فنزويلا أمام تجربة «تفاوضية ـ إنقاذية» ثالثة

النظام يستفيد من المناخ الإقليمي والدعم الروسي... والمعارضة منقسمة

فنزويلا أمام تجربة «تفاوضية ـ إنقاذية» ثالثة
TT

فنزويلا أمام تجربة «تفاوضية ـ إنقاذية» ثالثة

فنزويلا أمام تجربة «تفاوضية ـ إنقاذية» ثالثة

بدأت الحكومة الفنزويلية اليسارية والأحزاب المعارضة للنظام جولة جديدة من المفاوضات تهدف - وفقاً لتصريحات الطرفين - إلى إرساء القواعد التي تتيح، في مرحلة أولى، التخفيف من حدة الأزمة المعيشية التي تعيشها فنزويلا منذ سنوات، ومن ثم، الاتفاق على إطار مشترك لاستئناف الحوار السياسي يمهّد لانتخابات رئاسية وعامة تحظى بتوافق داخلي واعتراف إقليمي ودولي.
تأتي هذه الجولة الجديدة من المفاوضات التي تستضيفها المكسيك، بعد إخفاق الجولتين السابقتين في الجمهورية الدومينيكانية وباربادوس بوساطة نرويجية و«ضوء أخضر» من الولايات المتحدة. والمعروف أن لواشنطن الدور الأساسي في رفع العقوبات القاسية المفروضة على رموز النظام الفنزويلي، وهو أحد الشروط الرئيسية التي تطالب بها حكومة الرئيس نيكولاس مادورو لإحراز أي تقدّم في المفاوضات.
وفي المقابل، تعتبر أحزاب المعارضة العقوبات ورقة الضغط الأساسية على النظام لدفعه إلى التراجع عن القرارات التي اتخذها بغية تهميش القوى المعارضة والاستئثار بجميع مواقع السلطة التشريعية والقضائية.
كل التصريحات التي وردت على ألسنة الأطراف المعنيين بمفاوضات السلام الفنزويلية، بمن فيهم الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو، تعكس الاستعداد لخوضها بإيجابية وتفاؤل. وتعرب عن الرغبة في منع انزلاق فنزويلا إلى الدرك الأخير من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وفتح الأبواب على المغامرات الأمنية الداخلية والخارجية. بيد أن الأطراف نفسها لا تتردد في أحاديثها الداخلية عن التشكيك في صدق نوايا الطرف الآخر، وعن اعتقادها بأن الأسس التفاوضية لم تصل بعد إلى مرحلة كافية من النضوج. وبالتالي، من شأن التسرّع إفشال هذه الجولة الثالثة وسد الآفاق - داخلياً وخارجياً - أمام التوصل إلى حل سلمي للأزمة.
في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط» تقول أيقونة المعارضة دلسا سولورزانو: «علمتنا تجربة السنوات الماضية أن الإفراط في التفاؤل خطر فادح في فنزويلا. أنا أعتقد أن ثمّة مبالغة كبيرة في الآمال المعقودة على هذه المفاوضات... والتجارب السابقة علّمتنا الحذر».
سولورزانو تخشى أن تطغى المعركة الإعلامية، الدائرة منذ أيام حول جولة المفاوضات هذه، على جوهر المباحثات التي لا يخفى على أحد مدى صعوبتها وتعقيداتها غير المحدودة. وهي تذكّر بأن الجولات التفاوضية التي حققت نتائج ملموسة حتى الآن، هي تلك التي عقدت بعيداً عن الأضواء وخارج المزايدات الإعلامية.... وحقاً، أسفرت - مثلاً - عن الحصول على مساعدات غذائية وطبية وتوزيعها على السكان، والإفراج عن معتقلين سياسيين أو تشكيل «المجلس الانتخابي الوطني»، الذي كان من أهم مطالب المعارضة.
