنها محافظة الأنبار، نظر إليها الرافضون من زاوية أخرى ليس أقلها «إثارة الفتنة والنعرات الطائفية والمناطقية».
«تظاهرات الأنبار» التي لم يُكتب لها النجاح لمنع دخول المتظاهرين عند سيطرة «الصقور» الأمنية في مدخل المحافظة الجنوبي، أثارت وتثير كثيراً من اللغط والتعليقات المناهضة والمؤيدة والنظر إليها من زوايا غاية في التعقيد والحدة تبعاً للسياق والمصلحة التي انطلق منها المفسرون. ولعل من البديهي القول إن التظاهرات لو خُطّط لها الخروج في محافظات وسط وجنوب البلاد ذات الأغلبية الشيعية لما أثارت كل هذا الجدل، باعتبار أن تلك المحافظات كانت المعقل الرئيسي لاحتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019. أما مع محاولة خروجها في محافظة الأنبار غرب البلاد ذات الأغلبية السنية، التي لم تلتحق فيما سبق بمظاهرات «تشرين»، فالأمر مدعاة لإثارة أكثر من علامة استفهام وتساؤل.
الأوساط القريبة من أجواء المتظاهرين تؤكد أن ما دفعهم لذلك، حديث كان قد أدلى به رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، في جلسة للبرلمان، الشهر الماضي، انتقد ضمناً عمليات الحرق التي قام بها بعض المتظاهرين في مدن الجنوب، وتساءل عن مغزى التعامل بازدواجية مع أبناء المناطق السنية ونظرائهم في المناطق الشيعية، حيث قال الحلبوسي: «لماذا يحاسب ابن المحافظات السنية إن قام بإحراق بعض البنايات، بحيث تتحرك أجهزة الدولة لاعتقاله، فيما لا تعتقل غيره (في إشارة إلى المتظاهرين الشيعة)، لماذا يحكم هذا (السني) وفق المادة 4 إرهاب، ولا يقال لهذا (الشيعي) ليس على عينك حاجب؟!».
وتقول تلك الأوساط إن التحرك الجديد أراد إثبات أن المتظاهرين في الوسط والجنوب يتحركون في طوال ومناطق البلاد وعرضها، ويمكن أن يقدموا المساعدة لنظرائهم من أبناء الأنبار في حال أرادوا التظاهر ضد الفساد ونقص الخدمات وغير من المطالب التي يجمع عليها معظم المواطنين في العراق.
أما الأوساط الرافضة، التي تمثلها الاتجاهات القريبة من تحالف «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي وبقية الأطراف المستفيدة من أوضاع محافظة الأنبار القائمة، فترى في «المظاهرات العابرة للحدود» محاولة لإثارة الفتنة، التي سبق أن أثيرت في الأعوام 2013 - 2014 في المحافظة، وأدت إلى الصعود المدوي لتنظيم «داعش» وسيطرته على الأنبار ومحافظات أخرى، كما تلمح وأحياناً تصرح إلى الأيادي الخفية لخصومهم في تحالف «العزم» بزعامة خميس الخنجر وعضوية «الحزب الإسلامي»، لإرباك أوضاع المحافظة، وضعضعة حظوظ تحالف «تقدم»، في معقله الرئيسي بمحافظة الأنبار في الانتخابات العامة المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
والى جانب الأطراف المؤيدة والمناهضة لفكرة المظاهرات في الأنبار، يلح طرف ثالث بالسؤال عن مغزى حرمان مواطني ثلاثة محافظات رئيسية هي: الأنبار وصلاح الدين ونينوى (ذات الأغلبية السكانية السنية) من حقهم الدستوري في التظاهر شأن بقية محافظات وسط وجنوب البلاد (ذات الأغلبية الشيعية)، حتى تبدو صورة البلاد اليوم وكأن حق التظاهر الدستوري مكفول لمكون دون غيره. وغالباً ما تأتي الإجابة التقليدية على ذلك بذريعة أن احتجاجات عام 2013 في المحافظات السنية أدت إلى صعود «داعش»، غير أن كثيراً من المراقبين المحليين يدركون أن الأمر يتعدى حدود هذا الزعم، ويرون أن «القوى السياسية السنيّة النافذة في تلك المناطق تستخدم ذريعة (داعش) لقمع أي نشاط احتجاجي أو معارض هناك، يدعمها ويشد أزرها في ذلك القوى والفصائل المسلحة الشيعية النافذة في تلك المحافظات التي تناهض أصلاً احتجاجات وسط وجنوب البلاد»، ما يوحي بأن قمع مظاهرات المحافظات الغربية يصب في مصلحة الشخصيات والقوى السنية هناك، ووفر لها أرضية مثالية للتملص من إخفاقاتها وعدم محاسبتها شعبياً على الفساد والتجاوزات التي ترتكبها.
بدورها، نأت غالبية الاتجاهات التشرينية بنفسها من مظاهرات الأنبار، ورأت فيها تحركاً «غير مدروس أو مناسب ويسيء لسمعة المتظاهرين». واتهمت بعض الاتجاهات الناشط ضرغام ماجد الذي قاد التحرك، بالتورط في صراعات حزبية لأهداف انتخابية بين قوى السلطة، حتى وإن لم يدرك ذلك. وثمة من رأى أنه «لا يمثل (تشرين) بالنظر لاتجاهه شديد التأثر بالممارسات الدينية والمذهبية، خلافاً لمعظم توجهات (تشرين) المدينة والعلمانية».
وفي خضم التعليقات والجدل حول ما حدث، برزت وجهة نظر المنصات المرتبطة بالقوى والفصائل الموالية لإيران، التي كانت مناهضة لحراك «تشرين»، من بين أبرز الاتجاهات «المؤيدة والمنتقدة والساخرة» في الوقت ذاته بالنسبة للموقف من محاولة التظاهر في الأنبار؛ فالتأييد كان بهدف إحراج الأحزاب والزعامات السنية التي لم تتأثر بموجة الاحتجاجات التشرينية، مثلما حدث مع القوى والأحزاب والفصائل الشيعية التي أحرقت كثيراً من مقارها في وسط وجنوب البلاد، أما الانتقاد فقد وجهته جماعات إيران إلى جماعات الحراك التي عارضت مظاهرات الأنبار، فيما كانت وما زالت تدعم مظاهرات الوسط والجنوب، وانصبّت السخرية على عدم قدرة المتظاهرين على دخول الأنبار، فيما تمكنوا في أوقات سابقة من التجوال والتظاهر في الجنوب.
زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر المناهض لحراك «تشرين»، وجه انتقادات شديدة لمحاولة التظاهر في الأنبار، وكتب عبر تغريدة في «تويتر» أن «محاولة التظاهر في الأنبار من بعض الجهال إنما هي محاولة لإثارة الفتنة الطائفية ليتغذى عليها بعض الساسة الفاسدين».
وكتب عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان النائب السني ظافر العاني في «تويتر»: «الشباب القادمون من بابل للتظاهر في الأنبار ليتكم تتظاهرون داخل جرف الصخر من أجل معرفة مصير مغيبي الأنبار، ولإعادة إخوانكم مهجرين الجرف وهم أبناء محافظتكم، أم أن هذا الموضوع ليس من اختصاصكم؟».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.