- حاجة مشتركة للحوار
ثمة أسباب تكتيكية قوية تدفع كلاً من أحزاب المعارضة والحكومة للعودة إلى طاولة المفاوضات. ذلك أن النظام يسعى إلى فك العزلة الدولية المفروضة عليه، والمعارضة تجهد لاستعادة المبادرة التي فقدتها منذ أشهر في الداخل. إلا أن التجارب السابقة علّمت الفنزويليين الحذر، وزادت المخاوف من عواقب الفشل الذي تراكم بعد الجولات التفاوضية التي كان يفقد فيها الطرفان المزيد من المصداقية بالتوازي مع اندفاع فنزويلا نحو المزيد من التشرذم والانهيار.
عام 2016 فشل الحوار الذي أجراه الطرفان برعاية مباشرة من الفاتيكان ومشاركة عدد من الرؤساء السابقين، بينهم الإسباني خوسيه لويس زاباتيرو، الذي أشرف لاحقاً على جولة المفاوضات التي أجريت في العاصمة الدومينيكانية سانتو دومينغو وانتهت بفشل ذريع أواخر عام 2018، وفي نهاية العام التالي، انهارت الجولة التفاوضية التي استضافتها باربادوس بوساطة النرويج التي كانت لعبت دوراً حاسماً في إنجاح المفاوضات التي أدت إلى توقيع اتفاق السلام التاريخي في كولومبيا. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه في حال إخفاق المفاوضات التي ستستضيفها المكسيك في التوصل إلى نتائج ملموسة، لن تتكرّر الفرصة لاستئناف الحوار قبل أواخر عام 2023 بعد إجراء الانتخابات الرئاسية، وبعد أن تكون صدقية الطرفين قد تدهورت إلى أدنى مستوياتها على الصعيدين الداخلي والخارجي.
- ثقل الدور المكسيكي
المتفائلون بالجولة الجديدة من المفاوضات التي يدخلها الطرفان في حال من الإنهاك والحاجة الملحّة للخروج بنتائج إيجابية، يعوّلون على الدور النشط الذي يلعبه الرئيس المكسيكي (اليساري المعتدل) آندريس مانويل لوبيز أوبرادور، علما بأنه سبق للدبلوماسية المكسيكية أن شاركت في جولة سانتو دومينغو على عهد الرئيس إنريكي بينيا نييتو. ونظراً لدور المكسيك الدبلوماسي الوازن في المنطقة، ورعايتها العديد من المباحثات والمفاوضات الناجحة في أميركا الوسطى، فإنها تحظى بثقة طرفي النزاع في الأزمة الفنزويلية. أكثر من هذا، فإنها كانت فد تحاشت الاعتراف بشرعية «الرئيس الفنزويلي المؤقت» خوان غوايدو، مع أنها في المقابل استضافت عدداً من زعماء المعارضة وساهمت في الإفراج عن بعضهم وإخراجه من البلاد. ويضاف إلى ذلك كله أنها تعاونت مع شبكة من الوسطاء والشركات التي ساعدت على مبادلة النفط الفنزويلي وبيعه في الأسواق الدولية خرقاً للحصار الأميركي المفروض على نظام مادورو.
وتفيد أوساط متابعة لجولات المفاوضات بين الحكومة الفنزويلية وأحزاب المعارضة أن المباحثات التي مهّدت لهذه الجولة أجريت تحت إشراف النرويج، بينما تولّت المكسيك مهمة التواصل مع الولايات المتحدة لضمان دعمها واستعدادها لتيسير الحوار بين الطرفين. وتنطلق المكسيك في وساطتها من موقعها الإقليمي التقليدي والرغبة التي أظهرتها أخيراً في مناسبات عدة لاستعادة هذا الدور، وأيضا من إدراكها أن أي مفاوضات بين طرفي النزاع لا يمكن أن يكتب لها النجاح من دون بركة واشنطن وموافقتها على نتائجها. فواشنطن وحدها تستطيع رفع العقوبات عن النظام الفنزويلي ورموزه، كما أن المعارضة لا يمكن أن تقبل بأي نتيجة لا توافق عليها الإدارة الأميركية.
إلا أن حكومة مادورو حرصت خلال الفترة الأخيرة على التأكيد بأنها لم تعُد تعتبر رفع العقوبات الأميركية من البنود الأساسية في المفاوضات، والادعاء أنها تمكّنت من «التكيّف والتعايش مع هذه العقوبات» بفضل الدعم الذي تؤمنه لها دول حليفة مثل الصين وروسيا، فضلاً عن تنامي الضغوط التي تمارسها على إدارة جو بايدن الشركات الأميركية التي كانت تتعامل في السابق مع النظام الفنزويلي. ويذكر هنا أن الإدارة الأميركية الحالية جدّدت دعمها لخوان غوايدو واعترافها به كزعيم للمعارضة التي تنصبّ عليها التدابير القمعية لنظام مادورو الذي اعتقل العديد من قياداتها في الأشهر المنصرمة. ومن المتوقّع أن تتشدّد إدارة بايدن مزيداً في سياستها تجاه النظام الفنزويلي، على غرار ما فعلته أخيراً مع النظام الكوبي، لا سيما، مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس... وذلك لاستقطاب أصوات الجاليات الأميركية اللاتينية في الولايات حيث ترجّح هذه الأصوات كفّة الفوز لصالح الديمقراطيين أو الجمهوريين.
- البنود المطروحة للتفاوض
تفيد مصادر المعارضة الفنزويلية بأن الملاحقات القضائية ضد قيادات المعارضة والإفراج عن المعتقلين السياسيين وتحديد جدول زمني للانتخابات الرئاسية والعامة، ستكون في طليعة البنود التي ستناقش في المفاوضات، التي ستجرى وفقاً للصيغة التي اعتمدها الطرفان في الجولات السابقة. أي عقد اجتماعات في المكسيك، تعقبها عودة الوفود المفاوضة إلى الجهة التي تمثلها، من أجل مناقشة حصيلة كل مرحلة. ومن ثم استئناف المفاوضات لتثبيت النتائج المحرزة. ويتوقع أن يقود الوفد الحكومي المفاوض رئيس الجمعية الوطنية خورخي رودريغيز المقرّب من مادورو، بينما يضم وفد الأحزاب المعارضة كارلوس فيكيو وخيراردو بليدي وتوماس غوانيبا... الذين يختلفون عن خوان غوايدو بمعارضتهم أي تدخل عسكري أميركي في المواجهة ضد نظام كاراكاس.
أما بالنسبة إلى الجدول الزمني للانتخابات، فلم يتبقّ أمام المعارضة في هذه المرحلة سوى الانتخابات الإقليمية التي ستجرى أواخر العام الجاري لاستعادة رصيدها السياسي على الصعيد الداخلي، بعدما رفضت خوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة بحجة «عملية تزوير نفذها النظام».
وفي حين أجرى الحزب الحاكم انتخابات أولية نهاية الأسبوع الماضي لاختيار مرشّحيه في الانتخابات الإقليمية والبلدية المقرّرة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بمشاركة ضئيلة لم تتجاوز 17 في المائة من المنتسبين، لم تحسم أحزاب المعارضة بعد قرارها من المشاركة في هذه الانتخابات بانتظار نتائج مفاوضات المكسيك، وذلك لكونها تطالب «بضمانات لشفافية العملية الانتخابية» والإفراج عن المعتقلين السياسيين ورفع العقوبات التي تحول دون مشاركتهم في الانتخابات. وكانت أحزاب المعارضة التي تشكّل الكتلة المؤيدة لغوايدو قد أعربت أخيراً عن رغبتها في خوض الانتخابات المقبلة إذا توفّرت الضمانات الكافية لشفافيتها. ونشير هنا إلى أن المعارضة التي خاضت الجولات التفاوضية السابقة منقسمة حول العديد من الملفات وطرائق مقاربتها - أو في أحسن الأحوال حول ترتيب الأولويات - تذهب إلى هذه الجولة أيضا في ظروف من التوتر بين أطيافها. فالفريق المدعوم من واشنطن، الذي يتزعمه خوان غوايدو و«عرّابه السياسي» ليوبولدو لوبيز - الذي فرّ أخيراً من السفارة الإسبانية حيث لجأ بعد فشل محاولة انقلابية في العام 2019 - يشترط للمشاركة في المفاوضات إدراج بند لوضع جدول زمني انتخابي يتوّج بانتخابات رئيس جديد للجمهورية. لكن النظام، من جانبه، يتطلع إلى اعتراف إقليمي ودولي بشرعية الانتخابات المحلية التي ستجرى أواخر العام الجاري، وذلك لاستعادة اعتراف الأسرة الدولية التي ما زالت ترفض إضفاء الشرعية على الانتخابات والخطوات التي أقدم عليها خلال السنوات الثلاث المنصرمة.
- معارضة منقسمة أمام النظام
ويكرّر النظام من جهته منذ أسابيع استعداده الكامل للذهاب في أي لحظة إلى المكسيك، والمباشرة في التفاوض وفقاً لجدول أعمال مفتوح ومن غير شروط مسبق، الأمر الذي يرفع منسوب الضغط الذي تخضع له المعارضة بسبب من تجاذباتها الداخلية وتباعد المواقف بين أطيافها حول بنود أساسية في المفاوضات. وتقول وسائل الإعلام الموالية للنظام إن المعارضة تواجه المفاوضات على ثلاث جبهات: مع الحكومة، وبين أطيافها، ومع الولايات المتحدة صاحبة الكلمة الفصل في نهاية المطاف. هذا، وكانت الحكومة الكولومبية قد واجهت وضعاً مشابهاً إبان مفاوضاتها مع القوى الثورية المسلحة، حيث كان الانقسام حاداً بين الأحزاب التي تساندها، لدرجة أنها كانت مضطرة للعودة إلى واشنطن عند كل خطوة للحصول على موافقتها.
ولكن رغم التباين بين الحالتين الكولومبية والفنزويلية، فإن ثمّة قاسما مشتركاً بينهما، هو الطابع الملحّ لهذه المفاوضات التي لم تعد تحتمل المزيد من الفشل في ظروف الانهيار الاقتصادي والمعيشي التي تعيشها فنزويلا. ومن المستجدات التي تلفت الانتباه في هذه الجولة الجديدة من المفاوضات بين الحكومة الفنزويلية والمعارضة مشاركة روسيا فيها للمرة الأولى إلى جانب وفد النظام، بطلب من رئيسه نيكولاس مادورو، بينما يشارك وفد هولندي إلى جانب أحزاب المعارضة.
وصحيح أن الطرف الروسي يلعب دوراً أساسياً منذ سنوات في الأزمة الفنزويلية، لكن هذه الدور لم يتجاوز حتى الآن دائرة الدعم العسكري، دائما تحت مراقبة دقيقة من واشنطن. أما جلوس الوفد الروسي إلى طاولة المفاوضات الأسبوع المقبل في المكسيك، فإنه يشكّل خطوة متقدمة لفلاديمير بوتين نحو التدخل السياسي المباشر في منطقة محسوبة ضمن دائرة النفوذ الأميركي التقليدي التي تحرص واشنطن دائماً على عدم السماح لخصومها بالدخول إليها.
فمن ناحية، تشكّل هذه الخطوة تناظراً - وإن كان محدوداً - مع الوجود الدائم للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «ناتو» في دائرة نفوذ موسكو، بالذات في أوكرانيا. ثم إنها ترسّخ التقارب الروسي مع نظام شمولي يبني مسوّغات بقائه على العداء مع واشنطن، فضلاً عن طموح بوتين في أن يكون طرفاً في حل الأزمة الفنزويلية المديدة التي لا يخفى على أحد مدى تداعياتها الإقليمية.
هذا، وتفيد مصادر دبلوماسية مطلعة بأن مشاركة روسيا في المفاوضات تحققت بإلحاح من مادورو بعدما كان قد تمّ الاتفاق منذ أسابيع على مشاركة الأرجنتين، التي أبدت تقاربا واضحاً مع مواقف النظام الفنزويلي إثر وصول البيروني اليساري ألبرتو فرنانديز إلى الحكم. وللعلم، كانت الأرجنتين قد قرّرت الانسحاب من «مجموعة ليما» التي تتزعّمها واشنطن كجبهة إقليمية معارضة لنظام مادورو، وسحبت ملف الاتهامات الذي كانت حكومتها اليمينية السابقة قد قدّمته أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي للتحقيق بانتهاكات حقوق الإنسان المتهم بارتكابها نظام مادورو.
- أولويات موسكو في فنزويلا... و«جاراتها» اللاتينيات
> فتحت روسيا المتحالفة مع النظام الفنزويلي، أخيراً جبهة مواجهة مباشرة ضد النظام الكولومبي اليميني الذي يرأسه إيفان دوكي الخصم الرئيسي لمادورو في المنطقة. ويذكر أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان قد استدعى السفير الكولومبي أواخر مايو (أيار) الفائت للاحتجاج على تصريحات أدلى بها دوكي، وتضمنت اتهام موسكو بالوقوف وراء الاعتداءات السيبرانية المحرّضة على التظاهر ضد حكومته. ومعلوم أن السلطات الروسية لم تستدع يوماً السفير الأميركي في موسكو للاحتجاج على التصريحات العديدة المماثلة التي أدلى بها جو بايدن.
ولا يغيب عن بال أحد أن التحرّك الروسي في منطقة الكاريبي ما زال يدور حول الرحى الكوبية، وهو عاد لينشط مجدداً، بعد فترة من الانحسار عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، بالدعم الصريح الذي أعلنه بوتين بذاته للزعيم الكوبي ميغيل دياز كانيل وتحذيره الصريح من أي تدخل خارجي في الأزمة التي نشأت عن الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في الجزيرة.
وإلى جانب مثابرة موسكو على التمدد بهدوء في المنطقة عبر عقود لبيع الأسلحة وعرض خبراتها في مجال الطاقة النووية مع الأرجنتين والمكسيك، فإنها تنشط منذ فترة مع ظهور جائحة (كوفيد - 19) عبر «دبلوماسية اللقاحات» لمساعدة حلفائها في المنطقة، لكن الانتكاسات المتكررة التي واجهتها بدأت ترخي بظلال ثقيلة على فاعلية هذه الدبلوماسية. إذ كانت موسكو قد أعلنت عن بيع عشرة ملايين جرعة من لقاح «سبوتنيك» إلى فنزويلا، غير أن منظمة «أطباء بلا حدود» أعلنت الأسبوع الماضي عبر مكتبها في كاراكاس عن اضطرارها لوقف توزيع اللقاح الروسي لعدم وصول الدفعة الثانية الموعودة، وأن عدد الذين تلقوا الجرعة الأولى لا يتجاوز ثلاثة ملايين... ولا تأكيدات عن موعد وصول الجرعات الباقية.
انتكاسات مماثلة واجهت «دبلوماسية اللقاحات» الروسية أيضا في بوليفيا والأرجنتين ونيكاراغوا، لكن ذلك لم يمنع وزير الخارجية الروسي من أن يعلن الأسبوع الماضي لدى استقباله نظيره النيكاراغوي عن توقيع اتفاق لإنتاج لقاح «سبوتنيك» قريبا في نيكاراغوا بهدف توزيعه أيضا على بلدان المنطقة. ويذكر أن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو كان قد أعلن خلال مؤتمر دولي في موسكو أواخر الشهر الماضي «أن كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مساعدة موسكو لمواجهة التهديدات التي تتعرّض لها، بما فيها استخدام القوة العسكرية ضدها».
كل هذه التحركات تكشف نيّة موسكو في الضغط على واشنطن داخل منطقة نفوذها التقليدية، ردّاً على الضغوط الأميركية والأطلسية في مناطق نفوذ روسيا إبان السنوات الأخيرة. بيد أن افتقار الروس إلى القوة الاقتصادية والتجارية التي تتمتع بها الصين اللازمة لمدّ نفوذها وترسيخ حضورها على المسرح الدولي، دفع موسكو إلى استخدام أوراق السياسة والمساعدات الفنّية التي غالباً ما تكشف الصعوبات الكبيرة التي تواجهها لتحقيق أهدافها.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».